حكومة السودان ضد ( طاعن ) س . أ . ع وآخرين ( مطعون ضدهم ) النمرة: م ع/ ف ج/243/2020م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القــــوميـة العلـيـا
أصحاب السعادة :
سعادة السيد / أمبلي بابكر أحمد
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / عبد الرحمن محمد طه محمد
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / جمعة خميس علي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
الأطراف :
حكومة السودان
ضد
( طاعن )
س . أ . ع وآخرين
( مطعون ضدهم )
النمرة: م ع/ ف ج/243/2020م
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – المادة (39/2) منه – مقروءة مع المادة (11) من قانون النيابة العامة لسنة 2017م – مباشرة وكيل النيابة للتحري بنفسه – أثره في تمثيل لاتهام في نفس المحاكمة – عدم جواز الجمع بين الصفتين.
المبدأ :
المصلحة العامة وسلامة الإجراءات كأقل تقدير تقتضي ألا يجمع وكيل النيابة بين صفة المتحري وصفة ممثل الاتهام في نفس المحاكمة .
الحكم
محكمة جنايات جرائم الفساد ومخالفات المال العام شرعت في إجراءات نظر وسماع الدعوى الجنائية تحت مواد من القانون الجنائي وقانون الإجراءات المالية والمحاسبية في مواجهة المتهمين أعلاه، وبدأت الإجراءات بسماع وكيل أول نيابة (غادة محمود) بصفتها متحرية ومحققة، وبعد الفراغ من سماع أقوالها تقدمت هيئة الاتهام بطلب لانضمام المتحري إلى هيئة الاتهام واعترض الدفاع وقرر قاضي الموضوع رفض الطلب.
أمامنا الآن طلب من هيئة الاتهام إنابة عن النائب العام لفحص الإجراءات استناداً إلى المادة 188 إجراءات جنائية لسنة 1991م تأسيساً على ما يلي:
- وفقاً للمادتين 39 و 136 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م فإن تولي الإدعاء أمام المحكمة هي سلطة أصيلة للنيابة الجنائية العامة ويمكن أن تعين أو تأذن لأي شخص لممارسة تلك السلطة ولا يجوز للمحكمة التدخل في أي مرحلة لتحديد من يمثل الإدعاء.
- المادة 39 إجراءات جاءت واضحة ومحددة بأن لوكيل النيابة الحق في استكمال التحري بنفسه أو توليه من البداية دون أن ينص على سلبه سلطة تمثيل الاتهام وفقاً لنص المادة 136 من ذات القانون.
- بالرجوع إلى قانون النيابة العامة 2017م نجده ينص صراحة على اختصاصات وسلطات ومهام النيابة العامة والتي من ضمنها الإشراف على إجراءات ما قبل المحاكمة وأخذ العلم بأي جريمة والتحري فيها والإشراف على سير الدعوى الجنائية والتحري وتولي إجراءات التحقيق فيها ولم يغفل مسألة تولي الإدعاء أمام المحاكم بل جاء معضداً لسلطات النيابة بأن نص على تمثيل الدولة والمجتمع في الإدعاء والتقاضي في المسائل الجنائية دون أن يمس سلطاتها في مرحلة ما قبل التحري ( ربما يقصد المحاكمة) من تولي للتحري والإشراف عليه وذلك يعني أن تولي التحري لا يمنع من تمثيل الإدعاء إذ إنهما سلطتان متطابقتان ومتوافقتان تهدفان لمصلحة واحدة؟!
- وكيل النيابة عند مباشرة إجراءات التحري لا يعتبر شاهداً وتقديم البينات المتحصل عليها أمام المحكمة لا تعد من قبيل الشهادة كما أن يومية التحري كلها ليست بينة إنما طريق لرسم الخطوط العريضة للإجراءات وأشار في ذلك إلى حكومة السودان /ضد/ محمـد سليمان وآخرين م ع/ ط ج/109/1975 ( لم يشر إلى المجلة المنشور بها السابقة).
- مسألة تمثيل الإدعاء هو امتداد لتقديم الإجراءات أمام المحكمة ولا يعتبر من قبيل تضارب المصالح إنما هو مثال حي لمسألة توافق المصالح فالنيابة هي من لها سلطة توجيه التهمه ولها سلطة الشطب بموجب المادة 57 إجراءات جنائية وتقديم البلاغ للمحكمة هو إعلان عن وجود بينة مبدئية وتتضافر فيها جهود النيابة لتقديم قضية عادلة ونزيهة وفق رؤيتها.
- قانون النيابة العامة 2017م في المادة 11 منه حدد مهام واختصاصات النيابة.
- لا ندري من أين أتى السيد قاضي الموضوع بقوله إن وكيل النيابة الذي يباشر إجراءات التحري بنفسه يعامل كمتحرٍ وليس وكيل نيابة، كما أن قول المحكمة إن المتحري ينبغي أن يكون شخصاً محايداً وعلى مسافة واحدة من أطراف الدعوى فيه همز غير محبب!! بأن النيابة إذا باشرت التحري ومثلت الاتهام في ذات الدعوى فلن تكون على الحياد فالنيابة خصم شريف دائماً ولا يهمها إدانة زيد من الناس أو غيره إنما مهمتها الأساسية إقامة العدل وتحقيق العدالة إيماناً منها بمبدأ المتهم برئ حتى تثبت إدانته.
- حفظ حقوق الأطراف وسرعة التحريات والتقييم السليم للبينات وضمان حسن سير التحريات كل ذلك يستوجب على النيابة استخدام سلطتها وفق نص المادة 39 إجراءات جنائية وفي بلاغات ذات طابع معين يستوجب أن يتولى وكيل النيابة التحـري بنفسه ومنــع وكيل النيابة من الحق القانوني بمواصلة الإدعاء يُربك التحريات.
وخلاصة كل ذلك التماس بتدخلنا وإلغاء قرار قاضي الموضوع، والسماح لوكيل النيابة بالانضمام لهيئة الاتهام حتى يتم تقديم قضية اتهام تليق بالجهد الذي بذل في التحريات.
دون حاجه لطلب الأوراق لوضوح الأمر نقول؛ بصدور قانون النيابة العامة 2017م وبحسب المادة 11 منه فقد منحت النيابة العامة مهمة الإشراف على التحري أو مباشرة التحري بنفسها وهي المسؤولة عن إجراء التحقيقات اللازمة مع المتهمين وهي المسؤولة والأمينة على الدعوى الجنائية والدفاع عن المجتمع. أي أن الشرع لم يفصل بين سلطة التحقيق والاتهام وجعلها بيد النيابة العامة رغم أن الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق فيه الكثير من الضمانات فالمحقق معني (أو هكذا ينبغي أن يكون ) بإظهار الحقيقة مجردة أي كشف وجه الحق في الاتهام وجوداً وعدماً، بينما الشخص المعني بإثبات الاتهام فهدفه وغايته إثبات الاتهام وعقاب المتهم وبالتالي كان الجمع بين الصفتين جمعاً للأضداد لا يحقق عدلاً ولا يحق حقاً، ولكن ومع ما ذكرناه يبقى السؤال هل يجوز لوكيل النيابة الذي ظهر في الدعوى الجنائية بصفته متحرياً ومحققاً أن يعود ويظهر في نفس الدعوى بصفته ممثلاً للاتهام؟ لا يوجد في القانون نص صريح يمنع ذلك ولكن المادة 39/2 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م نصت على أنه ( يجوز لوكيل النيابة أن يباشر التحري أو يستكمله بنفسه إذا دعت الضرورة لذلك وتكون له في ذلك مباشرة وظائف المتحري وممارسة سلطاته) إذاً وبموجب النص المشار إليه فإن وكيل النيابة وهو يباشر التحري بنفسه يقوم بكل ما يقوم به المتحري من رجال الشرطة وعند مثوله أمام المحكمة بصفة متحرٍ يخضع لما يخضع له المتحري من رجال الشرطة حيث يقوم بعد أداء اليمين باستعراض محضر التحري ثم يتم استجوابه بواسطة ممثل الاتهام ثم يقوم ممثل الدفاع بمناقشته ثم إعادة الاستجواب بواسطة الاتهام وأخيراً بواسطة المحكمة كل ذلك كفيل ( في تقديري) بأن يمنع وكيل النيابة الذي باشر التحري وظهر في المحكمة بصفته متحرياً ومحققاً أن يعود أو ينضم إلى مقاعد الاتهام في القضية التي باشر فيها التحري، خاصة وأنه يجوز للدفاع عندما يحين دوره لتقديم دفاعه أن يطلب إعادة استجواب المتحري.
وأرى أن ما ذهبنا إليه يجد السند أيضاً في المادة 17 من قانون النيابة العامة التي تنص على ( تكون لشرطة النيابة العامة السلطات الآتية:
(د) تقديم الدعاوي الجنائية للمحاكم وفقاً لأوامر النيابة: والتقديم المعني بالنص هو في تقديري استعراض محضر التحري أمام المحكمة حتى أن تم التحري والتحقيق فيها بواسطة وكيل النيابة بنفسه، وعلى فرض أن المقصود بالتقديم هو مجرد تنفيذ أمر إحالة الدعوى الجنائية للمحاكمة الذي تصدره النيابة العامة فإن النيابة العامة وبصفتها المسؤولة والأمينة على الدعوى الجنائية والدفاع عن المجتمع عليها ووفقاً للمادة 11/ه من قانون النيابة العامة حماية المصلحة العامة والتصرف بموضوعية والمراعاة الواجبة لموقف أطراف الدعوى الجنائية والاهتمام بكافة الظروف ذات الصلة سواء كانت لصالح المتهم أو ضده، ومن المصلحة العامة وسلامة الإجراءات كأقل تقدير ألا يجمع وكيل النيابة بين صفة المتحري وممثل الإتهام في نفس المحاكمة لا منفرداً ولا منضماً لهيئة إتهام لما سبق فإنني أرى صحة القرار المقدم بشأنه طلب الفحص وأرى بالتالي شطب طلب الفحص.
عبد الرحمن محمـد طه محمـد
18/10/2020م
ليس هناك ما يمكن أن أضيفه لمذكرة صاحب الرأي الأول وأتفق مع ما جاء فيها تسبيباً ونتيجة.
جمعة خميس علي
20/10/2020م
أراني متفقاً وما توصل إليه الزميلان الكريمان في مذكرتهما أسباباً ونتيجة وإن كان من ثمة إضافة فصحيح علينا أن نجتهد في فهم النصوص وتفسيرها بما يحقق غرض المشرع وطالما أن المشرع قد أبان قصده بطريقة مباشرة لا لبس فيها ولا غموض وبالتالي علينا أن نطبق القانون كما هو لا كما نريده أن يكون ثم أن تطبيق النص حرفياً تطبيقاً أعمى يقود للظلم والظلم يتنافى مع الشريعة الإسلاميــة فإنا مأمورون إن حكمنا بين الناس أن نحكم بالعدل ( إن الله يأمركم أن تؤدُوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً ) صدق الله العظيم (58) سورة النساء.
أمبلي بابكر أحمد
20/10/2020م
الأمر النهائي:
يُشطب طلب الفحص.
أمبلي بابكر أحمد
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
20/10/2020م

