الاتحاد العام لكرة القدم وآخر ضد نادى الزهرة الرياضي
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / هنري رياض قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ حسن على أحمد قاضى المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمد محمود أبو قصيصة قاضى المحكمة العليا عضواً
الاتحاد العام لكرة القدم وآخر ضد نادى الزهرة الرياضي
م ع/ ط م/79/ 1980
المبادئ:
- قانون إداري – تفسير القرار الإداري – المعنى الواسع والمعنى الضيق – الإدارة طرف في القرار – الإدارة ليست طرف – قرار اللجنة – الجهة التي يستأنف إليها القرار
- قانون إداري – الحظر من التقاضي – النزاع الرياضي – الحظر من اللجوء إلى القضاء بشأنه
1- إذا كان القرار صادراً من لجنة مفوضة بموجب القانون للفصل في المنازعات بين طرفين وليست الإدارة طرفاً في النزاع فإن القرار الصادر من اللجنة يكون قابلاً للطعن فيه أمام محكمة الاستئناف عملاً بأحكام المادة 309 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م ولكن متي رسم القانون طرق الاستئناف في القرار الصادر من اللجنة أمام جهات معينة فإن مثل ذلك القرار يستأنف للجهة أو الجهات التي يحددها القانون دون غيرها ومن ثم يمتنع على المحاكم القضائية التعقيب على القرار الصادر من أعلى جهة استئنافية
2- أن العمل الرياضي عمل تطوعي التزم فيه بموجب القواعد على أن تحل أسرة الرياضة أمورها من خلال أجهزتها دون أن ينتقل بنزاعها إلى المحاكم ومن ثم لا ينعقد لواء الاختصاص للمحاكم القضائية للفصل في نزاع رياضي ذلك إعمالاً للمادة 246 من القواعد العامة لاتحاد كرة القدم
المحامون :
عبد الحليم الطاهر – وصلاح سعيد
الحـــــكم
6/8/1980م
القاضي: محمد محمود أبو قصيصة:
في مباراة دورية لكرة القدم أقيمت في 4/1/1980م بين فريقي الزهرة والمريخ فاز فريق الزهرة بهدفين مقابل هدف واحد
تقدم نادي المريخ بطعن للجنة الإدارية في قانونية إشراك أحد لاعبي فريق الزهرة ورفضت اللجنة الطعن
استأنف نادة المريخ ذلك القرار لمجلس اتحاد الخرطوم المحلي وأيد المجلس قرار اللجنة الإدارية ثم تقدم ذات النادي بطعن للجنة الاستئنافات ورأت لجنة الاستئنافات أن شكوى نادى المريخ صحيحة فألغت قراري اللجنتين السابقتين واعتبرت فريق الزهرة مهزوماً
تقدم فريق الزهرة بدعوى طعن إداري أمام محكمة الاستئناف وهو يطلب إلغاء قرار لجنة الاستئنافات وتأييد قراري اللجنتين السابقتين
وكان المدعى عليه في الدعوى الاتحاد العام لكرة القدم السوداني (لجنة الاستئنافات) أمرت (لجنة الاستئنافات) الاستئناف بضم فريق المريخ والتحرير والهلال للدعوى
قدم أمام محكمة الاستئناف دفعان مبدئيان هما (أن) القرار المطعون فيه ليس قراراً إداريا وأن المادة 246 من القواعد العامة لاتحاد كرة القدم تمنع التقاضي في المحاكم حول قرارات اللجان باستثناء القضايا الجنائية وقضايا العمل والنزاعات التجارية
أمرت محكمة الاستئناف بشطب الدفعين المبدئيين وقد رأت محكمة الاستئناف أن الهيئات الرياضية تدخل في معنى شخصيات القانون العام وأنها في طبيعتها لا تخرج عن النقابات المهنية والهيئات الأخرى التي تدخل في معني شخصيات القانون العام وعلى ذلك اعتبرت أن قراراتها إدارية تخضع بهذه الصفة للرقابة القضائية
ورأت محكمة الاستئناف أن المادة 246 من القواعد العامة تهدرحق التقاضي وأنها تقع باطلة في هذه الحدود
تقدم المحامي عبد الحليم الطاهر نيابة عن المدعى عليهم (المطعون ضدهم أمام محكمة الاستئناف) بطعن في حكم الاستئناف وهو يرى أن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق القانون وتأويله حين قضت بأن القرار في المنازعة الرياضية قرار إداري وحين قضت بأن المادة 246 من القواعد العامة لاتحاد كرة القدم باطلة
ويقول الطاعن بأن قرارات النزاعات الرياضية ليست قرارات إدارية بمقتضى عرف قديم أخذت به كل الشرائع في العالم أساسه تعارض تدخل المحاكم مع سير المنافسات في الملاعب ويستدل على ذلك بخلو كتب القانون من الإشارة لسابقة تسند ما حكمت به المحكمة
ويتمسك الطاعن بشرعية المادة 246 من القواعد العامة من حيث أنها لازمة لوجود النشاط الرياضي أصلاً قبل حمايته وأنها لا تتعارض مع النظام العام وأن العرف المحلي والدولي يقرر شرعيتها
رد المحامى صلاح سعيد غريب نيابة عن المطعون ضدهم وهو يرى أن القرار الصادر من لجنة الاستئنافات التابعة للاتحاد العام (وهو محل هذا النزاع) قرار إداري وهو يهتدي بتعريف للدكتور محمد محمود حافظ للقرار الإداري بأنه :-
(إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معين متى كان ذلك ممكناً وجائزاً قانوناً وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة)
وفي آخر رده يستشهد محامي المطعون ضده بكتاب اللورد ديننج "انضباط القانون" (بترويرث) الدليل على أن للمحاكم أن تقبل الطعن في القرارات شبه القضائية وقد ذهب محامى المطعون ضده إلى أن قرار لجنة الاستئنافات "وهي التي أصدرت القرار المطعون فيه أمام محكمة الاستئناف" فهو عمل شبه قضائي يمكن الطعن فيه أمام المحاكم
وذهب محامى المطعون ضده إلى أن قرار محكمة الاستئناف صحيح في أن المادة 246 باطلة وقد سلبت حق التقاضي أمام المحاكم
والقرار الذي كان محل النزاع أمام اللجان المختلفة قبل وصوله إلى محكمة الاستئناف قرار لم يتفق الطرفان في الوصول إلى وصفه القانوني وهما يتنازعان فيما إذا كان إدارياً ويبدو أن عبارة القرار الإداري إذا نظرنا إليها عموماً نجدها تحمل معنيين أحدهما محدود وأحدهما واسع لأغراض الطعن أمام محكمة الاستئناف في المواد 309 وما بعدها فالمعنى المحدود يشير إلى ما تفعله السلطات الإدارية وهي تصرف أعمال المواطنين العادية بما لها من صلاحيات قانونية
وتكون السلطة الإدارية طرفاً مع جهة أخرى قد تتظلم من أعمالها والأمثلة لذلك كثيرة نجدها متمثلة في سلطات المجالس الشعبية وغيرها حين ترفض الترخيص لعمل أو غرض معين أو حين تقرر هدم مبني معين أو سحب منفعة أو حق إلى غير ذلك مثل هذا القرار الإداري يخضع للطعن أمام محكمة الاستئناف بعد أن يستنفذ الطرف المتظلم سبل النظم الإدارية الأخرى هذا هو القرار الإداري بمعناه الضيق وتكون السلطة الإدارية فيه طرفاً في النزاع
أما القرار الإداري بمعناه الواسع فهو في الواقع حكم من حجة جهة في نزاع بين طرفين متخاصمين في هذه الحالة فإن الجهة الإدارية ليست طرفاً في النزاع وإنما هي حكم محايد بين طرفين متنازعين وطرق الطعن تختلف في هذين النوعين من القرارات التي توصف عموماً بأنها قرارات إدارية وإن كان كلاهما يخضع لإشراف المحاكم عموماً ولا يقتضي المقام الآن الخوض في تفاصيل أساليب التخاصم والتقاضي في هذين النوعين وإنما علينا أن نرى في أي من النوعين يقع القرار المتخاصم فيه الآن
والناظر إلى التعاريف التي أوردها محامى المطعون ضده يصل إلى القول بأن القرار المتنازع فيه يحمل الوصفين أحدهما الوصف المنقول عن الدكتور محمد محمود وثانيهما الوصف المنقول عن اللورد ديننج الأول تحدث عن القرار الإداري الذي تتخذه سلطة إدارية في مواجهة شخص معين ويكون طرفاً في نزاع معه
والثاني تحدث عن جهة تفصل بين شخصين متخاصمين وهي الحكم المحايد بينهما ولا ينطبق الوصفان في آن واحد كما يتصور محامي المطعون ضده
وإذا نظرنا إلى النزاع المطروح نجده حول وضع طرفين هما فريق الزهرة وفريق المريخ حول نتيجة المباراة وحدث الاختصام إلى جهة تفصل بينهما فأدلت بحكمها وكذلك فعلت جهة استئنافية ثانية فثالثة ونقل النزاع أخيراً إلى المحاكم والجهات التي فصلت النزاع وإن كانت لجان إدارية إلا أنها كانت لجان فصل في المنازعات وتكون قراراتها إدارية بالمعني الواسع ومثل هذه اللجان أصبحت مألوفة كثيراً في الأزمنة الحديثة بل أصبح مرغوباً فيها حيث تقضي في النزاعات بالسرعة والكفاءة المطلوبة بما لها عادة من الإلمام والمقدرة الفنية بمجال الاختصام ويكون الاستئناف في قراراتها للمحاكم عن طريق المادة 309 ما لم ينص تشريع ما على الطرق التي يقع لها الاستئناف
نلاحظ فرقاً أساسياً بين النوعين المذكورين من القرارات الإدارية:
فإن كانت الجهة الإدارية طرفاً في النزاع كانت المحاكم المختصة بالطعن وجاز الطعن في أي قرار صدر تحت تشريع يسلب المحاكم حق الطعن بل أن المحاكم الإنجليزية كادت تتدخل عن طريق المراجعة القضائية إذا سلبها تشريع ما من التدخل بالطعن عن طريق الاستئناف ولا نحسب أن هنالك ما يمنع من اتخاذ هذا السبيل هنا إذا رأت المحاكم أن تشريعاً ما يسلبها حق النظر في الطعن عن طريق الاستئناف باعتبار المراجعة القضائية شكلاً من أشكال الطعون في القرارات الإدارية
أما النوع الثاني يكون فيه القرار صادراً من لجنة من لجان فصل المنازعات بين طرفين متخاصمين فهو أيضاً يقبل الطعن أمام محكمة الاستئناف تحت المادة 309 على أن بعض التشريعات قد تجعل حق الاستئناف إلى جهة أخرى في هذه الحالة فإن الطعن يكون أمام تلك الجهة الأخرى
وقد حدث في هذا النزاع أن استؤنف إلى عدة جهات أخرى آخرها لجنة الاستئنافات تحت القواعد العامة لاتحاد كرة القدم هل يجوز الطعن بعد ذلك إلى المحاكم؟
في اعتقادي أنه لابد من النظر إلى التشريع والغرض منه :
تقول المادة 246 من القواعد العامة لاتحاد كرة القدم :
"لا يجوز للاتحاد العام أو أي اتحاد محلي أو اتحاد منطقة أو أي مجلس أو لجنة أو هيئة تتبع له أو أي نادي أو فريق منتسب أو أي عضو أو لاعب فيه أن يتقاضى في المحاكم ضد أي من الهيئات المذكورة فيما يتعلق بأي قرار تتخذه أي من الهيئات المذكورة ولا يشمل ذلك القضايا التي تتعلق بالموظفين والعمال أو العلاقات التجارية
وتقول المادة 6 من قانون الرياضة الجماهيرية سنة 1979م "الرياضة الجماهيرية" نشاط تطوعي يحظر فيها الاحتراف أو تقاضي أي مقابل مادي"
وإذا قرأنا هذين النصين سوياً اتضح لنا أنه لم يقصد المشرع خلق أجهزة تتنازع أمام القضاء وإنما خلق أجهزة لعمل تطوعي لمن يمارسون الرياضة كهواية وليس كعمل يكتسب منه مادياً ويتنازع فيه أمام المحاكم ولم يغب عن ذهن المشرع أنه قد تحدث خلافات في الآراء فأنشأ لها الأجهزة التي تفصل في هذه الخلافات وهي أجهزة مهيأة للفصل في هذه النزاعات بما لها من دراية فنية بموضوع النزاع بحيث تفصل في وقت وجيز وبلا تكاليف باهظة هذا بينما النزاع في المحاكم يستغرق الوقت الطويل ويتطلب المصاريف الباهظة بما يتطلبه بالضرورة من إثبات أشياء تكون معلومة بغير ما حاجة إلى إثبات لو كان الفصل فيها لأجهزة الإلمام الكافي بالشئون الرياضية وأساليبها والخلاف في الأمور الرياضية بطبعه لا يتحمل الوقت الطويل فرب قرار مثل هذا أوقف اللعب في المباريات لشهور عديدة إن لم يكن أكثر من ذلك وقد يؤثر هذا القرار في شئون فرق أخرى وجمهور رياضي يهتم باستمرار النشاط الرياضي ولا يرضيه توقفها لمدة طويلة لمثل هذه
ولا نرى أن في وسع المحاكم بإمكاناتها الحالية أن تفصل في مثل هذه النزاعات وبالسرعة المطلوبة طالما هي مجبرة على أن تثبت الأمور أمامها عن طريق المخاطبة والإثبات من الفريقين لما يقتضيه من المعرفة الفنية وقد ذكرنا أن اللجان تمتاز على المحاكم في مثل هذه النزاعات بما لها من المعلومات المناسبة التي تمكنها من الفصل في النزاعات بطريق أسرع
ولقد رأينا أن الطعن في قرارات لجان فض النزاعات يكون بالطريقة التي اختطها المشرع ويكون الطعن لمحكمة الاستئناف تحت المادة 309 إذا لم يرسم المشرع طريقة الطعن ومهما يكن من أمر فإنه إن كان القرار الصادر صادراً من جهة تطوعية وأطراف متطوعين يمارسون هوايات بلا عائد مادي يكون موضوعاً للتقاضي ابتعد الاختصاص عن المحكمة وأصبح في يد الأجهزة التي يرسمها المشرع وقد أنشأ المشرع ثلاثة أجهزة للاستئناف فلا مكان بعد ذلك لوصول النزاع إلى محكمة الاستئناف إن القرار الذي أصدرته لجنة الاستئناف قرار إداري بمعناه الواسع ولا نرى أنه يخضع للاستئناف أمام محكمة الاستئناف لعدم اختصاص تلك المحكمة لسببين أولهما أن القواعد اختطت طريقاً للاستئناف من ثلاث مراحل وثانيهما أنها نصت على أن لا ينقل النزاع إلى المحاكم وكان هذا بدوره مبنياً على سببين أولهما وجود الفرص الكافية للاستئناف أمام ثلاثة أجهزة لها الإلمام بشئون الرياضة وثانيهما أن العمل الرياضي عمل تطوعي التزم فيه بموجب القواعد على أن تحل أسرة الرياضة أمورها من خلال أجهزتها دون أن تنتقل بنزاعاتها إلى المحاكم وفوق كل ذلك فليس من المصلحة العامة ازدحام المحاكم أكثر مما هي مزدحمة به من نزاعات لتنتقل إلى بحث نزاعات الرياضة وهي نزاعات تهم جمهوراً متخصصاً وليس الجمهور العام وليس من المصلحة العامة إيقاف النشاط الرياضي طوال هذا الوقت بسبب نزاع كهذا حددت له من قبل أجهزة رياضية للفصل فيه
أرى لذلك أن ليس للمحاكم اختصاص بنظر هذا النزاع باعتبار أن هذا النزاع ليس مما يمكن اعتباره قراراً إدارياً يتنازع فيه أمام المحاكم تحت المادة 309 من قانون الإجراءات المدنية وعلى ذلك أرى قبول الطعن وإلغاء حكم محكمة الاستئناف وشطب الدعوى وأن يتحمل المطعون ضده الرسوم
القاضي : حسن على أحمد :
أوافق
القاضي : هنري رياض:
أوافق على ما انتهى إليه زميلي العالم محمد محمود أبو قصيصة من أن القرار الصادر من (لجنة الاستئناف) ليس قراراً إدارياً ومن ثم لا ينعقد الاختصاص لمحكمة الاستئناف لنظر الطعن في ذلك القرار إذ يقتصر اختصاصها على الفصل في الطعون الإدارية وحدها عملاً بأحكام المادة 309 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م كما هي معدلة في 15/5/1977م ورغم براعة ودقة التفرقة التي حاول أن يأخذ بها الزميل أبو قصيصة بين القرار الإداري وعدم قبو الدعوى الإدارية أن يقال أن القرار الصادر من لجنة الاستئناف لم يصدر من السلطة التنفيذية أي الجهة الإدارية أي لم يصدر من سلطة عامة ومن ثم يفتقد الشرط الأول الذي يجب توافره لكي يوصف القرار بأنه قرار إداري
وهنا قد يثور التساؤل عن طبيعة القرار محل التظلم والإجابة على ذلك ليست ضرورية للفصل في هذا الطعن ولذلك فإن ما أسوقه يكون على سبيل المناقشة القانونية العرضية فحسب
ظاهر أن القرار لم يصدر من محكمة قضائية ومن ثم فإنه لا يكون حكماً قضائياً فهل هو قرار قضائي أو قرار شبه قضائي ؟ صحيح أن المشرع الحديث دأب في كثير من الأقطار على تشكيل محاكم خاصة أو لجان خاصة من نفس أصحاب المهنة أو الحرفة للفصل في النزاعات التي تقوم بين المنتمين لنفس الحرفة أو المهنة ويوكل للمحكمة الخاصة أو اللجنة الخاصة النظر وإصدار قرار في النزاع الذي يطرح أمامها
في إنجلترا مثلاً تباينت وتضاربت آراء القضاة والفقهاء في هذا الشأن لا بالنسبة لتكييف القرار الصادر من اللجنة الخاصة أو المحكمة الخاصة فحسب بل بالنسبة لجواز الطعن أو عدم جواز الطعن في القرار الصادر منها أمام محكمة قضائية أعلى مثل المحكمة العليا بإنجلترا
وبينما دأب القضاء الإنجليزي على الميل إلى رفض الاستئناف الذي يرفع من المحاكم الخاصة أو اللجان الخاصة على أساس عدم الاختصاص طوال القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين تقريباً وذلك فيما عدا الحالة التي تتجاوز فيها المحكمة الخاصة أو اللجنة اختصاصها تغيرت الأوضاع هناك بعد الحرب العالمية الثانية بحيث تواترت الأحكام على جواز الطعن في قرارات المحكمة الخاصة أو اللجنة الخاصة أمام المحكمة القضائية الأعلى (العليا) ثم قام المشرع بتقنين ما جرى عليه القضاء في عام 1958 وأصبح من الجائز الآن الاستئناف في مثل تلك القرارات وحتى لو نص التشريع الذي تشكلت بموجبه المحكمة الخاصة أو اللجنة الخاصة على أن يكون القرار (نهائياً) أو (باتاً) أو ما يشابه ذلك من أوصاف بل أكثر من ذلك اضطرد اجتهاد القضاء هناك إلى حد مراقبة السلطة التقديرية للقرار الوزاري أو حتى القرار الصادر وفقاً لامتيازات التاج
وكان القرار الأخير حصيناً من الرقابة فيما مضى
وهذا التاريخ الموجز المجمل لا يمكن شرحه أو تفصيله في هذا المقام ولكن ما يجعل الإشارة إليه على وجه خاص هو ميل القضاء والمشرع إلى إخضاع مثل تلك القرارات لتأثيرها البالغ على حقوق الفرد وأهمها حق العمل بالذات ومن ثم ذهب القضاء والفقه في إنجلترا إلى أن القضايا المتعلقة بالمسائل الرياضية أو الخلقية تنأى عن اختصاص المحاكم القضائية وذلك على أساس أن الروابط بين الرياضيين تتسم بالخصوصية وسمو الهدف وتحقيق معاني رفيعة خاصة ولا تتحمل الإجراءات البطيئة للتقاضي أو اللدد في الخصومة وذلك على الوجه الذي أبانه في اقتدار الزميل أبو قصيصة ولعله يكفى في هذا الصدد أن اقتطف مما أورده اللودر ديننج في كتابه (ترشيد الفكر القانوني) بصفحة 153:
(والتساؤل الذي يثور في هذه القضية هو إلى أي مدى تستطيع المحاكم القضائية أن تراقب وتفحص القرارات الصادرة من المحاكم الخاصة بالنسبة للمسائل القانونية؟
هذا التساؤل جدير بأنه لا يمكن أن يحل باللجوء إلى الاستئناف بقضايا النوادي الرياضية ففي حالة النوادي الاجتماعية أو الرياضية تخول اللوائح عادة لجنة النادي سلطة طرد أي عضو يكون سلوكه في رأيها ضاراً بمصالح النادي وهو أمر يتعلق بإبداء الرأي وليس بشيء آخر
ولم تقم بالمحاكم القضائية رغبة في أن تعتبر نفسها جهة استئنافية لقرارات لجان النوادي في مثل تلك المسائل ذلك أن المحاكم لا تختص بنظر الحقوق أو الواجبات الاجتماعية غير الملزمة قانوناً)
(ففي كل أمر بالطرد من النادي ترى المحاكم أن الأمر لا يعدو حدود التعامل العادي)
ذلك أن كل ما تتحقق منه المحكمة القضائية هو أن المتظلم قد أعطي إنذاراً بالتهمة وفرصة معقولة لسماع دفاعه ولكنها لا تذهب إلى أبعد أو أكثر من ذلك ويختلف ذلك تماماً عن حالة المحاكم الخاصة التي تفصل في نزاعات أعضاء الحرفة أو المهنة)
صحيح أن مهمة القضاء الفصل في نزاع مدني أو إداري أو جنائي أو سواء كان بين الأفراد فيما بينهم أو بين الفرد والسلطة الإدارية أو بين الفرد والنقابة أو المنظمة أو الهيئة أو غيرها من الجماعات بيد أنه يجب أن تنأى بعض النزاعات من مسرح القضاء ولذلك ليس غريباً أن تعامل المنازعات الرياضية التي يفترض فيها نبل الهدف والغاية والبعد عن الضغائن والأحقاد والخصومات المستمرة معاملة العلاقات العائلية والروابط الاجتماعية التي تعتبر غير ملزمة قانوناً أي لا يصح أن تكون سبباً لدعوى أمام القضاء وذلك وفقاً لأحكام القواعد العامة في القانون وما جرى عليه القضاء واستقر ولذلك فإنه يمكن القول بعدم اختصاص محكمة الاستئناف أو أي محكمة أخرى في نظر مثل هذا النوع وفقاً للقواعد العامة في القانون والسوابق القضائية دون حاجة لإعمال القاعدة 246 من (القواعد العامة للاتحاد العام لكرة القدم) التي تحظر التقاضي صراحة إذ أن عدم الاختصاص يقوم على اعتبارات ودعامات اجتماعية وإنسانية مقررة في القانون العام ومن ثم فإن النص عليها في قانون أو لائحة لا يعدو أن يكون تأكيداً لها وليس أمراً منشئاً لقاعدة جديدة
لكل ذلك فإنني انتهى إلى ما انتهي إليه الزميلان من وجوب نقض الحكم الصادر من محكمة الاستئناف وشطب الدعوى والزام المطعون ضده بالرسوم مما مؤداه بطبيعة الحال إبطال القرار في الإجراء الوقتي إذ لن يكون له أساس يقوم عليه

