لواء (م) خالد حسن عباس وآخرون /ضد/ حكومة السودان
المحكمة العليا
الدائرة الدستورية
القضاة :
صاحب السعادة السيد/ محمد ميرغنى مبروك رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد / هنرى رياض سكلا قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمد محمود أبو قصيصة قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمد محمد الحسن شقاق قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد حمزة الصديق قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمد عبد الرحيم على قاضى المحكمة العليا عضواً
لواء (م) خالد حسن عباس وآخرون /ضد/ حكومة السودان
م ع/ د/ عريضة/ 22/ 1406هـ
المبادئ:
دستور السودان الانتقالي 1985 – المادة 2 من قانون الإعفاءات 1977 (تعديل 1405هـ) – عدم مخالفتها للمادة 17/1 و / 2
المادة 2 من قانون الاعفاءات لسنة 1977 (تعديل 1405هـ) التي حصنت أفراد القوات النظامية ضد الدعاوى لا تعتبر إخلالاً بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات الذي كفلته المادة 17/1 و/2 من الدستور الانتقالي 1985 التى تمنع التمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي لأن التمييز الوارد في المادة 2 من القانون المذكور لا يقوم على أي من هذه الأسس إنما قام على أساس المراكز القيادية السياسية والوزارية التي تقلدوها إبان النظام السابق
الحكـــم
25/3/1986م
القاضى / محمد محمود أبو قصيصة :
يقول مقدمو العريضة أن تعديل المادة 2 من قانون الاعفاءات لسنة 1977 يخالف مقتضى المادة 17 (1) (2) من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م التي أرست مبدأ المساواة
ويبدأ الطاعنون أسبابهم بأن مجلس الشعب القومي أصدر قانون الإعفاءات لسنة 1977 التي حددت المادة 2 منه أنه لا يجوز إقامة أي دعوى جنائية أو مدنية أو اتخاذ أي إجراء قانوني آخر أمام أي محكمة أو سلطة أخرى بشأن أي فعل أو امتناع وقع خلال المدة التي بدأت من 25 مايو 1969 وانتهت في اليوم السابع عشر من أغسطس 1977
ويضيف الطاعنون أنه نتيجة لصدور قانون الإعفاءات لسنة 1977 تم إطلاق جميع السجناء وتم العفو عن جميع المخالفات وأسقطت العقوبة من جميع المحكومين في كافة الأفعال أو الامتناع عنها في الفترة من 25/5/69 وحتى 17/8/77 وظل هذا العفو سارياً حتى اليوم وأصبح حقاً مكتسباً يستمتع به كل من شمله ذلك العفو
ويقول الطاعنون أنه صدر تعديل لقانون الإعفاءات بقصد حرمان الطاعنين من العفو الذي كفله لهم قانون الإعفاءات لسنة 1977 ليتسنى تقديمهم للمحاكمة عن فعل وقع صباح يوم 25/مايو/ 1969 واستثنى التعديل كل ضباط القوات المسلحة وأي قوة نظامية أخرى على أن لا يشمل الاستثناء الطاعنين
ويرى الطاعنون أن هذا التعديل غير دستوري حيث أن الدستور ينص صراحة على أن جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون وأن هذا التعديل يفرق بين المواطنين بسبب الرأي السياسي للطاعنين
وعند قراءة العريضة يتضح لنا أن هنالك إشارات غير دقيقة لبعض كلمات القوانين المشار إليها وخلط بين تلك القوانين يتمثل في الآتي:-
1- تقول العريضة في فقرتها الثانية أن المادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 تقول إنه لا يجوز إقامة دعوى بشأن الأفعال التي وقعت بين 25/5/69 و 17/8/1977 وهذا صحيح ولكن المادة لا تقف عند ذلك الحد وإنما تضيف "إذا كان ذلك الفعل أو الامتناع قد قام به شخص من أجل حماية الدستورالخ"
ولم تعرف المادة معنى شخص فأتى التعديل بتعريف كلمة شخص بما معناه أي شخص كان من أفراد القوات النظامية ما عدا كبار القياديين أو أفراد القوات النظامية الذين تبوأوا مناصب وزارية أو سياسية
2- تقول عريضة الطعن في الفقرة الثالثة أنه نتيجة لقانون الإعفاءات تم إطلاق سراح جميع السجناء وأسقطت العقوبات ولكن نص المادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 لا يفيد بذلك فالنص يتحدث عن الأفعال التي قام بها أشخاص من أجل حماية الدستور والقانون أو من أجل الحفاظ على النظام الذي أقامته ثورة مايو ولا يقبل عقلاً أن يكون السجناء هم العاملون على حفظ نظام مايووإلا فلماذا يسجنون؟
إن الذين أطلق سراحهم هم الذين انطبق عليهم قانون العفو الشامل لسنة 1977 وليس قانون الإعفاءات لسنة 1977 ذلك لأن المادة (2) من قانون العفو الشامل تقول:
يمنح العفو الشامل لأي سوداني يكون في أو بعد اليوم الخامس و العشرين من شهر مايو سنة 1969 قد ارتكب في داخل السودان أو خارجه فعلاً غير مشروع أو امتنع امتناعاً غير مشروع عن أداء فعل وكان ذلك الفعل أو الامتناع متعلقاً بتمرد أو عصيان أو فتنة أو شن الحرب ضد الدولة أو الشروع في تقويض الدستور أو بأي جريمة أخرى بموجب قانون أمن الدولة سنة 1973 أو قانون القوات المسلحة لسنة 1957 أو الفصول التاسع والحادي عشر والثاني عشر من قانون العقوبات …الخ
والمقبول عقلاً أن الذين كانوا في السجن هم الذين يعنيهم قانون العفو الشامل لسنة 1977 الذي يتحدث عن التمرد والعصيان وغيره وليس المحافظة على نظام مايو المذكور في قانون الإعفاءات لسنة 1977
وعلى ذلك فإنه من البديهى القول بأن الذين لهم الحق المكتسب بعد إطلاق سراحهم هم الذين شملهم قانون العفو الشامل وليس الذين حافظوا على النظام تحت المادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977
3- تقول الفقرة الثالثة من العريضة أن قانون الإعفاءات قد كفل عفواً وبالنظر إلى نص القانونين نجد أن الذي كفل العفو بالنص هو قانون العفو الشامل وليس قانون الإعفاءات وهنا لابد من نظرة دقيقة ذلك أن قانون العفو الشامل قد كفل عن الذين اعتقلوا والذين تمت محاكمتهم –كما جاء بالعريضة – والذين لم تبدأ ضدهم إجراءات بعد أما قانون الإعفاءات فيشير فقط إلى الذين لم تبدأ ضدهم إجراءات بعد بنص قوله " لا يجوز إقامة دعوى" فقانون العفو الشامل يتحدث عن ما مضى من إجراءات وما يستقبل من إجراءات أما قانون الإعفاءات لقد اقتصر على ما يستقبل من إجراءات ولم يكفل عفواً عما تم من إجراءات
بعد هذه الملاحظات عن العريضة ننظر إلى المادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 هذه المادة تمنع رفع دعوى ضد أي شخص أتي أفعالاً معينة في تاريخ معين ولكنها لم تعرف ذلك الشخص رغم أن السياق يدل على أنه الشخص الذي أتي بأعمال من أجل الحفاظ على الدستور وحماية ثورة مايو ومنشآتها ونص المادة 2 نفسه فيه تفرقة بين المواطنين إذا أصررنا على المساواة المطلقة التي ينادى بها مقدمو العريضة فهى قد استثنت فئة معينة في فترة معينة من تطبيق القانون ولكن الفقه الدستوري لا ينظر لمبدأ المساواة بهذا التشدد وإلا أصبحت الغالبية العظمي من القوانين غير دستورية بسبب أنها موجهة لفئات معينة حسب الظروف الموضوعية ولكن الذي حدث هو أن المادة 2 استثنت فئة ضيقة بعض الشئ من تطبيق القانون ثم عمدت المادة إلى تعريف تلك الفئة التي لم تكن معرفة بالنص فضيق التعريف تلك الفئة درجة أبعد متخذة نفس المنهج من درجة إلى درجة أدنى ويرى الطاعنون أن في ذلك إخلال بمبدأ المساواة
لقد أعطت المادة 2 المعدلة من قانون الإعفاءات حصانة من إقامة الدعاوى ضد أفراد القوات النظامية على أن لا تشمل تلك الحصانة رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة السابق وأفراد القوات النظامية الذين تولوا مناصب وزارية أو سياسية فهل في ذلك إخلال بمبدأ المساواة
رأينا أن الطاعنين يرون أن هنالك إعفاء لكافة الناس تحت المادة 2 من قانون الإعفاءات ورأينا أن ذلك غير صحيح وأن العفو صدر لمن قاموا بتمرد أو عصيان أو مخالفة لقانون أمن الدولة وقانون العقوباتالخ بموجب قانون العفو الشامل وليس قانون الإعفاءات وبقى قانون الإعفاءات فقط بالنسبة لمن كان دورهم المحافظة على الدستور (القائم آنذاك) ونظام ثورة مايو وإن كان الأمر كذلك فهل في إنكار الحصانة لرئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة السابق ووزرائه وأصحاب المناصب السياسية من أفراد القوات النظامية إخلال بمبدأ المساواة ؟
إن العريضة تنهار بمجرد أن اطلعنا على قانون العفو الشامل الذي لا صلة له بحصانة من حافظوا على نظام مايو الواردة في قانون الإعفاءات فقانون العفو الشامل موجه نحو أشخاص غير الموجه نحوهم قانون الإعفاءات وعليه فلا يشملهم قانون الإعفاءات ولا وجه للمقارنة بين هؤلاء وأولئك من خلال قانون الإعفاءات الذي يشمل فئة لا صلة لها بهذا القانون وإنما صلتها بقانون العفو الشامل وحده وعليه فلا وجه للجمع بين من عارضوا سلطة مايو ومن حافظوا عليها حتى يقال أن الفئتين يشملهما قانون الإعفاءات للوصول إلى عدم المساواة في معاملة الطرفين هذا وحده يدعونا لرفض العريضة من أساسها قبل تصريحها لإنتفاء السبب الذي تقوم عليه
أما إذا نظرنا إلى الحصانة من ناحية أنها اعطيت لكافة أفراد القوات النظامية ما عدا رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة وبقية أفراد القوات النظامية الذين تقلدوا مناصب الوزراء والمناصب السياسية الأخرى فإن السؤال يكون هل هنالك عدم مساواة في هذه التفرقة بين القادة والذين هم دونهم؟
هذا يقودنا إلى النظر في التفرقة وحتى تكون التفرقة تمييزاً ينافى الدستور
ولأن نخوض في هذا السؤال علينا أن ننظر إلى النصوص الواردة في الدستور وقد أشار إليها الطاعنون وهي المادة 17 (1) و (2)
تقول المادة 17 من الدستور الانتقالي: -
1- جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون
2- المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وفي فرص العمل والكسب وذلك دون تمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأسي السياسي
أما الجزء الأول من المادة فإنه يضع مبدأ مستقراً في الفقه الدستوري بين الفقهاء ابتداء من دايسى وحتى الآن فإنه من المبادئ الدستورية الراسخة هي أن المساواة أمام القانون تعنى أن كل الأشخاص مهما كانت مراتبهم يخضعون للقانون العادي وتكون محاكماتهم أمام المحاكم العادي ولا يمتد هذا المبدأ لأكثر من ذلك ويلى ذلك المبدأ مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وهو يختلف عن المساواة أمام القانون وقد اختار الدستور السوداني الصيغة الواردة في المادة 17 (2) وهي صيغة تماثل الصيغة التي اختارها الدستور الهندي في المادة الخامسة عشر منه
ويقول الاستاذ باسو في مؤلفه عن الدستور الهندي صفحة 37 حول المادة 65 :-
Next, the discrimination which is forbidden is only such discrimination as is based solely on the ground that a person belongs a particular race caste or professes a particular religion or was born at particular place or of a particular sex and on no other ground
ومن هذا يخلص إلى أنه ليست كل تفرقة تمييزاً غير دستوري وإنما التمييز غير الدستوري هو التمييز القائم على الأحوال المذكورة في نص المادة
والمادة 17 (2) من الدستور السوداني تمنع التمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي والتمييز الوارد في تعديل المادة 2 من قانون الإعفاءات لا يقوم على أي من هذه الأسس وإنما يقوم على أسس أخرى هي تقلد المناصب القيادية لأفراد القوات النظامية ابتداء من رئيس مجلس قيادة الثورة وانتهاء بأصحاب المراكز السياسية وإن كان الطاعنون يقولون أن التفرقة ضدهم كانت بسبب رأيهم السياسي فانا لا نلمس في التعديل إشارة إلى الرأي السياسي وإنما الإشارة للمراكز القيادية التي يحتلها المذكورون في التعديل ولا يقتصر عددهم على الطاعنين الأربعة المقدمين لمحاكمة في الوقت الحالي وليست التفرقة بسبب المراكز تمييزاً تنطبق عليه أوصاف المادة 17 (2)
على ذلك فإنا نرى بعد النظرة الفاحصة إلى عريضة الطعن أنها لا تحتوى على شئ يصلح أن تقام على أساسه دعوى ونرى شطب العريضة
25/3/1986
القاضي / محمد حمزة الصديق :
أوافــق
25/3/1986
القاضي / محمد عبد الرحيم على :
تقدم الأستاذ / عبد الباسط سبدرات المحامى عن لواء (م) خالد حسن عباس وآخرين بعريضة الطعن المودعة طاعناً ببطلان التعديل الصادر من قبل السيد رئيس المجلس العسكري الإنتقالي والذي قضى بتعديل المادة 6 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 بتاريخ 20 شوال 1405هـ الموافق 7 يونيو 1985
ولقد أسس محامي الطاعنين طعنه على مخالفة التعديل للمادة 17/1 و 2 من الدستور الانتقالي لسنة 1985 والتي تقرأ كالآتي :-
1- جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون
2- المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وفي فرص العمل والكسب وذلك دون تمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي
ويستطرد محامى الطاعنين قائلاً أن التعديل صدر في غيبة دستور 1973 الذي ألغى وقبل صدور دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 1985 وأنه بتاريخ 10/10/1985 صدر دستور السودان الانتقالي لسنة 1985 والذي كفل الباب الثالث من الحقوق والحريات الأساسية مما يجعل من التعديل الصادر من المجلس العسكري الانتقالي في قانون الإعفاءات لسنة 1977 يقع باطلاً ومتعارضاً مع الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور
واختتم قائلاً أن هذا التعديل غير دستوري ويسقط الحقوق الأساسية التي كفلها لهم الدستور حيث أن الدستور ينص صراحة على أن جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون وأن هذا التعديل يستثنى الطاعنين ولا يساويهم بالآخرين الذين ما يزالون يستفيدون من قانون الإعفاءات لسنة 1977 وأن هذا التعديل يفرق بين المواطنين بسبب الرأي السياسي
أننا نتفق مع محامى الطاعنين في ما ذهب إليه عن صدور التعديل في فترة غياب دستور 1973 وقبل صدور الدستور الانتقالي لسنة 1985 ونقول أن التعديل صدر في الفترة التي أعقبت الانتفاضة في 6 أبريل 1985 ومن السلطة التي خولها لها إصدار التشريعات عملاً بأحكام البيان رقم (8) الصادر من المجلس العسكري الانتقالي الذي آلت إليه سلطات إصدار التشريعات
بعد سريان الدستور الانتقالي لسنة 1985 والذي يريد الطاعنون الاستظلال به أصبحت سلطة إصدار التشريعات مقننة دستورياً بمقتضى المادة 52/3 من الدستور حيث جاء نص الفقرة الثالثة من المادة 52 على الوجه التالي:-
يجيز المجلس العسكري الانتقالي مشروعات القوانين ويصدرها ويوقع عليها رئيس المجلس ولا يكون المشروع سارى المفعول إلا بعد هذا التوقيع
واضح من نص الفقرة أعلاه أن المشرع الدستوري أضفى الشرعية لكل تشريع صدر بالنمط الذي صدر به التعديل موضوع الطعن في الفترة الواقعة بين 6 أبريل 1985 و 10/10/1985 تاريخ سريان الدستور الانتقالي
وبعد أن قمنا بتأصيل حق إصدار التعديل على ضوء الدستور الانتقالي الذي يتمسك بتطبيقه الطاعنون يتعين البحث فيما إذا كان ما صدر من تعديل يخالف نص المادة 17 بشقيها
لقد وردت المادة 17 في صدر الباب الثالث المتعلق بالحقوق والحريات الأساسية وامتد هذا الباب متضمناً المادة 33 وهي آخر مادة في الباب المشار إليه
وباستقراء المادة 33 نجدها تنص على الآتي :-
"لا يجوز تقييد أي من الحقوق والحريات المكفولة بموجب هذا الدستور إلا بتشريع من السلطة التشريعية بهدف حماية الأمن العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة أو سلامة الاقتصاد الوطني"
وبالرجوع للتهم الموجهة للمتهمين مبدئياً نجدها تتعلق بالأمن العام وسلامة الاقتصاد الوطني مما يخول للسلطة التشريعية بمقتضى المادة 33 من الدستور تقييد أي حق تراه تلك السلطة طالما كان هذا التقييد متعلقاً بحماية أي أمر من الأمور التي تضمنتها المادة المذكورة
ولا يقدح في ما ارتأته السلطة التشريعية من تعديل بأثر رجعى ما تضمنته عريضة الطاعنين في فقرتها "ثالثا" والتي تحدثت عن الحقوق المكتسبة التي يستمتع بها كل من شمله هذا العفو وذلك لورود المادة 33 بصورة مطلقة ولم تستثن أياً من المواد الواقعة في نطاق الباب الثالث من الدستور بما في ذلك المادة 27 المتعلقة بعدم تجريم الفعل وتوقيع العقوبة إلا بمقتضى قانون معمول به وقت ارتكاب الفعل
هذا كله دون الخوض في معنى المساواة أمام القانون طبقاً للفقرتين 1 و 2 من المادة 17 من الدستور الانتقالي لسنة 1985 وما سبق أن قالته هذه المحكمة عن تسببه للمساواة فيما بين كل فئة من الفئات التي تحكمها القوانين المختلفة – أنظر العريضة الدستورية رقم 3/1406هجرية اللواء (م) عمر محمد الطيب ضد حكومة جمهورية السودان
وعليه أرى رفض الطعن لعدم اشتمال العريضة على اهدار لحق دستوري وذلك تطبيقاً للمادة 327/ج من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983
25/3/1986م :
القاضي / هنرى رياض سكلا
أنه في يوم 19/3/1986 تقدم الطاعنون وهم قادة ثورة 25 مايو 1969 بطعن للمطالبة بإعلان بطلان التعديل الصادر من المجلس العسكري الانتقالي للمادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 رقم 86 والذي ينص فيه البند (ب) على أنه :-
2- لأغراض هذه المادة كلمة "شخص" يقصد بها أي ضابط أو ضابط صف أو جندي في قوات الشعب المسلحة أو أي قوة نظامية أخرى على ألا يشمل ذلك رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة السابق أو الوزراء أو الذين تقلدوا مناصب سياسية) وذلك على أساس أن هذا التعديل الصادر في 7/7/1985 مخالف لمقتضى مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 17 من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م الصادر في 10/10/85 والتي تنص علي :-
1- جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون
2- المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وفي فرص العمل والكسب وذلك دون تمييز بسبب المولد أو العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي
ويذهب الطاعنون إلى أن التعديل المذكور الصادر في 7/7/1985 غير دستوري لأنه (قصد منه حرمان الطاعنين من العفو الذي كفله لهم قانون الإعفاءات لسنة 1977 وذلك ليتسنى تقديمهم للمحاكمة عن فعل وقع صباح 25/5/1969 واستثنى التعديل كل ضباط القوات المسلحة وأي قوة نظامية أخرى على أن لا يشمل الاستثناء الطاعنين) لأن التعديل يهدر ويسقط الحقوق الأساسية التي كفلها لهم الدستور حيث أن الدستور ينص صراحة على أن جميع الأشخاص في جمهورية السودان سواسية أمام القانون وأن هذا التعديل يستثنى الطاعنين ولا يساويهم بالآخرين الذين ما يزالون يستفيدون من قانون الإعفاءات لسنة 1977 وأن هذا التعديل يفرق بين المواطنين بسبب الرأي السياسي للطاعنين بل إن ذلك التعديل (يقع باطلاً ومتعارضاً مع الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور) مما يتعين معه إعلان بطلان التعديل وإيقاف الإجراءات الجنائية التي اتخذت بناء عليه
وما ذهب إليه الطاعنون مردود عليه بأن البند (ب) للمادة 2 من قانون الإعفاءات لسنة 1977 محل التعديل الصادر في 7/7/1985 والذي يعتبر معمولاً به اعتباراً من اليوم السابع عشر من شهر أغسطس 1977 ومحل الطعن الدستوري والذي يستثنى من الإعفاءات أي المسئولية الجنائية والمدنية "رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة السابق أو الوزراء أو الذين تقلدوا مناصب سياسية"
لا يجوز أن يطعن فيه أمام المحكمة العليا من جانب الطاعنين وذلك عملاً بأحكام البند
2- من المادة 32 من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985 التي تنص على أنه :-
(بالرغم من أحكام البند (1) أعلاه لا يجوز لكل من يقرر قاض أن هناك تهمة ضده بأنه قام أو شارك في إفساد الحياة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو خرق أو تقويض دستور جمهورية السودان المؤقت لسنة 1964 في الفترة من 24 مايو 1969 إلى 5 أبريل 1985 أن يطعن في دستورية أي قانون يسلبه من الحقوق والحريات المكفولة بموجب المواد 19- 20- 21 – 22- 23- 27 شاملة وإلى أن تثبت براءته)
والسبب في ذلك هو أن عبارات البند (2) المذكورة واضحة الدلالة على أن المشرع الدستوري أراد أن يحظر على كل من يتهم بافساد الحياة السياسية أو الاجتماعية أو خرق أو تقويض دستور جمهورية السودان المؤقت لسنة 1964 في الفترة ما بين 24 مايو 1969 حتى 5 أبريل 1985 التمسك بأي من الحقوق والحريات المكفولة بموجب مواد معينة وأهمها المادة 27 التي تنص على أن ( لا يجرم أي فعل ولا توقع أية عقوبة إلا بمقتضى قانون معمول به وقت ارتكاب الجريمة)
ولما كان مبدأ أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون يتفرع منه مبدأ آخر هو المبدأ المعروف بعد رجعية القوانين الجنائية أي أن لا يعاقب شخص على فعل لم يكن القانون ينص على معاقبته وقت ارتكاب الفعل وأن لا تشدد العقوبة على الفعل بعد ارتكابه فإن مؤدى ذلك أن حرمان من تنطبق عليه أحكام البند (2) من المادة 32 من التمسك بعدم دستورية أي نص يخالف مبدأ الشرعية أي مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص يعنى بالضرورة حرمانه من التمسك بدفع يتعلق بعدم رجعية القانون
إن المجلس العسكري الانتقالي لما أصدر دستور السودان الانتقالي لسنة 1985 بوصفه المشرع الدستوري ونص على حرمان بعض المواطنين من رفع طعن دستوري في أي قانون يتعلق بكفالة بعض الحقوق المنصوص عليها في الدستور قد بنى ذلك على اعتبارات سياسية تحقيقاً لمصالح عامة في ظروف الانتفاضة الشعبية في 6 أبريل
ومن ثم كان النص على حظر التمسك بمبدأ الشرعية ومبدأ عدم الأثر الرجعي للقانون الجديد أمراً يستقل به المشرع الدستوري بالنسبة للظروف الاستثنائية التي عاشت ولا تزال تعيش فيها البلاد وذلك في أضيق الحدود الممكنة وبالقدر الضروري الذي يتوافق مع أغراض وأهداف النظام الجديد الذي حل محل النظام القديم
ولما كان النص الدستوري المذكور يحظر عدم التمسك بالحق في الشرعية المقرر بموجب المادة 27 هي من المواد المنصوص عليها صراحة في البند (2) من المادة 32من الدستور وكان هذا الحق هو حق خاص واجب التمسك به كأساس لأي طعن دستوري يمكن أن يرفع إلى المحكمة العليا لولا الحظر الوارد في البند (2) فإن اللجوء إلى مبدأ المساواة أمام القانون أو أمام القضاء المنصوص عليه في المادة 17 من الدستور الانتقالي لا يقوم على سند من الجد أو المنطق وذلك لأن المشرع الدستوري لم يحظر على بعض المتهمين التمسك بكل حقوقهم بل ببعض حقوقهم لاعتبارات سياسية وعملية واستثنائية وفي نطاق ضيق على ما سبق ذكره مما مؤداه وجوب الاعتداد بالحق أو الحقوق الخاصة محل الطعن لا الاعتداد بالمساواة في الحقوق بوجه عام
ولذلك سواء كان البند (2) من المادة 2 من قانون الإعفاءات الذي أضيف بموجبه التعديل الصادر في 7/7/1985 والذي نص على أن يكون للتعديل أثر رجعي يعود إلى 1977 معارضاً أو مجافياً لأحكام مبدأ الشرعية ومبدأ عدم رجعية القوانين أو مطابقاً لهما فإن ذلك لا يخول للطاعنين الحق في الطعن بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا لأن المشرع الدستوري حظر اللجوء إلى المحكمة العليا لتقديم طعن بعدم الدستورية في مواجهة أشخاص معينين على ما سبق ذكره حتى لو كان هناك إخلال بمبدأ المساواة المطلقة متى كانت مساواة نسبية تتم بالعمومية والتجريد بالنسبة لذوى المراكز المتماثلة للطاعنين
يخلص من ذلك أن المشرع الدستوري الانتقالي الحالي لم يرد أن يحرم الطاعنين أو من يماثلهم في مراكزهم من مبدأ المساواة في الحقوق المنصوص عليه في المادة 17 من الدستور الانتقالي ولا من حق التقاضي بوجه عام المنصوص عليه في المادة 26 لكنه لاعتبارات سياسية وعملية واستثنائية قدرها أراد أن يحرم الطاعنين من اللجوء إلى المحكمة العليا للطعن في دستورية أي قانون يسلبهم بعض حقوقهم المنصوص عليها في البند من المادة 32 من الدستور متى كان هناك قرار من قاض بأن هناك تهمة موجهة ضد المتهمين الطاعنين
ولما كان الطاعنون متهمين بتقويض أو خرق الدستور وبغير ذلك من تهم الفساد بموجب التهم الموجهة إليهم تحت البلاغ الجنائي رقم 11515 بتاريخ 27/7/1985 وصحف الاتهام الموجهة إليهم من المحكمة التي شكلت مؤخراً لمحاكمتهم ولما كان النص المطعون فيه يتعلق بمسائل تتصل أساساً وفعلاً بمبدأ الشرعية وعدم رجعية القانون وكان التكييف القانوني الصحيح لما ورد في عريضة الدعوى أمراً تستقل به المحكمة وان كان يخالف التكييف الذي ذهب إليه من تقدموا بعريضة الطعن فإنه يتعين الأمر بعدم قبول الطعن عملاً بأحكام البند 2 من المادة 32 من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985
مذكرة برأي مخالف
25/3/1986
صاحب السعادة السيد رئيس القضاء : محمد ميرغنى مبروك :-
مع احترامي لآراء الإخوة الزملاء إلا إنني أرى أن عريضة الدعوى تثير مسائل دستورية وقانونية هامة تستوجب البحث وعليه فإنني أرى أن نأمر بتصريح العريضة حتى يتسنى لنا سماع الطرف الآخر وبالتالي مناقشة وجهات النظر المختلفة ومن ثم إصدار الحكم المناسب
25/3/1986
القاضى / فاروق أحمد إبراهيم :-
لما كان نص المادة (2) من قانون الاعفاءات لسنة 1977 – قبل تعديله- يحتاج إلى تفسير قاطع ليرى إن كان النظر في مدى دستورية التعديل أمراً لازماً أو منتجاً وكانت المادة 32 (2) من الدستور المؤقت لسنة 1985 قد استثنت من بين أحكامها بعض الحقوق التي كفلها الباب الثالث وعلى وجه الخصوص حق المساواة الوارد في المادة (17) منه فاننى –ولكى يستبين وجه الحق فيما أثير من ادعاءات اتفق مع السيد رئيس الدائرة في أن تتاح الفرصة للطرف الآخر ليرد على أسباب الطعن
25/3/ 1986 :-
القاضي / محمد محمد الحسن شقاق :-
أوافـــق

