تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
08-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1987
  4. حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

القضاة

السيد/ بابكر زين العابدين                          قاضي المحكمة العليا       رئيساً

السيد/ يوسف دفع الله                             قاضي الحكمة العليا         عضواً

السيد/ علي يوسف الولي                         قاضي المحكمة العليا       عضواً

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

م ع / م ك /103/1405هـ

المبادئ:

إثبات – أقوال المتوفى- جواز قبولها ولو لم يكن المتوفى يتوقع الموت – إقتناع المحكمة بها

إثبات – التمسك بدفع المعركة المفاجئة – إبراز قضية مبدئية له ضرورة للإثبات فوق مرحلة الشك المعقول

قانون جنائي – القتل – المعركة المفاجئة – استعمال سلاح في يد المتهم ليس بالضرورة استغلال للظروف

1-   لقد جري القضاء واستقر علي أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن من أدلي بها توقع الموت أو الاحتضار وإن لم تؤخذ بواسطة قاض أو علي اليمين أو في حضور المتهم وان كانت شفوية أو كتابية متي اقتنعت المحكمة بصحة تلك الأقوال التي تبين سبب الوفاة

2-   أن الإثبات المطلوب من المتهم عند أثاره دفع  المعركة المفاجئة هو أن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول

3-  أن الجاني إذا استعمل سلاحا كان في متناول يد خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الواقع علي حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الاستعمال علي استغلال للظروف فلا تثريب إذاً علي الجاني عن ذلك الإحساس إذا استعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست جسيمة كما أنه لا يتطلب منه أن يصد اعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم

الحكــــم

التاريخ:

القاضي: بابكر زين العابدين

تتلخص وقائع هذه القضية كما وجدتها محكمة أول درجة وتؤيدها الأدلة المقدمة فيها في الأتي:

يسكن المدان الفريد الإسكندر موتو والقتيل كانتينو مدينج تبويته معا في حجرة واحدة بجهة القماير بامدرمان ويقتسمان دفع أجرها

قبل الحادث هذا بثلاث أيام تقريبا أفض المدان لشاهد الإثبات الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي بان للقتيل علاقة غير شريفة مع زوجته أي زوجة الشاهد – عايده شاهدة الإثبات الرابعة

نقل ذلك الشاهد للقتيل ما سمعه من المدان واتفقا علي أن يأخذ المدان للمدعو جون ويطلبا منه هناك أن يعيد أمامهم جميعا ما قاله من قبل الشاهد

رفض المدان الذهاب معهما للمدعو فتقدم القتيل بعريضة للمحكمة بالمهدية مضمنا فيها شكواه ضد المدان بما نسبه إليه من فعل في حق الشاهد وزوجته

طلب القاضي حضور الأطراف والشهود لجلسة 14/8/1984م وأخطـر القتيل المدان والشهود بالميعاد الذي حدده القاضي

في يوم 13/8/1984 حضر القتيل في المساء في حوالي السابعة فوجد المدان مقلقاً الحجرة التي يتقاسم السكن معه فيها بعد أن غير قفلها في نفـس ذلك اليوم وإحتفظ بمفاتيح معه فطلب منه مفتاحا لكي يدخل عجلته ويخرج سريره فرفض له المدان

إنصرف القتيل وعاد فيما بعد عند حوالي منتصف الليل وطلب من المدان الذي كان يرقد علي سريره خارج الحجرة المفتاح مرة ثانية فرفض المدان الاستجابة لطلبه

حاول القتيل كسر باب الحجرة  وشرع فيه بالفعل فهجم عليه المدان وسدد له طعنه من سكين علي الجنب الأيسر من بطنه وترك السكين في جسمه وهرب

أخرج القتيل السكين من بطنه واتجه إلي قسم الشرطة وأرسل من هناك إلي مستشفي أمدرمان الملكي وحجز به وأجريت له عمليتان وعلي الرغم من ذلك توفي في مساء 15/8/1984م نتيجة صدمة قلبية نتيجة فقدان الدم الناتج عن تهتك الأمعاء في أماكن مختلفة الناتج من الطعنه بالسكين علي الجنب الأيسر من البطن

عاد المدان للحجرة وأخذ أمتعته وقضى الليلة في عمارة تحت التشييد وغادرها في صباح اليوم الثاني إلي مدينة القطينة حيث تم القبض عليه فيها في يوم 19/8/84

بالإضافة إلى أقوال القتيل لشهود الإثبات الأول والثالث والرابعة في أن المدان هو الذي قام بطعنه بالسكين والتي أثبتها هؤلاء الشهود والتي جوز قانون الإثبات لسنة 1983م في مادته 35 الأخذ بها وبالإضافة إلى أن السكين التي اعترف المدان بملكيته واستعماله لها قد وجدت في بطن القتيل فقد اقر المدان لشاهدي الإثبات الأول والثاني وقد أثبت هذان الشاهدان هذا الإقرار واعترف قضائياً بأنه قد طعن القتيل وبرر التصرف بأنه قد اعتقد أن القتيل لص إلا أنه قد عدل عن هذه الأقوال في مرحلة المحاكمة وادعى بأنه لم يطعن القتيل وإنما طعن لصاً حقيقياً وترك السكين في بطن اللص وأن اللص قد أخرج السكين من بطنه وطعن بها القتيل في بطنه وتركه فيها

لم تأخذ محكمة أول درجة بدفاع المدان الأخير هذا في أنه لم يطعن القتيل وإنما طعن اللص الذي طعنه هو ورتبت علي ذلك إدانة المدان جريمة القتل العمد تحت المادة (215) من قانون العقوبات لسنة 1983 ولعدم الإهتداء على ولية الدم والدة القتيل لاستفسارها عما إذا كانت تقبل التنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية أو تصر علي إستيفائه عاقبته بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً

لم يقبل المدان بالإدانة والعقوبة فتقدم بطلب إستئناف قال فيه أنه لم يطعن القتيل وأنه بريء من الجريمة وتحاكم ظلماً ولم يمنح فرصة لتقديم شهود دفاعه في أنه لم يكن موجوداً وقت الإعتداء علي القتيل الذي تركه سليماً عند ذهابه منه للقطينة

بالإطلاع على الإجراءات أوافق أول درجة بان الثابت ومعترف به في هذه الإجراءات هو أن المدان قد طعن القتيل وأن الطعن قد سبب وفاته وأنه وإعتباراً للسلاح الذي إستخدمه المدان في طعن  القتيل والمكان الذي إختاره من جسمه والآثار الناتجة عن الطعنه فإنه يفترض في المدان قصد تسبيب الوفاة أو العلم بترجيح الوفاة من تلك الطعنة

من الجانب الآخر أري أن دفاع المدان في أنه لم يطعن القتيل وفي أنه كان غائبا في وقت الإعتداء علي القتيل وفي أنه لم يمنح الفرصة في تقديم شهود دفاعه على هذا الإدعاء أرى أن هذا الدفع لا سند له في الأدلة والواقع في هذه الإجراءات حيث أن الثابت باعترافه أنه كان موجوداً ولم يغادر إلى القطينه إلا في اليوم الثاني للحادث وأنه قد قال صراحة لقاضي الموضوع أنه لا يرغب في تقديم شهود دفاع وأنه والقتيل قد إتفقا علي أنه دون غيره هو الذي طعن القتيل

أوافق كذلك علي أن ظروف الحادث لا تبرر للمدان الإستفادة من أسباب الإباحة أو التخفيف حيث أنه وبالإضافة إلى أن المدان قد كان قاسياً مع القتيل وبالإضافة إلى أن المدان لا القتيل هو الذي خلق هذا الموقف وأزم الأمور إلى هذا الحد مع القتيل فإن القتيل لم يبادر بالإنتقام منه والإعتداء عليه أو التعارك معه أو إستفزازه وبالتالي أرى تأييد الإدانة

فيما يختص بالعقوبة فالأصل فيها تحت المادة 251 من قانون العقوبـات لسنة 83 هو الإعدام قصاصاً والبديل هو الدية إذا قبلها أولياء الدم لا تستطيـع المحاكم أن تفوض الدية بموجب هذه المادة علي أولياء الدم ولكن يجب عليها أن تسألهم بعد حصرهم بإعلام أو كشف وراثي عما إذا كانوا يقبلون التنازل عن القصاص مجانا أو مقابل الدية أو يصرون علي إستيفاء القصاص حصرت محكمة أول درجة أولياء دم القتيل في هذه الإجراءات في والدته التي تقيم منطقة غرب الإستوائية التابعة لإقليم الإستوائية وجهت محكمة أول درجة الإستفسار لأم القتيل بإقليم بحر الغزال بالرغم من أنها لا تقيم بإقليم بحر الغزال وإنما تسكن بإقليم الإستوائية بالإضافة إلى هذا لم تلاحق محكمة أول درجة الاستفسار إلى أن تتحصل علي إجابة عليه من المسئولين بتلك المنطقة إن العملية الخاصة باستفسار أم القتيل تتعلق بحياة إنسان وإن كل شئ يهون في سبيل حياة إنسان وخاصة أنه من المحتمل أن تقبل أم القتيل بالتنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية وبالتالي كان ينبغي على محكمة أول درجة أن توجه الإخطار بعد أن عرفت أن مكان أم القتيل بالإستوائية إلى رئاسة الجهاز القضائي بالاستوائية التي تعرف أين تقع منطقة الزاندي من الإقليم وكيف تتصل بها في أقرب وقت وتنظر منها الإفادة بعد الملاحقة المعتدلة لكل هذه الأسباب أرى أن نؤيد الإدانة وأن نلغي العقوبة بغرض إعادة النظر فيها وفق ما تسفر عنه إجابة أم القتيل على الإستفسار بعد أن يوجه إليها بعنوانها بواسطة السيد/ رئيس الجهاز القضائي بالإقليم الإستوائي مع السعي الجاد والحثيث على الحصول على إجابة منه ووفق القانون

التاريخ:

القاضي / يوسف دفع الله:

واضح أن المتهم طعن القتيل بسكين في بطنه وتركها دون أن ينزعها من موضع الجرح ثم هرب وقد أدت هذه الطعنة إلى الوفاة وأن القصد الجنائي يشير بوضوح أن هذا الفعل مرجح معه الموت كل ذلك لاخلاف عليه ولكنني أختلف مع الزميل بابكر زين العابدين وأقول أن المتهم يستفيد من الإستثناء الوارد بالمادة 249(4) ( المعركة المفاجئة ) فمن حيث الوقائع نجد أن الحادث وقع في 14/8/1984م وبعد أن قبض على المتهم في 19/8/84م أدلى بأقوال في هذا اليوم قال فيها أنه كان ينام في العراء أمام حجرته فحضر المتهم ولم يوقظه من النوم ليأخذ منه المفتاح لانهما يستأجران الحجرة ويشغلانها سوياً بل كسر الباب الحجرة ودخل بها وكان الوقت حوالي منتصف الليل ويمضي المتهم يقول أنه على أثر ذلك إستيقظ من النوم وإعتقد أن الذي دخل بالحجرة لص فنهض ليمسك به وهنا قال المتهم بالحرف الواحد ( القتيل ضربني كف ورماني وأنا وقعت على السرير بتاعي وقمت عاوز أمسكوا كفتني مرة ثانية وأنا وقعت وطوالي جاء خنقني وأنا ما قدرته أتنفس وخفت أموت وطوالي طعنته بالسكين في ضلعته مرة واحدة والسكين كانت تحت المخده أنا طعنته وهو عاصرني وخانقنى على السرير بتاعي) وفي نفس ذلك اليوم إعترف المتهم أمام القاضي وكرر نفس أقواله السابقة وأمام محكمة الموضوع كرر المتهم مرة ثالثة نفس الأقوال ولكنه أكد أنه طعن لص ولم يطعن المتهم وهذا الإختلاف في الأقوال ليس بذي أثر كما أرى إذ أن المتهم يعترف بواقعة الطعن وبملكيته للسكين التي أخرجها القتيل من الجـرح ببطنه الذي أدى للوفاة كل ذلك لا يدع مجالاً للشك كما أسلفت في أن المتهم هو القاتل ولكن المهم في الأمر أننا لا يمكننا أن نلتفت عن أقوال المتهم المتكررة ما لم يكذبها واقع الحال تأسيسا على ذلك لا أتفق مع قاضي الموضوع بأنه بافتراض التسليم بقيام المعركة المفاجئة إلا أن المتهم قد سلك سلوكا قاسيا بإدخاله بعنف سكينة كبيرة (كذلك) في بطن القتيل فمثل هذا الإستنتاج لا يسنده التقرير الطبي الذي أكد وجود ثقوب في الأمعاء ولكن لم يذكر عمق الطعن وإنما وصف الأذى بأنه كان بالأمعاء الدقيقة والغليظة كما أنه قد استقر فقهاً وقضاءً ( أن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تنطبق بدون تعرف على من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهناك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ) (أنظر قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن ) مجلة الأحكام القضائية 1978- ص403) من كل ذلك أرى أن رواية المتهم تتمشى مع البينات المقدمة فقد ثبت أن المتهم كان ينام في سريره بالعراء بالقرب من حجرته المغلقة ويحتفظ بمفاتيحها عنده وثبت أيضاً أن باب تلك الحجرة وجد مكيوراً كسراً حديثاً ووجود آثار عراك أمام باب الحجرة فضلاً عن أن الحادث وقع ليلاً وقد سدد المتهم طعنة واحدة من سكين كانت تحت مخدته ولم يثبت ما يشير إلى أنه أحضرها خصيصا لإرتكاب الجريمة أو أنه أخذ وقتا للبحث عنها كل هذه الحقائق تميل إلى صدق رواية المتهم وليس العكس كما رأى قاضي الموضوع والزميل بابكر زين العابدين ولما كان ذلك وكان تدبير إرتكاب الجريمة أمر مستبعد فإنه يتعين استفادة المتهم من هذا الظرف المخفف حيث لا يلزم المحكوم عليه إثبات هذا الدفع فوق مرحلة الشك المعقول وإنما يكفي طرح أدلة يمكن أن يستخلص منها استخلاصاً سائغاً عناصر ذلك الدفع لهذه الأسباب أري تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات والأمر بدفع الدية وهي العقوبة الأصلية المنصوص عليها في القانون

التاريخ : 5/2/1987م

القاضي / على يوسف الولي

أوافق الزميل القاضي يوسف دفع الله على أن المدان حق له أن يستفيد من إستثناء المعركة المفاجئة الواردة بالمادة 249(4) من قانون العقوبات لسنة 1984 مما جعل الجريمة التي إرتكبها المدان تنزل من جريمة القتل العمد تحت المادة 251 إلى جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 وأن عقوبة الدية الكاملة المغلظة

عند النظر في تطبيق هذا الإستثناء لا يثور السؤال -  كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 400 – كيف بدأت المعركة بمعنى ما هـو السبب الذي أدى إلى نشوب المعركة ولا من من الفريقين المتقاتلين بدأ القتال وفي قضية حكومة السودان ضد حسن أحمد سليمان مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977 ص 64 قضت المحكمة العليا بأنه في حالات المعركة المفاجئة ليس للمحكمة أن تعنى بمن كان هو المخطي ومن هو السبب ؟ إذا اطمأنت المحكمة بأن الأمر كله لم يكن من ورائه تدبير سابق أو إصرار بل كان وليد ظروف طارئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم كوكو تاماي مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1979 من 93 قضت المحكمة العليا بأنه يتعين على المحكمة إدانة المتهم تحت المادة 253 من قانون العقوبات متى ثبت أن ما حدث لا يعدو أن يكون معركة مفاجئة نشبت دون سبق إصرار إثر شجار مفاجئ حتى ولو لم تتحقق المحكمة ممن يقع عليه اللوم في إثـارة دفع المعركة المفاجئة شأنه في ذلك شأن الدفوع الأخرى الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد دود دينج كوال مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979 ص 113 هوأن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها في مرحلة الشك المعقول

ففي هذه القضية التي بين أيدينا ليس أمامنا من الأدلة المباشرة سوى إفادة المرحوم التي أفضى بها قبيل وفاته بالمستشفى لشاهد الاتهام الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي ولشاهدة الاتهام الرابعة عايدة سبت عبد الله وإعتراف أو إقرار المدان بما حدث

ونحن نعول على إفادة المتوفى في هذه القضية برغم أنه لم يدل بها لقاضي ولم يدل بها في حضور المتهم ولم تعد على اليمين وربما أدلى بها المتوفى في حالة أنه لم يتوقع الموت ذلك لان قضاءنا جرى وتواتر واستقر على قاعدة أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن الذي أدلى بها في حالة توقع الموت أو الإحتضار وإن لم تؤخذ تلك الأقوال بواسطة قاضي وعلى اليمين وفي حضور المتهم وأن كانت شفويـة أو كتابية ففي قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر سنة 1982 ص 29 قضت المحكمة العليا بأن بينة المحتضر لإثبات السبب الذي أدى إلى وفاته تعتبر بينة مقبولة قانوناً حتى لو لم تؤخذ بواسطة قاضي ولم تكن في حضور المتهم ولو لم تؤخذ على اليمين بل حتى لو لم يكن من أدلى بها محتضراً أو متوقعا الموت هي تكفي لإدانة المتهم متى ما اطمأنت المحكمة إليها وفي قضية حكومة السودان ضد آدم عوض الكريم عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 345 قضت المحكمة العليا بأنه يمكن قبول الأقوال التي يدلي بها  المحتضر سواءً كانت مكتوبة أو شفاهة عن الأسباب المؤديةإلى وفاته أو أية  ظروف أخرى أدت إلى موته عندما تطرح أسباب موت ذلك الشخص للتمحيص سواءً كان الشخص الذي أدلى بها يتوقع وفاته أم لا وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد أخر مجلة الأحكام القضائية السودانية 1975 ص 533 قضت المحكمة العليا بان أقوال المحتضر تعتبر بينة مقبولة قانوناً بالرغم مـن أنها لم تسجل بواسطة قاضي وعلى اليمين بحضور المتهم وفي قضية المتهم وفي قضية حكومة السودان ضد الطيب على موسى مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975 ص 565 قضت المحكمة العليا بأن تقبل أقوال المتوفى في البينة دون اشتراط حالة الإحتضار ولا يشترط أن يدونها قاضي وفي قضية حكومة السودان ضد عباس محمد سلام مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 255 قضت المحكمة العليا بأن أقوال المحتضر مقبولة في البينة سواءُ  كانت كتابية أو شفاهية وسواءً كان يتوقع الموت أو لا يتوقعه وسواءً قيلت في حضور المتهم أو في غيابه وسواء كانت على اليمين أو دون اليمين

ففي القضية التي بين أيدينا يركن ويطمئن الوجدان لرواية المرحوم للشاهدين المذكورين بأنه جاء للمتهم في الغرفة التي يقاسمه السكن فيها في حوالي الساعة 7 مساء وطلب منه أن يعطيه المفتاح ليدخل أمتعته فيها التي أخرجها المتهم منها دون مبرر وكان المتهم في ذلك الوقت يرقد خارج الغرفة وبعد أن رفض المتهم أن يعطيه المفتاح ذهب المرحوم في شانه وجاء للمتهم مرة أخرى في حوالي الساعة 12م  من نفس الليلة وطلب مرة أخرى من المتهم أن يعطيه المفتاح وبعد أن رفض المتهم ذلك قام المرحوم بكسر باب الغرفة ومن ثم نشبت المشاجرة التي انتهت بمعركة ترك بعدها المتهم سكينة في بطن المرحوم وهرب

ونحن لتكوين عقيدتنا نرى أن نقوم في هذه القضية بتجزئة إعتراف أو إقرار المدان نأخذ منه ما نراه متناسقاً مطابقاً للحقيقة ومنطق الأشياء ونعرض عما نراه مغايراً لها ونعرض عما يكن منافياً للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور الطبيعية ومايتعارض مع البينات الثابتة والظروف والملابسات المحيطة بالوقائع وصحيح أن القاعدة العامة المتواتر والمستقر عليها قضاؤنا في قبول الاعتراف أو الإقرار هي أخذه أو الاعتداد به ككل دون تجزئة ما لم يتعارض وطبائع الأشياء ففي قضية حكومة السودان ضد حسين عبد الرحمن سليمان مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 755 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة هي اخذ أقوال المتهم ككل دون تجزئة إذ لا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه طالما كانت لا تتعارض وطبائع الأشياء وفي قضية حكومة السودان ضد مصطفي عبد الله موسى مجلة الأحكام القضائية سنة 1976 ص 620 - قضت المحكمة العليا بأنه لمحكمة الموضوع قبول الاعتراف أو قبول ذلك الجزء منه الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمور الطبيعية والمنطق السليم وفي قضية حكومة السودان ضد مشاور أحمد النيل وآخرين مجلة الأحكام القضائية 1974 ص 311 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة في قبول الاعتراف هي أخذه ككل دون تجزئة ولكن عند تقييم الاعتراف ينظر فيما إذا كان هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الاعتراف إذا وجدت مثل هذه البينة يجب إلغاء ذلك الجزء من الاعتراف وفي قضيتي حكومة السودان ضد حيدر عبد الرازق على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 379 وحكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بان قضاء المحكمة العليا تواتر على أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المتهم باطنه وظاهره بل لها لتكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقا للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها

ففي القضية التي بين أيدينا نقوم بتجزئة إعتراف المدان بحيث إننا نطرح ونرفض روايته بان الشخص الذي كان يناجزه ويراشقه ويصارعه وطعنه كان لصاً سطا على غرفته ويود أن يسرقها ذلك لأن هذا الجزء من إعتراف المدان يتعارض في هذه الجزئيات مع ما رواه الشاهدان عبد الله نياسو وعايدة سبت على لسان المرحوم من أن المدان عرفه وتحدث معه وطلب منه مفتاح الغرفة وفي النهاية طعنه دون لبس أو إشتباه – هذا فضلاً عن أن رواية المدان لا ينطق بها منطق الأشياء ومجرى الأمور العادية والطبيعية ولأنها تجافي العقل والحقيقة والمنطق السليم إذ أن المدان والمرحوم كانا يسكنان سوياً في تلك الغرفة في مدة لا تقل عن خمسة أشهر فهو إذن يعرفه جيداً أو على الأقل يعرف ويتأكد من صوته خصوصاً أن المدان يفيد المحكمة عند إستجوابه بأنه تأكد انه طعن لصاً بعد أن تبصره من قرب كما أن الظروف والملابسات التي أحاطت بوقائع تلك القضية لم تثبث لنا بان شخصاً أقتيل في تلك الليلة سوى المرحوم في تلك المنطقة ولكن نجد أننا نوافق المدان في باقي جزئيات إعترافه بان المرحوم صفعه على خده ورماه على ظهره على سريره ثم صفعه مرة أخرى وخنقه حتى إنقبضت أنفاسه وخاف علي نفسه من الموت ومن ثم قام بطعن المرحوم

لقد جرى وتواتر وإستقر قضاؤنا على تعريف المعركة الفجائية الواردة في المادة 249(4) من قانون العقوبات تعريفاً واضحاً ووضع لها أركان وضوابط وشرائط دقيقة وعادلة ومنصفة ولا بد أن يثبتها الدفاع – كما أسلفنا – لمستـوى أو درجة لا تصل درجة إثبات قضية الاتهام وذلك قبل أن يستفيد المتهم من ذلك الدفع المخفف لجريمة القتل العمد إلى جريمة القتل شبه العمد ففي قضية حكومة السـودان ضد عبد الرحمن يوسف صبا وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص 390 عرفت المحكمة العليا المعركة الفجائية بقولها ( أن المعركة المفاجئة المنصوص عنها في المادة 249 (4) من قانون العقوبات هي المعركة التي لم تعد لها العدة من قبل والتي لم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها المعركة التي تحدث فجأة والتي تكون فيها نية القتل قد جاءت وليدة الساعة والظروف دون سبق إصرار أو عمد وهي التي تشب إثر مشاجرة أو خصام مفاجئ )

وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم مجلة الأحكام القضائية سنة 1975 ص 543 حددت المحكمة العليا عناصر المعركة المفاجئة في ( أن تكون هنالك معركة مفاجئة نشبت دون سابق تدبير إثر مشاجرة وألا يستغل المتهم ظرفاً غير متاح لخصمه أي لا يستغل ضعف موقف القتيل- ويغدر به ولا يتصرف المتهم بوحشية أو بطريقة شاذة وأن يتقيد المتهم بقواعد الفروسية وفي قضية حكومة 240السودان ضد محمد آدم عثمان وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص قضت المحكمة العليا بأنها يتوفر ظرف المعركة المفاجئة إذا بت أن اللقاء بين طرفي المعركة كان عفويا وتطور الصدام بدون تدبير إلى معركة دامية مع عدم توافر سبق

الإصرار وفي قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس مجلة الأحكــام القضائية 1975 ص 413 قضت المحكمة العليا بأن المعركة المفاجئة هي المعركةالتي لم يحضر لها من قبل بمعنى أنها المعركة التي تحدث في التو والحين فهي وليدة ساعتها

دعنا نناقش مدي توافر عناصر المعركة المفاجئة في هذه القضية المطروحة أمامنا على ضوء هذا التعريف وإرتكازاً على البينات والأدلة الواردة والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث

1-   نشوب المشاجرة الفجائية :

يجب أن يكون هنالك خصام أو شجار أو مشادة كلامية أو مجادلة تشتعل بصورة فجائية بين الخصمين ثم يتطور ذلك الشجار إلى تراشق وتشابك ومصارعة وعراك ومواجهة عملية وتلاحم فعلي سواء استخدمت فيه الأسلحة أم لا إن المقصود –كما جاء في الرأي المخالف للقاضي حسن محمد علوب في قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس المشار إليها بان المشاجرة في المادة 249 (4) هي المشادة الكلامية والمواجهة والتحدي بقصد الالتحام

إن المشاجرة المفاجئة هي متطلب أساسي للمعركة المفاجئة ولا بد أن تنشأ المعركة وتنبثق عن المشاجرة وعنصر (الفجائية) ضروري وهو يعني أن المشاجرة بهذا المعني هي التي تحدث في التو والحين وهي وليدة الساعة ولم يحضر لها من قبل من جانب أي من الطرفين المتخاصمين وهي التي فجأة تشتعل بدون تدبير سابق ولم يخطط لها ولم تعد لها العدة من قبل ولم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها وكانت عفوية وليست في الحسبان مطلقاًُ

في القضية التي بين أيدينا ثابت من إفادة المرحوم بان المشاجرة الكلامية فجأة إشتعلت بينه وبين المدان حول مفتاح الغرفة ليدخل المرحوم وعفشه و أمتعته بعد أن أخرجها المتهم من الغرفة دون أي مبرر وكان ذلك الشجار فجائياً وسريعاً لأن المرحوم فوجئ بعفشه خارج الغرفة وقد جاء بنية أن ينام كعادته في الغرفة التي يتقاسم فيها المدان السكن ومن ثم ثار عليه وثارت حفيظته ولذلك فأن تلك المشاجرة كانت وليدة الساعة والظروف ولم يعد لها العدة وكما هو ثابت من  إعتراف المدان فان تلك المشاجرة تطورت إلى تلاحم فعلى وتشابك بين المدان وبينه حيث تصارعا وصفق المرحوم المدان مرتين ثم سقطا على سرير المدان حيث كانت ترقد سكينة وخنق المرحوم المدان حتى أن قبض أنفاسه وخشي المدان الموت وكان المرحوم  جاثماً على جسم المدان وهنا اخذ المدان سكينة من سريره وطعن بها المرحوم طعنة واحدة في بطنه في الجانب الأيسر منها وأخيراً ترك المدان السكينة في بطن المرحوم وولي هارباً وليس لنا قانوناً أن نعرف خلفيات وأسباب تلك المشاجرة وذلك العراك فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك واخرين فريق (أ) سليمان أحمد محمد على آخر فريق (ب) مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 704 بأنه في المعركة المفاجئة لا يسأل ما هو الذي أدى إلى نشوب القتال طالما أنه ثبت أن المعركة كانت فجائية ووليدة الساعة وفي قضية حكومة السودان ضد جلاب محمد على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 288 قضت المحكمة العليا بأنه في إستثناء المعركة المفاجئة ليست أسباب المشاجرة ودواعيها بذات أهمية وإنما المهم هو عنصر المفاجئة وإنتقاء سبق الإصرار وعدم استغلال الظروف

2-   أن يكون قتل المحكوم عليه للمرحوم في حدة العاطفة

ثابت من إعتراف المدان أنه طعن المرحوم الأعزل أثناء تلك المعركة العنيفة الدامية التي نشبت من جراء ذلك الخصام المفاجئ حول مفتاح الغرفة ودخول المدان فيها من عدمه وبعد أن قام المرحوم بكسر باب الغرفة وبعد أن التهبت مشاعر وعواطف الخصمين وفي ثور ة الغضب والإستفزاز وهياج العاطفة وتأججها

3-   تسبيب موت المرحوم دون سبق إصرار :-

يتعين في سبيل إنطباق هذا الإستثناء ألا يسبب المتهم موت المرحوم بسبق إصرار وتصميم وعناد وتعد

ففي القضية التي بين أيدينا قد كان موت المرحوم ليس في حسبان المدان ولم يتعمده ولم يصمم ويصر عليه سابقاً فقد كان المرحوم ينام مع المدان في غرفتهما في كل يوم في سلام ووئام وإنسجام ومن ثم عندما قتل المدان المرحوم ولم يسبق إصراره على ذلك خصوصاً وأنه سدد طعنة واحدة في بطنه على نحو ما هو واضح في التقرير الطبي عن الجثة

4-   عدم سلوك المتهم سلوكاً قاسياً أو غير عادي :-

إن السلوك القاسي هو السلوك المادي الإجرامي الوحشي الشرس غير المألوف ويكيف ويصنف من خلال طبيعة وخطورة وتعدد الإصابات وحيوية مواقعها من جسم القتيل ففي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأن السلوك القاسي فسر بأنه ذلك السلوك الذي يكون الغرض منه هو إستمتاع الجاني بتسبيب الألم للمجني عليه وتلذذه بذلك وهكذا قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين المشار إليها سابقاً وفي قضية حكومة السودان ضد حسين محمد حسين مجلة الأحكام القضائية 1975 ص478 قضت المحكمـة العليا بان تهشيم جمجمة المرحوم يعتبر سلوكاً قاسياً من المتهم إن التصرف الشاذ والسلوك القاسي نتصوره ممن ينهال – مثلاً – علي خصمه طعناً أو ضرباً بينما يكون هذا الخصم مطروحاً في الأرض تحت رحمته وفي قضية حكومة السودان ضد الأمين كنجو حميش مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 387 قضت المحكمة العليا بما أن المشاجرة كانت فجائية والأسلحة متكافئة وبما أن المجني عليه هو البادئ بالعنف والعدوان بتوجيه صفعة لخد المتهم فان لجوء الأخير للسلاح الوحيد الذي كان بيده وتسديد ضربة يتيمة لرأس المرحوم لا يعتبر تصرفاً شاذاً أو خارجاً عن المعتاد

ففي قضيتنا هذه لا نستطيع أن نوصف المدان بأنه سلك سلوكاً قاسياً عندما طعن المرحوم في بطنه طعنة يتيمة واحدة ثم لم يزدها فلم يقصد المدان الإستمتاع والتلذذ بإيذاء المرحوم ولو قصد ذلك لزاد الطعنة الواحدة طعنات متعددة وينبغي ألا يعتبر ترك المدان للسكين في داخل بطن المرحوم سلوكاً قاسياً من جانبه طالما أنه لم يزد تلك الطعنة الواحدة وكان في وسعه ذلك

أما السلوك غير العادي هو الذي يشير – كما قضت المحكمة – العليا فـي قضية حكومة السودان – ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها – إلى أن الهدف  منه كان شيئاً آخر لا علاقة له بالمشاجرة وهو السلوك الإنتقامي ولكن في قضيتنا هذه عندما طعن المدان المرحوم لم يهدف من وراء ذلك أمراً أخر لا علاقة له بالمشاجرة بل كانت الحركة الفجائية هي السبب المباشر لسلوك المرحوم

5-   عدم إستغلال المتهم الظروف  :

إن إستغلال الظروف في المعركة المفاجئة يعني إهدار ومخالفة لقواعد الفروسية والمبارزة والبطولة التي تقتضي مراعاة المساواة والتعادل  والتكافؤ في الموقف والفرص والظروف وألا يضرب الخصم خصمه والأخير في وضع خطر وألا يكون الخصم مسلحاً وغريمه أعزل من غير سلاح وألا يستغل الخصم ظرفاً لم يعد متاحاً لخصمه وألا يختص الخصم لنفسه بميزة أو فائدة غير مواتية لخصمه وألا ينتهز فرصة غير مناسبة وغير ملائمة وغير عادلة لخصمه وألا يستغل الخصم ظروف ضعف خصمه وألا يغدر به خصمه وألا يضع نفسه موقف يفوق خصمه أثناء الصراع والتراشق والقتال والمنافره في القسوة والعدد والعدة وألا يكون هو سيد الموقف ففي قضية حكومة السودان ضد حمد النيل الضو عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية 1973 ص ح 321 قضت المحكمة العليا بان تسلح المتهم بسكين في الوقت الذي كان فيه القتيل أعزلاًَ من كل سلاح يشكل ميزة غير مواتية تمنع إنطباق إستثناء المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد إبراهيم مجلة الأحكام القضائية 1978ص 306 قضت المحكمـة العليا بأن المتهم عندما سدد طعنة قاتلة للمرحوم كان ذلك إستغلالاً لفرصة غير متاحة لخصمه الأعزل وبذلك تخلف عنصر من عناصر المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم لتوقه مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 108 قضت المحكمة العليا بأنه لم تعد هنالك معركة بإنسحاب المجني عليه وهروبه منها كما أن مطاردة المتهم له وضربه وهو يوالي هروبه وهو أعزل من أي سلاح يعتبر استغلال لظرف غير متاح للمتوفى يحرم المتهم الاستفادة من الإستثناء الرابع للمادة 249 عقوبات وجاء في قضية حكومة السودان ضد عبد الله بشير باكني مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 192 ما يلي :

( على انه من الواضح أن المحكوم عليه إستعمل السكين في قتل المجني عليه الذي لم يكن يحمل أي نوع من السلاح ولا شك أن هذا يعتبر إستغلالاً للظورف في المعنى الذي أشارت إليه المادة المذكورة (249(4) ) عقوبات إذ أنه حيث لا يكون هنالك تكافؤ بين طرفي المشاجرة فإن الطرف الذي يستغل عدم تكافؤ الفرص لمصلحته للاعتداء لا يستطيع أن يعتمد على المفاجأة وحدة العاطفة وحدهما فالشخص لا يستطيع أن يدعي بأنه كان واقعاً تحت ظروف المفاجأة وجيشان العاطفة وهو يشعر في نفس الوقت أنه كان سيد الموقف بدليل أنه كان يعرف تماماً أن غريمة أعزل وهو يملك السلاح ) وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد مجذوب بادان مجلة الأحكام القضائية سنة 1974ص 459 قضى بأن الدفع بحدوث المعركة المفاجئة يستفيد منه من يراعون قواعد الفروسية لا الذين يضربون الخصم وهو في وضع خاسر

ولكن جرى وتواتر واستقر قضاؤنا على وضع إستثناءات لهذه القاعدة العامة ذلك بأن النظرية القائلة بأن إستعمال المتهم لسلاح ضد خصمه الأعزل من غير سلاح يعتبر إستغلال لنقطة ضعف خصمه وإستغلال لظروف المعركة التي لم تعد مواتية للخصم تلك النظرية ينبغي ألا تكون مطلقة علي علاتها وعواهنها ويجب أن لا تكون مغلقة ويتعين أن لا يكون التسليم بها في كل الحالات بدون أي تصـرف ففي قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 304 قضت المحكمة العليا بأن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تطبق بدون تصرف على كل من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهنالك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقسوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ومدى إدراك الطاعن لحالة الضعف التي يعاني منها خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين وآخر المشار إليها سابقاً قضت المحكمة العليا بأن الشخص الذي يجد نفسه وسط معركة فرضتها عليه الظروف يستعمل عادة ما يكون معه من سلاح ولا يوضع بأنه إستغل ظرفاً لم يكن متاحًا لخصمه لأنه هو نفسه لا يعرف ما يحمل خصمه من سلاح وقضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1982 ص 44 قالت المحكمة العليا ما يلي :

( والذي نراه في هذا الشأن هو أن دخول أحد الأطراف في المعركة متمتعاً بميزة السلاح يعد بالفعل إستغلالاً لظرف غير متاح للطرف الآخر ولكن يجب أن نزن الظروف كلها لأن معيار توازن الفرص لا ينظر إليه هذه النظرة الجامدة في كل الأحوال وخلاصة رأينا أن تعادل الفرص يجب أن ينظر إليه فـي السلاح وفي حالة المتهم الجسمانية وما لحقه من إصابات تؤثر في قواه البدنية بصورة تضعفها للدرجة التي لا تجعل فعالية للسلاح لا تمنح المتهم قدراً متفوقاً على خصمه السليم)

وجاء على لسان المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم المشار إليها سابقاً ما يلي :

( حقيقة قد يبدو أن المتهم عندما استخدم السكين كان مخالفا لقواعد الفروسية التي تستدعي تعادل الفرص حيث لم يكن المجني عليه مسلحاً بشيء متعادل مع سلاح المتهم والذي نقول به أن تعادل الفرص لا يلتمس فقط في التـوازن المظهري للسلاح بل يجب أن يؤخذ فيه جوانب أخرى مثل القوة الجسمانية للمجني عليه الأعزل وإصراره على العدوان ومواصلة الإشتباك لأن مثل هذه الصفات والتي لا تكون متوافرة لدى المتهم لا تقلل من قواعد الفروسية لأن سلاح الخصم الأقوى هو في قوته الجسمانية وشجاعته في الإصرار على العدوان

يجانب ذلك يجب أن نأخذ في الاعتبارات الوقت الذي أدخل فيه السلاح غيرالمتعادل فإن كان إدخاله قد تم من الوهلة الأولي فإن في ذلك إشارة إلى إهدار قواعد الفروسية أما إذا إستمر النضال والتناحر إشتباكا وضربا بالأيدي حتى حمي وطيس ذلك الإشتباك لدرجة أوهنت من قوى طرفٍ ما فإنه في هذه الحالة لابد من إستعانته بسلاح لمحاولة تعادل الفرص وهذا هو في إعتقادنا ما فعله المتهم لأنه لم يدخل السلاح في المعركة إلا في نهايتها وقد إستمر التناحر والعراك ضربا وإشتباكا بالأيدي وخنقا متبادلا وبعد هذا الوقت وهنت قوى المتهم فسدد طعناته للمجني عليه وليس في هذا إخلالاً بقواعد الفروسية لأنه في مثل هذه اللحظات تتدخل عوامل الدفاع عن النفس وحب البقاء وتلك طبيعة بشرية يجب علينا وعيها تماماً ) وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدري المقدم مجلة الأحكام القضائية 1980ص 142 قضى بأنه ليس صحيحاً أن استعمال المتهم لسلاح غير متاح لخصمه يعني تلقائياً وبلا تردد حرمانه من الاستفادة من إستثناء المعركة المفاجئة والصحيح هو أن ينظر إلى كل ظروف القتال وتطوراته مع بعضهما فلو أتيح للمتهم أثناء المعركة الحصول علي سلاح ما فليس لنا أن نتوقع منه في حدة العاطفة وفي ظروف القتال أن يزن الأمور بميزان دقيق وأن يمتنع عن استعماله لمجرد أن خصمه لا يملك مثله)

من خلال هذا النظر القضائي الذي إستعرضناه يتبين لنا أن الجاني إذا إستعمل سلاحاً كان في متناول يده في قتل خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الماثل على حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الإستعمال على إستغلال للظروف ولا يتوقع من الجاني أن يزن الموقف بميزان الذهب لأن ميزان الذهب لا ينصب في ساحة المعارك حيث تتأجج العواطف وتغلي المشاعر ويفور العقل فلا تثريب إذن على الجاني عن ذلك الإحساس إذا إستعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست بجسيمه كما أنه لا يطلب منه أن يصد إعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم في قضية حكومة السودان ضد توم كونال مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 216 قضت المحكمة العليا بأن الظروف التي طعن فيها المتهم بالسكين تخص المرحوم كانت في المشاجرة المباغتة وأن المتهم لم يستغل الظروف والسبب أن المتهم والمرحوم لا يزالان في أوج القمة من المشاجرة وثورة الغضب وهياج العاطفة ولا يمكن في تلك المرحلة أن يطلب من المتهم أن يلجأ للعقل في الوقت الذي سدد له فيه المرحوم طعنه خلف أذنه قبل أن يجرده المتهم من سلاحه وفي قضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأنه متى كان من الثابت أن المتهم أصيب أثناء معركة مفاجئة بجرح كبير في فخذه أن التقاطه لسكين من الأرض وجدها بجواره وإستعماله لها لا يعتبر إستغلال غير عادي للظروف ولذلك من حقه الإستفادة من دفع الإستفزاز أثناء المعركة  المفاجئة تحت المادة 249 (4) من قانون العقوبات وقالت المحكمة العليا في تلك السابقة مايلى :

(لذلك طالما كان المتهم مصاباً بجرح كبير في فخذه وأن السكين المستخدمة قد التقطها فجأةً من الأرض حيث وقعت بجواره لسبب أن أحد الشهود قذفها نحو المكان الذي يجلس فيه وأنه في هذه الحالة لا يعتبر قد إستغل ظرفاً غير عادي للأخر بل أن الإنسان العادي في مثل هذه المعركة لا يستغرب منه أن يلتقط السكين ويسدد بها طعنة إلى ذلك الشخص الذي سبب له الأذى وبتلك الصورة التي حدثت للمتهم)

ففي القضية التي بين أيدينا نصدق رواية المدان التي وردت في إعترافه بأن المرحوم صفعه مرتين على خده وتصارع معه وسقطا على الأرض طالما أن تلك الرواية ليس للاتهام من الأدلة ما ينفيها وطالما أنها لا تتعارض ومنطق الأشياء والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث وإذا كان ذلك كذلك فإنه ثابت أن المرحوم سبب أذى أو إصابة للمدان تبرر له إستعمال سكينة في طعن المرحوم طالما أحس بأنه خطر على حياته وطالما كان ذلك أثناء تلك المعركة العنيفة المفاجئة وفي حدة العاطفة ومن ثم لا يعتبر المدان أنه إستغل ظرفاً غير متاح للمرحوم الذي كان أعزلاً

أيضاً من خلال إستعراضنا لهذه القواعد والنظريات التي جرى وتواتر وإستقر عليها قضاؤنا بشأن ضوابط المعركة المفاجئة يتبين لنا أن الجاني إذا وجد نفسه أثناء التراشق والعراك والتشابك في ظروف معيار الرجل العادي – جعلته يشعر بأنه قد أحيط به يسبب خطر محقق على حياته من جراء فعل خصمه المرحوم تجاهه حتى ولو لم يسبب له أذى أو أصابه بصورة فعلية وإذا كان الجاني لم يعد سيد الموقف ولم يكن مدركاً لنقطة ضعف خصمه فإن إستعماله للسلاح المتاح له في تلك اللحظات الحرجات لا يعد إستغلالاً لظروف غير مواتية لخصمه المرحوم الأعزل من أي سلاح ففي قضية حكومة السودان ضد محمد عمر أحمد مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 311 قضت المحكمة العليا بأن مجرد إستعمال المتهم بالسكين ضد متهم أعزل لا يعتبر إستغلالاً لنقطة ضعف إذ يتعين لإثبات ذلك أن يكون المتهم على معرفة بحالة المجني عليه ومدركاً لنقطة الضعف التي يعاني منها وملماً بما هو فيه من عجز عن عمل المجابهة ثم تحينه المقصود لتلك الحالة والإفادة المباشرة منها كسبب للجرأة لذلك السلاح القاتل الذي لجأ إليه وفي قضية حكومة السودان ضد عمر إسحق حسب الله مجلة الأحكام القضائية 1980 ص 95 حيث أنه عندما بدأت المشاجرة كان كل من المتوفى والمتهم مسلحاً بسكين وأثناء المعركة جرد أحد الشهود المتهم من سكينة حتى صار بلا سلاح وأنه عندما شعر بالخطر الماثل على حياته أخذ سكين المتوفى منه عنوة وطعنه بها فهو بذلك قصد إلى إستعمال السلاح الذي كان متاحاً إليه في تلك اللحظات الحرجات ومن ثم قضت المحكمة العليا بأنه لم يستغل فرصة غير متاحة لخصمه بل إستغل تكتيكاً لم يفطن إليه خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد النضيف : م ع /ط/ ج/ 89/78 كان المتوفى أعزلاً من السلاح ولكنه خنق المتهم وجثم فوقه فإستل المتهم سكينة وطعن بها خصمه وقضت المحكمة العليا بأن الإستثناء تحت المادة 249 (4) عقوبات ينطبق وأنه لا يوجد إستغلال للظروف فقد لجاء المتهم للسلاح الوحيد المتاح له في الوقت المناسب عندما أحس بأن خطراً ماثلاً على حياته قد تحقق من فعل خصم المرحوم الأعزل وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدوي المقدم المشار إليها وقعت مشاجرة مفاجئة بين المتهم والمرحوم وتشابكا وسقطا على الأرض وتمكن المتهم من إخراج سكين قديم التي كان يلبسها في ذراعه وسدد بها طعنتين تسببتا في موته وقضى بأن تصرف المتهم لا ينطوي على إستغلال الظروف رغم أن المجني عليه كان أعزلاً من كل سلاح وفي قضية حكومة السودان ضد الدخري صالح محمد مجلة الأحكام القضائية 1978ص 284 قضت المحكمة العليا بأن إستعمال المتهم للسكين في مثل الظروف التي وجد نفسه فيها لدى إمساك القتيل له من الخلف داخل قطية مظلمة لا تجعله في موقف المقاتل الذي يوصف بعدم مراعاة قواعد الفروسية لإستغلاله ظروفاً لم تكن متاحة لخصمه لأنه لم يستعمل السكين الخاصة به ألا بعد أن عجز أن يخلص نفسه من قبضة المرحوم الأعزل الذي رفض أن يطلقه برغم توسلات المتهم له وكانت الوقائع بان نشبت معركة مفاجئة داخل قطية مظلمة بين المتهمين من جانب والقتيل وأحد الشهود من جانب آخر أغلق ذلك الشاهد باب القطية وأمسك القتيل بالمتهم الأول مسكةً قوية لا يستطيع معها المتهم الأول فكاكاً لجأ المتهم الأول لسكين في ذراعيه وطعن بها القتيل الأعزل من الخلف عندما كان لا يزال ممسكاً به - طعنةً قاتلة - ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من رواية المرحوم بأنه جاء في الساعة السابعة مساء للمدان ثم رجع له الساعة 12 من نفس الليلة ثم بدأت المشاجرة التي تطورت إلى معركة مفاجئة ولذلك لم يعد المدان مدركاً لنقطة ضعف المرحوم ولم يحس بأنه سيد الموقف بل بالعكس أنه ظن بأن المرحوم جاءه راجعاً مسلحاً ومستعداً للقتال وبعد أن جثم المرحوم على المدان وخنقه تيقن المدان على ذلك وفي ظل تلك الظروف أنه أحيط به وأن خطراً محققاً يهدد حياته من جراء تصرفات المرحوم تجاهه وعليه فإن استعماله للسكين في تلك اللحظات الحرجات وفي ذلك الموقف الخطير ينبغي ألا يعتبر إستغلال لظروف غير متاحة للمرحوم الأعزل من أي سلاح

 عليه لهذه الأسباب مجتمعة ولتوفر جميع الأركان التي ينهض عليها الإستثناء الوارد في المادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983 أجد أن المدان سبب موت المرحوم في معركة مفاجئة نشبت إثر مشاجرة مفاجئة دون سابق إصرار وفي حدة العاطفة ومن غير أن يستغل الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي ولذا فإن الجريمة التي إرتكبها المدان هي القتل شبه العمد تحت المادة 253عِقوبات لسنة 1983

     إن العقوبة التي يتعين أن توقع على المدان هي الدية الكاملة المغلظة التي حددها المنشور الجنائي رقم 91/83 ما بين عشرين وثلاثين ألف جنيه سوداني وذلـك لأن المرحوم من قبيلة الزاندي يعيش في غرب الإقليم الاستوائي تلك القبيلة التي لا ترصد حسب علمي القضائي- عدداً معيناً من الأبقار أو الأغنام للدية بخلاف بقية أفراد قبائل الاستوائية إن قبيلة الزاندي تقبل المال كدية وإذا كانت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 تنص على أن من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية وقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصليه في حالة إرتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :

        (أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفى عن القصاص أو امتنع القصاص بسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطاء وإتلاف الأطراف خطأ والجرح خطأ )

جاء في نفس المرجع الجزء الأول ص 189 مايلي:

        ( الدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام (( ألا إن في قتيل عند الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مئة من الإبل )) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصلية لأنها ليست بدل عن عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن دية القتل العمد تعتبر عقوبة بدليه لا أصلية لأنها بدل من عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية للقتل العمد )

      إن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كما ورد في المادة 253 عقوبات – لا يجوز شرعاً ذلك لان القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد لإنعدام التماثل بين ما يفعله الجاني جرماً وما يفعله به عقاباً على ارتكاب ذلك ومعلوم أن عنصر التماثل أمر أساسي لإقامة القصاص فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي: ( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد والقتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثاني الدية مغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص علي القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل الجاني المجني عليه فان قتل الجاني لابد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

    لذلك نأمل أن يعدل المشرع هذا الخطأ الذي وقع فيه عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات وعليه لا بد من إسقاط عقوبة الإعدام نهائياً علي أن تكون الدية الكاملة المغلظة هي العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 عقوبات

    يتعين على محكمة الموضوع أن تتحصل على قائمة بأسماء أولياء الدم وهم ورثة القتيل بموجب مستند رسمي صادر من جهة مختصة عن طريق رئيس الجهاز القضائي للإقليم الاستوائي جوبا حيث أن قبيلة المرحوم ( الزاندي)  تعيش في غرب الاستوائية التي عاصمتها يامبيو ومما مراكزها طمبرة وأنزارا وبعد الحصول على أسماء ورثة القتيل تقوم محكمة الموضوع بتقسيم الدية الكاملة المغلظة التي يتعين عليها أن تحكم طبقاً للمنشور الجنائي رقم 91-83 الذي  حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه ويجب على محكمة الموضوع ألا تخير أولياء الدم بين قبول هذه الدية ورفضها فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو نشرة الأحكام الرباعية العدد الثاني 1986 ص 48 بأن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/83 توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصلية ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وقبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وفي قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية –أبريل - مايو– يونيو 1985  ص 37 قضت المحكمة العليا بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 253 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهـب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة وهي الدية المغلظة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

       كما إنه يتعين على محكمة الموضوع ألا توقع عقوبة سجن تعزيراً في حالة عدم دفع الدية أو أي عقوبة أخرى بديل لان عقوبة الدية حق ثابت خالص لأولياء الدم لا يسقط بأي حال إلا أن يعفو أولياء الدم الكامل عن الدية أو العفو الجزئي فإذا عجز المدان عن سداد الدية يبقى بالحبس إلى أن يدفعها هو أو يدفعها نيابة عنه عائلته وهم ذووه وأهله وعشيرته أو تدفعها عنه الحكومة أو بيت المال فقد قضى في قضية حكومة السودان ضد مختار التاج عيسى نشرة الأحكام الرباعية – يوليو –أغسطس –سبتمبر 1985 ص 37 – بأن الدية تعويض مستحق لا يسقط بقضاء فترة الحبس أو عقوبة تعزيريه أخرى وإنما لا بد منة دفعها متى قررها الإمام ولا تسقط ألا بالعفو أو إذا دفعها ولي الأمر نيابة عن المحكوم الغارم لذا أرى إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتقدير الدية حسب المنشور الجنائي 91/83  ثم تقسيمها على أولياء الدم وهم ورثة القتيل حسب مستند –رسمي صادر من جهة رسمية مختصة  

▸ حكومة السودان/ ضد / محمد مالك محمد علي فوق خالد محمد خير (ضــد) حكومة السودان ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1987
  4. حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

القضاة

السيد/ بابكر زين العابدين                          قاضي المحكمة العليا       رئيساً

السيد/ يوسف دفع الله                             قاضي الحكمة العليا         عضواً

السيد/ علي يوسف الولي                         قاضي المحكمة العليا       عضواً

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

م ع / م ك /103/1405هـ

المبادئ:

إثبات – أقوال المتوفى- جواز قبولها ولو لم يكن المتوفى يتوقع الموت – إقتناع المحكمة بها

إثبات – التمسك بدفع المعركة المفاجئة – إبراز قضية مبدئية له ضرورة للإثبات فوق مرحلة الشك المعقول

قانون جنائي – القتل – المعركة المفاجئة – استعمال سلاح في يد المتهم ليس بالضرورة استغلال للظروف

1-   لقد جري القضاء واستقر علي أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن من أدلي بها توقع الموت أو الاحتضار وإن لم تؤخذ بواسطة قاض أو علي اليمين أو في حضور المتهم وان كانت شفوية أو كتابية متي اقتنعت المحكمة بصحة تلك الأقوال التي تبين سبب الوفاة

2-   أن الإثبات المطلوب من المتهم عند أثاره دفع  المعركة المفاجئة هو أن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول

3-  أن الجاني إذا استعمل سلاحا كان في متناول يد خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الواقع علي حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الاستعمال علي استغلال للظروف فلا تثريب إذاً علي الجاني عن ذلك الإحساس إذا استعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست جسيمة كما أنه لا يتطلب منه أن يصد اعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم

الحكــــم

التاريخ:

القاضي: بابكر زين العابدين

تتلخص وقائع هذه القضية كما وجدتها محكمة أول درجة وتؤيدها الأدلة المقدمة فيها في الأتي:

يسكن المدان الفريد الإسكندر موتو والقتيل كانتينو مدينج تبويته معا في حجرة واحدة بجهة القماير بامدرمان ويقتسمان دفع أجرها

قبل الحادث هذا بثلاث أيام تقريبا أفض المدان لشاهد الإثبات الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي بان للقتيل علاقة غير شريفة مع زوجته أي زوجة الشاهد – عايده شاهدة الإثبات الرابعة

نقل ذلك الشاهد للقتيل ما سمعه من المدان واتفقا علي أن يأخذ المدان للمدعو جون ويطلبا منه هناك أن يعيد أمامهم جميعا ما قاله من قبل الشاهد

رفض المدان الذهاب معهما للمدعو فتقدم القتيل بعريضة للمحكمة بالمهدية مضمنا فيها شكواه ضد المدان بما نسبه إليه من فعل في حق الشاهد وزوجته

طلب القاضي حضور الأطراف والشهود لجلسة 14/8/1984م وأخطـر القتيل المدان والشهود بالميعاد الذي حدده القاضي

في يوم 13/8/1984 حضر القتيل في المساء في حوالي السابعة فوجد المدان مقلقاً الحجرة التي يتقاسم السكن معه فيها بعد أن غير قفلها في نفـس ذلك اليوم وإحتفظ بمفاتيح معه فطلب منه مفتاحا لكي يدخل عجلته ويخرج سريره فرفض له المدان

إنصرف القتيل وعاد فيما بعد عند حوالي منتصف الليل وطلب من المدان الذي كان يرقد علي سريره خارج الحجرة المفتاح مرة ثانية فرفض المدان الاستجابة لطلبه

حاول القتيل كسر باب الحجرة  وشرع فيه بالفعل فهجم عليه المدان وسدد له طعنه من سكين علي الجنب الأيسر من بطنه وترك السكين في جسمه وهرب

أخرج القتيل السكين من بطنه واتجه إلي قسم الشرطة وأرسل من هناك إلي مستشفي أمدرمان الملكي وحجز به وأجريت له عمليتان وعلي الرغم من ذلك توفي في مساء 15/8/1984م نتيجة صدمة قلبية نتيجة فقدان الدم الناتج عن تهتك الأمعاء في أماكن مختلفة الناتج من الطعنه بالسكين علي الجنب الأيسر من البطن

عاد المدان للحجرة وأخذ أمتعته وقضى الليلة في عمارة تحت التشييد وغادرها في صباح اليوم الثاني إلي مدينة القطينة حيث تم القبض عليه فيها في يوم 19/8/84

بالإضافة إلى أقوال القتيل لشهود الإثبات الأول والثالث والرابعة في أن المدان هو الذي قام بطعنه بالسكين والتي أثبتها هؤلاء الشهود والتي جوز قانون الإثبات لسنة 1983م في مادته 35 الأخذ بها وبالإضافة إلى أن السكين التي اعترف المدان بملكيته واستعماله لها قد وجدت في بطن القتيل فقد اقر المدان لشاهدي الإثبات الأول والثاني وقد أثبت هذان الشاهدان هذا الإقرار واعترف قضائياً بأنه قد طعن القتيل وبرر التصرف بأنه قد اعتقد أن القتيل لص إلا أنه قد عدل عن هذه الأقوال في مرحلة المحاكمة وادعى بأنه لم يطعن القتيل وإنما طعن لصاً حقيقياً وترك السكين في بطن اللص وأن اللص قد أخرج السكين من بطنه وطعن بها القتيل في بطنه وتركه فيها

لم تأخذ محكمة أول درجة بدفاع المدان الأخير هذا في أنه لم يطعن القتيل وإنما طعن اللص الذي طعنه هو ورتبت علي ذلك إدانة المدان جريمة القتل العمد تحت المادة (215) من قانون العقوبات لسنة 1983 ولعدم الإهتداء على ولية الدم والدة القتيل لاستفسارها عما إذا كانت تقبل التنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية أو تصر علي إستيفائه عاقبته بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً

لم يقبل المدان بالإدانة والعقوبة فتقدم بطلب إستئناف قال فيه أنه لم يطعن القتيل وأنه بريء من الجريمة وتحاكم ظلماً ولم يمنح فرصة لتقديم شهود دفاعه في أنه لم يكن موجوداً وقت الإعتداء علي القتيل الذي تركه سليماً عند ذهابه منه للقطينة

بالإطلاع على الإجراءات أوافق أول درجة بان الثابت ومعترف به في هذه الإجراءات هو أن المدان قد طعن القتيل وأن الطعن قد سبب وفاته وأنه وإعتباراً للسلاح الذي إستخدمه المدان في طعن  القتيل والمكان الذي إختاره من جسمه والآثار الناتجة عن الطعنه فإنه يفترض في المدان قصد تسبيب الوفاة أو العلم بترجيح الوفاة من تلك الطعنة

من الجانب الآخر أري أن دفاع المدان في أنه لم يطعن القتيل وفي أنه كان غائبا في وقت الإعتداء علي القتيل وفي أنه لم يمنح الفرصة في تقديم شهود دفاعه على هذا الإدعاء أرى أن هذا الدفع لا سند له في الأدلة والواقع في هذه الإجراءات حيث أن الثابت باعترافه أنه كان موجوداً ولم يغادر إلى القطينه إلا في اليوم الثاني للحادث وأنه قد قال صراحة لقاضي الموضوع أنه لا يرغب في تقديم شهود دفاع وأنه والقتيل قد إتفقا علي أنه دون غيره هو الذي طعن القتيل

أوافق كذلك علي أن ظروف الحادث لا تبرر للمدان الإستفادة من أسباب الإباحة أو التخفيف حيث أنه وبالإضافة إلى أن المدان قد كان قاسياً مع القتيل وبالإضافة إلى أن المدان لا القتيل هو الذي خلق هذا الموقف وأزم الأمور إلى هذا الحد مع القتيل فإن القتيل لم يبادر بالإنتقام منه والإعتداء عليه أو التعارك معه أو إستفزازه وبالتالي أرى تأييد الإدانة

فيما يختص بالعقوبة فالأصل فيها تحت المادة 251 من قانون العقوبـات لسنة 83 هو الإعدام قصاصاً والبديل هو الدية إذا قبلها أولياء الدم لا تستطيـع المحاكم أن تفوض الدية بموجب هذه المادة علي أولياء الدم ولكن يجب عليها أن تسألهم بعد حصرهم بإعلام أو كشف وراثي عما إذا كانوا يقبلون التنازل عن القصاص مجانا أو مقابل الدية أو يصرون علي إستيفاء القصاص حصرت محكمة أول درجة أولياء دم القتيل في هذه الإجراءات في والدته التي تقيم منطقة غرب الإستوائية التابعة لإقليم الإستوائية وجهت محكمة أول درجة الإستفسار لأم القتيل بإقليم بحر الغزال بالرغم من أنها لا تقيم بإقليم بحر الغزال وإنما تسكن بإقليم الإستوائية بالإضافة إلى هذا لم تلاحق محكمة أول درجة الاستفسار إلى أن تتحصل علي إجابة عليه من المسئولين بتلك المنطقة إن العملية الخاصة باستفسار أم القتيل تتعلق بحياة إنسان وإن كل شئ يهون في سبيل حياة إنسان وخاصة أنه من المحتمل أن تقبل أم القتيل بالتنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية وبالتالي كان ينبغي على محكمة أول درجة أن توجه الإخطار بعد أن عرفت أن مكان أم القتيل بالإستوائية إلى رئاسة الجهاز القضائي بالاستوائية التي تعرف أين تقع منطقة الزاندي من الإقليم وكيف تتصل بها في أقرب وقت وتنظر منها الإفادة بعد الملاحقة المعتدلة لكل هذه الأسباب أرى أن نؤيد الإدانة وأن نلغي العقوبة بغرض إعادة النظر فيها وفق ما تسفر عنه إجابة أم القتيل على الإستفسار بعد أن يوجه إليها بعنوانها بواسطة السيد/ رئيس الجهاز القضائي بالإقليم الإستوائي مع السعي الجاد والحثيث على الحصول على إجابة منه ووفق القانون

التاريخ:

القاضي / يوسف دفع الله:

واضح أن المتهم طعن القتيل بسكين في بطنه وتركها دون أن ينزعها من موضع الجرح ثم هرب وقد أدت هذه الطعنة إلى الوفاة وأن القصد الجنائي يشير بوضوح أن هذا الفعل مرجح معه الموت كل ذلك لاخلاف عليه ولكنني أختلف مع الزميل بابكر زين العابدين وأقول أن المتهم يستفيد من الإستثناء الوارد بالمادة 249(4) ( المعركة المفاجئة ) فمن حيث الوقائع نجد أن الحادث وقع في 14/8/1984م وبعد أن قبض على المتهم في 19/8/84م أدلى بأقوال في هذا اليوم قال فيها أنه كان ينام في العراء أمام حجرته فحضر المتهم ولم يوقظه من النوم ليأخذ منه المفتاح لانهما يستأجران الحجرة ويشغلانها سوياً بل كسر الباب الحجرة ودخل بها وكان الوقت حوالي منتصف الليل ويمضي المتهم يقول أنه على أثر ذلك إستيقظ من النوم وإعتقد أن الذي دخل بالحجرة لص فنهض ليمسك به وهنا قال المتهم بالحرف الواحد ( القتيل ضربني كف ورماني وأنا وقعت على السرير بتاعي وقمت عاوز أمسكوا كفتني مرة ثانية وأنا وقعت وطوالي جاء خنقني وأنا ما قدرته أتنفس وخفت أموت وطوالي طعنته بالسكين في ضلعته مرة واحدة والسكين كانت تحت المخده أنا طعنته وهو عاصرني وخانقنى على السرير بتاعي) وفي نفس ذلك اليوم إعترف المتهم أمام القاضي وكرر نفس أقواله السابقة وأمام محكمة الموضوع كرر المتهم مرة ثالثة نفس الأقوال ولكنه أكد أنه طعن لص ولم يطعن المتهم وهذا الإختلاف في الأقوال ليس بذي أثر كما أرى إذ أن المتهم يعترف بواقعة الطعن وبملكيته للسكين التي أخرجها القتيل من الجـرح ببطنه الذي أدى للوفاة كل ذلك لا يدع مجالاً للشك كما أسلفت في أن المتهم هو القاتل ولكن المهم في الأمر أننا لا يمكننا أن نلتفت عن أقوال المتهم المتكررة ما لم يكذبها واقع الحال تأسيسا على ذلك لا أتفق مع قاضي الموضوع بأنه بافتراض التسليم بقيام المعركة المفاجئة إلا أن المتهم قد سلك سلوكا قاسيا بإدخاله بعنف سكينة كبيرة (كذلك) في بطن القتيل فمثل هذا الإستنتاج لا يسنده التقرير الطبي الذي أكد وجود ثقوب في الأمعاء ولكن لم يذكر عمق الطعن وإنما وصف الأذى بأنه كان بالأمعاء الدقيقة والغليظة كما أنه قد استقر فقهاً وقضاءً ( أن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تنطبق بدون تعرف على من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهناك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ) (أنظر قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن ) مجلة الأحكام القضائية 1978- ص403) من كل ذلك أرى أن رواية المتهم تتمشى مع البينات المقدمة فقد ثبت أن المتهم كان ينام في سريره بالعراء بالقرب من حجرته المغلقة ويحتفظ بمفاتيحها عنده وثبت أيضاً أن باب تلك الحجرة وجد مكيوراً كسراً حديثاً ووجود آثار عراك أمام باب الحجرة فضلاً عن أن الحادث وقع ليلاً وقد سدد المتهم طعنة واحدة من سكين كانت تحت مخدته ولم يثبت ما يشير إلى أنه أحضرها خصيصا لإرتكاب الجريمة أو أنه أخذ وقتا للبحث عنها كل هذه الحقائق تميل إلى صدق رواية المتهم وليس العكس كما رأى قاضي الموضوع والزميل بابكر زين العابدين ولما كان ذلك وكان تدبير إرتكاب الجريمة أمر مستبعد فإنه يتعين استفادة المتهم من هذا الظرف المخفف حيث لا يلزم المحكوم عليه إثبات هذا الدفع فوق مرحلة الشك المعقول وإنما يكفي طرح أدلة يمكن أن يستخلص منها استخلاصاً سائغاً عناصر ذلك الدفع لهذه الأسباب أري تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات والأمر بدفع الدية وهي العقوبة الأصلية المنصوص عليها في القانون

التاريخ : 5/2/1987م

القاضي / على يوسف الولي

أوافق الزميل القاضي يوسف دفع الله على أن المدان حق له أن يستفيد من إستثناء المعركة المفاجئة الواردة بالمادة 249(4) من قانون العقوبات لسنة 1984 مما جعل الجريمة التي إرتكبها المدان تنزل من جريمة القتل العمد تحت المادة 251 إلى جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 وأن عقوبة الدية الكاملة المغلظة

عند النظر في تطبيق هذا الإستثناء لا يثور السؤال -  كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 400 – كيف بدأت المعركة بمعنى ما هـو السبب الذي أدى إلى نشوب المعركة ولا من من الفريقين المتقاتلين بدأ القتال وفي قضية حكومة السودان ضد حسن أحمد سليمان مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977 ص 64 قضت المحكمة العليا بأنه في حالات المعركة المفاجئة ليس للمحكمة أن تعنى بمن كان هو المخطي ومن هو السبب ؟ إذا اطمأنت المحكمة بأن الأمر كله لم يكن من ورائه تدبير سابق أو إصرار بل كان وليد ظروف طارئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم كوكو تاماي مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1979 من 93 قضت المحكمة العليا بأنه يتعين على المحكمة إدانة المتهم تحت المادة 253 من قانون العقوبات متى ثبت أن ما حدث لا يعدو أن يكون معركة مفاجئة نشبت دون سبق إصرار إثر شجار مفاجئ حتى ولو لم تتحقق المحكمة ممن يقع عليه اللوم في إثـارة دفع المعركة المفاجئة شأنه في ذلك شأن الدفوع الأخرى الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد دود دينج كوال مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979 ص 113 هوأن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها في مرحلة الشك المعقول

ففي هذه القضية التي بين أيدينا ليس أمامنا من الأدلة المباشرة سوى إفادة المرحوم التي أفضى بها قبيل وفاته بالمستشفى لشاهد الاتهام الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي ولشاهدة الاتهام الرابعة عايدة سبت عبد الله وإعتراف أو إقرار المدان بما حدث

ونحن نعول على إفادة المتوفى في هذه القضية برغم أنه لم يدل بها لقاضي ولم يدل بها في حضور المتهم ولم تعد على اليمين وربما أدلى بها المتوفى في حالة أنه لم يتوقع الموت ذلك لان قضاءنا جرى وتواتر واستقر على قاعدة أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن الذي أدلى بها في حالة توقع الموت أو الإحتضار وإن لم تؤخذ تلك الأقوال بواسطة قاضي وعلى اليمين وفي حضور المتهم وأن كانت شفويـة أو كتابية ففي قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر سنة 1982 ص 29 قضت المحكمة العليا بأن بينة المحتضر لإثبات السبب الذي أدى إلى وفاته تعتبر بينة مقبولة قانوناً حتى لو لم تؤخذ بواسطة قاضي ولم تكن في حضور المتهم ولو لم تؤخذ على اليمين بل حتى لو لم يكن من أدلى بها محتضراً أو متوقعا الموت هي تكفي لإدانة المتهم متى ما اطمأنت المحكمة إليها وفي قضية حكومة السودان ضد آدم عوض الكريم عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 345 قضت المحكمة العليا بأنه يمكن قبول الأقوال التي يدلي بها  المحتضر سواءً كانت مكتوبة أو شفاهة عن الأسباب المؤديةإلى وفاته أو أية  ظروف أخرى أدت إلى موته عندما تطرح أسباب موت ذلك الشخص للتمحيص سواءً كان الشخص الذي أدلى بها يتوقع وفاته أم لا وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد أخر مجلة الأحكام القضائية السودانية 1975 ص 533 قضت المحكمة العليا بان أقوال المحتضر تعتبر بينة مقبولة قانوناً بالرغم مـن أنها لم تسجل بواسطة قاضي وعلى اليمين بحضور المتهم وفي قضية المتهم وفي قضية حكومة السودان ضد الطيب على موسى مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975 ص 565 قضت المحكمة العليا بأن تقبل أقوال المتوفى في البينة دون اشتراط حالة الإحتضار ولا يشترط أن يدونها قاضي وفي قضية حكومة السودان ضد عباس محمد سلام مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 255 قضت المحكمة العليا بأن أقوال المحتضر مقبولة في البينة سواءُ  كانت كتابية أو شفاهية وسواءً كان يتوقع الموت أو لا يتوقعه وسواءً قيلت في حضور المتهم أو في غيابه وسواء كانت على اليمين أو دون اليمين

ففي القضية التي بين أيدينا يركن ويطمئن الوجدان لرواية المرحوم للشاهدين المذكورين بأنه جاء للمتهم في الغرفة التي يقاسمه السكن فيها في حوالي الساعة 7 مساء وطلب منه أن يعطيه المفتاح ليدخل أمتعته فيها التي أخرجها المتهم منها دون مبرر وكان المتهم في ذلك الوقت يرقد خارج الغرفة وبعد أن رفض المتهم أن يعطيه المفتاح ذهب المرحوم في شانه وجاء للمتهم مرة أخرى في حوالي الساعة 12م  من نفس الليلة وطلب مرة أخرى من المتهم أن يعطيه المفتاح وبعد أن رفض المتهم ذلك قام المرحوم بكسر باب الغرفة ومن ثم نشبت المشاجرة التي انتهت بمعركة ترك بعدها المتهم سكينة في بطن المرحوم وهرب

ونحن لتكوين عقيدتنا نرى أن نقوم في هذه القضية بتجزئة إعتراف أو إقرار المدان نأخذ منه ما نراه متناسقاً مطابقاً للحقيقة ومنطق الأشياء ونعرض عما نراه مغايراً لها ونعرض عما يكن منافياً للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور الطبيعية ومايتعارض مع البينات الثابتة والظروف والملابسات المحيطة بالوقائع وصحيح أن القاعدة العامة المتواتر والمستقر عليها قضاؤنا في قبول الاعتراف أو الإقرار هي أخذه أو الاعتداد به ككل دون تجزئة ما لم يتعارض وطبائع الأشياء ففي قضية حكومة السودان ضد حسين عبد الرحمن سليمان مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 755 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة هي اخذ أقوال المتهم ككل دون تجزئة إذ لا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه طالما كانت لا تتعارض وطبائع الأشياء وفي قضية حكومة السودان ضد مصطفي عبد الله موسى مجلة الأحكام القضائية سنة 1976 ص 620 - قضت المحكمة العليا بأنه لمحكمة الموضوع قبول الاعتراف أو قبول ذلك الجزء منه الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمور الطبيعية والمنطق السليم وفي قضية حكومة السودان ضد مشاور أحمد النيل وآخرين مجلة الأحكام القضائية 1974 ص 311 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة في قبول الاعتراف هي أخذه ككل دون تجزئة ولكن عند تقييم الاعتراف ينظر فيما إذا كان هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الاعتراف إذا وجدت مثل هذه البينة يجب إلغاء ذلك الجزء من الاعتراف وفي قضيتي حكومة السودان ضد حيدر عبد الرازق على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 379 وحكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بان قضاء المحكمة العليا تواتر على أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المتهم باطنه وظاهره بل لها لتكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقا للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها

ففي القضية التي بين أيدينا نقوم بتجزئة إعتراف المدان بحيث إننا نطرح ونرفض روايته بان الشخص الذي كان يناجزه ويراشقه ويصارعه وطعنه كان لصاً سطا على غرفته ويود أن يسرقها ذلك لأن هذا الجزء من إعتراف المدان يتعارض في هذه الجزئيات مع ما رواه الشاهدان عبد الله نياسو وعايدة سبت على لسان المرحوم من أن المدان عرفه وتحدث معه وطلب منه مفتاح الغرفة وفي النهاية طعنه دون لبس أو إشتباه – هذا فضلاً عن أن رواية المدان لا ينطق بها منطق الأشياء ومجرى الأمور العادية والطبيعية ولأنها تجافي العقل والحقيقة والمنطق السليم إذ أن المدان والمرحوم كانا يسكنان سوياً في تلك الغرفة في مدة لا تقل عن خمسة أشهر فهو إذن يعرفه جيداً أو على الأقل يعرف ويتأكد من صوته خصوصاً أن المدان يفيد المحكمة عند إستجوابه بأنه تأكد انه طعن لصاً بعد أن تبصره من قرب كما أن الظروف والملابسات التي أحاطت بوقائع تلك القضية لم تثبث لنا بان شخصاً أقتيل في تلك الليلة سوى المرحوم في تلك المنطقة ولكن نجد أننا نوافق المدان في باقي جزئيات إعترافه بان المرحوم صفعه على خده ورماه على ظهره على سريره ثم صفعه مرة أخرى وخنقه حتى إنقبضت أنفاسه وخاف علي نفسه من الموت ومن ثم قام بطعن المرحوم

لقد جرى وتواتر وإستقر قضاؤنا على تعريف المعركة الفجائية الواردة في المادة 249(4) من قانون العقوبات تعريفاً واضحاً ووضع لها أركان وضوابط وشرائط دقيقة وعادلة ومنصفة ولا بد أن يثبتها الدفاع – كما أسلفنا – لمستـوى أو درجة لا تصل درجة إثبات قضية الاتهام وذلك قبل أن يستفيد المتهم من ذلك الدفع المخفف لجريمة القتل العمد إلى جريمة القتل شبه العمد ففي قضية حكومة السـودان ضد عبد الرحمن يوسف صبا وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص 390 عرفت المحكمة العليا المعركة الفجائية بقولها ( أن المعركة المفاجئة المنصوص عنها في المادة 249 (4) من قانون العقوبات هي المعركة التي لم تعد لها العدة من قبل والتي لم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها المعركة التي تحدث فجأة والتي تكون فيها نية القتل قد جاءت وليدة الساعة والظروف دون سبق إصرار أو عمد وهي التي تشب إثر مشاجرة أو خصام مفاجئ )

وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم مجلة الأحكام القضائية سنة 1975 ص 543 حددت المحكمة العليا عناصر المعركة المفاجئة في ( أن تكون هنالك معركة مفاجئة نشبت دون سابق تدبير إثر مشاجرة وألا يستغل المتهم ظرفاً غير متاح لخصمه أي لا يستغل ضعف موقف القتيل- ويغدر به ولا يتصرف المتهم بوحشية أو بطريقة شاذة وأن يتقيد المتهم بقواعد الفروسية وفي قضية حكومة 240السودان ضد محمد آدم عثمان وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص قضت المحكمة العليا بأنها يتوفر ظرف المعركة المفاجئة إذا بت أن اللقاء بين طرفي المعركة كان عفويا وتطور الصدام بدون تدبير إلى معركة دامية مع عدم توافر سبق

الإصرار وفي قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس مجلة الأحكــام القضائية 1975 ص 413 قضت المحكمة العليا بأن المعركة المفاجئة هي المعركةالتي لم يحضر لها من قبل بمعنى أنها المعركة التي تحدث في التو والحين فهي وليدة ساعتها

دعنا نناقش مدي توافر عناصر المعركة المفاجئة في هذه القضية المطروحة أمامنا على ضوء هذا التعريف وإرتكازاً على البينات والأدلة الواردة والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث

1-   نشوب المشاجرة الفجائية :

يجب أن يكون هنالك خصام أو شجار أو مشادة كلامية أو مجادلة تشتعل بصورة فجائية بين الخصمين ثم يتطور ذلك الشجار إلى تراشق وتشابك ومصارعة وعراك ومواجهة عملية وتلاحم فعلي سواء استخدمت فيه الأسلحة أم لا إن المقصود –كما جاء في الرأي المخالف للقاضي حسن محمد علوب في قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس المشار إليها بان المشاجرة في المادة 249 (4) هي المشادة الكلامية والمواجهة والتحدي بقصد الالتحام

إن المشاجرة المفاجئة هي متطلب أساسي للمعركة المفاجئة ولا بد أن تنشأ المعركة وتنبثق عن المشاجرة وعنصر (الفجائية) ضروري وهو يعني أن المشاجرة بهذا المعني هي التي تحدث في التو والحين وهي وليدة الساعة ولم يحضر لها من قبل من جانب أي من الطرفين المتخاصمين وهي التي فجأة تشتعل بدون تدبير سابق ولم يخطط لها ولم تعد لها العدة من قبل ولم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها وكانت عفوية وليست في الحسبان مطلقاًُ

في القضية التي بين أيدينا ثابت من إفادة المرحوم بان المشاجرة الكلامية فجأة إشتعلت بينه وبين المدان حول مفتاح الغرفة ليدخل المرحوم وعفشه و أمتعته بعد أن أخرجها المتهم من الغرفة دون أي مبرر وكان ذلك الشجار فجائياً وسريعاً لأن المرحوم فوجئ بعفشه خارج الغرفة وقد جاء بنية أن ينام كعادته في الغرفة التي يتقاسم فيها المدان السكن ومن ثم ثار عليه وثارت حفيظته ولذلك فأن تلك المشاجرة كانت وليدة الساعة والظروف ولم يعد لها العدة وكما هو ثابت من  إعتراف المدان فان تلك المشاجرة تطورت إلى تلاحم فعلى وتشابك بين المدان وبينه حيث تصارعا وصفق المرحوم المدان مرتين ثم سقطا على سرير المدان حيث كانت ترقد سكينة وخنق المرحوم المدان حتى أن قبض أنفاسه وخشي المدان الموت وكان المرحوم  جاثماً على جسم المدان وهنا اخذ المدان سكينة من سريره وطعن بها المرحوم طعنة واحدة في بطنه في الجانب الأيسر منها وأخيراً ترك المدان السكينة في بطن المرحوم وولي هارباً وليس لنا قانوناً أن نعرف خلفيات وأسباب تلك المشاجرة وذلك العراك فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك واخرين فريق (أ) سليمان أحمد محمد على آخر فريق (ب) مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 704 بأنه في المعركة المفاجئة لا يسأل ما هو الذي أدى إلى نشوب القتال طالما أنه ثبت أن المعركة كانت فجائية ووليدة الساعة وفي قضية حكومة السودان ضد جلاب محمد على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 288 قضت المحكمة العليا بأنه في إستثناء المعركة المفاجئة ليست أسباب المشاجرة ودواعيها بذات أهمية وإنما المهم هو عنصر المفاجئة وإنتقاء سبق الإصرار وعدم استغلال الظروف

2-   أن يكون قتل المحكوم عليه للمرحوم في حدة العاطفة

ثابت من إعتراف المدان أنه طعن المرحوم الأعزل أثناء تلك المعركة العنيفة الدامية التي نشبت من جراء ذلك الخصام المفاجئ حول مفتاح الغرفة ودخول المدان فيها من عدمه وبعد أن قام المرحوم بكسر باب الغرفة وبعد أن التهبت مشاعر وعواطف الخصمين وفي ثور ة الغضب والإستفزاز وهياج العاطفة وتأججها

3-   تسبيب موت المرحوم دون سبق إصرار :-

يتعين في سبيل إنطباق هذا الإستثناء ألا يسبب المتهم موت المرحوم بسبق إصرار وتصميم وعناد وتعد

ففي القضية التي بين أيدينا قد كان موت المرحوم ليس في حسبان المدان ولم يتعمده ولم يصمم ويصر عليه سابقاً فقد كان المرحوم ينام مع المدان في غرفتهما في كل يوم في سلام ووئام وإنسجام ومن ثم عندما قتل المدان المرحوم ولم يسبق إصراره على ذلك خصوصاً وأنه سدد طعنة واحدة في بطنه على نحو ما هو واضح في التقرير الطبي عن الجثة

4-   عدم سلوك المتهم سلوكاً قاسياً أو غير عادي :-

إن السلوك القاسي هو السلوك المادي الإجرامي الوحشي الشرس غير المألوف ويكيف ويصنف من خلال طبيعة وخطورة وتعدد الإصابات وحيوية مواقعها من جسم القتيل ففي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأن السلوك القاسي فسر بأنه ذلك السلوك الذي يكون الغرض منه هو إستمتاع الجاني بتسبيب الألم للمجني عليه وتلذذه بذلك وهكذا قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين المشار إليها سابقاً وفي قضية حكومة السودان ضد حسين محمد حسين مجلة الأحكام القضائية 1975 ص478 قضت المحكمـة العليا بان تهشيم جمجمة المرحوم يعتبر سلوكاً قاسياً من المتهم إن التصرف الشاذ والسلوك القاسي نتصوره ممن ينهال – مثلاً – علي خصمه طعناً أو ضرباً بينما يكون هذا الخصم مطروحاً في الأرض تحت رحمته وفي قضية حكومة السودان ضد الأمين كنجو حميش مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 387 قضت المحكمة العليا بما أن المشاجرة كانت فجائية والأسلحة متكافئة وبما أن المجني عليه هو البادئ بالعنف والعدوان بتوجيه صفعة لخد المتهم فان لجوء الأخير للسلاح الوحيد الذي كان بيده وتسديد ضربة يتيمة لرأس المرحوم لا يعتبر تصرفاً شاذاً أو خارجاً عن المعتاد

ففي قضيتنا هذه لا نستطيع أن نوصف المدان بأنه سلك سلوكاً قاسياً عندما طعن المرحوم في بطنه طعنة يتيمة واحدة ثم لم يزدها فلم يقصد المدان الإستمتاع والتلذذ بإيذاء المرحوم ولو قصد ذلك لزاد الطعنة الواحدة طعنات متعددة وينبغي ألا يعتبر ترك المدان للسكين في داخل بطن المرحوم سلوكاً قاسياً من جانبه طالما أنه لم يزد تلك الطعنة الواحدة وكان في وسعه ذلك

أما السلوك غير العادي هو الذي يشير – كما قضت المحكمة – العليا فـي قضية حكومة السودان – ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها – إلى أن الهدف  منه كان شيئاً آخر لا علاقة له بالمشاجرة وهو السلوك الإنتقامي ولكن في قضيتنا هذه عندما طعن المدان المرحوم لم يهدف من وراء ذلك أمراً أخر لا علاقة له بالمشاجرة بل كانت الحركة الفجائية هي السبب المباشر لسلوك المرحوم

5-   عدم إستغلال المتهم الظروف  :

إن إستغلال الظروف في المعركة المفاجئة يعني إهدار ومخالفة لقواعد الفروسية والمبارزة والبطولة التي تقتضي مراعاة المساواة والتعادل  والتكافؤ في الموقف والفرص والظروف وألا يضرب الخصم خصمه والأخير في وضع خطر وألا يكون الخصم مسلحاً وغريمه أعزل من غير سلاح وألا يستغل الخصم ظرفاً لم يعد متاحاً لخصمه وألا يختص الخصم لنفسه بميزة أو فائدة غير مواتية لخصمه وألا ينتهز فرصة غير مناسبة وغير ملائمة وغير عادلة لخصمه وألا يستغل الخصم ظروف ضعف خصمه وألا يغدر به خصمه وألا يضع نفسه موقف يفوق خصمه أثناء الصراع والتراشق والقتال والمنافره في القسوة والعدد والعدة وألا يكون هو سيد الموقف ففي قضية حكومة السودان ضد حمد النيل الضو عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية 1973 ص ح 321 قضت المحكمة العليا بان تسلح المتهم بسكين في الوقت الذي كان فيه القتيل أعزلاًَ من كل سلاح يشكل ميزة غير مواتية تمنع إنطباق إستثناء المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد إبراهيم مجلة الأحكام القضائية 1978ص 306 قضت المحكمـة العليا بأن المتهم عندما سدد طعنة قاتلة للمرحوم كان ذلك إستغلالاً لفرصة غير متاحة لخصمه الأعزل وبذلك تخلف عنصر من عناصر المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم لتوقه مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 108 قضت المحكمة العليا بأنه لم تعد هنالك معركة بإنسحاب المجني عليه وهروبه منها كما أن مطاردة المتهم له وضربه وهو يوالي هروبه وهو أعزل من أي سلاح يعتبر استغلال لظرف غير متاح للمتوفى يحرم المتهم الاستفادة من الإستثناء الرابع للمادة 249 عقوبات وجاء في قضية حكومة السودان ضد عبد الله بشير باكني مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 192 ما يلي :

( على انه من الواضح أن المحكوم عليه إستعمل السكين في قتل المجني عليه الذي لم يكن يحمل أي نوع من السلاح ولا شك أن هذا يعتبر إستغلالاً للظورف في المعنى الذي أشارت إليه المادة المذكورة (249(4) ) عقوبات إذ أنه حيث لا يكون هنالك تكافؤ بين طرفي المشاجرة فإن الطرف الذي يستغل عدم تكافؤ الفرص لمصلحته للاعتداء لا يستطيع أن يعتمد على المفاجأة وحدة العاطفة وحدهما فالشخص لا يستطيع أن يدعي بأنه كان واقعاً تحت ظروف المفاجأة وجيشان العاطفة وهو يشعر في نفس الوقت أنه كان سيد الموقف بدليل أنه كان يعرف تماماً أن غريمة أعزل وهو يملك السلاح ) وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد مجذوب بادان مجلة الأحكام القضائية سنة 1974ص 459 قضى بأن الدفع بحدوث المعركة المفاجئة يستفيد منه من يراعون قواعد الفروسية لا الذين يضربون الخصم وهو في وضع خاسر

ولكن جرى وتواتر واستقر قضاؤنا على وضع إستثناءات لهذه القاعدة العامة ذلك بأن النظرية القائلة بأن إستعمال المتهم لسلاح ضد خصمه الأعزل من غير سلاح يعتبر إستغلال لنقطة ضعف خصمه وإستغلال لظروف المعركة التي لم تعد مواتية للخصم تلك النظرية ينبغي ألا تكون مطلقة علي علاتها وعواهنها ويجب أن لا تكون مغلقة ويتعين أن لا يكون التسليم بها في كل الحالات بدون أي تصـرف ففي قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 304 قضت المحكمة العليا بأن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تطبق بدون تصرف على كل من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهنالك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقسوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ومدى إدراك الطاعن لحالة الضعف التي يعاني منها خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين وآخر المشار إليها سابقاً قضت المحكمة العليا بأن الشخص الذي يجد نفسه وسط معركة فرضتها عليه الظروف يستعمل عادة ما يكون معه من سلاح ولا يوضع بأنه إستغل ظرفاً لم يكن متاحًا لخصمه لأنه هو نفسه لا يعرف ما يحمل خصمه من سلاح وقضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1982 ص 44 قالت المحكمة العليا ما يلي :

( والذي نراه في هذا الشأن هو أن دخول أحد الأطراف في المعركة متمتعاً بميزة السلاح يعد بالفعل إستغلالاً لظرف غير متاح للطرف الآخر ولكن يجب أن نزن الظروف كلها لأن معيار توازن الفرص لا ينظر إليه هذه النظرة الجامدة في كل الأحوال وخلاصة رأينا أن تعادل الفرص يجب أن ينظر إليه فـي السلاح وفي حالة المتهم الجسمانية وما لحقه من إصابات تؤثر في قواه البدنية بصورة تضعفها للدرجة التي لا تجعل فعالية للسلاح لا تمنح المتهم قدراً متفوقاً على خصمه السليم)

وجاء على لسان المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم المشار إليها سابقاً ما يلي :

( حقيقة قد يبدو أن المتهم عندما استخدم السكين كان مخالفا لقواعد الفروسية التي تستدعي تعادل الفرص حيث لم يكن المجني عليه مسلحاً بشيء متعادل مع سلاح المتهم والذي نقول به أن تعادل الفرص لا يلتمس فقط في التـوازن المظهري للسلاح بل يجب أن يؤخذ فيه جوانب أخرى مثل القوة الجسمانية للمجني عليه الأعزل وإصراره على العدوان ومواصلة الإشتباك لأن مثل هذه الصفات والتي لا تكون متوافرة لدى المتهم لا تقلل من قواعد الفروسية لأن سلاح الخصم الأقوى هو في قوته الجسمانية وشجاعته في الإصرار على العدوان

يجانب ذلك يجب أن نأخذ في الاعتبارات الوقت الذي أدخل فيه السلاح غيرالمتعادل فإن كان إدخاله قد تم من الوهلة الأولي فإن في ذلك إشارة إلى إهدار قواعد الفروسية أما إذا إستمر النضال والتناحر إشتباكا وضربا بالأيدي حتى حمي وطيس ذلك الإشتباك لدرجة أوهنت من قوى طرفٍ ما فإنه في هذه الحالة لابد من إستعانته بسلاح لمحاولة تعادل الفرص وهذا هو في إعتقادنا ما فعله المتهم لأنه لم يدخل السلاح في المعركة إلا في نهايتها وقد إستمر التناحر والعراك ضربا وإشتباكا بالأيدي وخنقا متبادلا وبعد هذا الوقت وهنت قوى المتهم فسدد طعناته للمجني عليه وليس في هذا إخلالاً بقواعد الفروسية لأنه في مثل هذه اللحظات تتدخل عوامل الدفاع عن النفس وحب البقاء وتلك طبيعة بشرية يجب علينا وعيها تماماً ) وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدري المقدم مجلة الأحكام القضائية 1980ص 142 قضى بأنه ليس صحيحاً أن استعمال المتهم لسلاح غير متاح لخصمه يعني تلقائياً وبلا تردد حرمانه من الاستفادة من إستثناء المعركة المفاجئة والصحيح هو أن ينظر إلى كل ظروف القتال وتطوراته مع بعضهما فلو أتيح للمتهم أثناء المعركة الحصول علي سلاح ما فليس لنا أن نتوقع منه في حدة العاطفة وفي ظروف القتال أن يزن الأمور بميزان دقيق وأن يمتنع عن استعماله لمجرد أن خصمه لا يملك مثله)

من خلال هذا النظر القضائي الذي إستعرضناه يتبين لنا أن الجاني إذا إستعمل سلاحاً كان في متناول يده في قتل خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الماثل على حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الإستعمال على إستغلال للظروف ولا يتوقع من الجاني أن يزن الموقف بميزان الذهب لأن ميزان الذهب لا ينصب في ساحة المعارك حيث تتأجج العواطف وتغلي المشاعر ويفور العقل فلا تثريب إذن على الجاني عن ذلك الإحساس إذا إستعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست بجسيمه كما أنه لا يطلب منه أن يصد إعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم في قضية حكومة السودان ضد توم كونال مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 216 قضت المحكمة العليا بأن الظروف التي طعن فيها المتهم بالسكين تخص المرحوم كانت في المشاجرة المباغتة وأن المتهم لم يستغل الظروف والسبب أن المتهم والمرحوم لا يزالان في أوج القمة من المشاجرة وثورة الغضب وهياج العاطفة ولا يمكن في تلك المرحلة أن يطلب من المتهم أن يلجأ للعقل في الوقت الذي سدد له فيه المرحوم طعنه خلف أذنه قبل أن يجرده المتهم من سلاحه وفي قضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأنه متى كان من الثابت أن المتهم أصيب أثناء معركة مفاجئة بجرح كبير في فخذه أن التقاطه لسكين من الأرض وجدها بجواره وإستعماله لها لا يعتبر إستغلال غير عادي للظروف ولذلك من حقه الإستفادة من دفع الإستفزاز أثناء المعركة  المفاجئة تحت المادة 249 (4) من قانون العقوبات وقالت المحكمة العليا في تلك السابقة مايلى :

(لذلك طالما كان المتهم مصاباً بجرح كبير في فخذه وأن السكين المستخدمة قد التقطها فجأةً من الأرض حيث وقعت بجواره لسبب أن أحد الشهود قذفها نحو المكان الذي يجلس فيه وأنه في هذه الحالة لا يعتبر قد إستغل ظرفاً غير عادي للأخر بل أن الإنسان العادي في مثل هذه المعركة لا يستغرب منه أن يلتقط السكين ويسدد بها طعنة إلى ذلك الشخص الذي سبب له الأذى وبتلك الصورة التي حدثت للمتهم)

ففي القضية التي بين أيدينا نصدق رواية المدان التي وردت في إعترافه بأن المرحوم صفعه مرتين على خده وتصارع معه وسقطا على الأرض طالما أن تلك الرواية ليس للاتهام من الأدلة ما ينفيها وطالما أنها لا تتعارض ومنطق الأشياء والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث وإذا كان ذلك كذلك فإنه ثابت أن المرحوم سبب أذى أو إصابة للمدان تبرر له إستعمال سكينة في طعن المرحوم طالما أحس بأنه خطر على حياته وطالما كان ذلك أثناء تلك المعركة العنيفة المفاجئة وفي حدة العاطفة ومن ثم لا يعتبر المدان أنه إستغل ظرفاً غير متاح للمرحوم الذي كان أعزلاً

أيضاً من خلال إستعراضنا لهذه القواعد والنظريات التي جرى وتواتر وإستقر عليها قضاؤنا بشأن ضوابط المعركة المفاجئة يتبين لنا أن الجاني إذا وجد نفسه أثناء التراشق والعراك والتشابك في ظروف معيار الرجل العادي – جعلته يشعر بأنه قد أحيط به يسبب خطر محقق على حياته من جراء فعل خصمه المرحوم تجاهه حتى ولو لم يسبب له أذى أو أصابه بصورة فعلية وإذا كان الجاني لم يعد سيد الموقف ولم يكن مدركاً لنقطة ضعف خصمه فإن إستعماله للسلاح المتاح له في تلك اللحظات الحرجات لا يعد إستغلالاً لظروف غير مواتية لخصمه المرحوم الأعزل من أي سلاح ففي قضية حكومة السودان ضد محمد عمر أحمد مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 311 قضت المحكمة العليا بأن مجرد إستعمال المتهم بالسكين ضد متهم أعزل لا يعتبر إستغلالاً لنقطة ضعف إذ يتعين لإثبات ذلك أن يكون المتهم على معرفة بحالة المجني عليه ومدركاً لنقطة الضعف التي يعاني منها وملماً بما هو فيه من عجز عن عمل المجابهة ثم تحينه المقصود لتلك الحالة والإفادة المباشرة منها كسبب للجرأة لذلك السلاح القاتل الذي لجأ إليه وفي قضية حكومة السودان ضد عمر إسحق حسب الله مجلة الأحكام القضائية 1980 ص 95 حيث أنه عندما بدأت المشاجرة كان كل من المتوفى والمتهم مسلحاً بسكين وأثناء المعركة جرد أحد الشهود المتهم من سكينة حتى صار بلا سلاح وأنه عندما شعر بالخطر الماثل على حياته أخذ سكين المتوفى منه عنوة وطعنه بها فهو بذلك قصد إلى إستعمال السلاح الذي كان متاحاً إليه في تلك اللحظات الحرجات ومن ثم قضت المحكمة العليا بأنه لم يستغل فرصة غير متاحة لخصمه بل إستغل تكتيكاً لم يفطن إليه خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد النضيف : م ع /ط/ ج/ 89/78 كان المتوفى أعزلاً من السلاح ولكنه خنق المتهم وجثم فوقه فإستل المتهم سكينة وطعن بها خصمه وقضت المحكمة العليا بأن الإستثناء تحت المادة 249 (4) عقوبات ينطبق وأنه لا يوجد إستغلال للظروف فقد لجاء المتهم للسلاح الوحيد المتاح له في الوقت المناسب عندما أحس بأن خطراً ماثلاً على حياته قد تحقق من فعل خصم المرحوم الأعزل وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدوي المقدم المشار إليها وقعت مشاجرة مفاجئة بين المتهم والمرحوم وتشابكا وسقطا على الأرض وتمكن المتهم من إخراج سكين قديم التي كان يلبسها في ذراعه وسدد بها طعنتين تسببتا في موته وقضى بأن تصرف المتهم لا ينطوي على إستغلال الظروف رغم أن المجني عليه كان أعزلاً من كل سلاح وفي قضية حكومة السودان ضد الدخري صالح محمد مجلة الأحكام القضائية 1978ص 284 قضت المحكمة العليا بأن إستعمال المتهم للسكين في مثل الظروف التي وجد نفسه فيها لدى إمساك القتيل له من الخلف داخل قطية مظلمة لا تجعله في موقف المقاتل الذي يوصف بعدم مراعاة قواعد الفروسية لإستغلاله ظروفاً لم تكن متاحة لخصمه لأنه لم يستعمل السكين الخاصة به ألا بعد أن عجز أن يخلص نفسه من قبضة المرحوم الأعزل الذي رفض أن يطلقه برغم توسلات المتهم له وكانت الوقائع بان نشبت معركة مفاجئة داخل قطية مظلمة بين المتهمين من جانب والقتيل وأحد الشهود من جانب آخر أغلق ذلك الشاهد باب القطية وأمسك القتيل بالمتهم الأول مسكةً قوية لا يستطيع معها المتهم الأول فكاكاً لجأ المتهم الأول لسكين في ذراعيه وطعن بها القتيل الأعزل من الخلف عندما كان لا يزال ممسكاً به - طعنةً قاتلة - ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من رواية المرحوم بأنه جاء في الساعة السابعة مساء للمدان ثم رجع له الساعة 12 من نفس الليلة ثم بدأت المشاجرة التي تطورت إلى معركة مفاجئة ولذلك لم يعد المدان مدركاً لنقطة ضعف المرحوم ولم يحس بأنه سيد الموقف بل بالعكس أنه ظن بأن المرحوم جاءه راجعاً مسلحاً ومستعداً للقتال وبعد أن جثم المرحوم على المدان وخنقه تيقن المدان على ذلك وفي ظل تلك الظروف أنه أحيط به وأن خطراً محققاً يهدد حياته من جراء تصرفات المرحوم تجاهه وعليه فإن استعماله للسكين في تلك اللحظات الحرجات وفي ذلك الموقف الخطير ينبغي ألا يعتبر إستغلال لظروف غير متاحة للمرحوم الأعزل من أي سلاح

 عليه لهذه الأسباب مجتمعة ولتوفر جميع الأركان التي ينهض عليها الإستثناء الوارد في المادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983 أجد أن المدان سبب موت المرحوم في معركة مفاجئة نشبت إثر مشاجرة مفاجئة دون سابق إصرار وفي حدة العاطفة ومن غير أن يستغل الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي ولذا فإن الجريمة التي إرتكبها المدان هي القتل شبه العمد تحت المادة 253عِقوبات لسنة 1983

     إن العقوبة التي يتعين أن توقع على المدان هي الدية الكاملة المغلظة التي حددها المنشور الجنائي رقم 91/83 ما بين عشرين وثلاثين ألف جنيه سوداني وذلـك لأن المرحوم من قبيلة الزاندي يعيش في غرب الإقليم الاستوائي تلك القبيلة التي لا ترصد حسب علمي القضائي- عدداً معيناً من الأبقار أو الأغنام للدية بخلاف بقية أفراد قبائل الاستوائية إن قبيلة الزاندي تقبل المال كدية وإذا كانت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 تنص على أن من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية وقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصليه في حالة إرتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :

        (أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفى عن القصاص أو امتنع القصاص بسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطاء وإتلاف الأطراف خطأ والجرح خطأ )

جاء في نفس المرجع الجزء الأول ص 189 مايلي:

        ( الدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام (( ألا إن في قتيل عند الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مئة من الإبل )) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصلية لأنها ليست بدل عن عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن دية القتل العمد تعتبر عقوبة بدليه لا أصلية لأنها بدل من عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية للقتل العمد )

      إن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كما ورد في المادة 253 عقوبات – لا يجوز شرعاً ذلك لان القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد لإنعدام التماثل بين ما يفعله الجاني جرماً وما يفعله به عقاباً على ارتكاب ذلك ومعلوم أن عنصر التماثل أمر أساسي لإقامة القصاص فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي: ( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد والقتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثاني الدية مغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص علي القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل الجاني المجني عليه فان قتل الجاني لابد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

    لذلك نأمل أن يعدل المشرع هذا الخطأ الذي وقع فيه عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات وعليه لا بد من إسقاط عقوبة الإعدام نهائياً علي أن تكون الدية الكاملة المغلظة هي العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 عقوبات

    يتعين على محكمة الموضوع أن تتحصل على قائمة بأسماء أولياء الدم وهم ورثة القتيل بموجب مستند رسمي صادر من جهة مختصة عن طريق رئيس الجهاز القضائي للإقليم الاستوائي جوبا حيث أن قبيلة المرحوم ( الزاندي)  تعيش في غرب الاستوائية التي عاصمتها يامبيو ومما مراكزها طمبرة وأنزارا وبعد الحصول على أسماء ورثة القتيل تقوم محكمة الموضوع بتقسيم الدية الكاملة المغلظة التي يتعين عليها أن تحكم طبقاً للمنشور الجنائي رقم 91-83 الذي  حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه ويجب على محكمة الموضوع ألا تخير أولياء الدم بين قبول هذه الدية ورفضها فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو نشرة الأحكام الرباعية العدد الثاني 1986 ص 48 بأن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/83 توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصلية ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وقبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وفي قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية –أبريل - مايو– يونيو 1985  ص 37 قضت المحكمة العليا بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 253 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهـب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة وهي الدية المغلظة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

       كما إنه يتعين على محكمة الموضوع ألا توقع عقوبة سجن تعزيراً في حالة عدم دفع الدية أو أي عقوبة أخرى بديل لان عقوبة الدية حق ثابت خالص لأولياء الدم لا يسقط بأي حال إلا أن يعفو أولياء الدم الكامل عن الدية أو العفو الجزئي فإذا عجز المدان عن سداد الدية يبقى بالحبس إلى أن يدفعها هو أو يدفعها نيابة عنه عائلته وهم ذووه وأهله وعشيرته أو تدفعها عنه الحكومة أو بيت المال فقد قضى في قضية حكومة السودان ضد مختار التاج عيسى نشرة الأحكام الرباعية – يوليو –أغسطس –سبتمبر 1985 ص 37 – بأن الدية تعويض مستحق لا يسقط بقضاء فترة الحبس أو عقوبة تعزيريه أخرى وإنما لا بد منة دفعها متى قررها الإمام ولا تسقط ألا بالعفو أو إذا دفعها ولي الأمر نيابة عن المحكوم الغارم لذا أرى إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتقدير الدية حسب المنشور الجنائي 91/83  ثم تقسيمها على أولياء الدم وهم ورثة القتيل حسب مستند –رسمي صادر من جهة رسمية مختصة  

▸ حكومة السودان/ ضد / محمد مالك محمد علي فوق خالد محمد خير (ضــد) حكومة السودان ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1987
  4. حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

القضاة

السيد/ بابكر زين العابدين                          قاضي المحكمة العليا       رئيساً

السيد/ يوسف دفع الله                             قاضي الحكمة العليا         عضواً

السيد/ علي يوسف الولي                         قاضي المحكمة العليا       عضواً

حكومة السودان/ ضد/ الفريد اسكندر موتو

م ع / م ك /103/1405هـ

المبادئ:

إثبات – أقوال المتوفى- جواز قبولها ولو لم يكن المتوفى يتوقع الموت – إقتناع المحكمة بها

إثبات – التمسك بدفع المعركة المفاجئة – إبراز قضية مبدئية له ضرورة للإثبات فوق مرحلة الشك المعقول

قانون جنائي – القتل – المعركة المفاجئة – استعمال سلاح في يد المتهم ليس بالضرورة استغلال للظروف

1-   لقد جري القضاء واستقر علي أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن من أدلي بها توقع الموت أو الاحتضار وإن لم تؤخذ بواسطة قاض أو علي اليمين أو في حضور المتهم وان كانت شفوية أو كتابية متي اقتنعت المحكمة بصحة تلك الأقوال التي تبين سبب الوفاة

2-   أن الإثبات المطلوب من المتهم عند أثاره دفع  المعركة المفاجئة هو أن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول

3-  أن الجاني إذا استعمل سلاحا كان في متناول يد خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الواقع علي حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الاستعمال علي استغلال للظروف فلا تثريب إذاً علي الجاني عن ذلك الإحساس إذا استعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست جسيمة كما أنه لا يتطلب منه أن يصد اعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم

الحكــــم

التاريخ:

القاضي: بابكر زين العابدين

تتلخص وقائع هذه القضية كما وجدتها محكمة أول درجة وتؤيدها الأدلة المقدمة فيها في الأتي:

يسكن المدان الفريد الإسكندر موتو والقتيل كانتينو مدينج تبويته معا في حجرة واحدة بجهة القماير بامدرمان ويقتسمان دفع أجرها

قبل الحادث هذا بثلاث أيام تقريبا أفض المدان لشاهد الإثبات الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي بان للقتيل علاقة غير شريفة مع زوجته أي زوجة الشاهد – عايده شاهدة الإثبات الرابعة

نقل ذلك الشاهد للقتيل ما سمعه من المدان واتفقا علي أن يأخذ المدان للمدعو جون ويطلبا منه هناك أن يعيد أمامهم جميعا ما قاله من قبل الشاهد

رفض المدان الذهاب معهما للمدعو فتقدم القتيل بعريضة للمحكمة بالمهدية مضمنا فيها شكواه ضد المدان بما نسبه إليه من فعل في حق الشاهد وزوجته

طلب القاضي حضور الأطراف والشهود لجلسة 14/8/1984م وأخطـر القتيل المدان والشهود بالميعاد الذي حدده القاضي

في يوم 13/8/1984 حضر القتيل في المساء في حوالي السابعة فوجد المدان مقلقاً الحجرة التي يتقاسم السكن معه فيها بعد أن غير قفلها في نفـس ذلك اليوم وإحتفظ بمفاتيح معه فطلب منه مفتاحا لكي يدخل عجلته ويخرج سريره فرفض له المدان

إنصرف القتيل وعاد فيما بعد عند حوالي منتصف الليل وطلب من المدان الذي كان يرقد علي سريره خارج الحجرة المفتاح مرة ثانية فرفض المدان الاستجابة لطلبه

حاول القتيل كسر باب الحجرة  وشرع فيه بالفعل فهجم عليه المدان وسدد له طعنه من سكين علي الجنب الأيسر من بطنه وترك السكين في جسمه وهرب

أخرج القتيل السكين من بطنه واتجه إلي قسم الشرطة وأرسل من هناك إلي مستشفي أمدرمان الملكي وحجز به وأجريت له عمليتان وعلي الرغم من ذلك توفي في مساء 15/8/1984م نتيجة صدمة قلبية نتيجة فقدان الدم الناتج عن تهتك الأمعاء في أماكن مختلفة الناتج من الطعنه بالسكين علي الجنب الأيسر من البطن

عاد المدان للحجرة وأخذ أمتعته وقضى الليلة في عمارة تحت التشييد وغادرها في صباح اليوم الثاني إلي مدينة القطينة حيث تم القبض عليه فيها في يوم 19/8/84

بالإضافة إلى أقوال القتيل لشهود الإثبات الأول والثالث والرابعة في أن المدان هو الذي قام بطعنه بالسكين والتي أثبتها هؤلاء الشهود والتي جوز قانون الإثبات لسنة 1983م في مادته 35 الأخذ بها وبالإضافة إلى أن السكين التي اعترف المدان بملكيته واستعماله لها قد وجدت في بطن القتيل فقد اقر المدان لشاهدي الإثبات الأول والثاني وقد أثبت هذان الشاهدان هذا الإقرار واعترف قضائياً بأنه قد طعن القتيل وبرر التصرف بأنه قد اعتقد أن القتيل لص إلا أنه قد عدل عن هذه الأقوال في مرحلة المحاكمة وادعى بأنه لم يطعن القتيل وإنما طعن لصاً حقيقياً وترك السكين في بطن اللص وأن اللص قد أخرج السكين من بطنه وطعن بها القتيل في بطنه وتركه فيها

لم تأخذ محكمة أول درجة بدفاع المدان الأخير هذا في أنه لم يطعن القتيل وإنما طعن اللص الذي طعنه هو ورتبت علي ذلك إدانة المدان جريمة القتل العمد تحت المادة (215) من قانون العقوبات لسنة 1983 ولعدم الإهتداء على ولية الدم والدة القتيل لاستفسارها عما إذا كانت تقبل التنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية أو تصر علي إستيفائه عاقبته بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً

لم يقبل المدان بالإدانة والعقوبة فتقدم بطلب إستئناف قال فيه أنه لم يطعن القتيل وأنه بريء من الجريمة وتحاكم ظلماً ولم يمنح فرصة لتقديم شهود دفاعه في أنه لم يكن موجوداً وقت الإعتداء علي القتيل الذي تركه سليماً عند ذهابه منه للقطينة

بالإطلاع على الإجراءات أوافق أول درجة بان الثابت ومعترف به في هذه الإجراءات هو أن المدان قد طعن القتيل وأن الطعن قد سبب وفاته وأنه وإعتباراً للسلاح الذي إستخدمه المدان في طعن  القتيل والمكان الذي إختاره من جسمه والآثار الناتجة عن الطعنه فإنه يفترض في المدان قصد تسبيب الوفاة أو العلم بترجيح الوفاة من تلك الطعنة

من الجانب الآخر أري أن دفاع المدان في أنه لم يطعن القتيل وفي أنه كان غائبا في وقت الإعتداء علي القتيل وفي أنه لم يمنح الفرصة في تقديم شهود دفاعه على هذا الإدعاء أرى أن هذا الدفع لا سند له في الأدلة والواقع في هذه الإجراءات حيث أن الثابت باعترافه أنه كان موجوداً ولم يغادر إلى القطينه إلا في اليوم الثاني للحادث وأنه قد قال صراحة لقاضي الموضوع أنه لا يرغب في تقديم شهود دفاع وأنه والقتيل قد إتفقا علي أنه دون غيره هو الذي طعن القتيل

أوافق كذلك علي أن ظروف الحادث لا تبرر للمدان الإستفادة من أسباب الإباحة أو التخفيف حيث أنه وبالإضافة إلى أن المدان قد كان قاسياً مع القتيل وبالإضافة إلى أن المدان لا القتيل هو الذي خلق هذا الموقف وأزم الأمور إلى هذا الحد مع القتيل فإن القتيل لم يبادر بالإنتقام منه والإعتداء عليه أو التعارك معه أو إستفزازه وبالتالي أرى تأييد الإدانة

فيما يختص بالعقوبة فالأصل فيها تحت المادة 251 من قانون العقوبـات لسنة 83 هو الإعدام قصاصاً والبديل هو الدية إذا قبلها أولياء الدم لا تستطيـع المحاكم أن تفوض الدية بموجب هذه المادة علي أولياء الدم ولكن يجب عليها أن تسألهم بعد حصرهم بإعلام أو كشف وراثي عما إذا كانوا يقبلون التنازل عن القصاص مجانا أو مقابل الدية أو يصرون علي إستيفاء القصاص حصرت محكمة أول درجة أولياء دم القتيل في هذه الإجراءات في والدته التي تقيم منطقة غرب الإستوائية التابعة لإقليم الإستوائية وجهت محكمة أول درجة الإستفسار لأم القتيل بإقليم بحر الغزال بالرغم من أنها لا تقيم بإقليم بحر الغزال وإنما تسكن بإقليم الإستوائية بالإضافة إلى هذا لم تلاحق محكمة أول درجة الاستفسار إلى أن تتحصل علي إجابة عليه من المسئولين بتلك المنطقة إن العملية الخاصة باستفسار أم القتيل تتعلق بحياة إنسان وإن كل شئ يهون في سبيل حياة إنسان وخاصة أنه من المحتمل أن تقبل أم القتيل بالتنازل عن القصاص مجاناً أو مقابل الدية وبالتالي كان ينبغي على محكمة أول درجة أن توجه الإخطار بعد أن عرفت أن مكان أم القتيل بالإستوائية إلى رئاسة الجهاز القضائي بالاستوائية التي تعرف أين تقع منطقة الزاندي من الإقليم وكيف تتصل بها في أقرب وقت وتنظر منها الإفادة بعد الملاحقة المعتدلة لكل هذه الأسباب أرى أن نؤيد الإدانة وأن نلغي العقوبة بغرض إعادة النظر فيها وفق ما تسفر عنه إجابة أم القتيل على الإستفسار بعد أن يوجه إليها بعنوانها بواسطة السيد/ رئيس الجهاز القضائي بالإقليم الإستوائي مع السعي الجاد والحثيث على الحصول على إجابة منه ووفق القانون

التاريخ:

القاضي / يوسف دفع الله:

واضح أن المتهم طعن القتيل بسكين في بطنه وتركها دون أن ينزعها من موضع الجرح ثم هرب وقد أدت هذه الطعنة إلى الوفاة وأن القصد الجنائي يشير بوضوح أن هذا الفعل مرجح معه الموت كل ذلك لاخلاف عليه ولكنني أختلف مع الزميل بابكر زين العابدين وأقول أن المتهم يستفيد من الإستثناء الوارد بالمادة 249(4) ( المعركة المفاجئة ) فمن حيث الوقائع نجد أن الحادث وقع في 14/8/1984م وبعد أن قبض على المتهم في 19/8/84م أدلى بأقوال في هذا اليوم قال فيها أنه كان ينام في العراء أمام حجرته فحضر المتهم ولم يوقظه من النوم ليأخذ منه المفتاح لانهما يستأجران الحجرة ويشغلانها سوياً بل كسر الباب الحجرة ودخل بها وكان الوقت حوالي منتصف الليل ويمضي المتهم يقول أنه على أثر ذلك إستيقظ من النوم وإعتقد أن الذي دخل بالحجرة لص فنهض ليمسك به وهنا قال المتهم بالحرف الواحد ( القتيل ضربني كف ورماني وأنا وقعت على السرير بتاعي وقمت عاوز أمسكوا كفتني مرة ثانية وأنا وقعت وطوالي جاء خنقني وأنا ما قدرته أتنفس وخفت أموت وطوالي طعنته بالسكين في ضلعته مرة واحدة والسكين كانت تحت المخده أنا طعنته وهو عاصرني وخانقنى على السرير بتاعي) وفي نفس ذلك اليوم إعترف المتهم أمام القاضي وكرر نفس أقواله السابقة وأمام محكمة الموضوع كرر المتهم مرة ثالثة نفس الأقوال ولكنه أكد أنه طعن لص ولم يطعن المتهم وهذا الإختلاف في الأقوال ليس بذي أثر كما أرى إذ أن المتهم يعترف بواقعة الطعن وبملكيته للسكين التي أخرجها القتيل من الجـرح ببطنه الذي أدى للوفاة كل ذلك لا يدع مجالاً للشك كما أسلفت في أن المتهم هو القاتل ولكن المهم في الأمر أننا لا يمكننا أن نلتفت عن أقوال المتهم المتكررة ما لم يكذبها واقع الحال تأسيسا على ذلك لا أتفق مع قاضي الموضوع بأنه بافتراض التسليم بقيام المعركة المفاجئة إلا أن المتهم قد سلك سلوكا قاسيا بإدخاله بعنف سكينة كبيرة (كذلك) في بطن القتيل فمثل هذا الإستنتاج لا يسنده التقرير الطبي الذي أكد وجود ثقوب في الأمعاء ولكن لم يذكر عمق الطعن وإنما وصف الأذى بأنه كان بالأمعاء الدقيقة والغليظة كما أنه قد استقر فقهاً وقضاءً ( أن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تنطبق بدون تعرف على من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهناك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ) (أنظر قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن ) مجلة الأحكام القضائية 1978- ص403) من كل ذلك أرى أن رواية المتهم تتمشى مع البينات المقدمة فقد ثبت أن المتهم كان ينام في سريره بالعراء بالقرب من حجرته المغلقة ويحتفظ بمفاتيحها عنده وثبت أيضاً أن باب تلك الحجرة وجد مكيوراً كسراً حديثاً ووجود آثار عراك أمام باب الحجرة فضلاً عن أن الحادث وقع ليلاً وقد سدد المتهم طعنة واحدة من سكين كانت تحت مخدته ولم يثبت ما يشير إلى أنه أحضرها خصيصا لإرتكاب الجريمة أو أنه أخذ وقتا للبحث عنها كل هذه الحقائق تميل إلى صدق رواية المتهم وليس العكس كما رأى قاضي الموضوع والزميل بابكر زين العابدين ولما كان ذلك وكان تدبير إرتكاب الجريمة أمر مستبعد فإنه يتعين استفادة المتهم من هذا الظرف المخفف حيث لا يلزم المحكوم عليه إثبات هذا الدفع فوق مرحلة الشك المعقول وإنما يكفي طرح أدلة يمكن أن يستخلص منها استخلاصاً سائغاً عناصر ذلك الدفع لهذه الأسباب أري تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات والأمر بدفع الدية وهي العقوبة الأصلية المنصوص عليها في القانون

التاريخ : 5/2/1987م

القاضي / على يوسف الولي

أوافق الزميل القاضي يوسف دفع الله على أن المدان حق له أن يستفيد من إستثناء المعركة المفاجئة الواردة بالمادة 249(4) من قانون العقوبات لسنة 1984 مما جعل الجريمة التي إرتكبها المدان تنزل من جريمة القتل العمد تحت المادة 251 إلى جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 وأن عقوبة الدية الكاملة المغلظة

عند النظر في تطبيق هذا الإستثناء لا يثور السؤال -  كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 400 – كيف بدأت المعركة بمعنى ما هـو السبب الذي أدى إلى نشوب المعركة ولا من من الفريقين المتقاتلين بدأ القتال وفي قضية حكومة السودان ضد حسن أحمد سليمان مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977 ص 64 قضت المحكمة العليا بأنه في حالات المعركة المفاجئة ليس للمحكمة أن تعنى بمن كان هو المخطي ومن هو السبب ؟ إذا اطمأنت المحكمة بأن الأمر كله لم يكن من ورائه تدبير سابق أو إصرار بل كان وليد ظروف طارئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم كوكو تاماي مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1979 من 93 قضت المحكمة العليا بأنه يتعين على المحكمة إدانة المتهم تحت المادة 253 من قانون العقوبات متى ثبت أن ما حدث لا يعدو أن يكون معركة مفاجئة نشبت دون سبق إصرار إثر شجار مفاجئ حتى ولو لم تتحقق المحكمة ممن يقع عليه اللوم في إثـارة دفع المعركة المفاجئة شأنه في ذلك شأن الدفوع الأخرى الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد دود دينج كوال مجلة الأحكام القضائية لسنة 1979 ص 113 هوأن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها في مرحلة الشك المعقول

ففي هذه القضية التي بين أيدينا ليس أمامنا من الأدلة المباشرة سوى إفادة المرحوم التي أفضى بها قبيل وفاته بالمستشفى لشاهد الاتهام الثالث عبد الله نياسو بكر كاتي ولشاهدة الاتهام الرابعة عايدة سبت عبد الله وإعتراف أو إقرار المدان بما حدث

ونحن نعول على إفادة المتوفى في هذه القضية برغم أنه لم يدل بها لقاضي ولم يدل بها في حضور المتهم ولم تعد على اليمين وربما أدلى بها المتوفى في حالة أنه لم يتوقع الموت ذلك لان قضاءنا جرى وتواتر واستقر على قاعدة أن أقوال المتوفى تقبل في البينة وإن لم يكن الذي أدلى بها في حالة توقع الموت أو الإحتضار وإن لم تؤخذ تلك الأقوال بواسطة قاضي وعلى اليمين وفي حضور المتهم وأن كانت شفويـة أو كتابية ففي قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر سنة 1982 ص 29 قضت المحكمة العليا بأن بينة المحتضر لإثبات السبب الذي أدى إلى وفاته تعتبر بينة مقبولة قانوناً حتى لو لم تؤخذ بواسطة قاضي ولم تكن في حضور المتهم ولو لم تؤخذ على اليمين بل حتى لو لم يكن من أدلى بها محتضراً أو متوقعا الموت هي تكفي لإدانة المتهم متى ما اطمأنت المحكمة إليها وفي قضية حكومة السودان ضد آدم عوض الكريم عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1978 ص 345 قضت المحكمة العليا بأنه يمكن قبول الأقوال التي يدلي بها  المحتضر سواءً كانت مكتوبة أو شفاهة عن الأسباب المؤديةإلى وفاته أو أية  ظروف أخرى أدت إلى موته عندما تطرح أسباب موت ذلك الشخص للتمحيص سواءً كان الشخص الذي أدلى بها يتوقع وفاته أم لا وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد أخر مجلة الأحكام القضائية السودانية 1975 ص 533 قضت المحكمة العليا بان أقوال المحتضر تعتبر بينة مقبولة قانوناً بالرغم مـن أنها لم تسجل بواسطة قاضي وعلى اليمين بحضور المتهم وفي قضية المتهم وفي قضية حكومة السودان ضد الطيب على موسى مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975 ص 565 قضت المحكمة العليا بأن تقبل أقوال المتوفى في البينة دون اشتراط حالة الإحتضار ولا يشترط أن يدونها قاضي وفي قضية حكومة السودان ضد عباس محمد سلام مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 255 قضت المحكمة العليا بأن أقوال المحتضر مقبولة في البينة سواءُ  كانت كتابية أو شفاهية وسواءً كان يتوقع الموت أو لا يتوقعه وسواءً قيلت في حضور المتهم أو في غيابه وسواء كانت على اليمين أو دون اليمين

ففي القضية التي بين أيدينا يركن ويطمئن الوجدان لرواية المرحوم للشاهدين المذكورين بأنه جاء للمتهم في الغرفة التي يقاسمه السكن فيها في حوالي الساعة 7 مساء وطلب منه أن يعطيه المفتاح ليدخل أمتعته فيها التي أخرجها المتهم منها دون مبرر وكان المتهم في ذلك الوقت يرقد خارج الغرفة وبعد أن رفض المتهم أن يعطيه المفتاح ذهب المرحوم في شانه وجاء للمتهم مرة أخرى في حوالي الساعة 12م  من نفس الليلة وطلب مرة أخرى من المتهم أن يعطيه المفتاح وبعد أن رفض المتهم ذلك قام المرحوم بكسر باب الغرفة ومن ثم نشبت المشاجرة التي انتهت بمعركة ترك بعدها المتهم سكينة في بطن المرحوم وهرب

ونحن لتكوين عقيدتنا نرى أن نقوم في هذه القضية بتجزئة إعتراف أو إقرار المدان نأخذ منه ما نراه متناسقاً مطابقاً للحقيقة ومنطق الأشياء ونعرض عما نراه مغايراً لها ونعرض عما يكن منافياً للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور الطبيعية ومايتعارض مع البينات الثابتة والظروف والملابسات المحيطة بالوقائع وصحيح أن القاعدة العامة المتواتر والمستقر عليها قضاؤنا في قبول الاعتراف أو الإقرار هي أخذه أو الاعتداد به ككل دون تجزئة ما لم يتعارض وطبائع الأشياء ففي قضية حكومة السودان ضد حسين عبد الرحمن سليمان مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 755 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة هي اخذ أقوال المتهم ككل دون تجزئة إذ لا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه طالما كانت لا تتعارض وطبائع الأشياء وفي قضية حكومة السودان ضد مصطفي عبد الله موسى مجلة الأحكام القضائية سنة 1976 ص 620 - قضت المحكمة العليا بأنه لمحكمة الموضوع قبول الاعتراف أو قبول ذلك الجزء منه الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمور الطبيعية والمنطق السليم وفي قضية حكومة السودان ضد مشاور أحمد النيل وآخرين مجلة الأحكام القضائية 1974 ص 311 قضت المحكمة العليا بان القاعدة العامة في قبول الاعتراف هي أخذه ككل دون تجزئة ولكن عند تقييم الاعتراف ينظر فيما إذا كان هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الاعتراف إذا وجدت مثل هذه البينة يجب إلغاء ذلك الجزء من الاعتراف وفي قضيتي حكومة السودان ضد حيدر عبد الرازق على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 379 وحكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بان قضاء المحكمة العليا تواتر على أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المتهم باطنه وظاهره بل لها لتكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقا للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها

ففي القضية التي بين أيدينا نقوم بتجزئة إعتراف المدان بحيث إننا نطرح ونرفض روايته بان الشخص الذي كان يناجزه ويراشقه ويصارعه وطعنه كان لصاً سطا على غرفته ويود أن يسرقها ذلك لأن هذا الجزء من إعتراف المدان يتعارض في هذه الجزئيات مع ما رواه الشاهدان عبد الله نياسو وعايدة سبت على لسان المرحوم من أن المدان عرفه وتحدث معه وطلب منه مفتاح الغرفة وفي النهاية طعنه دون لبس أو إشتباه – هذا فضلاً عن أن رواية المدان لا ينطق بها منطق الأشياء ومجرى الأمور العادية والطبيعية ولأنها تجافي العقل والحقيقة والمنطق السليم إذ أن المدان والمرحوم كانا يسكنان سوياً في تلك الغرفة في مدة لا تقل عن خمسة أشهر فهو إذن يعرفه جيداً أو على الأقل يعرف ويتأكد من صوته خصوصاً أن المدان يفيد المحكمة عند إستجوابه بأنه تأكد انه طعن لصاً بعد أن تبصره من قرب كما أن الظروف والملابسات التي أحاطت بوقائع تلك القضية لم تثبث لنا بان شخصاً أقتيل في تلك الليلة سوى المرحوم في تلك المنطقة ولكن نجد أننا نوافق المدان في باقي جزئيات إعترافه بان المرحوم صفعه على خده ورماه على ظهره على سريره ثم صفعه مرة أخرى وخنقه حتى إنقبضت أنفاسه وخاف علي نفسه من الموت ومن ثم قام بطعن المرحوم

لقد جرى وتواتر وإستقر قضاؤنا على تعريف المعركة الفجائية الواردة في المادة 249(4) من قانون العقوبات تعريفاً واضحاً ووضع لها أركان وضوابط وشرائط دقيقة وعادلة ومنصفة ولا بد أن يثبتها الدفاع – كما أسلفنا – لمستـوى أو درجة لا تصل درجة إثبات قضية الاتهام وذلك قبل أن يستفيد المتهم من ذلك الدفع المخفف لجريمة القتل العمد إلى جريمة القتل شبه العمد ففي قضية حكومة السـودان ضد عبد الرحمن يوسف صبا وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص 390 عرفت المحكمة العليا المعركة الفجائية بقولها ( أن المعركة المفاجئة المنصوص عنها في المادة 249 (4) من قانون العقوبات هي المعركة التي لم تعد لها العدة من قبل والتي لم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها المعركة التي تحدث فجأة والتي تكون فيها نية القتل قد جاءت وليدة الساعة والظروف دون سبق إصرار أو عمد وهي التي تشب إثر مشاجرة أو خصام مفاجئ )

وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم مجلة الأحكام القضائية سنة 1975 ص 543 حددت المحكمة العليا عناصر المعركة المفاجئة في ( أن تكون هنالك معركة مفاجئة نشبت دون سابق تدبير إثر مشاجرة وألا يستغل المتهم ظرفاً غير متاح لخصمه أي لا يستغل ضعف موقف القتيل- ويغدر به ولا يتصرف المتهم بوحشية أو بطريقة شاذة وأن يتقيد المتهم بقواعد الفروسية وفي قضية حكومة 240السودان ضد محمد آدم عثمان وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974 ص قضت المحكمة العليا بأنها يتوفر ظرف المعركة المفاجئة إذا بت أن اللقاء بين طرفي المعركة كان عفويا وتطور الصدام بدون تدبير إلى معركة دامية مع عدم توافر سبق

الإصرار وفي قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس مجلة الأحكــام القضائية 1975 ص 413 قضت المحكمة العليا بأن المعركة المفاجئة هي المعركةالتي لم يحضر لها من قبل بمعنى أنها المعركة التي تحدث في التو والحين فهي وليدة ساعتها

دعنا نناقش مدي توافر عناصر المعركة المفاجئة في هذه القضية المطروحة أمامنا على ضوء هذا التعريف وإرتكازاً على البينات والأدلة الواردة والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث

1-   نشوب المشاجرة الفجائية :

يجب أن يكون هنالك خصام أو شجار أو مشادة كلامية أو مجادلة تشتعل بصورة فجائية بين الخصمين ثم يتطور ذلك الشجار إلى تراشق وتشابك ومصارعة وعراك ومواجهة عملية وتلاحم فعلي سواء استخدمت فيه الأسلحة أم لا إن المقصود –كما جاء في الرأي المخالف للقاضي حسن محمد علوب في قضية حكومة السودان ضد أبكر محمد خميس المشار إليها بان المشاجرة في المادة 249 (4) هي المشادة الكلامية والمواجهة والتحدي بقصد الالتحام

إن المشاجرة المفاجئة هي متطلب أساسي للمعركة المفاجئة ولا بد أن تنشأ المعركة وتنبثق عن المشاجرة وعنصر (الفجائية) ضروري وهو يعني أن المشاجرة بهذا المعني هي التي تحدث في التو والحين وهي وليدة الساعة ولم يحضر لها من قبل من جانب أي من الطرفين المتخاصمين وهي التي فجأة تشتعل بدون تدبير سابق ولم يخطط لها ولم تعد لها العدة من قبل ولم يصمم على الدخول فيما سلفاً ولم يدبر أمرها وكانت عفوية وليست في الحسبان مطلقاًُ

في القضية التي بين أيدينا ثابت من إفادة المرحوم بان المشاجرة الكلامية فجأة إشتعلت بينه وبين المدان حول مفتاح الغرفة ليدخل المرحوم وعفشه و أمتعته بعد أن أخرجها المتهم من الغرفة دون أي مبرر وكان ذلك الشجار فجائياً وسريعاً لأن المرحوم فوجئ بعفشه خارج الغرفة وقد جاء بنية أن ينام كعادته في الغرفة التي يتقاسم فيها المدان السكن ومن ثم ثار عليه وثارت حفيظته ولذلك فأن تلك المشاجرة كانت وليدة الساعة والظروف ولم يعد لها العدة وكما هو ثابت من  إعتراف المدان فان تلك المشاجرة تطورت إلى تلاحم فعلى وتشابك بين المدان وبينه حيث تصارعا وصفق المرحوم المدان مرتين ثم سقطا على سرير المدان حيث كانت ترقد سكينة وخنق المرحوم المدان حتى أن قبض أنفاسه وخشي المدان الموت وكان المرحوم  جاثماً على جسم المدان وهنا اخذ المدان سكينة من سريره وطعن بها المرحوم طعنة واحدة في بطنه في الجانب الأيسر منها وأخيراً ترك المدان السكينة في بطن المرحوم وولي هارباً وليس لنا قانوناً أن نعرف خلفيات وأسباب تلك المشاجرة وذلك العراك فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك واخرين فريق (أ) سليمان أحمد محمد على آخر فريق (ب) مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 704 بأنه في المعركة المفاجئة لا يسأل ما هو الذي أدى إلى نشوب القتال طالما أنه ثبت أن المعركة كانت فجائية ووليدة الساعة وفي قضية حكومة السودان ضد جلاب محمد على مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 288 قضت المحكمة العليا بأنه في إستثناء المعركة المفاجئة ليست أسباب المشاجرة ودواعيها بذات أهمية وإنما المهم هو عنصر المفاجئة وإنتقاء سبق الإصرار وعدم استغلال الظروف

2-   أن يكون قتل المحكوم عليه للمرحوم في حدة العاطفة

ثابت من إعتراف المدان أنه طعن المرحوم الأعزل أثناء تلك المعركة العنيفة الدامية التي نشبت من جراء ذلك الخصام المفاجئ حول مفتاح الغرفة ودخول المدان فيها من عدمه وبعد أن قام المرحوم بكسر باب الغرفة وبعد أن التهبت مشاعر وعواطف الخصمين وفي ثور ة الغضب والإستفزاز وهياج العاطفة وتأججها

3-   تسبيب موت المرحوم دون سبق إصرار :-

يتعين في سبيل إنطباق هذا الإستثناء ألا يسبب المتهم موت المرحوم بسبق إصرار وتصميم وعناد وتعد

ففي القضية التي بين أيدينا قد كان موت المرحوم ليس في حسبان المدان ولم يتعمده ولم يصمم ويصر عليه سابقاً فقد كان المرحوم ينام مع المدان في غرفتهما في كل يوم في سلام ووئام وإنسجام ومن ثم عندما قتل المدان المرحوم ولم يسبق إصراره على ذلك خصوصاً وأنه سدد طعنة واحدة في بطنه على نحو ما هو واضح في التقرير الطبي عن الجثة

4-   عدم سلوك المتهم سلوكاً قاسياً أو غير عادي :-

إن السلوك القاسي هو السلوك المادي الإجرامي الوحشي الشرس غير المألوف ويكيف ويصنف من خلال طبيعة وخطورة وتعدد الإصابات وحيوية مواقعها من جسم القتيل ففي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأن السلوك القاسي فسر بأنه ذلك السلوك الذي يكون الغرض منه هو إستمتاع الجاني بتسبيب الألم للمجني عليه وتلذذه بذلك وهكذا قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين عبد الله وآخرين المشار إليها سابقاً وفي قضية حكومة السودان ضد حسين محمد حسين مجلة الأحكام القضائية 1975 ص478 قضت المحكمـة العليا بان تهشيم جمجمة المرحوم يعتبر سلوكاً قاسياً من المتهم إن التصرف الشاذ والسلوك القاسي نتصوره ممن ينهال – مثلاً – علي خصمه طعناً أو ضرباً بينما يكون هذا الخصم مطروحاً في الأرض تحت رحمته وفي قضية حكومة السودان ضد الأمين كنجو حميش مجلة الأحكام القضائية 1973 ص 387 قضت المحكمة العليا بما أن المشاجرة كانت فجائية والأسلحة متكافئة وبما أن المجني عليه هو البادئ بالعنف والعدوان بتوجيه صفعة لخد المتهم فان لجوء الأخير للسلاح الوحيد الذي كان بيده وتسديد ضربة يتيمة لرأس المرحوم لا يعتبر تصرفاً شاذاً أو خارجاً عن المعتاد

ففي قضيتنا هذه لا نستطيع أن نوصف المدان بأنه سلك سلوكاً قاسياً عندما طعن المرحوم في بطنه طعنة يتيمة واحدة ثم لم يزدها فلم يقصد المدان الإستمتاع والتلذذ بإيذاء المرحوم ولو قصد ذلك لزاد الطعنة الواحدة طعنات متعددة وينبغي ألا يعتبر ترك المدان للسكين في داخل بطن المرحوم سلوكاً قاسياً من جانبه طالما أنه لم يزد تلك الطعنة الواحدة وكان في وسعه ذلك

أما السلوك غير العادي هو الذي يشير – كما قضت المحكمة – العليا فـي قضية حكومة السودان – ضد أحمد محمد أحمد البلك وآخرين المشار إليها – إلى أن الهدف  منه كان شيئاً آخر لا علاقة له بالمشاجرة وهو السلوك الإنتقامي ولكن في قضيتنا هذه عندما طعن المدان المرحوم لم يهدف من وراء ذلك أمراً أخر لا علاقة له بالمشاجرة بل كانت الحركة الفجائية هي السبب المباشر لسلوك المرحوم

5-   عدم إستغلال المتهم الظروف  :

إن إستغلال الظروف في المعركة المفاجئة يعني إهدار ومخالفة لقواعد الفروسية والمبارزة والبطولة التي تقتضي مراعاة المساواة والتعادل  والتكافؤ في الموقف والفرص والظروف وألا يضرب الخصم خصمه والأخير في وضع خطر وألا يكون الخصم مسلحاً وغريمه أعزل من غير سلاح وألا يستغل الخصم ظرفاً لم يعد متاحاً لخصمه وألا يختص الخصم لنفسه بميزة أو فائدة غير مواتية لخصمه وألا ينتهز فرصة غير مناسبة وغير ملائمة وغير عادلة لخصمه وألا يستغل الخصم ظروف ضعف خصمه وألا يغدر به خصمه وألا يضع نفسه موقف يفوق خصمه أثناء الصراع والتراشق والقتال والمنافره في القسوة والعدد والعدة وألا يكون هو سيد الموقف ففي قضية حكومة السودان ضد حمد النيل الضو عبد الله مجلة الأحكام القضائية السودانية 1973 ص ح 321 قضت المحكمة العليا بان تسلح المتهم بسكين في الوقت الذي كان فيه القتيل أعزلاًَ من كل سلاح يشكل ميزة غير مواتية تمنع إنطباق إستثناء المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد إبراهيم مجلة الأحكام القضائية 1978ص 306 قضت المحكمـة العليا بأن المتهم عندما سدد طعنة قاتلة للمرحوم كان ذلك إستغلالاً لفرصة غير متاحة لخصمه الأعزل وبذلك تخلف عنصر من عناصر المعركة المفاجئة وفي قضية حكومة السودان ضد إبراهيم لتوقه مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 108 قضت المحكمة العليا بأنه لم تعد هنالك معركة بإنسحاب المجني عليه وهروبه منها كما أن مطاردة المتهم له وضربه وهو يوالي هروبه وهو أعزل من أي سلاح يعتبر استغلال لظرف غير متاح للمتوفى يحرم المتهم الاستفادة من الإستثناء الرابع للمادة 249 عقوبات وجاء في قضية حكومة السودان ضد عبد الله بشير باكني مجلة الأحكام القضائية 1977 ص 192 ما يلي :

( على انه من الواضح أن المحكوم عليه إستعمل السكين في قتل المجني عليه الذي لم يكن يحمل أي نوع من السلاح ولا شك أن هذا يعتبر إستغلالاً للظورف في المعنى الذي أشارت إليه المادة المذكورة (249(4) ) عقوبات إذ أنه حيث لا يكون هنالك تكافؤ بين طرفي المشاجرة فإن الطرف الذي يستغل عدم تكافؤ الفرص لمصلحته للاعتداء لا يستطيع أن يعتمد على المفاجأة وحدة العاطفة وحدهما فالشخص لا يستطيع أن يدعي بأنه كان واقعاً تحت ظروف المفاجأة وجيشان العاطفة وهو يشعر في نفس الوقت أنه كان سيد الموقف بدليل أنه كان يعرف تماماً أن غريمة أعزل وهو يملك السلاح ) وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد مجذوب بادان مجلة الأحكام القضائية سنة 1974ص 459 قضى بأن الدفع بحدوث المعركة المفاجئة يستفيد منه من يراعون قواعد الفروسية لا الذين يضربون الخصم وهو في وضع خاسر

ولكن جرى وتواتر واستقر قضاؤنا على وضع إستثناءات لهذه القاعدة العامة ذلك بأن النظرية القائلة بأن إستعمال المتهم لسلاح ضد خصمه الأعزل من غير سلاح يعتبر إستغلال لنقطة ضعف خصمه وإستغلال لظروف المعركة التي لم تعد مواتية للخصم تلك النظرية ينبغي ألا تكون مطلقة علي علاتها وعواهنها ويجب أن لا تكون مغلقة ويتعين أن لا يكون التسليم بها في كل الحالات بدون أي تصـرف ففي قضية حكومة السودان ضد إدريس البشير الحسن مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 304 قضت المحكمة العليا بأن قاعدة إستغلال الظروف ونقاط الضعف ليست بالقاعدة الصماء التي تطبق بدون تصرف على كل من يطعن أعزلاً بسلاح قاتل فهنالك ظروف الحادث وحرارة الإصطدام وقسوة الإندفاع وموقع الطرفين من بعضهما البعض ومدى إدراك الطاعن لحالة الضعف التي يعاني منها خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الله محي الدين وآخر المشار إليها سابقاً قضت المحكمة العليا بأن الشخص الذي يجد نفسه وسط معركة فرضتها عليه الظروف يستعمل عادة ما يكون معه من سلاح ولا يوضع بأنه إستغل ظرفاً لم يكن متاحًا لخصمه لأنه هو نفسه لا يعرف ما يحمل خصمه من سلاح وقضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1982 ص 44 قالت المحكمة العليا ما يلي :

( والذي نراه في هذا الشأن هو أن دخول أحد الأطراف في المعركة متمتعاً بميزة السلاح يعد بالفعل إستغلالاً لظرف غير متاح للطرف الآخر ولكن يجب أن نزن الظروف كلها لأن معيار توازن الفرص لا ينظر إليه هذه النظرة الجامدة في كل الأحوال وخلاصة رأينا أن تعادل الفرص يجب أن ينظر إليه فـي السلاح وفي حالة المتهم الجسمانية وما لحقه من إصابات تؤثر في قواه البدنية بصورة تضعفها للدرجة التي لا تجعل فعالية للسلاح لا تمنح المتهم قدراً متفوقاً على خصمه السليم)

وجاء على لسان المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الرازق رمضان إبراهيم المشار إليها سابقاً ما يلي :

( حقيقة قد يبدو أن المتهم عندما استخدم السكين كان مخالفا لقواعد الفروسية التي تستدعي تعادل الفرص حيث لم يكن المجني عليه مسلحاً بشيء متعادل مع سلاح المتهم والذي نقول به أن تعادل الفرص لا يلتمس فقط في التـوازن المظهري للسلاح بل يجب أن يؤخذ فيه جوانب أخرى مثل القوة الجسمانية للمجني عليه الأعزل وإصراره على العدوان ومواصلة الإشتباك لأن مثل هذه الصفات والتي لا تكون متوافرة لدى المتهم لا تقلل من قواعد الفروسية لأن سلاح الخصم الأقوى هو في قوته الجسمانية وشجاعته في الإصرار على العدوان

يجانب ذلك يجب أن نأخذ في الاعتبارات الوقت الذي أدخل فيه السلاح غيرالمتعادل فإن كان إدخاله قد تم من الوهلة الأولي فإن في ذلك إشارة إلى إهدار قواعد الفروسية أما إذا إستمر النضال والتناحر إشتباكا وضربا بالأيدي حتى حمي وطيس ذلك الإشتباك لدرجة أوهنت من قوى طرفٍ ما فإنه في هذه الحالة لابد من إستعانته بسلاح لمحاولة تعادل الفرص وهذا هو في إعتقادنا ما فعله المتهم لأنه لم يدخل السلاح في المعركة إلا في نهايتها وقد إستمر التناحر والعراك ضربا وإشتباكا بالأيدي وخنقا متبادلا وبعد هذا الوقت وهنت قوى المتهم فسدد طعناته للمجني عليه وليس في هذا إخلالاً بقواعد الفروسية لأنه في مثل هذه اللحظات تتدخل عوامل الدفاع عن النفس وحب البقاء وتلك طبيعة بشرية يجب علينا وعيها تماماً ) وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدري المقدم مجلة الأحكام القضائية 1980ص 142 قضى بأنه ليس صحيحاً أن استعمال المتهم لسلاح غير متاح لخصمه يعني تلقائياً وبلا تردد حرمانه من الاستفادة من إستثناء المعركة المفاجئة والصحيح هو أن ينظر إلى كل ظروف القتال وتطوراته مع بعضهما فلو أتيح للمتهم أثناء المعركة الحصول علي سلاح ما فليس لنا أن نتوقع منه في حدة العاطفة وفي ظروف القتال أن يزن الأمور بميزان دقيق وأن يمتنع عن استعماله لمجرد أن خصمه لا يملك مثله)

من خلال هذا النظر القضائي الذي إستعرضناه يتبين لنا أن الجاني إذا إستعمل سلاحاً كان في متناول يده في قتل خصمه الذي أصابه بأذى عند إحساسه بالخطر الماثل على حياته أثناء معركة مفاجئة لم يسبقها تدبير لا ينطوي ذلك الإستعمال على إستغلال للظروف ولا يتوقع من الجاني أن يزن الموقف بميزان الذهب لأن ميزان الذهب لا ينصب في ساحة المعارك حيث تتأجج العواطف وتغلي المشاعر ويفور العقل فلا تثريب إذن على الجاني عن ذلك الإحساس إذا إستعمل السلاح في وجه خصمه الأعزل رغم أن الإصابة التي سببها له خصمه ليست بجسيمه كما أنه لا يطلب منه أن يصد إعتداءات الخصم بنفس أسلوب الخصم في قضية حكومة السودان ضد توم كونال مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 216 قضت المحكمة العليا بأن الظروف التي طعن فيها المتهم بالسكين تخص المرحوم كانت في المشاجرة المباغتة وأن المتهم لم يستغل الظروف والسبب أن المتهم والمرحوم لا يزالان في أوج القمة من المشاجرة وثورة الغضب وهياج العاطفة ولا يمكن في تلك المرحلة أن يطلب من المتهم أن يلجأ للعقل في الوقت الذي سدد له فيه المرحوم طعنه خلف أذنه قبل أن يجرده المتهم من سلاحه وفي قضية حكومة السودان ضد فضل الله البشير الأمين المشار إليها سابقا قضت المحكمة العليا بأنه متى كان من الثابت أن المتهم أصيب أثناء معركة مفاجئة بجرح كبير في فخذه أن التقاطه لسكين من الأرض وجدها بجواره وإستعماله لها لا يعتبر إستغلال غير عادي للظروف ولذلك من حقه الإستفادة من دفع الإستفزاز أثناء المعركة  المفاجئة تحت المادة 249 (4) من قانون العقوبات وقالت المحكمة العليا في تلك السابقة مايلى :

(لذلك طالما كان المتهم مصاباً بجرح كبير في فخذه وأن السكين المستخدمة قد التقطها فجأةً من الأرض حيث وقعت بجواره لسبب أن أحد الشهود قذفها نحو المكان الذي يجلس فيه وأنه في هذه الحالة لا يعتبر قد إستغل ظرفاً غير عادي للأخر بل أن الإنسان العادي في مثل هذه المعركة لا يستغرب منه أن يلتقط السكين ويسدد بها طعنة إلى ذلك الشخص الذي سبب له الأذى وبتلك الصورة التي حدثت للمتهم)

ففي القضية التي بين أيدينا نصدق رواية المدان التي وردت في إعترافه بأن المرحوم صفعه مرتين على خده وتصارع معه وسقطا على الأرض طالما أن تلك الرواية ليس للاتهام من الأدلة ما ينفيها وطالما أنها لا تتعارض ومنطق الأشياء والظروف والملابسات التي أحاطت بالحادث وإذا كان ذلك كذلك فإنه ثابت أن المرحوم سبب أذى أو إصابة للمدان تبرر له إستعمال سكينة في طعن المرحوم طالما أحس بأنه خطر على حياته وطالما كان ذلك أثناء تلك المعركة العنيفة المفاجئة وفي حدة العاطفة ومن ثم لا يعتبر المدان أنه إستغل ظرفاً غير متاح للمرحوم الذي كان أعزلاً

أيضاً من خلال إستعراضنا لهذه القواعد والنظريات التي جرى وتواتر وإستقر عليها قضاؤنا بشأن ضوابط المعركة المفاجئة يتبين لنا أن الجاني إذا وجد نفسه أثناء التراشق والعراك والتشابك في ظروف معيار الرجل العادي – جعلته يشعر بأنه قد أحيط به يسبب خطر محقق على حياته من جراء فعل خصمه المرحوم تجاهه حتى ولو لم يسبب له أذى أو أصابه بصورة فعلية وإذا كان الجاني لم يعد سيد الموقف ولم يكن مدركاً لنقطة ضعف خصمه فإن إستعماله للسلاح المتاح له في تلك اللحظات الحرجات لا يعد إستغلالاً لظروف غير مواتية لخصمه المرحوم الأعزل من أي سلاح ففي قضية حكومة السودان ضد محمد عمر أحمد مجلة الأحكام القضائية 1978 ص 311 قضت المحكمة العليا بأن مجرد إستعمال المتهم بالسكين ضد متهم أعزل لا يعتبر إستغلالاً لنقطة ضعف إذ يتعين لإثبات ذلك أن يكون المتهم على معرفة بحالة المجني عليه ومدركاً لنقطة الضعف التي يعاني منها وملماً بما هو فيه من عجز عن عمل المجابهة ثم تحينه المقصود لتلك الحالة والإفادة المباشرة منها كسبب للجرأة لذلك السلاح القاتل الذي لجأ إليه وفي قضية حكومة السودان ضد عمر إسحق حسب الله مجلة الأحكام القضائية 1980 ص 95 حيث أنه عندما بدأت المشاجرة كان كل من المتوفى والمتهم مسلحاً بسكين وأثناء المعركة جرد أحد الشهود المتهم من سكينة حتى صار بلا سلاح وأنه عندما شعر بالخطر الماثل على حياته أخذ سكين المتوفى منه عنوة وطعنه بها فهو بذلك قصد إلى إستعمال السلاح الذي كان متاحاً إليه في تلك اللحظات الحرجات ومن ثم قضت المحكمة العليا بأنه لم يستغل فرصة غير متاحة لخصمه بل إستغل تكتيكاً لم يفطن إليه خصمه وفي قضية حكومة السودان ضد أحمد محمد النضيف : م ع /ط/ ج/ 89/78 كان المتوفى أعزلاً من السلاح ولكنه خنق المتهم وجثم فوقه فإستل المتهم سكينة وطعن بها خصمه وقضت المحكمة العليا بأن الإستثناء تحت المادة 249 (4) عقوبات ينطبق وأنه لا يوجد إستغلال للظروف فقد لجاء المتهم للسلاح الوحيد المتاح له في الوقت المناسب عندما أحس بأن خطراً ماثلاً على حياته قد تحقق من فعل خصم المرحوم الأعزل وفي قضية حكومة السودان ضد النور البدوي المقدم المشار إليها وقعت مشاجرة مفاجئة بين المتهم والمرحوم وتشابكا وسقطا على الأرض وتمكن المتهم من إخراج سكين قديم التي كان يلبسها في ذراعه وسدد بها طعنتين تسببتا في موته وقضى بأن تصرف المتهم لا ينطوي على إستغلال الظروف رغم أن المجني عليه كان أعزلاً من كل سلاح وفي قضية حكومة السودان ضد الدخري صالح محمد مجلة الأحكام القضائية 1978ص 284 قضت المحكمة العليا بأن إستعمال المتهم للسكين في مثل الظروف التي وجد نفسه فيها لدى إمساك القتيل له من الخلف داخل قطية مظلمة لا تجعله في موقف المقاتل الذي يوصف بعدم مراعاة قواعد الفروسية لإستغلاله ظروفاً لم تكن متاحة لخصمه لأنه لم يستعمل السكين الخاصة به ألا بعد أن عجز أن يخلص نفسه من قبضة المرحوم الأعزل الذي رفض أن يطلقه برغم توسلات المتهم له وكانت الوقائع بان نشبت معركة مفاجئة داخل قطية مظلمة بين المتهمين من جانب والقتيل وأحد الشهود من جانب آخر أغلق ذلك الشاهد باب القطية وأمسك القتيل بالمتهم الأول مسكةً قوية لا يستطيع معها المتهم الأول فكاكاً لجأ المتهم الأول لسكين في ذراعيه وطعن بها القتيل الأعزل من الخلف عندما كان لا يزال ممسكاً به - طعنةً قاتلة - ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من رواية المرحوم بأنه جاء في الساعة السابعة مساء للمدان ثم رجع له الساعة 12 من نفس الليلة ثم بدأت المشاجرة التي تطورت إلى معركة مفاجئة ولذلك لم يعد المدان مدركاً لنقطة ضعف المرحوم ولم يحس بأنه سيد الموقف بل بالعكس أنه ظن بأن المرحوم جاءه راجعاً مسلحاً ومستعداً للقتال وبعد أن جثم المرحوم على المدان وخنقه تيقن المدان على ذلك وفي ظل تلك الظروف أنه أحيط به وأن خطراً محققاً يهدد حياته من جراء تصرفات المرحوم تجاهه وعليه فإن استعماله للسكين في تلك اللحظات الحرجات وفي ذلك الموقف الخطير ينبغي ألا يعتبر إستغلال لظروف غير متاحة للمرحوم الأعزل من أي سلاح

 عليه لهذه الأسباب مجتمعة ولتوفر جميع الأركان التي ينهض عليها الإستثناء الوارد في المادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983 أجد أن المدان سبب موت المرحوم في معركة مفاجئة نشبت إثر مشاجرة مفاجئة دون سابق إصرار وفي حدة العاطفة ومن غير أن يستغل الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي ولذا فإن الجريمة التي إرتكبها المدان هي القتل شبه العمد تحت المادة 253عِقوبات لسنة 1983

     إن العقوبة التي يتعين أن توقع على المدان هي الدية الكاملة المغلظة التي حددها المنشور الجنائي رقم 91/83 ما بين عشرين وثلاثين ألف جنيه سوداني وذلـك لأن المرحوم من قبيلة الزاندي يعيش في غرب الإقليم الاستوائي تلك القبيلة التي لا ترصد حسب علمي القضائي- عدداً معيناً من الأبقار أو الأغنام للدية بخلاف بقية أفراد قبائل الاستوائية إن قبيلة الزاندي تقبل المال كدية وإذا كانت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983 تنص على أن من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية وقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصليه في حالة إرتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :

        (أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفى عن القصاص أو امتنع القصاص بسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطاء وإتلاف الأطراف خطأ والجرح خطأ )

جاء في نفس المرجع الجزء الأول ص 189 مايلي:

        ( الدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام (( ألا إن في قتيل عند الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مئة من الإبل )) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصلية لأنها ليست بدل عن عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن دية القتل العمد تعتبر عقوبة بدليه لا أصلية لأنها بدل من عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية للقتل العمد )

      إن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كما ورد في المادة 253 عقوبات – لا يجوز شرعاً ذلك لان القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد لإنعدام التماثل بين ما يفعله الجاني جرماً وما يفعله به عقاباً على ارتكاب ذلك ومعلوم أن عنصر التماثل أمر أساسي لإقامة القصاص فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي: ( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد والقتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثاني الدية مغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص علي القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل الجاني المجني عليه فان قتل الجاني لابد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

    لذلك نأمل أن يعدل المشرع هذا الخطأ الذي وقع فيه عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات وعليه لا بد من إسقاط عقوبة الإعدام نهائياً علي أن تكون الدية الكاملة المغلظة هي العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 عقوبات

    يتعين على محكمة الموضوع أن تتحصل على قائمة بأسماء أولياء الدم وهم ورثة القتيل بموجب مستند رسمي صادر من جهة مختصة عن طريق رئيس الجهاز القضائي للإقليم الاستوائي جوبا حيث أن قبيلة المرحوم ( الزاندي)  تعيش في غرب الاستوائية التي عاصمتها يامبيو ومما مراكزها طمبرة وأنزارا وبعد الحصول على أسماء ورثة القتيل تقوم محكمة الموضوع بتقسيم الدية الكاملة المغلظة التي يتعين عليها أن تحكم طبقاً للمنشور الجنائي رقم 91-83 الذي  حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه ويجب على محكمة الموضوع ألا تخير أولياء الدم بين قبول هذه الدية ورفضها فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو نشرة الأحكام الرباعية العدد الثاني 1986 ص 48 بأن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/83 توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصلية ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وقبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وفي قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية –أبريل - مايو– يونيو 1985  ص 37 قضت المحكمة العليا بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 253 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهـب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة وهي الدية المغلظة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

       كما إنه يتعين على محكمة الموضوع ألا توقع عقوبة سجن تعزيراً في حالة عدم دفع الدية أو أي عقوبة أخرى بديل لان عقوبة الدية حق ثابت خالص لأولياء الدم لا يسقط بأي حال إلا أن يعفو أولياء الدم الكامل عن الدية أو العفو الجزئي فإذا عجز المدان عن سداد الدية يبقى بالحبس إلى أن يدفعها هو أو يدفعها نيابة عنه عائلته وهم ذووه وأهله وعشيرته أو تدفعها عنه الحكومة أو بيت المال فقد قضى في قضية حكومة السودان ضد مختار التاج عيسى نشرة الأحكام الرباعية – يوليو –أغسطس –سبتمبر 1985 ص 37 – بأن الدية تعويض مستحق لا يسقط بقضاء فترة الحبس أو عقوبة تعزيريه أخرى وإنما لا بد منة دفعها متى قررها الإمام ولا تسقط ألا بالعفو أو إذا دفعها ولي الأمر نيابة عن المحكوم الغارم لذا أرى إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتقدير الدية حسب المنشور الجنائي 91/83  ثم تقسيمها على أولياء الدم وهم ورثة القتيل حسب مستند –رسمي صادر من جهة رسمية مختصة  

▸ حكومة السودان/ ضد / محمد مالك محمد علي فوق خالد محمد خير (ضــد) حكومة السودان ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©