حكومة السودان / ضد / على مابيور
محكمة الاستئناف
حكومة السودان / ضد / على مابيور
م أ/ أ س ج / 243 / 1984م
المبادئ:
إجراءات جنائية : سلطة الفحص وربط ممارستها بوجود إجراء مخالف للشريعة الإسلامية م 239 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م
الشرط الوارد في المادة 239 باتخاذ إجراء مخالف للشريعة الإسلامية حتى يمكن للمحكمة العليا ومحكمة الاستئناف ممارسة سلطة الفحص هذا الشرط يمكن أن يندرج تحته أي حكم أو إجراء أخل بتحقيق العدل وهو أمر لا يقيد سلطة الفحص بل يجعلها أوسع نطاقاً من القانون السابق
الحكم:
التاريخ : 28/3/1984م
القاضي : أحمد محمد عثمان قاضي
هذا الطلب تقدم به هاشم محمود سليمان المحامى نيابة عن الاتهام بتاريخ 25/1/1984م وقد سماه استئنافاً ضد الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات أمدرمان وسط يوم 24/1/1984م والذي قضى ببراءة المتهم المذكور أعلاه من الاتهام المنسوب إليه تحت المادة 348 من قانون العقوبات لسنة 1974م في المحاكمة بالنمرة/غير إيجازي / 66 / 1984م
الاتهام المنسوب للمتهم والذي تم عليه تقديم المتهم أعلاه للمحاكمة يتمثل في أنه كان أميناً لمال الجمعية الخيرية التعاونية لابناء كوي وبتلك الصفة قد استلم شيكاً بمبلغ 22727283 مرسلاً من المملكة العربية السعودية كمساعدة للجمعية المذكورة وقد قام المتهم وحول ذلك المبلغ خيانة لمنفعته الشخصية
بداية وقبل الدخول في مناقشة القرار المطعون فيه لابد لي أن أتناول ما جاء في أمر تسمية هذا الطلب لقد أطلق الأستاذ مقدم الطلب عليه بأنه استئنافاً ولكني أقول بأن هذا الطلب لا يعتبر استئنافاً وذلك للآتي :
صحيح أن القانون الحالي قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م وفي مادته 235 والتي تتحدث عن الاستئنافات أشارت إلي أن تستأنف أحكام مجالس القضاء أمام محكمة القاضي الجزئي وأحكام كل من القاضي الجزئي وقاضي المديرية تستأنف أمام محكمة الاستئناف المختصة ولم تنص في البداية ممن يرفع الاستئناف خلافاً للقانون السابق قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م ففي المادة 254 منه جاء النص صريحاً بأن يرفع الاستئناف من الشخص المدان
عدم إيراد النص في المادة 235 من القانون الحالي (قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م) لا يعني أن الاستئناف يرفع من المدان أو الشاكي أو المتضرر الخ
بالرجوع للمادة 230 من نفس القانون نجدها تنص على الآتي :
( إذا كان حكم الإدانة من الأحكام الجائز استئنافها فيجب على المحكمة إبلاغ المتهم أن له الحق في الاستئناف والمدة التي يجوز له خلالها تقديم عريضة الاستئناف ) وكلمة المتهم الواردة فيها يقصد المشرع بها (المدان) فهذا النص فيه الأشارة إلي أن حق الاستئناف يبلغ به المدان وليس الشاكي أو المترافع عنه
نضيف إلي هذا أن المادة 242 جاء عنوانها كالآتي :
( سماع المتهم عند الاستئناف في النهاية ) وكلمة المتهم هذا أيضا لابد أن يكون مقصوداً بها (المدان) (لأن المتهم بعد تقرير أدانته يسمى مداناً وليس متهماً) فهذه المادة تجوز للسلطة الاستئنافية أو المؤيدة عند ممارستها لسلطاتها أن تستمع إلي المدان
كل هذا يجعلنا نقول أن الاستئناف يرفع من المدان في حالة المحاكمة وفي حالة الأوامر وحسب ما بينت المادة 236 فأنه يرفع من الشخص الذي صدر في حقه وكان مقيداً لحريته في نفسه أو ماله
ولهذا أقرر بأن لا سبيل أن يوصف الطلب المعروض بأنه استئناف طالما لم يرفع من الشخص المدان
وكما درجنا دائماً نتجاوز الآن عن ذلك ونعتبر هذا الطلب التماساً لنا لنمارس سلطة الفحص وسلطة الفحص هذه جاء النص عليها في المادة 239 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م وهي سلطة تمارسها المحكمة من تلقاء نفسها إذا تبين لها أن إجراء مخالفاً للأحكام الشريعة الإسلامية قد أتخذ وذلك حتى يتأتى لها (المحكمة الفاحصة) من تصحيح الحكم ومراجعته وبإيراد هذا الشرط الأخير مخالفة الحكم لإجراء لأحكام الشريعة الإسلامية – قد يراه البعض أنه جاء بتضييق للمجال لممارسة تلك السلطة لأن النص المماثل في القانون السابق الملغي لم يأت بقيود خلاف بعض القيود الزمنية على ممارسة تلك السلطة في الأحوال التي أشار إليها ولكنى أقول أن هذا الشرط الوارد في القانون الحالي يمكن أن يتدرج تحته أي حكم أو إجراء أخل بتحقيق العدل وهو أمر يجعل من هذا الشرط لا مقيداً لسلطة الفحص بل جعلها أوسع نطاقاً من القانون السابق – فالشريعة الإسلامية جوزت للقاضي نفسه الذي أصدر الحكم – كما يقول بعض الفقهاء – من مراجعته وتصحيح الخطأ فيه كما جوزت لغيره من القضاة القيام بذلك لأن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ولنا أن نهتدي في ذلك إلي قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري عند توليته القضاء :
( ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فأن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل )
وقانونا الحالي اختار أن تتم مراجعة مثل ذلك الموقف أمام سلطة أعلي وهي السلطة الفاحصة أو السلطة الاستئنافية وذلك بالنص الوارد في المادة 231 (قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م)
(إذا وقعت المحكمة على الحكم فلا يجوز لها أن تغيره أو تعيد النظر فيه إلا في الأحوال المبينة في هذا القانون أو لتصحيح خطأ في الكتابة)
فهذا يعني إذا كان هناك خطأ في الحكم يتم معالجته عن طريق سلطة أعلي وقد سقت كل هذا لأدلل بأن الشريعة الإسلامية توجب تصحيح الخطأ وتمنع التمادي في الباطل لهذا فأن ظهر هناك خطأ أو هناك ما يعيب القرار والحكم فأن ذلك يعتبر بمثابة الحكم أو القرار المخالف لأحكام الشريعة ومن ثم تصبح ممارسة تلك السلطة حيال محضر إجراءات ذلك الحكم أو القرار أمراً سليماً وصحيحاً – فكل ما يمس أو يخل بتحقيق العدل يعتبر مخالفاً أحكام الشريعة الإسلامية الداعية لبسط العدل وتحقيقه بين كافة الناس ومن ثم كان هذا مدخلي لممارسة هذه السلطة
أن البينات التي سيقت أمام محكمة الجنايات كلها تشير إلي أن هذا المتهم مع آخرين قد كونوا جمعية أبناء كوي التعاونية الخيرية وقد تم اختياره أميناً لمال تلك الجمعية وأكدتها البينات ودعمتها المستندات (مستند اتهام (3) ) أن رئيس اللجنة جوزيف يوم وسكرتيرها العام عبد اللطيف أقوك والمتهم على مابيور أمين تلك الجمعية قد قامت ثلاثتهم بالكتابة إلي الملك خالد بن عبد العزيز – طيب الله ثراه – طالبين مساعدته لتلك الجمعية وقد قدمت المملكة السعودية شيكاً لمساعدتها لتلك الجمعية – استلم الشيخان محمد هاشم الهدية وعوض الله صالح من سفارة المملكة بالخرطوم (مستند اتهام (1) ) وقد تم تسليم ذلك الشيك للمتهم وتولي صرفه والبينات تشير إلي تصرفه في ذلك المبلغ خيانة ولمنفعته الشخصية – فليس هناك ما يشير إلي قيام بعض شك حول قضية الاتهام حتى يفسر لصالح المتهم كما أشارت المحكمة
لكل هذا أرفض تأييد القرار الذي قضي ببراءة المتهم وأعيد الأوراق لإعادة النظر في القرار بوساطة محكمة الجنايات
أمر :
1- أرفض تأييد القرار الذي قضي ببراءة المتهم
2- تعاد الأوراق لمحكمة الجنايات لإعادة النظر في القرار
3- يعاد القبض على المتهم ويطلق سراحه بالضمان وفقاً لأحكام المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م
يخطر الأستاذ مقدم الطلب والمتهم بذلك

