حكومة السودان ضد أبو القاسم محمد إبراهيم وآخرين
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ محمد حمزة الصديق قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان
ضد
1) أبو القاسم محمد إبراهيم
2) زين العابدين محمد احمد عبد القادر
3) خالد حسن عباس
4) مامون عوض أبو زيد
المبادئ:
قانون جنائي – خلو قانون العقوبات لسنة 1925 من نص يمنع محاكمة العسكريين –التمرد هو العصيان في مواجهة الرؤساء العسكريين أو السلطات المدنية للدولة
قانون جنائي –إثارة الحرب ضد الدولة –توفر علم المتهم بمؤدى الاتهام – ليس هناك خطأ أو إغفال مضلل أو ضار بالعدالة
قانون جنائي – شرعية الجرائم – لا عقوبة إلا بنص – خضوع الفعل الجنائي للعقوبة المقررة للقانون الذي ارتكب في ظله الفعل
3- ليس في قانون عقوبات سنة 1925 ما يحول دون محاكمة العسكريين بموجب المواد
المنصوص عليها فيه سواء كان التمرد في مواجهة الرؤساء العسكريين أو السلطات المدنية للدولة
2- إذا لم تبين ورقة الاتهام أن المتهمين أثاروا الحرب ضد الدولة وحاولوا أو حرضوا على ذلك لكنها صيغت بحيث أبانت الآثار التي ترتبت على فعلهم وهي هدم السلطة الشرعية التي كانت قائمة في البلاد وقت قيامهم بالفعل المجرم ومن ثم لم يكن هناك ما يؤدي إلى تضليل المتهمين أو إهدار العدالة كما أن ثبوت وقائع وعناصر الجريمة تحت المادة 96 يكفي للحكم بالإدانة
1- الفعل الذي يرتكب في ظل قانون عقابي معين يخضع لأحكام القانون الذي ارتكب في ظله الفعل ومن ثم فان إلغاء ذلك القانون لا يعفي الجاني من المسئولية الجنائية
المحامون :
عبد الباسط سبدرات
الحكــــم
التاريخ: 1/12/1987
القاضي /
في الحادي عشر من ديسمبر 1986م أدانت محكمة أمن الدولة المتهمين
1) أبو القاسم محمد إبراهيم
2) زين العابدين محمد احمد عبد القادر
3) خالد حسن عباس
4) مأمون عوض أبو زيد
بموجب التهم الموجهة إليهم تحت المواد 96 و 109 من قانون العقوبات لسنة 1925 والمادة 21(أ) من قانون القوات المسلحة لسنة 1957 ووقعت على كل منهم عقوبة السجن المؤبد اعتباراً من تاريخ الإدانة مع إصدار توصيتها بمعاملتهم معاملة خاصة كما قررت فصل محاكمة المتهمين الأول والثاني تحت المادة6 من قانون الثراء الحرام تاركة لجهة الاختصاص التقرير بشأنها حيث أنها كما قالت لم تكن صالحة للفصل فيها
وكان المتهمون قد قدموا للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة المشكلة طبقا للمادة 31 (2) من قانون أمن الدولة لسنة 1973 لمحاكمتهم بموجب التهم المرفقة بأمر تشكيل المحكمة تحت المواد المذكورة بتهمة انهم قاموا مع آخرين في صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969 بحركة عسكرية أطلقوا عليها اسم ثورة مايو تسلموا بموجبها مقاليد الحكم ولمدة ستة عشر عاما بعد أن أطاحوا بالحكومة الشرعية التي كانت قائمة في البلاد آنذاك وقد تبين من محضر المحاكمة أن المتهمين وزملائهم عملوا في الفترة السابقة لقيام تلك الحركة على التخطيط لقيامها وعقدوا من اجل ذلك الاجتماعات المتعددة تناولوا فيها الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وما صار إليه ذلك الوضع في تقديرهم من سوء وتردي يستوجب التغيير فبدأ تحركهم من خور عمر ونفذوا مخططهم وتم لهم ما أرادوا بإزالة السلطة المدنية الحاكمة واستلام الحكم بدلا عنها حتى أطاحت بهم ثورة رجب أبريل 1985م
رفعت إلينا أوراق المحاكمة للتأييد عملاً بالمادة 26 من أمر تشكيل المحكمة كما تقدم الأستاذ عبد الباسط سبدرات المحامي بطلب لفحص قرار المحكمة وقد استهله بما سماه فذلكة ليست تاريخية فحسب بل إضاءة جيوبوليتكية أو ما يعني الجغرافيا السياسية التي أفضت إلى تقديم المتهمين للمحاكمة الجنائية في اتهام جرته السياسة
ونبادر للقول بأن كثيراً مما جاء في تلك الفذلكة أو الإضاءة لا يدخل في اختصاصنا كسلطة مؤيدة أو استئنافية ذلك أن ما أنيط بنا هو التثبت من سلامة إجراءات المحاكمة ومدى توصلها إلى الإدانة والعقوبة بما يتوافق ومتطلبات القانون على أننا لن نهمل ما يستحق منا الوقوف عنده وإبداء الرأي حوله ومن ذلك ما أثاره محامي المتهمين حول ما جاء بالمواد 4 و 12 و 16 (2) و34 من أمر تشكيل المحكمة وما حواه من انتقاص لحق المتهمين في محاكمة عادلة وهو في تقديرنا أمر لا اختصاص لهذه المحكمة فيه طالما أن أمر التشكيل صدر استنادا على نص قانوني كان ساري المفعول وقت صدوره هو المادة 31 من قانون أمن الدولة لسنة 1973م التي أجازت قبول أقوال متهم لصالح أو ضد أي من المتهمين الذين يحاكمون معه في محاكمة مشتركة
أثار محامي المتهمين نعيا على محاكمتهم بموجب قانون العقوبات لسنة 1925 الذي لم يعد سارياً وقت المحاكمة وقانون القوات المسلحة لسنة 1957م رغم أنهم لم يكونوا خاضعين له وقت المحاكمة والنعي بذلك مردود عليه بان تلك القوانين هي التي كانت سارية عند ارتكاب المتهمين الفعل الذي يحاكمون عليه وكانت لهم في ذلك الوقت الصفة العسكرية التي بها قدموا للمحاكمة فالفعل المجرم لا يفقد صفة كونه جريمة بإلغاء القانون الذي ارتكب في ظله فجعله كذلك وهذا يتسق مع القاعدة الفقهية والتي حواها دستور 1985م في مادته مع السابعة والعشرين بألا يجرم أي فعل أو توقع عقوبة إلا بمقتضى قانون معمول به وقت ارتكاب الجريمة
أما ما أثير حول أداء رأس الدولة شاهد الاتهام الثالث والعشرين الشهادة أمام المحكمة وما صاحب إجراءات تلفزة المحاكمة من تأثير على الشهود وإصرار المحكمة على بث المحاكمة عبر التلفزيون ثم حرمان المتهمين من ذلك الحق لعرض قضيتهم وغير ذلك مما دار أثناء المحاكمة وما أسهب محامي المتهمين في التعرض له بالنقد فإننا لا نرى له وزنا فيما نحن بصدده في هذه المرحلة من تقييم لقرارات المحكمة حول الإدانة والعقوبة وكيفية توصلها إلى تلك القرارات
نخلص بعد ذلك إلى ما أثير حول التهم نفسها التي أدين بها المتهمون وما إذا كانت البينة كافية فوق مرحلة الشك المعقول لاثبات عناصرها ضدهم ولنبدأ أولا بما أثير حول التهمة بموجب المادة 96 من قانون العقوبات لسنة 1925 من اختلاف بين عناصرها وما جاء في ورقة الاتهام ولجوء المحكمة إلى المادة 121 من قانون العقوبات الهندي والبينات التي استندت عليها المحكمة لإثباتها ضد المتهمين
لا خلاف في أن عناصر المادة 96 المذكورة هي إثارة الحرب ضد الدولة أو محاولة إثارتها أو التحريض على إثارتها وتقرأ كالآتي :
(who ever wages war against the government of the Sudan ector attempts to wage such waror abets the waging of such war , shall be punished with death or imprisonment for life and shall forfeit all his property)
وصحيح أيضاً أن ورقة الاتهام لم تكن مصاغة على أساس هذه العناصر
أي أنها لم تبين أن المتهمين أثاروا الحرب ضد الدولة أو حاولوا أو حرضوا على ذلك ولكنها صيغت بحيث أبانت الآثار التي ترتبت على فعلهم وهي هدم السلطة الشرعية التي كانت قائمة في البلاد وقت قيامهم بالفعل المجرم ولكن في رأينا أن هذا الاختلاف في حد ذاته لا يقوم سندا لبطلان المحاكمة طالما أن الغرض من الإتيان بالفعل هو التوصل إلى تحقيق آثار معينة وقد تحققت تلك الآثار كما أن المادة 176 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م والتي تقابل المادة 194 من ذات القانون لسنة 1925 تنص على الآتي :-
"لا يعتبر أي خطأ في بيان الجريمة أو التفاصيل المطلوب ذكرها في ورقة الاتهام ولا إغفال بيان الجريمة أو تلك التفاصيل أمرا جوهريا في أية مرحلة من مراحل القضية ما لم يكن هذا الخطأ أو الإغفال قد أدى بالفعل إلى تضليل المتهم ونتج عن ذلك إهدار للعدالة
وواقع الأمر أن المتهمين كانوا على دراية تامة بما يواجههم من اتهام وبأسباب مواجهتهم به فقد نصت ورقة الاتهام على أن ما اتهموا به مخالف للمادة 96 عقوبات كما أن المحضر يبين بجلاء انهم لم يضلوا طريقهم لدفع تلك التهمة عنهم مما يمكن معه القول بان العدالة قد أهدرت
أما لجوء المحكمة للمادة 121 من قانون العقوبات الهندي للتحقق مما إذا كان فعل المتهمين يشكل مخالفة للمادة 96 من القانون السوداني فأمر لا يقدح في سلامة منهجها إذ تطابقت عناصر المادتين ولم نسمع من قبل عن كيل اللوم والنقد لمحكمة لاستعانتها بآراء العلماء والفقهاء والسوابق فيما هو مطابق لما تود إصدار قرار بشأنه وفي رأينا أن قرار المحكمة بإدانة المتهمين تحت المادة 96 عقوبات كان صائبا على نحو ما بينته في حيثياتها فإثبات عناصر تلك التهمة يمكن التوصل إليه بالنظر في النتائج والآثار التي نجمت عن فعل المتهمين يقول العلامة راتنلال في صفحة 276 من مؤلفه قانون الجرائم الطبعة العشرين تعليقا على المادة 121 عقوبات ما يلي :-
THE TRUE CRITERION IS THE PURPOSE OR INTENTION WITH WHICH the gathering assembled ,
The object of the gathering must be to obtain by force or violence an object of general public nature thereby striking directly against the governments authority
وبمراجعة محضر المحاكمة نجد أن العديد من الشهود قد أكدوا ما كان يخطط له المتهمون ضمن آخرين للاستيلاء على السلطة الشرعية التي كانت قائمة في البلاد بالقوة باعثهم في ذلك دوافع حددوها بإصلاح التردي الذي ساد الوضع الاقتصادي والسياسي والتآمر الحزبي وتردي الأحوال داخل القوات المسلحة ولم ينف المتهمون ذلك بل أن ما حدث في ليلة الخامس والعشرين من مايو 1969 أمر معلوم للكافة ولا يحتاج لكبير عناء لإثباته ولا يقدح في ثبوته ما أثاره محامي المتهمين حول إفادات شهود الاتهام العسكريين الذين شاركوا وتحركوا معه المتهمين لتنفيذ مخططهم بالاستيلاء على السلطة الشرعية لكون تلك الإفادات أتت من شركاء في الفعل المجرم فقد تضمنت المادة 16 من أمر تشكيل المحكمة إلى قبول البينة وفي فقرتها الثانية أباحت قبول أقوال متهم ضد متهم آخر إذا اقتنعت بها المحكمة ومن باب أولى أن تقبل شهادة شاهد أدى اليمين حتى لو كان ممن يمكن وصفه بأنه شريك في التهمة
إذن فقد أثبتت عناصر الجريمة بموجب المادة 96 من قانون العقوبات لسنة 1925 ضد المتهمين أما ما قيل عن دوافع المتهمين للقيام بفعلهم ذلك فسنعود إليه لاحقاً
نأتي ثانياً للإدانة بموجب المادة 109 من قانون العقوبات لسنة 1925 ونرى أن أهم ما أثير حول هذه التهمة هو ما قال به محامي المتهمين من أن العين الفاحصة تلاحظ أن الفصل الحادي عشر من قانون العقوبات لسنة 1925 هو فصل أفرد لمعاقبة الأفراد من غير القوات المسلحة الذين يحرضون أفرادا من القوات المسلحة على التمرد وغيره من الجرائم المنصوص عليها في ذلك الفصل لأن الأفراد الذين يرتكبون جرائم من أفراد القوات المسلحة يخضعون للمحاكمة بقوانين أخرى هي قانون قوة دفاع السودان لسنة 1925 أو قانون الرديفة لسنة 1927 أو قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1957 أو قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1983م الذي ألغى قانون 1957 والذي كان بدوره قد ألغى القانونيين السابقين ولكنا لا نتفق وما ذهب إليه محامي المتهمين فنقول أن الفصل الحادي عشر من قانون العقوبات السوداني لسنة 1925 يقابل الفصل السابع من قانون العقوبات وما قال به محامي المتهمين ينطبق على الفصل السابع من القانون الهندي حيث هناك نص صريح يمنع محاكمة العسكريين بموجب التهم المنصوص عليها في ذلك الفصل تقول المادة 139 من القانون الهندي :
No person subject to the Army Act, Army Act 1950
The Noval Disciplin Act etc is subject to punishment under this code for any of the offences defined on this chapter
وقد قال واضعوا القانون في صدر الفصل السابع المذكور ما يلي بعد أن بينوا دوافعهم لذلك
(We have attempted in this chapter, to provide, on a manner More consistent with the general character of the code for the punishment of persons ,who not being military abet military crimes’
أما القانون السوداني فلم يحو مثل هذا النص وبالتالي فإنه لم يحصن العسكريين من الخضوع لأحكامه المندرجة تحت الفصل الحادي عشر أضاف إلى أي قانون آخر خاص يخضعون للمحاكمة بموجبه
ولكن السؤال الذي يثور هنا هو ما هو التمرد المقصود في هذين الفصلين السابع الهندي والحادي عشر السوداني ؟ هل ينحصر فقط في التمرد على السلطة العسكرية أم يشمل التمرد على السلطة المدنية أيضا؟
يقول راتنلال في مؤلفه المذكور في صفحة 321
The offence of mutiny consits in extreme insubordination as if a soldier resists by force or if a numper of soldiers rise against or oppose their military superior ,such acts proceeding from alleged or pretended grievances of a military nature ,Acts of riotous nature directed against the governor or civil authorities rather than against military supeor seem also to constitute mutiny
ويقول الدكتور محي الدين عوض في كتابه (قانون العقوبات السودان معلقاً عليه ) طبعة سنة 1979 في صفحة 243 ما يلي :-
"والتمرد هو العصيان كمعارضة أفراد القوات المسلحة رؤسائهم العسكريين أو مقاومتهم بالقوة وأعمال الشغب التي تتخذها هذه القوات ضد سلطات الدولة المدنية تعد أيضاً من قبيل التمرد
إذاً فالمتهمون رغم صفتهم العسكرية في 25/5/1969 كانوا يخضعون للمحاكمة بموجب الفصل الحادي عشر من قانون العقوبات لسنة 1925 وبما أن البينات الواردة في المحضر وقد سبقت الإشارة الى قبولها قانونا لا تدع مجالاً للشك في انهم ضمن آخرين من رصفائهم في القوات المسلحة كانوا يتآمرون على إزالة السلطة الشرعية الحاكمة في البلاد آنذاك لأسباب ارتأوها ولما ثبت بما هو معلوم أن ما كانوا يتآمرون لتحقيقه قد تم واستطاعوا إقصاء السلطة الشرعية الحاكمة وتولوا الحكم من بعدها فإن عناصر الجريمة تحت المادة 109 عقوبات تكون قد اكتملت
ثالثاً : نأتي لفحص الإدانة بموجب التهمة تحت المادة 21(أ) من قانون القوات المسلحة لسنة1957 وفي يقيننا أن ما أثاره محامي المتهمين حول خطأ إدانة المتهمين عند فعل واحد بعدة جرائم كفاعلين أصليين له تارة ومحرضين عليه تارة أخرى لا يجد عندنا قبولاً
فالثابت لدينا وكما سبق أن ذكرنا أن المتهمين وآخرين من زملائهم في القوات المسلحة كانوا غير راضين عن الوضع القائم في البلاد وفكروا في إزالته وبدأوا يخططون لذلك واستقطبوا من خلال تنظيم الضباط الأحرار من يساندهم على تحقيقه من الجنود والضباط إلى أن تم لهم ما أرادوا في صبيحة الخامس والعشرين من مايو لسنة 1969م وهذه السلسلة من الأحداث وأن كان غرضها واحد هو الإطاحة بالسلطة القائمة في البلاد إلا أن ذلك لا يمنع ملاءمتها لتعاريف جرائم مختلفة يمكن توجيه التهم بموجبها والإدانة بها إلا أن المشرع قد احتاط في المادة 74 من قانون العقوبات لتفادي تعدي العقوبات عن الفعل الواحد وهي تقرأ " إذا كون الفعل الواحد أكثر من جريمة أو كانت الجريمة مكونة من عدة أفعال يكون كل أو أي واحد أو أكثر منها الجريمة نفسها أو أية جريمة أخرى فلا يحكم على المتهم بعقوبة اشد من العقوبة التي يجوز للمحكمة أن تحكم بها عن أية جريمة من هذه الجرائم ما لم ينص صراحة على خلاف ذلك
وقد جاء حكم المحكمة مطابقا لمتطلبات هذه المادة أما أن المتهمين وقت المحاكمة لم يكونوا ضباطاً بالقوات المسلحة وبالتالي فلا يمكن محاكمتهم بموجب قانون القوات المسلحة كنص المادة الخامسة منه فأمر قد سبق الرد عليه ضمنا في معرض حديثنا عن محاكمة المتهمين بموجب قانون العقوبات لسنة 1925 رغم أنه قد ألغى وما عاد فاعلاً فالمتهمون عند ارتكابهم الفعل الذي اتهموا به كانوا أفراداً في القوات المسلحة وفي رأينا أن إلغاء القانون الذي كان سارياً وقت ارتكاب الجريمة أو زوال صفة المتهمين بعد ارتكاب الجريمة لا تمنعان من توجيه التهمة والإدانة بمخالفة ذلك القانون أو ارتكاب الجريمة بتلك الصفة
بالنسبة للتهمة بموجب المادة السادسة من قانون الثراء الحرام الموجهة للمتهمين الأول والثاني فإن هذه المحكمة كسلطة تأييد أو فحص لا تجد في قرار محكمة أمن الدولة بفصل محاكمتها وتركها لجهة الاختصاص للتقرير بشأنها ما يدعو تدخلنا حيث أن المحكمة لم تصدر حولها قرار يصلح للفحص أو التأييد فيما يتعلق بإدانة أو براءة المتهمين بموجبها ولا زال من الوقت متسع أمام المتهمين لمناهضة تلك التهمة إذا هم قدموا لمحاكمة منفصلة بموجبها أمام أية محكمة أخرى
نحن لا ننكر المجهود الكبير والمقدر الذي قام به الأستاذ محامي المتهمين لدفع التهم التي أدينوا بها واستناده على العديد من آراء المفكرين والعلماء القانونيين لإضفاء صفة الشرعية على فعل المتهمين ومحاولته إسقاط تلك التهم عنهl لحدوثها في وقت تغيرت بعده الأوضاع واكتسبت فيما يرى الصفة الدستورية والقانونية إلا أننا نرى أن كل ذلك لا يصلح دفعاً للتهم عن المتهمين فقانون العقوبات قد حوى في فصله الثالث الدفوع القانونية التي يمكن الاستناد عليها لدحض الجرائم التي نص عليها وليس فيما جاء في دفاع المتهمين دفع بما حوته نصوص ذلك الفصل بل أن المادة 53 من ذلك الفصل من القانون والتي أباحت الفعل في حالة الإكراه عليه بالتهديد الذي يجعل المتهم عند ارتكابه متخوفاً من موت فوري استثنت الجرائم التي ترتكب ضد الدولة وهي الجرائم نفسها التي أدين وعوقب المتهمون بمقتضاها
من بعد ذلك نخلص إلى النظر في تأييد العقوبة ضد المتهمين بموجب المواد 96و 109 من قانون العقوبات لسنة 1925م والمادة 21(أ) من قانون القوات المسلحة لسنة 1957 تعاقب المادة الأولى من يخالفها بالإعدام أو السجن مدى الحياة ومصادرة ممتلكاته كما تعاقب المادة الثانية بالإعدام أو السجن الذي قد يمتد لأربعة عشر عاماً والغرامة أيضاً
أما المادة 21(أ) من قانون القوات المسلحة لسنة 1957م فإنها تنص على معاقبة من يدان بموجبها بالإعدام أو بأي عقوبة أقل وقد اختارت المحكمة توقيع عقوبة السجن مدى الحياة على المتهمين عن كل الجرائم التي أدانتهم بموجبها ونحن نرى أنها قد أصابت ففي ذلك إعمالا للمادة 74 من قانون العقوبات التي سبق أن أوردنا نصها لأن فعل المتهمين رغم أنه واحد إلا أنه يقع تحت تعريف عديد من الجرائم وهي التي تم تأييد إدانة المتهمين بموجبها ومن ثم فإننا نؤيد تلك العقوبة
إلا أننا نلاحظ أن هناك عقوبات إضافية أخرى لم تتطرق إليها المحكمة بالذكر ولم تورد في محضر المحاكمة مذكرة حول العقوبة نستبين منها سبب إحجامها عن توقيع أي منها ونعني بذلك عقوبتي الغرامة والتجريد من الأموال والأخيرة منهما عقوبة إلزامية على المحكمة توقيعها حسب نص المادتين 96 من قانون العقوبات لسنة 1925 التي أدين المتهمون بموجبها
على أننا نرى أن هنالك ما يشفع للمتهمين من توقيع هاتين العقوبتين عليهم عملاً بالاستثناء الذي تقبلته وطبقته محاكمنا للقاعدة الأصولية والتي تقول بعدم رجعية القوانين العقابية ففي قضية حكومة السودان ضد أونور أوهاج محمد المنشورة على صفحة 132 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1977م قالت المحكمة العليا استناداً على ما جاء بكتاب الدكتور عبد المنعم البد راوي عن العلوم القانونية والواقع أن الاستثناء الحقيقي من قاعدة عدم رجعية القانون هو استثناء خاص بالقوانين الجنائية ويستطرد قائلاً : ولكن المشرع رأى الخروج عليها في حالة ما إذا صدر قانون جديد يبيح الفعل أو قانون جديد يخفف العقوبة فجعل للقانون الجديد أثراً رجعياً أو جعله ينطبق ليس فقط على الأفعال التي تقع بعد نفاذه بل وأيضاً على ما سبق نفاذه من أفعال وهذا الاستثناء له ما يبرره من الناحية الاجتماعية ومن ناحية العدالة إذ من التناقض والظلم أن تطبق على المتهم عقوبة في الوقت الذي يعترف فيه الشارع بعدم توقيع عقوبة ظهر أن توقيعها ليس في مصلحته إذ أن العقوبة توقيع بالقدر اللازم لتحقيق هذه المصلحة
وقد طبقت المحكمة العليا هذا الاستثناء في قضية حكومة السودان ضد أبو كلام الطاهر عبيد وآخرين "مجلة الأحكام القضائية" ص 100 حيث قالت في صفحة 104 " لقد خضعت القاعدة الأصولية العامة والتي تقول بأن النصوص الجنائية ليس لها أثر رجعي إلى استثناءات أشهرها وأهمها الاستثناء القائل بأن التشريعات الجديدة تطبق على الجرائم السابقة لصدورها متى كان القانون الجديد أصلح للمتهم ولم يصبح نهائياً"
ونحن لا نرى ما يحملنا على أن نحيد عن هذا الرأي بل نؤيده وبتطبيقه على ما نحن بصدده حول توقيع عقوبتي التجريد من الأموال والغرامة على المتهمين نجد أن المشرع السوداني قد جعل عقوبة التجريد من الأموال عقوبة جوازية لمن يخالف المادة 6(ج) من قانون العقوبات لسنة 1983م التي تقابل المادة 96 من قانون سنة 1925 الملغى والتي كان التجريد فيها إلزامياً تاركاً للمحكمة سلطة تقدير توقيعها أو عدم توقيعها كما أنه لم ينص على عقوبة الغرامة في المادة 109 من قانون سنة 1983م التي تقابل المادة من قانون سنة 1925م الملغى وبما أن المحكمة قد اختارت ألا توقع أياً من العقوبتين ولم تبد أسباباً لذلك لنخضعها للفحص وهي في الوضع الأفضل لتقدير العقوبة فإننا لا نرى سبباً يحملنا لتوقيع أي من العقوبتين
أخيراً نأتي للمعاملة الخاصة فنجد أن المحكمة قد أعملت سلطاتها التقديرية بموجب الفقرة الثانية من المادة 227(2) من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1983م وأصدرت أمرها بمعاملة المتهمين معاملة خاصة لم تذكر المحكمة دوافعها وأسبابها لإصدار هذا الأمر رغم أن المادة 227 المذكورة قد منحتها هذه السلطة التقديرية إذا رأت ملائمة ذلك بالنظر إلى طبيعة الجريمة وسوابق المحكوم عليه كما أنها لم تأت بذكر لمنشور المحاكم الجنائية رقم (9)ا لذي يضع بعض التوجيهات لممارسة المحكمة سلطتها التقديرية هذه وفي سبيل ممارسة سلطاتنا بموجب المادة 238(1)(ج) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م نجد أن تلك المادة لم تضع الأسس والضوابط التي يمكن أن نهتدي به لتأييد أو إلغاء التوجيه بالمعاملة الخاصة أو أن نأمر بها في حالة عدم التوصية بها من قبل وفي اعتقادنا أنه رغم خطورة الجرائم التي ارتكبها المتهمون وأدينوا بها بالنظر إلى العقوبات المنصوص عليها لمخالفتها إلا أننا نجد في المبادئ الفقهية التي نادت بعدم الإضرار بالمحكوم عليه في المراحل اللاحقة وكذلك أخذاً بالقاعدة التي تقتضي بتفسير النص لمصلحة المتهم في حالة غموضه ونظراً لما ادعاه المتهمون من نبل مقصدهم عند إتيانهم الفعل المجرم كما أنه لم يطعن أمامنا في هذه التوصية فإننا لا نرى ما يحملنا على التدخل فيما ارتأته محكمة الموضوع

