حكومة السودان //ضد// أ . ا . م . ا م ع/ ط ج/614/2009م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ محمــد علـي خليفـة
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد/ محمـد زمـراوي ناصـر
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمد خير
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// أ . ا . م . ا
م ع/ ط ج/614/2009م
قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م – الأداء العلني للمصنف – تحديده – خصوصية المكان أو الفئة – أثرها.
المبدأ:
لا يشترط في المكان الذي يظهر فيه المؤلف مصنفه أن يكون المكان عاماً مفتوحةً أبوابه للجميع ، بل قد يكون مكاناً خاصاً قاصراً على فئة معينة أو طبقة معينة دون غيرها وخصوصية المكان لا تنفي أحقية المؤلف في رفع الدعوى.
المحامون:
الأستاذ/ محمد محي الدين بابكر عن الدفاع
الحكــم
القاضي: محمد علي خليفة
التاريخ: 30/9/2009م
هذان طعنان بالنقض ضد الحكم الصادر من محكمة حقوق الملكية الفكرية العامة بالرقم/غ إ/32/2009م المؤيد بوساطة حكم محكمة الاستئناف الخرطوم بالرقم/أ س ج/تجاري/44/2009م .
الطعن الأول مقدم من مؤلف وملحن الأغنية المعتدى عليها الشاكي .
الأستاذ/ محمد نور الدائم أحمد ويدور محور طلبه باختصار فيما يلي:
1- المتهم اعتاد التغني بالأغنية وهي من كلماتي والحاني منذ 1971م .
2- المتهم سطا على الأغنية دون موافقتي .
3- قام المتهم بتشويه النص الشعري .
4- لما كانت الأغنية مشهورة ومسموعة اكتسب المتهم شهرة في بيوت الأعراس والحفلات داخل السودان وتجاوب الجمهور معه .
5- دليل الاتهام { C D } صوت وصورة.
6- المتهم استفاد من الأغنية مما سبب لي ضرراً وأصبحت مستهلكة .
7- سجلت الأغنيـة فـي أشرطة متاحـة للجميع وفي الكمبيوتر وجهازي M B 3 . M B 4 وصارت تذاع خلال هذه الأجهزة في الأسواق والبيوت والحافلات الخ .
8- لم تشر جميع هذه الأجهزة لشخصية المؤلف .
9- لم أتمكن من بيع الأغنية لتجار الكست لأنها اشتهرت بالمتهم .
10- قفلت المحكمة قضية الاتهام دون طلب مني ولدي شهود آخرين ارغب في سماعهم.
11- في أسباب المتهم المخففة للعقوبة ذكر أنه طالب جامعي ويعول أسرة وجل حفلاته خيرية ، في حيث أنه يقود عربة ((همر)) له حرس خاص ((Body gard )) ومدير أعمال وحافلة ((هايس)) لنقل أفراد الفرقة الموسيقية وآلاتها واجر فيلا لأسرته فكيف يكون فقيراً ؟!.
12- مطالبتي في التعويض عن الحق الأدبي والمادي وما فات من كسب ولا يكفي ما حكم به وطالبت بمبلغ مائتي ألف جنيه .
ويلتمس من محصلة طلبه إلغاء حكمي محكمة الموضوع والاستئناف وإعادة الأوراق لإعادة النظر بعد السماح له بتقديم كل شهوده واحتياطياً الحكم له بالتعويض مائتي ألف جنيه .
الطعن الثاني مقدم من الأستاذ/ محمد محي الدين بابكر .
1- ركز في أسباب الطعن على أن أداء المدان ليس أداءً علنياً ورجع لمؤلف الدكتورين عبد الرشيد مأمون ومحمد سامي بأن الأداء العلني هو ((أي عمل من شأنه إتاحة المصنف للجمهور من المشاهدين لا يكونون جماعة خاصة)).
2- يرى الأستاذ/ الغناء في الحفلات الخاصة ومناسبات الزواج ليس بأداء علني والسبب خصوصية المشاهدين .
3- يرى الأستاذ/ أن الأداء العلني المقصود به الأداء في المناسبات التجارية أي الحفلات العامة التي يتنادى لها الجمهور دون أن يربطهم ببعض أي رابط وفي مناطق مختلفة حتى لو كان الحفل مجاناً وأن العبرة بخصوصية المشاهدين.
4- يملك الطاعن إثارة أي دفع قانوني حتى ولم يثره أمام محكمة الموضوع ، وقول محكمة الاستئناف لا يجوز ذلك يخالف القانون .
5- الحقوق الأدبية للمؤلف واردة في نص المادة 8(أ ) على سبيل الحصر.
6- تقدير التعويض كان جزافاً دون بينة من الشاكي ودون تحديد ما فات من كسب المادة (25) من قانون حق المؤلف لسنة 1996م.
ويلتمس إلغاء حكمي الموضوع والاستئناف وشطب الدعوى.
الطلبان قدما في ميعادهما القانوني وفقاً لنص المادة {184} إجراءات جنائية ومن ذي مصلحة في معني المادة (183) فهما مقبولان شكلاً.
موضوعاً ولوحدة الموضوع ننظر في الطلبين معاً على النحو الآتي :-
أولاً: حق المؤلف هو مجموعة من القوانين التي تمنح المؤلفين والفنانين وغيرهم من المبدعين الحماية لما يبدعونه في مجال الأدب والفن ويشار إليه عامة باصطلاح ((المصنفات)) ولحق المؤلف علاقة وثيقة بمجال آخر من الحقوق المرتبطة به والمشار إليه باصطلاح ((الحقوق المجاورة)) التي تنطوي على حقوق مشابهة أو مطابقة للحقوق التي يكفلها نظام حق المؤلف وإن كان نطاقها أحياناً محدوداً أكثر من نطاق حق المؤلف ومدة سريانها اقصر.
وتستفيد الفئات التالية من المبدعين من الحقوق المجاورة:
1- فنَّانو الأداء (( مثل الممثلين والموسيقين )) في أدائهم.
2- منتجو التسجيلات الصوتية ((مثل شرائط الكاسيت والأقراص المدمجة في تسجيلاتهم)).
3- هيئات الإذاعة في برامجها الإذاعية والتلفزيونية وتشمل المصنفات المحمية بحق المؤلف ما يلي وعلى سبيل المثال لا الحصر .
- الروايات وقصائد الشعر.
- المسرحيات والمراجع والصحف.
- برامج الحاسوب وقواعد البيانات.
- الأفلام والمؤلفات الموسيقية.
- تصاميم الرقصات.
- الألواح الزيتية والرسوم.
- الصور الشمسية والمنحوتات.
- مصنفات الهندسة المعمارية.
- الإعلانات والخرائط والرسوم التقنية.
ويتمتع مبدعو المصنفات المحمية بحق المؤلف ومن يرثهم أو يخلفهم ويشار إليهم عامة باصطلاح ((أصحاب الحقوق)) ببعض الحقوق الأساسية بناءً على قانون حق المؤلف إذ لهم الحق الاستشاري في الانتفاع بالمصنف أو التصريح لِلآخر بالانتفاع به على شروط متفق عليها.
وبإمكان أصحاب الحقوق منع الأعمال التالية أو التصريح بها:
- استنساخ المصنف بكل الإشكال ومنها الطباعة والتسجيل الصوتي.
- أداء المصنف علناً ونقله للجمهور.
- إذاعة المصنف.
- ترجمة المصنف إلى لغات أخرى.
- وتحرير المصنف كتحويل رواية إلى سيناريو وتنطوي الحقوق المجاورة على حقوق مشابهة لحق المؤلف ومنها حق التثبيت التسجيل والاستنساخ.
انظر كتاب ما هي الملكية الفكرية – إصدارات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو).
وحيث إِنَّ الشاكي وفقاً لنص المادة (3) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م يشمله تعريف المؤلف وهو كل شخص طبيعي ابتكر المصنف وتم نشر المصنف ((النص الشعري زائد التأليف الموسيقي للحن)) تحت اسمه منسوباً إليه بأية طريقة من الطرق المتبعة في نسبة المصنفات لمؤلفيها وحيث إِنَّ الابتكار هو الأساس الذي تقوم عليه حماية القانون وهو الثمن الذي تشترى به هذه الحماية وليس النص من التراث أو فلكلور ملك للجميع . وحيث إِنَّ التسجيل للمصنف وفقاً لنص المادة (23) من القانون اختيارياً وهو ليس شرطاً للحماية وإنما دليل إثبات أي دليلاً على نشأة المصنف أو تأليفه إذا نشأ نزاع أو اتخذت إجراءات قانونية بشأنه وحيث إِنَّ المتهم لم يدفع أن النص الشعري ولا اللحن الموسيقي من ابتكار الشاكي فإن النص الشعري للقصيدة والتأليف الموسيقي للحن يحظى بالحماية القانونية ، فالحماية المقررة بموجب هذا القانون والاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف الموقعة في 6 سبتمبر لسنة 1952م ومعاهدة المنظمة العالمية للملكية الفكرية بشأن حق المؤلف سنة 1996م تقوم على حماية الابتكار . وفي هذا الصدد يقول دكتور بدوي طبانه في كتابه السرقات الأدبية..
بأن العمل على انتزاع الفكر من منشئها ومبدعها جناية لا تقل عن جناية سلب الأموال والمتاع من صاحبها ومالكها . وتؤكد على أن المقصود هنا لا يجب أن يكون كقاعدة عامة الفكرة المجردة وإنما الفكرة المبتكرة.
وبالتالي فإِنَّ أداء هذا المصنف علناً سواء في حفلة خاصة أو عامة بمقابل أو بدون مقابل ونقله للجمهور علماً بأن المصنف هو غنائي موسيقي فإن أداءَه بإرسال الصوت للجمهور بدون إذن وموافقة مبتكر النص الشعري وملحنه جريمة اعتداء على حق المؤلف بموجب المادة (8) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م مقروءة مع المادة (36) من ذات القانون .
ثانياً: لا يوجد نص في القانون الإجرائي يعطي المحكمة الحق في قفل قضية الاتهام إلا إذا طلب ممثل الشاكي أو الشاكي بنفسه قفل قضيته فيجب أن تتاح الفرصة كافية لطرفي الدعوى الاتهام والدفاع لعرض قضيته.
ثالثاً: بشأن التعويض سواء كان أدبياً أو مادياً فلا يحكم به تلقائياً لمجرد طلب الشاكي بل الشاكي خصم ومدعي خصومة ولا تقبل شهادة الإنسان لنفسه بل عليه أن يحدد ما هو نوع الضرر أولاً ، فالضرر قد يكون مادياً وهو ما يصيب المضرور في جسمه أو ماله ولا بد أن يمثل إخلالاً بمصلحة مالية وأن يكون محقق الوقوع بأن يكون قد وقع بالفعل أو أن وقوعه في المستقبل حتميُُّ فالضرر المستقبلي يجوز التعويض عنه أما الضرر المحتمل فهو غير محقق الوقوع في المستقبل ومن ثم لا يجوز التعويض عنه . أما الضرر الأدبي فهو الضرر الذي لا يمس الجسم ولكنه يصيب مصلحة غير مالية كالضرر الذي يصيب الشرف والاعتبار والعرض نتيجة القذف والسب والاعتداء على الكرامة.
وبالتالي المفروض أن يحدد الشاكي ما هو نوع الضرر الذي وقع عليه هل مادي أي ما فاته من كسب أو أدبي وليس هنالك ما يمنع من المطالبة بالتعويض عن الضررين الأدبي والمادي معاً ولكن التعويض عن الضرر الأدبي وهو لا يمثل خسارة مالية لا تمحوه أي تعويض مالي ولكن يقصد بالتعويض عنه أن يستحدث المضرور لنفسه بديلاً عما أصابه من الضرر الأدبي فالخسارة لا تزول ولكن يقوم إلى جانبها كسب يعوض عليها ، وليس هناك معيار لحصر أحوال التعويض عن الضرر الأدبي إذ كل ضرر يؤذي الإنسان في شرفه أو يصيب عاطفته وإحساسه ومشاعره يصلح لأن يكون محلاً للتعويض . وأنه يكفي في تقدير التعويض عن الضرر الأدبي أن يكون مواسياً للمضرور ويكفل رد اعتباره هو ما يتوفر بما يراه القاضي مناسباً في هذا الصدد تبعاً لواقع الحال والظروف المناسبة وذلك دون غلو في التقدير ولا إسراف ولو كان هذا التقدير ضئيلاً ما دام يرمز إلى الغاية منه ويحقق النتيجة المستهدفة به.
وبالتالي على الشاكي أن يوضح وأن يثبت ببينة خلافه كأن يحضر شهوداً من مؤلفي المصنفات أو الشعراء أو الفنانين أو أصحاب أجهزة الإنتاج الفني وخلافهم أن يحدد ما هي مسوغات وعناصر ومكونات التعويض بمائتي ألف جنيه ذلك لأن العناصر المكونة قانوناً للضرر والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض من مسائل القانون التي تخضع لرقابة المحكمة العليا ولكن إذا كان الضرر قد اثبت والعناصر المكونة للتعويض ومسوغاته وأسبابه وعلى أي أساس حدد هذا المبلغ ومدى معقوليته وكفايته لجبر الضررين الأدبي والمادي فإن المحكمة إذا حكمت بالتعويض بعد ثبوته بالبينة الكافية وكان مناسباً يجبر الضرر لا غلو فيه ولا إسراف فلا تتدخل هذه المحكمة بشأنه إلا إذا كان ضئيلاً لا يجبر الضرر أو مبالغاً فيه .عليه أرى أن تتاح الفرصة للشاكي لتقديم بينته المتبقي ، وبينته على طلب التعويض على أن تحصل الرسوم ما لم تَرَ المحكمة إعفاء طالب التعويض منها .
رابعاً: بخصوص العلنية ، لا يشترط في المكان الذي يظهر فيه المؤلف مصنفه أن يكون المكان عاماً مفتوحةً أبوابه للجميع بل قد يكون مكاناً خاصاً قاصراً على فئة معينة أو على طبقة معينة دون غيرها فخصوصية الاجتماع الذي يؤدي فيه المغني القصيدة واللحن الموسيقي لها لا تنفي أحقية المؤلف في رفع أي دعوى بسبب الاعتداء على حقوقه الأدبية مهما كانت الطريقة التي وقع بها الاعتداء ولا ينفي ذلك العلنية.
فنقل المصنف إلى الجمهور مباشرة سوى كان مجموعة خاصة بمقابل أو بدون مقابل وأداء النص بأي صورة بالتلاوة العلنية أو التوقيع الموسيقي وعرضه علناً أو إذاعته أو تسجيله أو بثه عبر مكبر صوت يدخل في معنى العلن كما أن للمؤلف وفقاً لنص المادة 8(أ ) أولاً بنقل المصنف ((أداء الأغنية بتلحينتها المبتكرة من المؤلف)) له الحق الأدبي والمالي ، فنطاق الحق المالي للمؤلف يكون بتناول نقل المصنف إلي الجمهور مباشرةً بالأداء العلني.
وحيث كان الأداء علنياً على الجمهور وللمؤلف وحده الحق في استغلاله ماليا ً، ولا يجوز لغيره مباشرة هذا الحق إلا بعد الحصول على إذن كتابي من صاحب حق الاستقلال المالي للمصنف الأصلي أو خلفائه ويتضمن الإذن طريقة ونوع ومدة الاستغلال فأننا نرى العلنية قد تحققت مع احترامنا للجهد المقدر لمقدم الطلب.
للمزيد: انظر كتاب حماية الملكية الفكرية د. عبد الحميد المنشاوي {ص36 ،37}.
عليه مما تقدم إذا وافق الزميلان أرى أن نأمر بما يلي :
1- إلغاء حكمي محكمة الملكية الفكرية العامة ومحكمة الاستئناف الخرطوم.
2- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لإتاحة الفرصة كاملة لطرفي الدعوى لتقديم بيَّنَتَيْهما.
3- يعاد النظر في التعويض الأدبي والمادي بعد أن يقدم الشاكي بينَتَهُ ويتاح للدفاع تقديم ما يدحض تلك البينة.
4- يخطر الأطراف.
القاضي: محمد زمراوي ناصر
التاريخ: 4/10/2009م
أوافق.
القاضي: الرشيد التوم محمد خير
التاريخ: 6/10/2009م
أوافق.
الأمر النهائي:
1- إلغاء حكمي محكمة الملكية الفكرية العامة ومحكمة الاستئناف الخرطوم.
2- إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإتاحة الفرصة الكاملة لطرفي الدعوى لتقديم ببَّناتَيْهما.
3- يعاد النظر في التعويض المادي والأدبي بعد أن يقدم الشاكي بينته وتتاح الفرصة للدفاع لتقديم بينة تدحض هذه البينة.
4- يخطر الأطراف
محمـد علــي خليفـة
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
6/10/2009م

