جوزيف عبد الله بلدي الطاعن - ضد - صديق محمد طله المطعون ضده
جوزيف عبد الله بلدي الطاعن - ضد - صديق محمد طله المطعون ضده
نمرة القضية:
م ع/ ط م/ 24/1982م
المحكمة:
المحكمة العليا
العدد:
1982
المبادئ:
• قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م – الحاجة الماسة للسكن – حاجة الملك المقيم خارج البلاد – شرطها
يشترط لا سترداد المالك المقيم خارج البلاد لحيازة عقاره بغرض السكن فيه أن يعود نهائياً إلى موطن العقار فعلاً وحيقية
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
جوزيف عبد الله بلدي الطاعن - ضد - صديق محمد طله المطعون ضده
م ع/ ط م/ 24/1982م
المحامون :
عمر الفاروق محمد نور عن الطاعن
الأستاذ فتحي حسن كاشف عن المطعون ضده
الحكم
15/2/1982م
القاضي : فاروق أحمد إبراهيم
هذا الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في استئنافها المدني رقم 740 /1980 بتاريخ 5/12/1981م والقاضي بإلغاء حكم محكمة المديرية واستعادة حكم قاضي الموضوع الصادر بإخلاء الطاعن من العقار محل النزاع
وتتحصل الوقائع في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 1987/1979م لدى محكمة الخرطوم الجزئية طالباً القضاء بأخلاء العقار من الطاعن المؤجر إليه وذلك لحاجتة الماسة والضرورية للسكن فيه ولعدم وجود رابطة تعاقدية بين الطرفين ويقول شرحاً لدعواه بأن الطاعن كان يستأجر جزءاً من العقار من الباطن وأنه أقام دعوى سابقة لاخلائه مع المستأجر الأصلي لعدم موافقته على الإجارة إلا أنه استبعده من الدعوى وتحصل على الحكم بالإخلاء ضد المستأجر الأصلي وظل الطاعن بعده شاغلاً للجزء موضوع الإيجارة من الباطن
بعد تبادل المذكرات حددت محكمة الموضوع نقطة نزاع واحدة حول واقعة الحاجة وبعد سماعها للأدلة قضت في 24/6/1980م بإخلاء الطاعن من العقار تأسيساً على ما ثبت لها من أن المطعون ضده وإن كان يقيم خارج البلاد وقت رفع الدعوى إلا أن واقعة الاغتراب لا تحول دون حقه في استرداد الحيازة ما دام قد ثبت أنه ينوي العودة إلى وطنه
استؤنف ذلك الحكم أمام محكمة المديرية التي قضت بإلغائه وشطب دعوى الإخلاء استناداً إلى أن إجماع الأدلة وظروف الدعوى وملابساتها لا يشيران إلى ثبوت الحاجة الماسة بالمفهوم الذي يتطلبه القانون كما وأن المستند الذي قدمه المطعون ضده في الدعوى الأولى والذي يشير إلى انتهاء خدماته خارج البلاد لا يصلح كدليل على قيام الحاجة الماسة كما وأنه قد استنفذ أغراضه لما هو ثابت من أن المطعون ضده قد استمر في البقاء خارج البلاد بعد انتهاء تلك الدعوى
لم يرض المطعون ضده بذلك الحكم وطعن فيه أمام محكمة الاستئناف التي قضت بإلغاء حكم قاضي المديرية واستعادة الحكم الابتدائي الصادر بالإخلاء ولقد كان من رأي تلك المحكمة أن المعيار الذي توزن به الحاجة الماسة ليس معياراً جامداً وإنما لا بد أن ينساق وراء كل كبيرة وصغيرة وأن يميل لصالح المالك دائماً وأنه في ظروف تلك الدعوى فإنه من حق المطعون ضده أن يعود إلى وطنه ليستقر في ملكه الخاص على الوجه المألوف والمعتاد بين الناس
ينعى محامي الطاعن على حكم محكمة الاستئناف مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه لما قضى بإخلاء الطاعن من العقار في حين أن الثابت بإجماع الأدلة إثباتاً ونفياً أن الطاعن وعائلته لا يقيمون بموطن العقار وأنه لا زال يعمل في دولة عربية وأنه مهما قل التشدد في تطبيق معيار الحاجة الماسة فإن مفهومها وبكل المقاييس لا ينطبق على وقائع النزاع وقد رد محامي المطعون ضده بمذكرة عدد فيها الأسباب الموضوعية التي تبرر إخلاء العقار مشيراً في ذلك إلى بعض السوابق القضائية وانتهى إلى طلبه بتأييد الحكم المطعون فيه على أساس أنه جاء موافقاً لوزن البينات ولما سبق أن استقر عليه القضاء في هذا الخصوص
والنعي بهذا السبب صحيح ذلك أنه وإن كان من المتعارف أن المالك أولى بملكه من الغير إلا أن هذا القول لا يعني أن تقضي المحكمة العليا تلقائياً بالإخلاء إذ أن المادة 11 (د) من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م تضع شروطاً لا بد من استيفائها قبل أن تقرر المحكمة في مدى حاجة المالك ومن هنا فإنه يتعين على القاضي أن يبحث في كل الظروف المحيطة بالنزاع وأن يوازن بين جدية المصلحة القائمة من جانب كل طرف قبل أن يغلب مصلحة أي منهما على مصلحة الآخر على أن يكون قراره في هذا الشأن مبيناً على أسس عادلة ومنطقية وإلا أصبح خاضعاً لرقابة السلطة الاستئنافية
وعلى هدى هذا النظر فإنه من الثابت أن المطعون ضده لا زال يقيم بدولة الكويت مع عائلته وأن أولاده يدرسون هناك ولم يبين أي من شهود الإدعاء على وجه مقنع إن خدماته بالخارج قد انتهت وأن عودته حتمية ورهينة بنتيجة الدعوى إذ كل ما ورد في البينات أنه يفكر أو ينوي العودة مما يفترض معه أنه لا زال يعمل هناك إذ ليس من المألوف أو المتعارف عليه أن يبقى الشخص في غربته دون عمل أو دخل يعوله لمجرد أنه لا يجد مكاناً في بلده ليسكن فيه
وإذا كان الجزء الخالي من العقار لا يسع المطعون ضده وعائلته إن هو صمم على العودة والاستقرار فيه –وقد يكون هذا صحيحاً بالنظر إلى مساحته ومحتوياته – إلا إن ذلك لا يغني عن وجوب استيفاء الشرط الأساسي لرد الحيازة وهو عودة المطعون ضده فعلاً وحقيقة ولو حدث ذلك فليس ما يمنعه من الإقامة في منزل الإيجار لأن الإجارة في حد ذاتها مما يصلح كقرينة على جدية الرغبة في الاستقرار على أي وجه كان
وإن كان الأصل هو أن يقيم المالك في ملكه وأن واقعة الإجارة بالنسبة له واقعة غير مألوفة وتتعارض مع حقه الأصلي في الانتقال إلى ملكه الخاص اتقاء لشرور الإيجار وويلاته خاصة إذا كان ما يدفعه من إيجار يفوق ما يتحصل عليه من عقاره وبغير تحقق هذه العودة فإننا لا نستطيع أن نستخلص قيام الحاجة الماسة الضرورية لمجرد أن المطعون ضده ينوي – إن سلمنا بذلك – العودة نهائياً إلى أرض الوطن
ولربما تغير وجه الرأي في الدعوى لو أن المطعون ضده كان يقيم في الجزء من العقار الذي سبق إخلاؤه إذ يكون في موقف حقيقي يستطيع أن يدلل فيه على قيام حاجة ماسة وضرورية لاسترداد الجزء الآخر الذي يشغله الطاعن إن كان لذلك مبرر أما وأنه لا زال مقيماً خارج البلاد ولم يقدم أمامنا أي دليل مادي على حاجته لكل العقار فإنه بالضرورة يصعب الحكم على مدى حاجته للجزء المتنازع عليه
ولو أمكن التجاوز عن ذلك بقوله إن هناك حاجة لاسترداد الحيازة بغرض الاستقرار في ملكه بعد عودته من الخارج فهي – في ظروف هذه الدعوى – لا تشكل حاجة ملحة تبرر تشريد المستأجر إذ يشترط لرد الحيازة أن تكون مصلحة المالك قائمة ومعقولة ومحققة وقت رفع الدعوى وليست محتملة وأن تتغلب على مصلحة المستأجر وهو ما لا يمكن القطع به في خصوصية هذا النزاع إذ الثابت أن المطعون ضده ظل قبل وبعد رفع الدعوى وحتى تاريخ هذا الطعن خارج البلاد وليس ثمة دليل واحد على أنه قد انهى خدماته وأن ظروفه الحالية تحتم عليه أن يعود إلى البلاد
لقد سبق لهذه المحكمة إن قالت في هذا الخصوص وذلك في الطعن رقم 20/1978م حيث جاء في حيثيات حكمها ما يلي :-
حقيقة أن السوابق القضائية قد خففت من غلواء الوضع القائم بحيث أصبح من حق المالك المشتري للعقار بغرض السكن فيه أن يسترد الحيازة باعتبار أن المالك أولى بملكه وأن مصلحته تسمو على مصلحة المستأجر إذا ما تعارضت المصلحتان ولكن من المسلم به أن المعنى بذلك هو أما المالك الذي يقيم بموطن العقار حقيقة وفعلاً أو المالك غير المقيم الذي تحتم ظروفه أن يعود إلى البلاد ولم يكن في حسبان المحكمة وهي تقرر هذا المبدأ أن تتوسع في مفهوم الحاجة الماسة بحيث يدخل في نطاقها المالك الذي يقيم خارج البلاد بصفة دائمة لا يعود إليها إلا في فترات متقطعة كما وأنه لم يكن من ضمن أهداف المشرع أن يضع المالك الذي يقيم خارج البلاد في وضع أفضل من المالك الذي يقيم بموطن العقار بحيث لا يكون الأول ملزماً بإثبات الحاجة الماسة والملحة للعقار لأن ذلك يعني التسليم الكامل بحق المالك غير المقيم في استرداد الحيازة في أي وقت شاء مما يتعارض مع الغرض الذي سنت من أجله المادة 11 (د) من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م ان لم ينطو على إجهاض كامل لذلك النص
لقد ورد في أقوال شاهد الإدعاء الأول أن المطعون ضده أرسل جزءاً من أثاثاته وهو مكدس حالياً في منزل شخص آخر كما وأن بعض الأثاثات محفوظ في الجزء الذي تم إخلاءه وهذه الواقعة لو صحت لا تعتبر في حد ذاتها دليلاً كافياً على نشوء الحاجة الماسة ذلك أن العنصر الأساسي في دعاوي استرداد الحيازة للسكن الخاص هو في المقام الأول عنصر إنساني بحت يتعلق بشخص المالك أو بأفراد أسرته وفي هذه الحالة فإن وضع الأثاث قد يؤخذ كقرينة إضافية على قيام الحاجة الماسة أما إذا انتفى الدليل على قيام الحاجة الشخصية ابتداء فإنه لا يجوز للمحكمة أن تتوسع في مفهوم الحاجة الماسة بحيث تشمل بجانب الحاجة الشخصية حاجة المالك لحفظ أثاثاته أو أمواله الأخرى وإذا كان هناك ضيق في السكن بسبب وجود تلك الأثاثات فهو يقع على صاحب المنزل الآخر ولا شأن للمطعون ضده بما يترتب عليه من آثار ولما كان الحكم المطعون فيه قد خالف النظر وقضى بثبوت الحاجة الماسة والضرورية لاسترداد الحيازة فإنه يكون قد أسس قضاءه على فهم محصله مخالف لما تنبئ به أوراق الدعوى ولما استقر عليه قضاء هذه المحكمة ويتعين نقضه في هذا الخصوص وحيث لما تقدم فإننا نأمر بما يلي :-
1- نقض الحكم المطعون فيه واستعادة حكم قاضي المديرية على نحو ما قضى به
2- لا أمر بشأن الرسوم
15/2/1982م
القاضي هنري رياض
أوافق
15/2/1982م
القاضي زكي عبد الرحمن
أوافق

