حكومة السودان ضد عابدين محمد عبد الرازق
المحكمة العليا
حكومة السودان ضد عابدين محمد عبد الرازق
م ع/ف ج /55/ 1406هـ
المبادئ:
قانون حركة المرور : التأمين الإجباري – الهدف منه – حماية الطرف الثالث
قانون حركة المرور – الإخلال بشرط من شروط وثيقة التأمين – ما يترتب عليه
1- أن الهدف أو الحكمة من وراء التأمين الإجباري هو حماية الطرف الثالث – المارة – وأن أي مخالفة لنصوص وثيقة التأمين يقترفها المؤمن له يتعين أن لا تؤثر إطلاقاً علي حقوق المضرور أي الطرف الثالث
2- أن وثيقة التأمين أحاطت حقوق المؤمن في مواجهة المؤمن له بالضمانات القانونية ومن ثم يجوز للمؤمن أن يقاضي المؤمن له متى أخل الأخير بأي شرط منصوص عليه في وثيقة التأمين
التاريخ : 15/12/1985م
القاضي / علي يوسف الولي
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة الأستاذ خالد عبد المنان نيابة عن المدان عابدين محمد عبد الرازق عن طريق الفحص طاعناً في حكم محكمة الاستئناف الخرطوم القاضي بأن يتحمل موكله المدان المذكور وحده قيمة التعويض المحكوم به للشاكي محمد صالح علي وينعي المحامي الطاعن علي الحكم بما يجوز لنا أن نؤجزه في الآتي :-
1- جاء الحكم مخالفاً للقانون والسوابق القضائية وقال:-
" من المبادئ التي استقرت قانوناً وقضاء أن عقد التأمين بين الشركة المؤمنة و المؤمن له يلزم الشركة بأن تعوض الطرف الثالث باعتبار أن العقد قد عقد لمصلحته المؤمن له حينما يلجأ للتأمين علي سيارته بفعل ذلك لتقوم الشركة المؤمنة بتعويض كل من يلحقه الضرر إذا أخطأ المؤمن له أو تابعه والحق الضرر بغير"
ويري الأستاذ خالد أن مخالفة المدان له مؤكله لشروط عقد التأمين بقيادة السيارة بدون رخصة قيادة تخول له قيادتها لا تعفي الشركة المؤمنة لديها السيارة عن مسئولية التعويض وقد أستأنس لدعم وجهة نظره هذه بالسابقة الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد خضر الجاك – مجلة الأحكام القضائية 1977م ص 591 "حكم محكمة الاستئناف" وبقضاء هذه المحكمة في محاكمة يحيى عبد الرحمن نوح م ع/ فحص /ج/86/1405هـ
2- قد قدرت محكمة الموضوع قيمة التعويض تقديراً مبالغاً فيه
نوجز الوقائع في انه بتاريخ 26/7/1984م في حوالي الساعة السابعة مساء كان المدان عابدين محمد عبد الرازق يقود العربة رقم 9711خ ج بشارع جبل أولياء من الجنوب للشمال بدون رخصة قيادة وهنالك قصاد مزرعة سعد بحر انحرف المدان المذكور عن خط سيره إلي شماله بإهمال وأصطدم بعربة التاكسي رقم 8198 خ د عندما كان يسير ذلك التاكسي علي نفس الشارع في الاتجاه المضاد من الشمال للجنوب مما سبب تلفاً للعربتين وأذى بسيطاً لسائق التاكسي وكانت عربة المدان مؤمنة لدي شركة الخرطوم للتأمين المحدودة باسم محمود إبراهيم محمود وكان تاريخ ابتداء التأمين 21/3/1984م وتاريخ انتهائه 31/11/1984م والبند (5) من وثيقة التأمين ينص علي "هذه الشهادة لا تغطي أي سائق لا يحمل رخصة مصرح بها"
أدانت محكمة الحركة الخرطوم عابدين محمد عبد الرازق تحت المادتين 17 مقروءة مع المادة 58 و 23 من قانون الحركة والمرور لسنة 1983 ووقعت عليه غرامة خمسة وعشرين جنيهاً كما وقعت بموجب المادة 49(1) (ج) من نفس القانون عقوبة التعويض وقدره 8200 جنيه يدفعه للشاكي محمد صالح علي المدان المذكور بالتضامن والإنفراد مع شركة الخرطوم للتأمين عند استئناف محامي الشركة قضت محكمة الاستئناف الخرطوم أن يتحمل المدان التعويض المحكوم به منفرداً وجاء في حيثيات حكمها ما يلي :-
" ووثيقة التأمين التي قدمت وهي وثيقة سارية المفعول جاءت الفقرة (5) منها أي الوثيقة بأنها لا تغطي أي سائق لا يحمل رخصة قيادة مصرح بها والسؤال هل يقع هذا الشرط صحيحاً أم يعتبر باطلاً و في أحكام المادة 62 من قانون حركة المرور سنة 1983 تناول القضاء في عدة سوابق عددا من تلك الشروط المضمنة في وثائق التأمين عادة وقضي ببطلان بعضها مثل شرط الأخطار عند تغيير الملكية أو شرط أخطار الشركة بالحادث عند وقوعه ونحوها من الشروط التي تضمنتها شركات التأمين في وثائق التأمين ولكن في تقديرنا أن هذا الشرط الذي يقضي بأن يكون السائق حاملاً لرخصة قيادة صحيحة عند حدوث الحادث و إلا انتفت مسئولية شركة التامين لا يمكن أن يكون شرطا باطلا إذ أن قانون حركة المرور لسنة 1983 حظر في المادة 17 قيادة العربة بواسطة شخص دون أن يكون ذلك الشخص حاملا رخصة لقيادة العربة فأن ضمن هذا الشرط أيضا في وثيقة التامين فهذا يتمشيً مع روح النص الوارد في المادة 17 إذ انه ومفهوم بالضرورة وحسب مقتضيات المادة 17 أن ٍأي شخص يقود عربة لابد وأن يقودها وفقاً لمقتضيات وشروط القانون لذلك كان يجب إعمال هذه الشروط وبالتالي انتفاء مسئولية شركة التأمين ومن ثم عدم تحميلها التعويض المحكوم به مع المتهم علي وجه التضامن والإنفراد "
الأســـباب
بالإطلاع علي محضر المحاكمة الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة محكمة الاستئناف الخرطوم تبين لنا أن حكم محكمة الاستئناف جاء مخالفاً للقانون ولما تواتر واستقر عليه قضاؤنا في تغيير معني التأمين الإجباري ومن ثم يتعين علينا نقض ذلك الحكم واستبداله بالحكم بأن شركة الخرطوم للتأمين المحدودة مسئولة عن تعويض الشاكي محمد صالح علي بالتضامن والانفراد مع المدان عابدين عبد الرازق كما قضت بذلك محكمة الموضوع
إن إدانة عابدين محمد عبد الرازق كانت صحيحة تحت المادة 23 من قانون حركة المرور لسنة 1983 لأنه ثابت من إفادات الشهود بأنه انعطف شمالاً تاركاً خط سيره مسبباً تلفاً لسيارة الشاكي محمد صالح علي ومن ثم بما أنه أخل بواجب العناية عندنا لم يتخذ الحيطة التي سوف يتخذها الرجل العادي المعقول لو كان في موقفه فقد ارتكب جريمة قيادة العربة بإهمال وبغير انتباه وعناية وبغير مراعاة معقولة لنظام السير علي الطريق وللأشخاص السائرين عليه
ادانة عابدين محمد عبد الرازق تحت المادة 17 من قانون حركة المرور أيضاً جاءت سليمة لأنه يقر بأنه عندما كان يقود العربة9711 خ ج لم يكن يملك رخصة قيادة رسمية
باستقراء الأدلة نجد أن الشاكي محمد صالح علي عندما كان يقود عربته التاكسي 8198 خ د لم يرتكب مخالفة الإهمال المشترك الذي عرفته السابقة قضية (1) نور الدين سعد (2) شركة التأمينات العامة ضد خالد أحمد المصطفي نشرة الأحكام الشهرية 1976 ص 11 بأنه الإهمال المشترك في حوادث الحركة هو فعل أو امتناع يشكل أولاً إخلالا بواجب المجني عليه في حماية نفسه وثانياً يكون بالإضافة إلي ذلك واحد من الأسباب التي أدت إلي الحادث فقد كان الشاكي يسير في خط سيره الصحيح ولم ينحرف من ناحية اليمين كما فعل المدان ولذلك فإنه لا مجال للقول بأن الشاكي يجب أن يشارك المدان في ذلك الخطأ حسب نص المادة 53 من قانون حركة المرور لسنة 1983م
غني عن القول بان عقد التأمين الإجباري فرضه المشرع في المادة 58 من قانون حركة المرور لسنة 1983 التي تنص فيما تنص علي الآتي :-
"لا يجوز لأي شخص أن يستعمل أو يتسبب أو يسمح لأي شخص آخر باستعمال أي مركبات علي أي طريق ما لم توجد بالنسبة لاستعمال تلك المركبة بواسطة ذلك الشخص أو الشخص الآخر بحسب الحالة وثيقة التأمين سارية المفعول أو أي ضمان آخر ساري المفعول فيما يتعلق بالأخطار التي يتعرض لها الغير وتتعرض لها ممتلكاته "
فبمقتضى هذا النص فقد قصد المشرع إلي خلق علاقة قانونية وتعاقدية "حكماً" بين المؤمن والمضرور وهو رجل الشارع الذي يستعمل الطريق وهذه العلاقة تنشأ بمجرد إبرام بوليصة التأمين التي فحواها عقد التأمين الذي يربط المؤمن والمؤمن له بعلاقة تعاقدية واضحة وشأن المشرع في خلق هذه العلاقة بين المؤمن والطرف الثالث "المارة" كشأنه في صياغة كثير من القوانين التي تنشئ علاقة قانونية وذات صفة تعاقدية بين الأطراف دون أن يتبادلوا صراحة أو ضمناً الإيجاب بالقبول لعلة معينة ونسوق عي سبيل المثال لا الحصر قانون الإيجارات في بعض نصوصه
ولذلك فإن وثيقة التأمين " عقد التأمين" ينبغي أن تأتي في صيغة تجعل المؤمن مسئولاً عن جبر أي ضرر للمارة "الطرف الثالث" أثر في حياته أو جسمه أو ماله ينشأ ذلك الضرر نتيجة لاستعمال مركبة مؤمنة لدي ذلك المؤمن إذا كان الذي يستعملها هو المؤمن له أو كان شخصاً تسبب المؤمن له في استعماله لها أو سمح باستعماله لها ويلاحظ أن عقد التأمين الإجباري بعكس بقية العقود العادية – يبرم دائماً في غياب الطرف الثالث ومن ثم فإنه عقد لا يخضع لنظرية "العقد شريعة المتعاقدين" ولا يخضع للنظرية القائلة بقصر الالتزام التعاقدي علي طرفي العقد وقد نصت المادة62 من قانون حركة المرور علي أنه يقع باطلاً كل شرط في وثيقة تأمين يقضي بعدم ترتيب أية مسئولية بموجب الوثيقة أو يقضي بانتفاء أية مسئولية تترتب بموجبها في حالة فعل شئ أو إغفاله بعد حصول الحادث الذي نتجت عنه المطالبة بموجب تلك الوثيقة وذلك فيما يتعلق بالمسئوليات التي يجب أن تشملها وثيقة التأمين"
وقد رفضت المحكمة العليا في قضية ورثة محمد أحمد يعقوب ضد الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات نشرة الأحكام الرباعية أبريل – مايو – يونيو 1982 ص 84 المبادئ التي أرستها محكمة الاستئناف السلفية في قضية بابكر كزام ضد شركة السودان للتأمين – مجلة الأحكام القضائية 1969م ص 59 من مراعاة خصوصية العقد ورفضها لتطبيق الاشتراط لمصلحة الغير في حالة التأمين الإجباري وقالت المحكمة العليا :-
"أن محكمة الاستئناف في قضية بابكر كزام تماماً كمحكمة الاستئناف في هذه القضية لاشك كانت متأثرة بالمبادئ السائدة في إنجلترا في مثل هذه الحالات إلا أننا لا بد أن نأخذ عليه أنها أغفلت أن المحاكم الإنجليزية لم تتوسع في تفسيرها للقانون المقابل لقانوننا لأن الشخص المضرور عندهم لا يفتقر إلي وسيلة تعويض عادل مهما كانت ظروف تضرره وذلك بسبب الترتيبات الخاصة التي استحدثت لجبر أضرار حوادث المرور مما يعد بحق ضماناً ضد هذا النوع من أخطاء المدينة وقد قضي في السابقة الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد خضر الجاك – مجلة الأحكام القضائية السودانية 1977 ص 541 بأن عقد التأمين الإجباري يخرج عن دائرة العقود الرضائية لأنه عقد يفرضه وينظمه القانون لمصلحة شخص ليس طرفاً فيه – بل مجهولاً وقت إبرامه
إن الأساس الذي تنهض عليه مسئولية المؤمن تجاه المضرور هو وجود عقد التأمين – في المقام الأول – إذا كان مبرماً بين المؤمن والمؤمن له وليس من الضروري أن يكون قائد العربة في وقت الحادث هو المالك لها "المؤمن له" أو غيره وليس أيضاً من الضروري وجوده فيها فالهدف التأمين الإجباري هو التأمين علي حياة و سلامة أجسام وممتلكات المارة ضد أخطار المركبات ومن المتصور أن تتسبب العربة في الحادث دون أن يكون هنالك شخص يقودها ولكن يستحيل أن يرتكب قائد المركبة ولذلك فإن شخصية قائد المركبة ليست في الواقع محل اعتبار عند إبرام عقد التأمين بين المؤمن والمؤمن له وفي ذلك قال القاضي مهدي محمد أحمد في قضية كزام ما يلي:-
In other words such questions as who owns the car or the car who at the time of the accident are immaterial and in fact wholly irrelevant for fixing the insure with liability The only material questions whether there id or there is no policy insurance which covers the use of the car If there is, the insurer is liable irrespective of who owns or who driving The argument on the fact of it is quite appealing and beneficial since the kneched – down pedestrian will be indemnified even if an unlicensed driver or a car thief at the steering wheel)
إن الهدف أو الحكمة وراء التأمين الإجباري هو حماية الطرف الثالث (الماره) وأن أي مخالفة لنصوص وثيقة التأمين (عقد التأمين) يقترفها المؤمن له تعيين أن لا تؤثر إطلاقاً علي حقوق الطرف الثالث في إلزام المؤمن بالقيام بتعويضه وأي ادعاء بغير ذلك يهدم الغرض الأساسي من وراء التأمين الإجباري ويهدر كل الضمانات التي كفلها القانون للمضرور فإذا كانت مسئولية المؤمن تجاه المضرور الناشئة عن عقد التأمين الإجباري ثابتة ومقررة بموجب القانون وأنها مسئولية مطلقة يحيطها القانون برعايته وإذا كان المضرور ليس بطرف في ذلك العقد وقت إبرامه فإن أي إخلال بأي شرط يحدثه المؤمن له ينبغي ألا يؤدي إلي إعفاء المؤمن من المسئولية تجاه المضرور ولذا فقد قضي في السابقة الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد خضر الحاك المشار إليها بأنها مخالفة أحد طرفي العقد لشروط قاصرة على أطراف وثيقة التأمين لا تؤثر علي الطرف الثالث لأنه ليس طرفاً في العقد وان كان العقد لمصلحته وقد ورد في بوليصة التأمين في تلك القضية بأن الوثيقة لا تغطي :-
"أي سائق سيارة يكون سيطرة الخمر أو المخدرات بالدرجة التي لا يستطيع معها قيادة سيارة" ومعلوم أن قانون حركة المرور السابق بالمادة 25 كان يحرم قيادة العربات علي الطريق العام إذا ما كان السائق واقعاً تحت تأثير الخمر بدرجة تجعله غير قادر علي السيطرة علي العربة وجعل القانون مثل تلك القيادة عمل غير مشروع وجرم يعاقب عليه بالسجن إلا أن المحكمة قالت في تلك السابقة ما يلي :-
"وحتى لو افترضنا جدلاً أن المستأنف قد أفلح أمام محكمة الموضوع في إثبات أن المدعي عليه الأول" (سائق العربة) كان في حالة سكر لحظة الحادث ولا يستطيع قيادة عربة بأمان ذلك في تقديري لا يعفي المستأنف "المدعي عليه الثالث الشركة السودانية لتأمين العربات" من المسئولية
وعليه فإن إخلال المؤمن له بشرط من شروط عقد التأمين بمخالفته لأي نص من نصوص قانون حركة المرور لا يؤدي إلي حرمان المضرور "الطرف الثالث" من حقه المشروع في التعويض من المؤمن – وذلك الحق الذي من أجله شرع التأمين الإجباري ومن ثم فإن ما جاء علي لسان محكمة الاستئناف في هذا الشأن – كما اقتطفناه من حيثياتها في هذه القضية التي بين أيدينا – ليس بالقانون الواجب الاتباع ومن ثم فإنه مخالفة المؤمن له المدعو محمود إبراهيم محمود بالسماح بأي صورة أوخرى "بيع أو غيره" للمدان عابدين محمد عبد الرازق في هذه القضية المطروحة باستعمال العربة وهو وبدوره خالف شرطاً من شروط وثيقة التأمين بأن قاد العربة من غير أن يحوز رخصة قيادة رسمية وهذه المخالفة لعقد التأمين المبرم بين المؤمن وشركة الخرطوم للتأمين والتي أيضاً هي مخالفة في نفس الوقت للمادة 17 من قانون حركة المرور لسنة 1983 لا تعفي الشركة المؤمنة لديها العربة من الوفاء بالتزامها القانون والتعاقدي "حكماً" بتعويض المضرور "الطرف الثالث" الشاكي محمد صالح علي
كذلك إذا كانت بوليصة التأمين قد نصت علي أنها لا تغطي أي حالة أخري من الحالات التي تؤدي إلي مخالفة قانون حركة المرور فإن مسئولية المؤمن تجاه الطرف الثالث "المضرور" ما زالت قائمة ولا يستطيع المؤمن أن يتنصل عنها بأي حال ففي قضية ورثة محمد أحمد يعقوب ضد الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات المشار إليها – حيث كانت بوليصة التأمين لا تغطي حالة انتقال ملكية العربة من المؤمن له إلي الغير دون أخطار المؤمن وتحويل التأمين – قضت المحكمة العليا بأن شركة التأمين تكون ملزمة بتعويض المضرور حتى ولو انتقلت ملكية العربة من المؤمن إلي شخص آخر دون إخطار المؤمن وتحويل التأمين وفي القضية المطروحة لدينا نجد أن المدان قد اشتري العربة من المؤمن له ولكنه لم يغير الملكية وليس هناك ما يثبت إخطار الشركة المؤمنة لديها العربة بذلك التغيير رغم أن بوليصة التأمين تنص لأنها لا تغطي حالة عدم إخطارها بكل ذلك ومهما يكن من أمر فإن هذه الشروط لا تعفي شركة الخرطوم للتأمين المحدودة من مسئوليتها تجاه الشاكي المضرور
عليه فإن أي شرط أو قيد يصاغ في عقد التأمين ليحد من مسئولية المؤمن تجاه المضرور أو ليعفي المؤمن منها ينبغي أن يقع باطلاً وفقاً لنص المادة 62 من قانون حركة المرور لسنة 1983م
ولكننا نجد من الجانب الآخر أن وثيقة التأمين قد أحاطت حقوق المؤمن في مواجهة المؤمن له بالضمانات القانونية إذ أن في وسعه أن يقاضي المؤمن له مرتكزاً علي الشروط التعاقدية الواردة في عقد التأمين "بوليصة أو وثيقة التأمين" إذا ما خل بها فقد ورد في حيثيات المحكمة العليا في قضية ورثة محمد أحمد يعقوب المشار إليه فيما يلي :-
" أن شركة التأمين قد تتضرر من مخالفة المؤمن له الشكلية لعقد التأمين ودفع مثل هذا الضرر لا يتم بحرمان المضرور "الطرف الثالث" من حقه المشروع في التعويض الذي من أجله شرع التأمين الإجباري بل يتم عن طريق رجوع شركة التأمين علي المؤمن له"
ويتعين علي المؤمن أن يجبر الضرر الناتج عن استعمال المركبة للمضرور قبل أن يقاضي المؤمن له وقبل أن يسترد حقوقه منه ففي شركة التأمين العامة ضد ورثة عبد الحفيظ نشرة الأحكام الرباعية يوليو – أغسطس – سبتمبر 1981 ص 84 قضت المحكمة العليا بأنه لا يحق لشركة التأمين أن ترجع علي مالك العربة بالتعويض الذي حكم به للمتضرر قبل أدائه للمضرور
بشأن مقدار التعويض الذي قضت به محكمة الموضوع فأننا لا نستطيع التدخل فيه إلا في حالات معينة لأنه قد تواتر واستقر قضائياً علي قاعدة أن المحاكم الأعلى يجب ألا تتدخل في سلطات المحاكم الدنيا التقديرية في التعويض إلا في الحالات الآتية:-
1- إذا أخذت محكمة الموضوع في الاعتبار أمراً ما كان عليها أخذه وأغفلت أمراً كان عليها الأخذ به – هكذا قضت المحكمة العليا في قضية فطومة خليل اسحق ضد فطومة حامد عبد الله المجلة القضائية 1976م ص 159 وفي قضية الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد عبد الوهاب حسين مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 96 قضت المحكمة بأن تقدير التعويض أمراً تستقل به محكمة الموضوع وفقاً لظروف الدعوى ولا يخضع تقديرها بوجه عام لرقابة المحكمة العليا إلا إذا أخذت في اعتبارها ضرراً من الأضرار أو ظرفاً من الظروف لا يوجب القانون الأخذ به عند التقدير وفي قضية عبد القادر يحي بشارة ومجلس ريفي جنوب القضارف ضد ورثة عبد الرحيم حامد قمر الأنبياء – مجلة الأحكام القضائية 1976م ص 538 جاء بأنه عند التعويض فإن السلطة الاستئنافية لا تتدخل عادة في قدر التعويض المحكوم به إلا أن تكون محكمة الموضوع قد أغفلت مبدأ هاماً أو أضافت أخر لا يقره القانون
ولكن في هذه القضية التي بين أيدينا نجد أن محكمة الموضوع أخذت في الاعتبار كل المعايير والضوابط والأسس القانونية عند تقديرها التعويض مما يجعل هذه المحكمة لا تجد مبرراً للتدخل في هذا التعويض
2- إذا كان التعويض مغالاً في كثرته أو مبالغاً في قلته ففي قضية محمد أحمد ناصر وآخر ضد ورثة عيسي عبد الحميد مجلة الأحكام القضائية 1975 ص280 قضي بأن القاعدة العامة أن السلطة الاستئنافية لا تتدخل في مقدار التعويض إلا إذا كان مبالغاً فيه أو ضئيلاً للدرجة التي تثير دهشة الرجل المعقول وفي قضية الشركة العامة لتأمين العربات ضد سعيد حسن مجلة الأحكام القضائية 1977م ص 344 قضي بأن المحكمة الاستئنافية لا تتدخل في التعويض إلا إذا كان مبالغاً فيه من حيث الكبر والقلة وفي قضية شركة التأمينات العامة ضد ورثة الشيخ محمد الحسن مجلة الأحكام 1976م ص 514 قضي بأنه قد استقر قضاء بأن محاكم الاستئناف لا تتدخل في سلطات المحاكم الدنيا التقديرية في التعويض إلا إذا كان التعويض مبالغاً في كثرته أو مبالغاً في قلته للوهلة الأولي وفي قضية عبد القادر يحي بشارة ومجلس ريفي جنوب القضارف المشار إليها أعلاه جاء بأن عند التعويض فإن السلطة الاستئنافية لا تتدخل عادة في قدر التعويض المحكوم به إلا إذا كان مبالغاً فيه زيادة أو نقصانا
ولكن في هذه القضية التي بين أيدينا نجد أن التعويض الذي قدرته محكمة الموضوع معقول وعادل ومناسب بالنسبة للظروف وملابسات الحادث وحجم التلف الذي وقعت تحت تأثيره عربة التاكسي
3- إذا كانت محكمة الموضوع لم تبد أسبابها لتقدير التعويض بل قدرته تقديراً جزافياً دون أسانيد هكذا قضي في قضية شركة التأمينات العامة ضد الشيخ محمد الحسن المشار إليها أعلاه
ولكن في قضيتنا المطروحة أمامنا نجد أن محكمة الموضوع أبدت أسانيدها وأسبابها التي ارتكزت عليها عند تقدر التعويض محل القضية
لما تقد من أسباب نقرر الآتي :
1- إلغاء حكم محكمة الاستئناف القاضي بعدم مساءلة شركة الخرطوم للتأمين المحدودة
2- تأييد حكم محكمة الموضوع بإلزام الشركة المذكورة بأن تدفع بالتضامن والانفراد مع المدان عابدين محمد الرزاق التعويض هذه القضية للشاكي محمد صالح علي

