حكومة السودان / ضد / آمنة بابكر أحمد
المحكمة العليا
حكومة السودان / ضد / آمنة بابكر أحمد
(م ع/م ك/118/1405هـ)
المبادئ:
قانون جنائي – الطلاق ينفي وجود الإحصان الموجب للرجم في جريمة الزنا
حدوث الطلاق قبل ارتكاب جريمة الزنا ينفي وجود الإحصان ا لموجب للرجم لأن المطلقة تعتبر محصنة عند بعض الأئمة وبالتالي ينتفي شرط من شروط جريمة الزنا المعاقب عليها بالرجم حداً وتوقع عليها العقوبة التعزيرية
الحــكــــــم
التاريخ : 25 محرم 1406هـ
الموافق: 10/10/1985م
القاضي : حنفي إبراهيم أحمد
تتلخص الوقائع التي ثبتت فوق مرحلة الشك المعقول في الآتي :
في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب 1405هـ أبلغ الشاكي وهو والد المتهمة في هذه القضية بأنه ابنته المطلقة قد حملت سفاحاً – تم القبض علي المتهمة وتم فتح بلاغ ضدها تحت المادة 318 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م وكذلك قبض علي المتهم الثاني والذي ذكرت المتهمة عند أخذ أقوالها أنه اتصل بها جنسياً والذي شطب الاتهام في مواجهته لعدم وجود بينة مبدئية ضده تم عرض المتهمة علي الطبيب والذي جاء تقريره (مسند اتهام (1)) أنه بعد الكشف اتضح أن المتهمة بحالة جيدة وهي حامل ومدة الحمل ثلاثون أسبوعاً كما أن الجنين بحالة جيدة وأنها بكرية
قدمت المتهمة للمحاكمة أمام مجلس قضاة أرقو القانوني بسلطات قاضي جزئي وجاء قراره بادانة المتهمة تحت المادة 318 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983 وحكمت عليها بالرجم بالحجارة على ألا ينفذ العقوبة إلا بعد انقضاء مدة الرضاع وهي عامين
أرسلت الأوراق لهذه المحكمة بموجب المادة 237 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 للتأييد وبموجب المنشور الجنائي رقم 3/1405هـ الصادر من رئيس القضاء بغرض الفحص والتأكد من سلامة الحكم ومطابقته لأحكام الشريعة الإسلامية
بعد اطلاعي علي المحضر القضائي والأوراق المرافقة ويومية التحري اتضح لي من البينة المقدمة أن المتهمة وبإقرارها الصريح والصحيح قانوناً قد سمحت لغيرها أن يدخل ذكره في فرجها بدون مسوغ شرعي وهي مسلمة الديانة وأنها قد حملت سفاحاً ووضعت بنتاً إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه ويجب الإجابة عليه هو هل المتهمة محصنة ؟
لقد اختلف العلماء في تحديد معني الإحصان الشرعي فذهب الشافعية إلي أنه وطء المكلف الحر في نكاح صحيح (مغنى المحتاج 4/ص146)
وقال الأحناف أنه يجب أن يتحقق في إحصان الرجم بالزنا الحرية والتكليف والإسلام والوطء بنكاح صحيح وكونهما محصنين حالة الدخول في النكاح الصحيح وكونهما محصنين بالصفة المذكورة وقت الوطء ولا يجب عندهم بقاء النكاح لقاء الإحصان فلو نكح في عمره مرة ثم طلق وبقي مجرداً وزنى رجم (ابن عابدين ج3 / ص153) تبيين الحقائق (ج3/172)
وذهب المالكية إلي أن المحصن في الزنا هو المكلف الحر المسلم الذي وطئ قبل الزنا وطئاً مباحاً بنكاح صحيح لا خيار فيه (شرح منهج الجليل علي ا لمختصر 4/ص 496)
وذهب الحنابلة إلي أن شروط الإحصان التكليف والحرية والوطء في القبل في نكاح صحيح (المغني والشرح الكبير ج10 – ص126)
وذهب الإمام الصادق وهو من الشيعة الأمامية أنه لا بد من أن تكون الزوجة في عصمة الزاني وقت الزنا (شرح الأزهار – ج4/ص 343 –344)
وقد أيد هذا الرأي الشيخ أبو زهرة فلقد جاء في كتابه العقوبة ص 111
"ولكن عند النظر العميق لانجد نصاً صريحاً يقرر أن المرأة المطلقة تعتبر محصنة وكذلك الرجل ماتت زوجته أو طلقها يعتبر محصناً "
وقد ذهب إلي هذا القول أيضاً العلامة الشيخ رشيد رضا حيث ذكر في كتابه المنار:
"أن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج محصنها فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج – كما أنها لا تسمى متزوجة كذلك المسافر إذا عاد لا يسمى مسافراً ولعمري أن البكارة حصن منيع لا تتصدى صاحبته لهدفه بغير حق وهي علي سلامة فطرتها وعدم ممارستها للرجال وما حقه الآن – يستدل به حسن الزوجة ولكن ما بال الثيب التي فقدت كلا المحصنين تعاقب أشد العقوبتين إذا حكموا عليها بالرجم ؟ هل يعدون الزواج السابق محصناً لها وما هو إلا إزالة الحصن البكارة وتعويد لممارسة الرجالفالمعقول المواقف للفطرة هو ألا يكون عقاب الثيب التي تأتي الفاحشة عقاب المتزوجة وكذلك دون عقاب البكر
وذكر أبو زهرة : نرى من هذا أن هنالك حصنين حصن البكارة تحافظ عليه صاحبته ولكن مع ذلك كانت العقوبة الجلد لعذارتها ولعقوبة الطبع الدافع عند الرجل والمراة علي السواء
والحصن الثاني حصن الزواج وبه تكاملت النعمة فتضاعف العقاب والتي فقدت الحصنين فزالت بكارتها بزواج ثم انقطع تبقى لها قوة الطبع الدافعة فتكون عقوبتها أخف العقوبتين ولا نص يمنع ذلك ولأن العقوبة المشددة لم تثبت أنها تطبق على مثل هذه الحالة ولا حد من غير نص
ولقد أخذ مشروع القانون المصري المستمد من الشريعة الإسلامية بهذا الرأي حيث نص في المادة الرابعة منه في البند الرابع
يقصد بالإحصان حصول جماع مثل الزنا في نكاح صحيح قائم وقت ارتكاب الجريمة
ورأي أنه من المناسب والأفضل أن نأخذ برأي الإمام الصادق الذي أيده الشيخ رضا ووافق العلامة أبو زهرة إذ الأخذ برأي الجمهور تترتب عليه مشقة وحرج خاصة في هذا الزمن المتشبع بالفتن والمفاسد كما أنه لا يوجد نص صريح يشترط فرض عقوبة الرجم في هذه الحالة وهذه شبهة تدرا الحد عن المتهمة
وعليه وبما أن المتهمة في هذا البلاغ قد طلقها زوجها قبل ارتكاب الجريمة وكما هو واضح من أشهاد الطلاق الصادر من الجهات الرسمية (مستند اتهام 3) وهذا يعني أنه لم يوجد نكاح قائم ساعة ارتكاب الحادث وبالتالي لا تعتبر محصنة ويكون قد انتفي شرط من شروط جريمة الزنا المعاقب عليها بالرجم حداً كما أنها لا تعتبر بكراً لسبق الدخول عليها في نكاح صحيح
وعليه فتوقع عليها عقوبة تعزيرية
القرار :
1- تأييد الإدانة وإلغاء عقوبة الرجم
2- تسجن المتهمة سنتين ابتداء من تاريخ وضعها بالحراسة
ما درجنا عليه نحن القضاة عند محاكمة مثل هذه القضايا الخطيرة آمل أن يلفت نظر هذا القاضي الذي لم أجد اسمه واضحاً من بين توقيعاته الغامضة

