أدم جبريل عبد الله ضد فاطمة محمد أحمد
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ محمد محمد الحسن شقاق قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
م ع / ط م / 267/1989م
المبادئ:
قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925 الأراضي المملوكة للدولة الحيازة الحكمية والحيازة الفعلية العشوائية لأراضي الدولة –أيهما تعتبر الحيازة الأفضل
تعتبر الحيازة الحكمية على الأراضي المملوكة للدولةالمستندة إلى الأوراق الثبوتية واتبعت في الحصول عليها الاجراءات القانونية هي الحيازة الأفضل التي تستحق حماية القانون من الحيازة الفعلية العشوائية لتي لم تراع فيها الإجراءات القانونية
الحكـــــم
القاضي: علي يوسف الولي :
التاريخ: 5/8/1989م
هذا الطعن بالنقض تقدم به الطاعن أدم جبريل عبد الله بتاريخ 26/6/1989م لهذه المحكمة ضد حكم محكمة إستئناف الخرطوم بشطب طلب المراجعة لحكمها الصادر بتاريخ 3/11/1988م والقاضي بتأييد حكم محكمة أمدرمان الجزئية والذي قضي بتاريخ 3/3/1988م بإخلاء الطاعن من قطعة الأرض المتنازع عليها وتسلميها خالية للمطعون ضدها بعد إزالة المباني التي شيدها الطاعن وقد أعلن بحكم محكمة الإستئناف بشطب طلب المراجعة بتاريخ 5/6/1989م بواسطة محاميه
تتحصل الوقائع في أن المطعون ضدها (المدعية) أقامت الدعوى لدى محكمة أمدرمان الجزئية في مواجهة الطاعن (المدعي عليه) تطلب إخلاء الطاعن من قطعة الأرض رقم 741 الحارة 11 أمبدة وإزالة المباني التي شيدها وذلك تأسيساً على أنها هي أولى وأحق بحيازة تلك الأرض الحكومية إذ إن الحكومة منحتها أياها بموجب عقودات و وثائق ومستندات رسمية
ثبت بالدليل إن الأرض مثار النزاع ليست مسجلة وفقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م وهي سكنية منحتها الدولة للمطعون ضدها في عام 1984م بموجب عقودات و وثائق تثبت حيازتها لها وحق الإنتفاع بها بالسكن ولم تبن المطعون ضدها على تلكم الأرض أي نوع من المباني في حين إن الطاعن حاز على تلك الأرض حيازة فعلية عشوائية دون أن تمنحها له الدولة ودون أذنها ودون علمها وتصديقها و قام منذ عام 1960م بتشييدها وبناء عليها متعدد الغرف و أحاطها بحائط
ولما لم يرض الطاعن بحكم محكمة الموضوع المشار إليه وتأييد محكمة الإستئناف لذلك الحكم رفع لنا الطاعن هذا الطعن
الأسبــــاب
أري في تقديري شطب هذا الطعن بالنقض إيجازياً دون سماع المطعون ضده أو دون تلقي رد منه عملاً بنص المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م لإنعدام الأمل في نجاحه وذلك لسببين أثنين:
1/سبب شكلي وهو تقديم طلب الطعن لنا بعد فوات المدة القانونية بحوالي ستة أيام مخالفة بذلك المادة 208 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م
2/ سبب موضوعي وهو إن الحكم المطعون فيه ليس مبنياً على مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله ولم يقع بطلان في الحكم المذكور أو بطلان في الأجراءات أثر فيه
ونستطيع أن نقرر شطب هذا الطلب إيجازياً للسببين المذكورين أنفاً في آن واحد لأن في قضية محمود الشبلي ضد حسين طنون مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م ص124 قضت المحكمة العليا بان المحكمة تستطيع شطب الطعن إيجازياً ودون إعلان عريضته مسبقاً للمطعون ضده طالما رأت إن الطعن لا أمل فيه ويستوي أن يكون إنعدام الأمل فيه مستنداً إلي سبب شكلي أو موضوعي إذ لا تفرقه في هذا الصدد حسب نص المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية
بشأن السب الشكلي فقد نصت المادة 208 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م على الأتي:
(ميعاد الطعن بطريق النقض خمسة عشر يوماً من تاريخ إعلان الحكم المطعون فيه)
ويترتب على عدم مراعاة ميعاد الطعن-كما قضت المحكمة العليا في قضية هجو يعقوب ضد ورثة محمد مرجان مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص123-سقوط الحق في الطعن ولأن ذلك من النظام العام فتقضي المحكمة بالسقوط من تلقاء نفسها دون تحريك من أحد الأطراف
والحكمة من وراء تحديد ذلك الميعاد تكمن في قصد المشرع إلي حسم منازعات الناس وإعتبارها منتهية بسرعة وخلال الزمن المعقول الذي حدده وسقوط الحق في الطعن بسبب تجاوز ذلك الميعاد قضي به من أجل حماية مصلحة أولى بالرعياة هي حسم المنازعات بالسرعة المناسبة
"قضية أحمد محمد القول ضد بخيت فضل المولي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م ص187
والحق في الطعن يسقط بمجرد مضي المدة القانونية المذكورة حتى ولو كان ذلك بيوم واحد فقد قضت المحكمة العليا في قضية النور عبدالله ونديه ضد نصرة أحمد عالم مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م ص65 بأنه يستوي من حيث الأثر الذي يرتبه القانون لتخلف يوم أو أكثر من الموعد الذي يحدده القانون لتقديم الإستئناف
ولكن يجوز للمحكمة العليا كما قضت المحكمة العليا في قضية الحاج أحمد محمد ضد عبدالجبار حسين زاكي الدين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص118-تحقيقاً للعدالة أن تتقاضي عن مدة تقيم طلب الطعن بالنقض فبرغم إن للمشرع حكمة خاصة في تحديد مواعيد تقديم طلب الطعن بالنقض كما سلف بيانه –إلا إن المحكمة العليا بمقتضي سلطاتها الطبيعية الواردة في المادتين 70 (ب) و 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م لها الصلاحيات الواسعة التي تجب أن تمارسها ممارسة قضائية في إمتداد تلك المواعيد حتى لا تقف الإجراءات الشكلية حجرة عثرة في سبيل تحقيق العدالة وحتى لا يطغي الشكل عن الموضوع وحتى لا تنهار قواعد العدل وحتى لا يجهض ويهدر الإنصاف وقالت المحكمة العليا في قضية حميدة عبدالله كنون ضد فتحي حامد وميرغني عثمان حسين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1977م ص294-295 ما يلي:
" لقد دأبت محاكمنا العليا و الإستئنافية في هذا البلد ألا تجعل من الإجراءات قيداً على تحقيق العدالةبمعنى آخر ألا تجعل من الإجراءات أداة ظلم أو ضرر لأي من الطرفين وأن تكون أكثر تحرراً و أوسع صدراً في تحقيق العدالة و تطويع الإجراءات تبعاً لهذه الغايةلم تكن الأجراءات يوماً سبباً في حرمان طرف من تقديم إستئنافه وسماع رأيه لقد وضع المشرع الضمانات الكافية لعدم طغيان الإجراءات على الجوهر وحتى لا تقف حجر عثرة في تحقيق العدالة لقد أعطت المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م المحاكم سلطة مد المواعيد حتى بعد إنقضائها إذا رأت إن في ذلك الإجراء تحقيق للعدالة كما أعطت المحاكم بنص المادة 303 الحق في إستخدام سلطاتها الطبيعية لتحقيق العدالة رغم إن الإجراءات إذا كانت تعارض تحقيق العدالة"وفي قضية يوسف صالح ضد سعدية مصطفي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979م ص241 قضت المحكمة العليا بان ممارسة المحكمة لسلطاتها الطبيعية تحت المادة 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية لا تكون إلا لأسباب واضحة لمنع سوء إستعمال إجراءات المحكمة ولتحقيق العدالة بين الطرفين وفي قضية عمر على عثمان ضد حمد أحمد دار قيل مجلة الأحكام القضائيئة لسنة 1975م ص181 قضت المحكمة العليا بأن المادة 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية ينحصر إختصاصها في الرقابة على الإجراءات تحوطاً من أن يؤدي التمسك بحرفية النصوص الإجرائية إلي إختلال بميزان العدالة
ولكن المحكمة العليا لا تمارس سلطاتها الطبيعية تلك لإمتداد مواعيد تقديم طلب الطعن بالنقض إلا في حالتين أثنين تبرران ذلك هما:
1/ قيام أسباب كافية ومعقولة و وجيهة حالت دون أن يقدم الطاعن طلب الطعن بالنقض خلال الميعاد القانوني فليس هناك إهمال من جانب الطاعن أو تراخي أو تسيب في تقديم الطلب بل أثبت الطاعن جديته ورغبته الأكيدة وحرصه الشديد وإهتمامه البالغ في تقديم طلب الطعن بالنقض
ففي قضية النور عبدالله وندية ضد نصرة أحمد سالم المشار إليها آنفاً قضت المحكمة العليا بأن للمحكمة العليا صلاحيات واسعة في هذا الصدد مثلها مثل أي محكمة من درجة أقل والضابط في ذلك هو إقتناع المحكمة بوجود أسباب كافية وتبرر قبول الإمتداد وفي قضية ورثة الزاكي حاج عمر ضد علي العوض علي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1977م ص437 قضت المحكمة العليا بأن المحمة تملك سلطة تقديرية واسعة في مد ميعاد الطعن متى كانت الأسباب المحددة لذلك كافية طبقاً للمادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م (هي نفس المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م) وفي قضية النور عبدالله وندية ضد نصرة أحمد سالم المشار إليها سابقاً قالت المحكمة العليا على ص66-67 ما يلي:
"إننا كمحكمة عليا عندما يعرض أمامنا طعن بالنقض بعد الموعد القانوني المحدد لذلك يقدم لنا طلب لقبول إمتداد الزمن بالنسبة له كي ننظر فيه فإننا في هذه الحالة نملك صلاحيات واسعة في هذا الصدد مثلنا مثل أي محكمة من درجة أقل تعرض أمامها نفس الحالة إذ الضابط في كل هذا هو الإقناع بوجود أسباب كافية تبرر قبول الإمتداد"
ففي هذه القضية التي بين أدينا لم يقدم الطاعن أسباباً كافية ومعقولة و وجيهة حالت دون أن يقوم بتقديم طلب النقض خلال المدة ما بين 5/6/1989م التاريخ الذي أعلن فيه بواسطة محاميه و 30/6/1989م آخر تاريخ لتقديم الطعن ولكن الطاعن تقدم بهذا الطعن قد مضي المدة القانونية أي بتاريخ 26/6/1989م بل أثار الطاعن حجة واهية حين ذكر بأن محاميه تحول إلي مكتب النائب العام ولم يعلنه بالحكم ومن ثم لا أجد مبرراً لهذه المحكمة لممارسة سلطاتها الطبيعية بمقتضي المادتين 70 (ب) و 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م لإمتداد الميعاد المحدد قانوناً في المادة 208 من ذات القانون لتقديم طلب الطعن بالنقض الذي نحن بصدده
2/ إذا شاب الحكم المطعون فيه أو حكم محكمة الموضوع خطأ واضح في تطبيق القانون أو أنبنى على أسباب وأجراءات معيبة
ففي قضية حميدة عبدالله كنون ضد فتحي حامد وميرغني عثمان حسين المشار إليها سابقاً قضت المحكمة العليا بأنه لا يسقط الحق في الطعن لمجرد أنه قدم بعد فوات المدة المحددة له قانوناً إذا كان الحكم معيباً وفي قضية سليمان عمر وآخرون ضد عبدالرحيم الحسن مجلة الأحكام القضائية لسنة 1977م ص403 قضت المحكمة العليا بأنه إذا شاب قرار محكمة الموضوع خطأ واضح في تطبيق القانون فهذا قد يكون كافياً لإعمال محكمة الطعن لسلطاتها تحت المادة 70 مقروءة مع المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية في مد مواعيد الطعن وفي قضية أحمد محمد نور المدنية ضد (1) محمد سيد جمال الدين (2) البنك الزراعي السوداني مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979م ص316 قضت المحكمة العليا بأنه إذا كان الحكم الإبتدائي معيباً مما يتعين نقضه على المحكمة أن تأمر بمد ميعاد الطعن أمامها إستناداً إلي سلطاتها بموجب المادة 70 أو 303 من قانون الإجراءات المدنية إذ ليس من العدالة أن يطفي الشكل على الموضوع
ففي هذه القضية التي بين أيدينا لم أجد إن الحكم المطعون فيه أو حكم محكمة الموضوع ممعناً في الخطأ أو أنه أنبنى على أسباب خاطئة و إجراءات معيبة لأنه عند إستقرائي لإجراءات المحاكمة التي قامت بها محكمة الموضوع وبإطلاعي على حيثيات الحكم لم أجد خللاً أثر على عدالة ذلك الحكم فنقاط النزاع صيغت على وجه سليم والبيانات أستخلصت بطريقة صحيحة وجاء الحكم وفقاً للوزن السليم والصحيح للبيانات وثم تطبيق القانون تطبيقاً صحيحاً على الوقائع ومن ثم لا أجد مبرراً لهذه المحكمة أن تمارس سلطاتها الطبيعية بمقتضي المادتين 70 (ب) و 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م لإمتداد الميعاد المحدد قانوناً في المادة 208 من ذات القانون لتقديم طلب الطعن بالنقض الذي نحن بصدده
بشأن السبب الموضوعي فالحكم المطعون فيه ليس مبنياً على مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله كما لم يقع بطلان في الحكم المذكور أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم
فالثابت بترجيح الأدلة إن حكومة السودان قامت بمنح قطعة الأرض 741 الحارة 11 أمبدة- أمدرمان للمطعون ضدها بموجب مستندات رسمية وهي قطعة غير مسجلة بتسجيلات الأراضي وفقاً لقانون تسوية الأرض وتسجيلها لسنة 1925م في إسم أي مواطن فقد وقعت المطعون ضدها على حق الانتفاع بتلك العين بالسكن بينها وبين الحكومة وقامت المطعون ضدها بإستخراج شهادة البحث وأمتلكت سائر الوثائق الثبوتية التي تثبت إن الدولة قد صدقت لها بحيازة العين محل النزاع والثابت أيضاً إن المطعون ضدها لم تقم بعد بتشييد أي مبان على تلك العين
ومن الجانب الآخر فإنه ثابت أيضاً من خلال أدلة الدفاع بأن الطاعن قد حاز على الأرض موضوع النزاع منذ 1960م حيازة فعلية عشوائية دون علم أو تصديق حكومة السودان فقد شيد عليها بناء متعدد الغرف كما بنى عليها دكان وأحاطها بحائط والثابت إن إستمرار إنتفاعه بالسكن على تلك الأرض لم ينقطع مطلقاً والثابت أيضاً إن الطاعن لم يمتلك وثائق ثبوتية تثبت إن الحكومة قد منحته الارض مثار هذا النزاع وإذا كانت هنالك إشارة في بينات الدفاع بأن إسم الطاعن قد ظهر في كشوفات الخطة الإسكانية الحارة المذكورة كمستحق ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال إن الحكومة قد منحت الطاعن الأرض- المنازع عليها كما هو الحال بالنسبة للمطعون ضدها
ومعلوم أنه في الحالات التي لا تكون الدولة طرفاً في النزاع يمكن أن يتنازع رعاياها حول "الحيازة الأفضل" في الأرض المسجلة بإسم الحكومة أو التي يفترض أنها مسجلة بإسمها وهي الأرض التي لم تسجل وفقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م في إسم أي من رعايا الدولة
ففي القضية التي بين أيدينا ليست الدولة طرفاً فيها والثابت إن الارض محل النزاع غير مسجلة وفقًا لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م فهي إذن-أرض مفترض بأنها مسجلة في إسم الحكومة ومفترض بأنها مملوكة لها ومن ثم يجوز للطاعن والمطعون ضدها أن يتنازعا حول حيازتها وحول حق الإنتفاع بها بالسكن
والسؤال الذي يطرح ويفرض نفسه ويثور ما إذا كانت حيازة الطاعن الفعلية المتمثلة في البناء والتشييد العشوائية التي لم تصدق بها الحكومة أم حيازة المطعون ضدها الحكمية والتي لا تعدو أن تكون مجرد إمتلاك لوثائق ثبوتية تثبت تصديق الحكومة للمطعون ضدها بحيازة تلك العين-هي "الحيازة الأفضل" التي تستحق رعاية القانون وحمايته وإعترافه بها؟
إن تقرير الحيازة على الأراضي المملوكة للدولة هي أجدر بالتفضيل دون غيرها والتي هي الاولى بحماية ورعاية القانون أمر وقائعي يقتضي إن كل قضية يجب أن تعالج حسب بيناتها وظروف وقرائن أحوالها وملابستها المحيطة بوقائعها
فالحيازة الفعلية على الأرض المملوكة للدولة التي تعني الهيمنة والسيطرة العمليةكما بدت بصورة مجسدة و أكبر و أوسع حجماً وشكلاً وموضوعاً كلما كانت أفضل وأثبت وأقوى ومن ثم أولى بحماية ورعاية القانون من الحيازة التي تبدو بصورة ضيئلة وبسيطة وقليلة فمثلاً من بنى غرفتين على الأرض المملوكة للدولة بناءً عشوائياً حيازته أفضل ممن بنى غرفة واحدة وأيضاً من بنى قصراً حيازته أفضل ممن بنى كوخاًالخ
ومهما يكن من شئ فإن الحيازة الفعلية العشوئاية بالمفهوم الذي سلف بيانه ليست بأفضل من الحيازة المحكمة التي لا تزيد عن كونها تملك الأوراق ومستندات و وثائق ثبوتية تثبت تصديق الدولة بحيازة الأرض المملوكة لها وذلك لأن الحيازة الفعلية العشوائية حيازة غير مشروعة وغير قانونية تحصل عليها صاحبها دون أن يتبع الإجراءات القانونية في حين إن الحيازة الحكمية المذكورة حيازة مشروعة وقانونية تحصل عليها صاحبها بعد أن أتبع كل الإجراءات القانونية وباركتها و وافقت عليها ومنحتها وصدقت عليها الدولة مالكة الأرض وصاحبة الحيازة الحقيقية عليها فمثلاً من شيد وبنى منذ تاريخ سابق وفطن وسكن في العين الحكومية أو من زرعها وفلحها وأستثمرها عشوائياً وبدون تصديق رسمي وبدون أن يمتلك عقودات أو وثائق و مستندات صادرة من الجهات الإدارية تبرر حيازته-ليس بأحق بالبقاء فيها ممن تسلم- ولو فيما بعد- من السلطات الإدارية العقودات وتلك الوثائق والمستندات ودفع الرسوم وسدد العوائد دون أن يشيد على تلك العين الحكومية أي نوع من البناء أو دون أن يفلحها أو يستثمرها
ففي القضية التي بين أيدينا أجدني أرى-دون تردد- إن حيازة المطعون ضدها الحكمية على النحو الذي سلف بيانه هي الحيازة الأفضل والتي هي أجدر بحماية القانون ورعايته دون حيازة الطاعن الفعلية العشوائية و أفضلية حيازة المطعون ضدها مستمدة من حقيقة أنها حيازة باركتها وصدقت عليها الدولة صاحبة الحيازة والمالكة الحقيقية للأرض مثار هذا النزاع و أما عدم أفضلية حيازة الطاعن الفعلية العشوائية لسبب أنها حيازة غير شعرية وغير قانونية ولم يتبع الطاعن عند الحصول عليها الإجراءات القانونية المرعية بل تحصل عليها بالإعتداء على أرض الحكومة ودخل فيها دون علمها ودون موافقتها وأذنها ويستطيع الطاعن أن يقيم طعناً إدارياً لدى القضاء الإدراي في مواجهة الحكومة ضد قرارها بمنحها العين المنازع عليها للمطعون ضدها ونزع حيازتها منه- وفي الواقع بما إن الدول هي المالكة الحقيقية للأرض موضوع هذا النزاع وبما أنها صاحبة حيازتها فهي تملك مطلق الحرية في منح حيازة أرضها لمن تشاء من رعاياها طالما إن ذلك كان وفقاً للإجراءات القانونية المرعية وقد وقع إختيارها على المطعون ضدها دون الطاعن وأنها لا تستطيع أن تمنح حيازة الأرض المملوكة لها رعاياها الذين أعتدوا على أرضها وحازوها حيازة فعلية عشوائية دون أن يتبعوا الإجراءات القانونية فالدولة لا تعترف بتلك الحيازة الغير مشروعة كحيازة الطاعن التي لم يراع فيها القوانين والنظم واللوائح والتخطيط إن الحيازة العشوائية لأراضي الدولة كحيازة الطاعن لا يمكن للقانون أن يعترف بها ويحميها ولا يمكن أن يرعاها كما يحمي ويرعي الحيازة القانونية كحيازة المطعون ضدها التي باركتها وصدقت بها و وافقت عليها و أذنت بها الدولة المالكة وصاحبة الحيازة الحقيقية
ومن ثم فإن حكم محكمة الموضوع القاضي بأن المطعون ضدها صاحبة الحيازة الحكمية القانونية أحق و أولى بالارض المملوكة للدولة مدار هذه القضية دون الطاعن صاحب الحيازة العشوائية غيرالقانونية-ليس حكماً مبنياً على مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله كما لا أجد بطلاناً في الحكم المذكور أو بطلاناً في الإجراءات أثر فيه وعليه أرى تأييد ذلك الحكم
ولهذه الأسباب مجتمعة أرى إنه يتعين عدم قبول هذا الطعن شكلاً وموضوعاً وبالتالي يتعين شطبه برسومه إيجازياً على أن يظل حكم محكمة الإستئناف المؤيد لحكم محكمة الموضوع يظل حكماً نهائياً غير قابل للطعن كما يتبع عدم قبول الطعن ورفض طلب وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه تلقائياً وبالضرورة
القاضي: هنري رياض سكلا القاضي: محمد الحسن شقاق
التاريخ: 15/8/1989م التاريخ: 30/8/1989م
أوافق أوافق

