محجوب السيد على جاد الطاعن ضد اللقية الطاهر المطعون ضدها
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / محمد الفضل شوقي قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ أحمد التجاني عبد الهادي قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم قاضى المحكمة العليا عضواً
محجوب السيد على جاد الطاعن
ضد
اللقية الطاهر المطعون ضدها
م ع/ ط م/ 134/ 1980
المبادئ:
- إثبات – الشهادة يجوز دفعها بالقرائن العكسية
- قانون تقييد الإيجارات – الإخلاء بسبب الحاجة الماسة – ظروف المالك ووضعه السكني
1- على المحكمة أن تأخذ في اعتبارها ظروف المالك ووضعه السكني وقت رفع الدعوى وإذا كان يطلب العقار لسكنه هو وحده فلا شك أن عامل السن وجنس المالك ووضعه العائلي تدخل جميعها ضمن الاعتبارات وعلى المحكمة أيضاً ألا تغض الطرف عن واقع العائلة السودانية وما تتميز به من حرص على الوالدين والالتفاف حولهما عناية وبراً بهما إذا بلغا سن الشيخوخة لأن المحاكم لا تعمل في فراغ وإنما تستمد عدالتها وحسن تطبيقها من صميم تقاليد المجتمع
2- القاضي لا يتفق مع ظواهر البينات ولا يتقيد بشهادة مهما كان وزنها إذا ثبت له من القرائن الأخرى ما يسوغ تعطيلها – وإن من القرائن ما هو أقوى من البينة التي يتطرق إليه الصدق أو الكذب
الحكم
8/10/1980م
القاضي فاروق أحمد إبراهيم
هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف المدني رقم 34/1980 بتاريخ 5/6/1980 والذي قضى بتأييد حكم قاضى المديرية الذي ألغى الحكم الابتدائي الصادر بشطب دعوى المطعون ضدهما وأمر بإخلاء الطاعن من العقار محل النزاع
وتتحصل الوقائع في أن المطعون ضدهما أقامت في 26/4/1979م الدعوى لدى المحكمة الجزئية بشندي طالبة القضاء بإخلاء الطاعن من منزلها المؤجر إليه وذلك لحاجتها الماسة والضرورية للسكن فيه
أنكر الطاعن الدعوى ودفع بأن المطعون ضدها تقيم مع بنتها المتزوجة وأنها ليست في حاجة ملحة للسكن في المنزل محل النزاع وبعد أن حددت محكمة الموضوع نقاط النزاع واستمعت إلى إدانة الطرفين في 29/4/1979م بشطب الدعوى تأسيساً على ما ثبت لها من أن المطعون ضدها قد فشلت في إثبات ادعاءها إذ أنها تبلغ من العمر سبعين عاماً وأنها في تلك الظروف لا تستطيع أن تعيش بمفردها وإنما تحتاج للبقاء بجانب من يرعاها ويهتم بشئونها
استؤنف ذلك الحكم أمام قاضي المديرية الذي أمر بإلغائه والحكم للمطعون ضدهما بطلباتها بحجة أن حاجتها للرعاية لا تحول دون إصدار الحكم لصالحها ولها فيما بعد أن تختار المكان الذي تقيم فيه
استؤنف ذلك الحكم أمام محكمة الاستئناف التي قضت بتأييده لأسبابه ومن ثم هذا الطعن بطريق النقض
وحاصل الطعن أن محكمتي المديرية والاستئناف قد أخطأتا في تطبيق القانون لما قضيا بإخلاء الطاعن من العقار في حين أن الثابت أن المطعون ضدها لم تكن في حاجة ماسة إليه وإنما ادعت تلك الحاجة لوقوع خلاف بينها وبين ابنتها التي تعيش في كنفها وأن الحكمين المطعون فيهما قد التفتا عن تلك الواقعة وغيرها من الوقائع التي كشفت عنها الأدلة يكونا قد صدرا على خلاف ما يقضى به الوزن السليم للبينات
رد محامى المطعون ضدهما بما مفاده أن قانون تقييد الإيجارات لم يحدد للمالك سناً معيناً يحرم عنده من استعادة ملكه فضلاً عن أن المطعون ضدها تزاول عملاً تجارياً وتحتاج إلى منزلها وأن الحكم الابتدائي وقد أغفل كل ذلك وحاد عن المبادئ التي قررتها السوابق القضائية يكون خاطئاً حسبما قضت به محكمتي المديرية والاستئناف
وحيث أن النعي على الحكمين المطعون فيهما صحيح ذلك أن الحاجة الماسة التي تعول عليها المحكمة في قضائها بالإخلاء هي الحاجة الناشئة عن ضيق المكان وما ينجم عن ذلك من مشقة وعناء سواء لطالب الحيازة أو من يقيم معه وليس من ذلك ضيق النفس بالمكان والرغبة في الهروب منه تفادياً لأمور أخرى لا صلة لها بوضع الشخص من حيث مساحة السكن إذ أن الحالة الأخيرة لا ترقي إلى مرتبة الحاجة الماسة التي تبرر استرداد الحيازة
حقيقة أن المالك أولى بملكه من الغير ولكن لا يعنى ذلك أن يصدر حكم الإخلاء بطريقة تلقائية لمجرد أن المالك يرغب في شغل العقار بل على عكس ذلك يتعين على المحكمة أن تحيط بكافة الظروف عن بصر وبصيرة وألا تصدر حكمها إلا بعد قناعة تامة بأنه وفي ظروف الدعوى الماثلة أمامها يكون من غير العدالة أن تحرم مالك العقار من استرداد الحيازة على المحكمة أن تأخذ في اعتبارها ظروف المالك ووضعه السكني وقت رفع الدعوى وإذا كان يطلب العقار لسكنه هو وحده فلا شك أن عامل السن وجنس المالك ووضعه العائلي تدخل جميعها ضمن تلك الاعتبارات وعلى المحكمة أيضاً ألا تغض الطرف عن واقع العائلة السودانية وما تتميز به من حرص على الوالدين والالتفاف حولهما عناية وبراً بهما إذا بلغا سن الشيخوخة لأن المحاكم لا تعمل في فراغ وإنما تستمد عدالتها وحسن تطبيقها من صميم تقاليد المجتمع كي تصبح أداة لتقنين تلك التقاليد ودفع المواطنين للتمسك بها
لما كان ذلك وكان الثابت أن المطعون ضدهما تبلغ من العمر سبعين عاماً تقيم في كنف بنتها المتزوجة وفي وضع عادى لا تحس فيه بضيق أو حرج وليس في الأدلة ما يشير إلى أن تلك البنت قد تبرمت ببقائها معها أو أوعزت إليها بالرحيل ضيقاً بوجودها بل على النقيض فهي تتصرف تصرف الحاني عليها والمشفق على خروجها من المنزل لوحدها وهي في تلك السن رأفة بها وعطفا ًعليها خشية أن يصيبها مكروه بتصرفها ذلك وكان الله قد أوصى بالوالدين إحسانا وجعل للأم مقاماً سامياً بين عباده الصالحين وأنه وإن كان حق الرعاية حقاً أصلياً للأم لتدفع عن نفسها غوائل الزمان فهو في نفس الوقت واجب أصلى على الابن ويتعلق به أيضاً حق الله تعالى لاتصاله بحقوق أوجب الله رعايتها فلا يملك إسقاط حقوق أمه أو المساس بحقوق الله تعالى ولما كان البين من الحكم الابتدائي أنه قام قضاءه بانتفاء الحاجة الماسة على سند من القول بأن المطعون ضدها امرأة طاعنة في السن وأنها تقيم مع بنتها التي ترعى شئونها دون أن تتبرم ببقائها معها وأن دافع البنت على منعها من الخروج وحدها للعمل كان بسبب الإشفاق عليها أو الحرص على حياتها وكان هذا التصرف محل استنكار المطعون ضدها التي تبرمت به وحده وليس بسبب الإقامة مع تلك البنت وأن ما استخلصه الحكم من أن ما تسعى إليه الأم هو التحرر من رقابة بنتها دون أن يكون لضيق المكان أو سعته صلة بذلك في حين أنه من غير المألوف أن تسمح العائلة للأم بأن تعيش بمعزل عنها لتنافي ذلك مع الحقوق التي كفلها الله لها
لما كان ذلك وكان إجماع الفقهاء على أن القضاء فهم وأن القاضي لا يقف مع ظواهر البينات ولا يتقيد بشهادة مهما كان وزنها إذا ثبت له من القرائن الأخرى ما يسوغ تعطيلها وكان في القرينة التي أخذت بها محكمة الموضوع ما يكفى للتشكيك في نوايا المطعون ضدها وإن من القرائن ما هو أقوى من البينة التي قد يتطرق إليها الصدق أو الكذب فإن الحكم الاستئنافي الأول كما أيده الحكم المطعون فيه وقد خالف هذا النظر وقضي بثبوت الحاجة الماسة وحق المطعون ضدها في استرداد الحيازة يكون مبنياً على دلالة فاسدة في خصوصية الدعوى وعلى واقع يرمى إلى المساس بحقوق الله مما لا سند له في الفقه أو العرف أو التقاليد
وحيث أنه لما تقدم يتعين قبول الطعن والأمر بما يلي :
1- نقض الموضوع المطعون فيه والحكم الاستئنافي السابق عليه واستعادة حكم قاضي الموضوع الصادر بشطب الدعوى
2- لا أمر بشأن الرسوم

