حكومة السودان ضد أبكر يحي آدم
المحكمة العليا
القضـاة :
السيد / يوسف دفــع الله قاضي المحكمة العليا رئيسا
السيد/ علي يوسف الولـي قاضي المحكمة العليا عضوا
السيد/ صلاح الأمـــين قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان ضد أبكر يحي آدم
م ع/م ك/29/1406هـ
المبادئ:
قانون جنائي_ تطبي قالقانون الذي ارتكبت في ظله الجريمة _ :
إجراءات جنائية _ الخطأ في الإجراءات والقصور في تسبيب الحكم يبرر نقض الحكم
2- يتعين على محكمة الموضوع أن تطب قالقانون الذي ارتكبت الجريمة في ظله
1- إذا أضير المتهم ضرراً فادحا في دفاعه وأن الحكم بالادانة وتسبيبه وحيثياته جاء بصورة غير صحيحة وغير سليمة من جراء العيوب التي لازمت إجراءات المحاكمة فللسلطة الاستئنافية أو المؤيدة التعرض لحكم المحكمة الأدنى باللالغاء استثناءً من القاعدة العامة الواردة في المادة 243 إجراءات جنائية لسنة 1983 م
الحكــــم
القاضي : علي يوسف الولي
التاريخ 10/3/1987م
الوقائــــع
عرضت أوراق هذه القضية لهذه المحكمة وفقا لنص المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 م حيث أن الحكم جاء بالإعدام وذلك لتأييد أو خلافه كما أن الأوراق مصحوبة باستئناف أرسله المحكوم عليه بواسطة مأمور سجن الجنينة
بدأ التحقيق القضائي في هذه القضية بتاريخ 23/7/1983 توطئة لاحالتها للمحكمة الكبرى حسب الإجراء المتبع في ذلك الوقت وفقا لقانون الإجـراءات الجنائية 1974 وتتلخص الوقائع في أنه بتاريخ 15/2/1982 فتح البلاغ تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1974م ضد المتهم الأول أبكريحي آدم والمتهم الثاني عبد الله آدم دلدوم وذلك لدى نقطة شرطةأبى سروج التابعة للجنينة حيث كان المتهمان بسوق أبي سروج يحتسيان المريسة التي اشترياها من أحدى النساء اللائي تربطهن بالمرحوم عباس مؤمن عبد الله وشائج القربى حضر المرحوم للمتهمين ودارت مشادة كلامية بين المرحوم والمتهم الأول بسبب شراء المريسة من تلك المرأة وتطورت إلي تراشق بالايدى ثم صراع عنيف وأخيرا إلى معركة مفاجئة عنيفة حادة سقط علي إثرها المتهم الأول علي الأرض وهجم عليه المرحوم واستقر من فوقه بعد أن ضربه بسيفه إلا أن المتهم الأول عاجله بضربة نجلاء في صدره من الجهة اليسى بسكينه مما سبب قطعا في الرئة اليسرى ثم اخترقت الطعنة الحجاب الحاجز بين الصدر والبطن حتى سببت جرحا قطعيا في المعدة وتوفى المرحوم متأثراً بذلك الأذى في اليوم التالي بتاريخ 2/8/1983م أطلقت محكمة الإحالة سراح المتهم الثاني لعدم وجود الادلة التي تبرر إحالته للمحكمة الكبرى إلا أنها أحالت المتهم الأول للمحكمة الكبرى لوجود قضية مبدئية ضده تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1974م
بتاريخ 12/7/1405 هـ قرر قاضي المديرية محاكمة هذه القضية منفردا إستناداً علي البينات التى وردت في مرحلة التحقيق القضائي لأن الاتهام عجز عن إحضار بعض شهود الاتهام الذين نزحوا إلي شرق البلاد وتلا قاضي المديرية علي المتهم أبكر يحي آدم أقوال شهود الاتهام واعترافه عبر جميع مراحل إجراءات القضية وبعد ذلك سجل رد المتهم علي التهمة علي الأورنيك ( B ) بأنه ( مذنب ) لم يسمع قاضي المديرية قضيةالدفاع ولم يستجوب المتهم ولم يسأل المتهم عن شهوده وسجل قاضي المديرية بعد ذلك الأورنيك ( C ) قراره بأن المتهم مذنب تحت 249(4) من قانون العقوبات لسنة 1974م وغير مذنب تحت المادة 251 من نفس القانون قام قاضي المديرية بعد ذلك بكتابة أسباب حكمه وحيثياته علي النحو الآتي :-
المحكمة تخلص إلى الحقائق الآتية في إيجاز :-
1- بتاريخ 15/2/1982 وأثر معركة نشبت بين المتهم والمرحوم وأخواته طعن المتهم الأول هذا المرحوم طعنه واحدة بسكينه التي عرضت أمام المحكمة في الموضع الذي أوضحه التقرير الطبي المثبت في مستندات الاتهام (1) و (2) مما سبب له جرحاً نافذاً في الرئة اليسرى فسبب له نزيف حاداً داخل التجويف البلوري في المعدة فأديا إلي وفاته
2- البينات المستخلصة من شهادات شهود الاتهام (1) و(2) و (3) و (4) و( 5) وكذلك من أقوال المتهم الأول جعلت المحكمة تصل إلي قناعة تامة وتكون عقيدتها بأن هذا الحادث قد جعل من المتهم الأول للمرحوم بدون سبق اصرار في معركة مفاجئة وفي حدة العاطفة عند مشاجرة ومن غير أن يستغل المتهم الأول الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي ولذلك فإن المادة الواجبة التطبيق في هذه القضية هي المادة 249 (4) ع المعاقب عليها تحت المادة 253 ع فطالما أن إفادات شهود الإتهام قد أثبتت بأن المتهم هذا هو الذي طعن المرحوم طعنة واحدة بسكينه في ذلك الموضع كما وأن مستندات الاتهام (1) و (2) قد أثبتا بأن موت المرحوم جاء نتيجة لتلك الطعنة كما وأن المتهم نفسه قد أقر أمام المحكمة عند إستجوابه وكذلك أقر في اعترافه القضائي غير المعدول عنه حتى هذه اللحظة بأنه هو الذي طعن المرحوم طعنة واحدة بتلك السكين رد علي المحكمة بأنه مذنب
3- لكل ما تقدم فالمحكمة تجد المتهم الأول هذا مذنباً تحت المادة 249 (4) ع لسنة 1974م المعاقب عليها تحت المادة 253 ع لسنة 1983م دونما شك معقول وبأن إدانته تحتها قد ثبتت يقيناً ونقرر بأنه غيرمذنب تحت المادة 251 لسنة 1974م
لم يسجل قاضي المديرية أقوال المتهم المخففة للعقوبة كما لم يسجل أقوال شهود الأخلاق إذا وجدوا كما لم يطلب صحيفة سوابق المتهم
طلب قاضي المديرية الإعلام الشرعي المستخرج من محكمة الجنينة الشرعية (( نفس قاضي المديرية الذي حاكم هذه القضية )) عرض قاضـي المديرية الدية علي أولياء الدم وهم ورثة المرحوم إلا أنهم رفضوها وطالبوا بالقصاص ومن ثم قضى قاضي المديرية بالإعدام شنقاً حتى الموت على المتهم على الأورنيك (D)
إن القصور والخلل والعيوب التي لازمت الإجراءات محاكمة هذه القضية الخطيرة بصفة عامة ولازمت حيثيات الحكم بصفة خاصة جعلتني أزرف دمعاً غزيراً علي مستقبل العدالة كما أثارت إشفاقي على هبوط مستوى الأداء القضائي إذا ظل الأمر على هذا الحال دون تصنيف وتكييف اختصاصات القضاة بحيث أن كلاً يعمل في مجال تخصصه من خلال دراساته العليا وفي عمله من خلال ممارساته منذ التحاقه بالهيئة القضائية ولا أجد ما يمنع من تخصص القضاة وعندي أن هذا التخصص أدعى وأجدى لتحقيق العدالة ولإرساء تراث خالد من السوابق القضائية تستنير بها وتسير على هديها الأجيال القادمة بأذن الله تعالى
الأســـــباب
إن السؤال الذي يطرح ويفرض نفسه ويثور هو ما إذا كانت هذه المحكمة ( المحكمة العليا ) يحق لها أن تتعرض لقرار الإدانة والعقوبة اللذين أصدرتهما محكمة الموضوع في هذه القضية التي بين أيدينا لمجرد وجود عيوب وخلل وأخطاء في إجراءات المحاكمة حسب منطوق المادة 243من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م التي تنص بالآتي :-
لا يجوز للسلطة الاستئنافية أو المؤيدة التعرض لأي قرار أو عقوبة أو أي أمر آخر أصدرته المحكمة لمجرد الإستناد إلي أن البينة قد قبلت خطأ أو إلى وجود عيب في الإجراءات ما دام المتهم لم يقر في دفاعه وكان القرار أو الحكم أو الأمر سليماً ؟؟
وقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد زكي سيدهم بولس مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1975 ص 448 بأن المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 هي نفس المادة 243 إجراءات جنائية لسنة 1983م لا تسوغ للمحكمة العليا عند استعمال سلطة التأييد او الاستئناف التعرض لأي قرار أو عقوبة أو أي أمر أصدرته المحكمة الأدنى لمجرد الإستناد إلى أن البينة قد قبلت خطأ أو إلي وجود عيب في الإجراءات ما دام المتهم لم يضار في دفاعه وكان القرار أو الحكم أو الأمر سليما
وقال الدكتور محمد محي الدين عوض في كتابه قانون الإجراءات الجنائية السوداني معلقاً عليه عند شرحه للمادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م على ص 756 ما يلي :-
بحث القانون في هذه المادة على أن تراعى المحاكم العدالة من ناحية موضوعية دون إغراق في الشكيلة لأن القانون إنما قرر الإجراءات كوسيلة لتحقيق غاية معينة وهي تحقيق العدالة بالوصول إلي قرار أو أمر أو حكم سليم مع ضمان عدم الاضرار بالمتهم في دفاعه وعدم إحباط العدالة فإذا تحققت هذه الغاية رقم مخالفة الإجراءات والخروج علي المتطلبات الشكلية التي نص عليها القانون أو عدم اتباع الترتيب الوارد فيه فإن من التمسك بالشكليات القضاء ببطلان القرار أو الأمر أو الحكم في هذه الحالة إذ لا ضرورة تقتضيه ما دام لقد اتيحت الفرصة للمتهم للدفاع عن نفسه لأن الغلط في الإجراءات أو العيب الذي لحقها في هذه الحالة غير ذي أهمية ولا تترتب عليه بالتالي بطلان المحاكمة )
ولكن إستثناءاً من هذه القاعدة العامة يجوز للسلطة الاستئنافية أو المؤيدة التعرض لقرار أو حكم أو أمر المحكمة الأدنى كما يجوز لها التعرض للعقوبة التي أصدرتها المحكمة الأدنى لمجرد الإستناد إلى أن البينة الواردة لديها قد قبلتها خطأ أو في إجراءات المحاكمة التي أجرتها المحكمة الأدنى إذا ما أضير المتهم في دفاعه أو إذا ما جاء القرار أو الحكم أو الأمر بصورة غير سليمة من جراء قبول تلك البينة خطأ أو من جراء وجود ذلك العيب أو الحل أو الخطأ في إجراءات المحاكمة ففي قضية حكومة السودان ضد محمد حسن محمد كبلاي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص 349 قضت المحكمة العليا بأنه يجوز للمحكمة العليا عند إستعمال سلطة التأييد التعرض لحكم المحكمة الادنى بناء علي وجود عيب في الإجراءات متى تضرر المتهم في دفاعه بسبب ذلك الخطأ أو العيب
وقال الدكتور محمد محي الدين عوض في كتابه المشار إليه علي صفحة 756 -758 ما يلي:-
( فاشتراط تحقق ضرر بالمتهم للتعرض للحكم أو الأمر أو عدم سلامـة تطبيق القانون بالنسبة لما صدر من أمر أو قرار أو حكم وبالتالي عدم تحقيق العدالة ضروري للتعرض للقرار أو الأمر أو الحكم وربط شكل الإجراءات بالغاية مما يؤدي إلي جعل الشكل أداة نافعة في الخصومة ويلاحـظ أن الشارع السوداني قد أخذ بنظرية البطلان الذاتي فلم يعدد الأحوال التي يحكم فيها القضاء ببطلان الإجراءات وإنما أوكل إليه تقدير الحالات التي تستتبع هذا البطلان ووضع له معياراً قانونياً هو أن يكون قد لحق بالمتهم ضرر في دفاعه أو أن يكون القرار أو الحكم أو الأمر قد تأثر بالخطأ بالإجراءات فكان بالتالي غير سليم قانوناً وعلى ذلك لا يلغي القرارأو الحكم أو الأمر بطريقه إليه بمجرد تبين خطأ فني في الإجراءات أو لإستناده إلي بينة أجيزت خطأ وإنما يجب علي سلطة التأييد أو الاستنئاف أن تتأكد من مسألة ما إذا كان المتهم قد أضير في دفاعه أو لا وما إذا كان القرار أو الحكم أو الأمر سليما أو غير سليم طبقاً للقانون بناء علي تلك الإجراءات الخاطئة
باستقراء محضر المحاكمةأجد أن المتهم قد أضير ضررا فادحا في دفاعه وأن الحكم بالإدانة وتسبيبه وحيثياته جاء بصورة غير صحيحة وغير سليمة من جراء العيوب التي لازمت إجراءات محاكمة هذه القضية مما أدى إلى إهدار العدالة مما يبرر تعرضنا للحكم بالإدانة وللعقوبة بالإلغاء إعمالاً بالإستثناء من القاعدة العامة الواردة في المادة 243 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 علي النحو الذي أسلفت بيانه
دعني أبين أولاً الحيف الذي حاف بالمتهم والأضرار البليغة التي أحاطت بدفاعه من جراء ذلك الخلل وتلك العيوب والأخطاء التي لازمت إجراءات محاكمة هذه القضية التي بين يدي منذ البداية فقاضي المديرية عندما لم يجهد نفسه ولم يتكبد مشاق القيام بإجراء محاكمة جديدة كقاضي فرد مبدئياً باورنيك ( A) وعندما استند فقط على ملف التحقيق القضائي وعندما لم يسمع قضية الإتهام وعندما لم يتح الفرصة للمتهم لمناقشة شهود الإتهام وعندما لم يسمع قضيـة الدفاع وعندمـا لم يستجوب المتهم وعندما لم يستمع لإفادات شهود الدفاع فقد أضر بدفاع المتهم ضرراً كبيراً أحبط بذلك العدالة وأهدر قواعد الإنصاف من أساسها فقد قال الدكتور محمد محي الدين عوض في كتابه المشار إليه علي ص 757 ما يؤكد هذا النظر :-
يكون هنالك إضرار بالمتهم في دفاعه وبالتالي لا تحقق العدالة الإجرائية كعدم تمكين المتهم من مناقشة شهود الخصم أو استجواب شهوده وإبداء دفاعه
كان ينبغي على قاضي المديرية أن يستمع إلى شهود الاتهام الموجودين قلوا أو كثروا ويمكن المتهم من مناقشتهم أمام المحكمة ثم يدرج من محضر التحقيق القضائي في محضر المحاكمة الجديدة أقوال شهود الاتهام الذين عجزت الشرطة عن العثور عليهم بعد البحث المضني
أيضا استمرار قاضي المديرية في محاكمة المتهم من حيث انتهاء قاضي الإحالة دون أن يصوغ التهمة يشكل قصوراً يكفي لبطلان الإدانة فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد حسن محمد معني وآخر مجلة الأحكام القضائية لنسة 1974م ص 101 بأن محاكمة المتهم بجريمة بدون أن تكون قد حررت فيها تهمة أمام المحكمة الكبرى بعد دخولها في المحاكمة تصبح باطلة ويتعين شطب الإدانة بها ايضاً عندما لم يسأل قاضي المديرية المتهم عن الأسباب المخففة للعقوبة وعندما لم يسجل أقوال شهود الأخلاق ( إذا وجدوا ) خصوصاً وأنه قرر إدانة المتهم تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1974 فقد سبب ضرراً خطيراً وفادحاً للمتهم في دفاعه وسبب أيضاً بذلك انتهاكاً صارخاً لحقوق المتهم القانونية وسبب اجهاضاً واهداراً لأبسـط قواعد العدالة من أساسها فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السـودان ضد آدم اسماعيل برين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976 ص 595 بأن إغفال سؤال المحكمة للمتهم بعد إعلان قرار إدانته عن شهود الأخلاق وتدوين إجاباتهم وأقوالهم يعتبرعيباً في الإجراءات يضر بدفاع المتهم لأن فى اصدار العقوبة ضده دون سماع شهود الأخلاق يعد انتهاكاً لحقوقه مما يستوجب اعادة الإجراءات
دعني – ثانياً – أن أبين كيف كان الحكم بالإدانة غير سليم وغير صحيح إن تسبيب الحكم على الوجه الأكمل يحيث يجعل المحكمة قادرة على تكوين عقيدتها واستقرار وجدانها واطمئنانها إلى عدالة وانصاف حكمهاأمر ضروري وأساسي لتحقيق العدالة والحكم من غير ذلك التسبيب كالحكم في القضية التي نحن بصددها يصبح باطلاً معيباً بلا قوة وبلا نفاذ وبلا أثر قانوني فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الباقي حماد فرج الله وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص 700 بتسبيب القرارات والأحكام على الوجه الأكمل هو قاعدة أساسية لا يمكن الحياد عنها بل أن القصور في التسبيب يعيب القرار ويعرضه للبطلان وقالت المحكمة العليا على ص 703 ما يلي :-
والأحكام والقرارات والأوامر يلزم دائماً أن تكون إيجابية وصريحة ومدعمة بالتسبيب الكافي والحيثيات التي توضح ما توصلت له المحكمة دون ما لبس أو غموض فالقرارات القضائية هي دونما شيء تبيان للقانون في إطار من المنطق والحجة والإقناع
أن تسبيب الحكم يجب أن يشمل مناقشة جميع الأركان التي تنهض عليها الجريمة والوقائع المؤدية لارتكاب الجريمة علي ضوء نصوص القانون ففي قضية حكومة السودان ضد إسماعيل كافي توتو مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1973م ص 34 قضت المحكمة العليا بأن تسبيب المحكمة في الحيثيات يجب أن يشير إلي الوقائع المؤدية للإدانة بتحديد واضح وعلى المحكمة التأكد من إثبات الجريمة في مواجهة المتهم بكل أركانها التي يتطلبها القانون وبما لا يدع مجالاً للشك المعقول حتى في الحالات التي يقر فيها المتهم بارتكاب الجريمة – لذا فإن حيثيات الحكم كالحكم موضوع هذه القضية التي لا تعكس وقائع الجريمة ونصوص القانون الذي ينسحب عليها والتي لا تعكس كيفية تطبيق تلك النصوص على تلك الوقائع في صورة موضوعية ومنطقية فإنها لا شك أنها تعتبر حيثيات حكم باطل معيب ونجد المنشور الجنائي رقم 11 يبين كيفية كتابة الأحكام الجنائية وقد درجت المحاكم علي العمل به منذ صدوره قبل أكثر من ثلاثين عاماً وهو الذي أغفله قاضي المديرية في هذه القضية
ففي حالة محاكمة جرائم القتل كالجريمة في القضية التي بين أيدينا على وجه الخصوص وفي حالة محاكمة جميع الجرائم الأخرى على وجه العموم ينبغي على المحاكم أن تكون أكثر حرصاً وتحميصاً وأرحب صدراً
وفي هذه القضية التي بين أيدينا كان يجب على قاضي المديرية وهو يجري محاكمة هذه القضية منفرداً أن يكتب حيثيات الحكم في ثوب يرتفع لمستوى هذه الجريمة الخطيرة حتى لا يأتي حكمه في هذه الصورة الهزيلة والتي جعلت من الحكم حكماً غير سليم
كان يجب على قاضي المديرية أن يسأل ثم يجيب علي السؤال الأول وهو الركن الأول من أركان جريمة القتل العمد الثلاثة وهو ما إذا كان المتهم نفسه ووجده دون سواه هو الذي سبب الأذى الجسماني للمرحوم
وكان يجب عليه أن يسأل ثم يجيب علي السؤال الثاني وهو الركن الثاني من أركان جريمة القتل العمد وهو ما إذا كانت علاقة السببية ثابتة تربط بين ذلك الأذى الجسماني وموت المرحوم ربطاً مباشراً وواضحاً وقريباً دون تدخل أي عامل أجنبي يقطع حبل وسلسلة وربط تلك العلاقة
وكان يجب عليه أيضاً أن يسأل ثم يجيب علي السؤال الثالث وهو الركن الثالث والأخير من أركان جريمة القتل العمد وهو ما إذا كان المتهم قد قصد بتسبيب ذلك الأذى الجسماني موت المرحوم أو كان على الأقل يعلم بأن موته سيكون نتيجة راجحة وليست فقط محتملة لذلك الأذى
فإذا توافرت جميع الأركان الثلاث أعلاه التي تقف عليها جريمة القتل العمد ولم ينهار أي ركن منها فإن المحكمة في هذه الحالة يتعين عليها أن تقرر إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات بصفة مبدئية بعد ذلك تنبري المحكمة لمناقشة دفوع الإباحة التي تعفي المتهم نهائياً عن المساءلة الجنائية إذا ما ثبتت مثال الصغر دون بلوغ الحلم والجنون وممارسة حق الدفاع الشرعي وغيرها
وإذا لم تجد المحكمة أي دفع من دفوع الإباحة يتعين عليها أن تناقض الأسباب المختلفة لجريمة القتل العمد الواردة في الإستثناءات بالمادة 249 من قانون العقوبات والتي تغير وصف جريمة القتل العمد إلي قتل جنائي غير عمد أو قتل شبه عمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات
وعليه في هذه القضية التي بين أيدينا بما أنه ثبت أن المتهم الحق بضرر فادح في دفاعه من جراء الإجراءات المعيبة لمحاكمة هذه القضية وبما أن الحكم بالإدانة بتسبيبه وبحيثياته جاء بصورة غير صحيحة وغير سليمة فإني أرى إلغاء تلك الإجراءات مما يترتب على ذلك إلغاء إدانة المتهم والعقوبة معاً
أيضا أجد مبرراً آخر لإلغاء هذه العقوبة ذلك لأنها هي العقوبة الأشد إلا أنها طبقت بأثر رجعي فالقاعدة المتفق عليها دستوراً وقانوناً وفقهاً وقضاءً تنص بأنه إذا وقعت وقائع في ظل قانون قديم ثم صدر بعد ذلك قانون جديد حل محل ذلك القانون القديم فإن القانون الجديد لا شأن له في هذه الوقائع التي وقعت قبل صدوره وإنما تظل تلك الوقائع خاضعة للقانون الذي وقع في ظله وأنه لا يجوز أن توقع على أي شخص عقوبة أشد من تلك التي ينص عليها القانون الذي كان نافذ المفعول ساعة ارتكابها في قضية حكومة السودان ضد إبراهيم بشير إبراهيم مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص 400 قضت المحكمة العليا بأنه لا تطبق العقوبة الأشد على المحكوم عليه بأثر رجعي
في القضية التي بين أيدينا فإن الجريمة تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1974 التي توصلت محكمة الموضوع إلى قرار بأن المتهم ارتكبها قد وقعت في ظل ذلك القانون الذي ألغاه وحل محله قانون العقوبات لسنة 1983 في وقت المحاكمة ولذلك فإن القانون الأخير لا شأن له بوقائع هذه القضية مطلقاً وأن قانون العقوبات لسنة 1974م هو القانون الذي ينبغي أن يحكم وقائعها ولذلك فإن محكمة الموضوع قد أخطأت عندما طبقت نصوص قانون العقوبات لسنة 1983م على وقائع هذه القضية كما أخطأت أيضاً عندما وقعت العقوبةالمنصوص عليها في قانون العقوبات لسنة 1983 للجريمة تحت المادة 253 منه وهي العقوبة الأشد والأقصى من العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات لسنة 1974م للجريمة تحت المادة 253 منه فقد طبقت العقوبة الأشد على المحكوم بأثر رجعي كأن يتعين على محكمة الموضوع أن توقع العقوبة المنصوص عليها تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1974 دون التعرض للعقوبة المنصوص عليها تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م
لما تقدم من أسباب ووفقاً للمادة 238 (1) (هـ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 أرى أن أرفض تأييد قرار محكمة الموضوع بإدانة المتهم مما يترتب علي ذلك بطلان إجراءات المحاكمة على أن يبقى المتهم بالحراسة وعلى أن تعاد محاكمة القضية من جديد أمام محكمة كبرى برئاسة قاضي غير القاضي سليمان محمد شايب على أن تظل التهمة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1974 وفي حالة الإدانة توقع العقوبة المنصوص في ذلك القانون وفي حالة عدم العثور علي بعض شهود الاتهام بعد البحث المضني تستطيع المحكمة الكبرى أن تستعين بأقوالهم في محضر التحقيق القضائي عملاً بنص المادة 202 (1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 على أن يجري الفصل في هذه القضية علي جناح السرعة
أوافــق أوافــق
يوسف دفع الله صلاح محمد الأمين
قاضي المحكمة العليا قاضي المحكمة العليا

