تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
08-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. بحوث 2018م
  5. بحث (2) 2018م

بحث (2) 2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانـون

أصول الأحكام القضائية

لسنة 1983م

 

[ بقلـم ]

د0/ عباس سليمان علوان

 

قاضي المحكمة العامة

 

 

 

مقدمــة:

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية هي التي يقوم عليها كل استنباط للأحكام في الشريعة الإسلامية ، فالأدلة الشرعية قسمان : نصوص وغير نصوص

والأدلة التي لا تعتبر نصوصاً كالقياس والاستحسان وهي ذاتها مستنبطة من النصوص ومشتقة منها ، ومعتمدة عليها ، واستنباط الأحكام إما أن يكون بطرق معنوية أو بطرق لفظية.

الطرق المعنوية هي الاستنباط من النصوص المعنوية ، أي الاستدلال من غير النصوص كالاستدلال بالقياس ، والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغير ذلك.

أما الطرق اللفظية هي طرق الاستنباط من النصوص بأن تعرف معاني ألفاظ النصوص وما تدل عليه في عمومها وخصوصها ، وطرق الدلالة أهي بالمنطوق اللفظي للنص ؟ أم من طريق المفهوم الذي يؤخذ من فحوى الكلام والقيود التي اشتملت عليها عبارات النص ومعرفة ما يفهم من ألفاظ النص وعباراته وإشاراته وهكذا.

ولقد أعتمد علماء الأصول لفهم النصوص واستنباط الأحكام التكليفية منها على أمرين:

الأول: المدلولات اللغوية والفهم العربي لهذه النصوص بالنسبة للقرآن الكريم والسنة.

الثاني: بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما ورد من أحكام في النصوص القرآنية وما أبانته السنة النبوية من أحكام مستقلة أو مقررة أو ناسخة.

فالقوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة ، فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

لقد نص قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 م على الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها في تفسير ما خفي معناه من النصوص وفي حالة عدم وجود نص تشريعي يبين حكم الواقعة محل النزاع ، وفي اختيار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ربط ما بين ماضي الأمة وحاضرها إذا كانت الشريعة الإسلامية هي القانون المعمول به قبل غزو القوانين الأجنبية وعلى مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليمها انتظمت العلاقات بين الناس في المجتمع واستقرت الأعراف والتقاليد والتي لا يسع أي مشرع أن يتجاهل اعتبارها والأخذ بها في أي تشريع يصدر ، و أنه مما يبعث على الرضا والتفاؤل أن معظم الدول العربية والإسلامية قد عادت وجعلت من مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع مع مصادر أخرى في حالة عدم وجود نص تشريعي يحكم الواقعة ، وقد خطا قانون أصول الأحكام خطوة عملية لتطبيق أحكام الإسلام إذ نص على العمل بالقواعد الأصولية التي بنى عليها المجتهدون من الأئمة استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف وجعل من اتباع هذه القواعد منهجاً ملزماً يسلكه القضاة للوصول إلى حكم ما لم يرد فيه نص من الوقائع فنص على الاجتهاد وقيد هذا الإجماع بتطبيق القواعد المذكورة ، و ذلك أدعى إلى توحيد الأحكام في الوقائع المتماثلة من الإجهاد الطليق المحرر من القيود الذي تأخذ به بعض التشريعات التي تجعل من القانون الطبيعي مبادئ العدالة مثلا مصدراً لسد الفجوة ، وهو مصدر لا يضع أمام القاضي ضابطاً محدداً يسترشد به في إصدار الحكم ، ولعله مصدر يتناسب مع بعض التشريعات التي تجعل للقضاء دوراً إنشائياً في وضع القواعد القانونية كالقانون الإنجليزي أوتجعل للقاضي أن يضع من القواعد القانونية ما كان سيضعه إذا عهد إليه بأمر التشريع كالقانون السويسري.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المستخلص باللغة العربية

 

هذه الدراسة بعنوان تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م حيث جاءت في مقدمة ومبحثي وقسمت المباحث إلى مطالب.

تناولت في المقدمة مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه ، ودور الفقه في تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م مع توضيح ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني للتفسير والإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني.

وأيضاً قمت بمقارنة مدرستي التفسير التقليدية والحديثة ، وما سار عليه قانون أصول الأحكام القضائية مع إبراز رأي الفقه القضائي السوداني الوارد في السوابق القضائية الصادر من أعلى جهة قضائية وهي المحكمة القومية العليا ، و التي ترى أنه لا يجوز الخروج عن النص أو تأويله ، لأن التفسير يكون فقط عند غموض النص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Abstract

 

The title of this study is the interpretation of legal texts according to the law of principles of judicial decisions of 1983, it included an introduction and two topics which are divided into questions.

In the introduction I discussed the concept of interpretation, its domain and types, and the role of jurisprudence in the interpretation of legal texts according to the law of the principles of judicial decisions of 1983 with an explanation of what is not permissible in this law to use expository diligence for interpretation and the procedures that the judge follows in his expository diligence.

I also compared between the two schools of interpretation the traditional and the modern school, and what the law of the principles of judicial decisions followed highlighting the view of the Sudanese judicial jurisprudence used in case laws that were introduced by a highest judicial body which is the higher national court, and which claims that it is not permissible to go out of the text or to interpret it because interpret it because interpretation is only made if the text is vague.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه

يرى الفقهاء أنه عندما يراد تطبيق قاعدة من القواعد القانونية على أحوال الحياة، وما يجد فيها من وقائع، وذلك بإعمال حكمها على الحالات الواقعية التي يطبق عليها النص،لابد قبل ذلك من خطوة لازمة دائماً لهذا التطبيق وهي تحديد مدلول تلك القاعدة القانونية، ولتحديد المعنى المراد منها وذلك هو التفسير.

فالتفسير إذن هو تحديد لمعنى القاعدة القانونية من واقع الألفاظ التي عبر بها المشرع ، أو كما عبر عنه هو الاستدلال على الحكم القانوني من نصوص التشريع [1]. أو هو بيان معنى الألفاظ ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يفهم من النص [2].

بما أن التفسير هو تحديد مدلول القاعدة القانونية لتحديد المعنى المراد بها، إذن فمجاله هو القانون المكتوب، لأن النصوص القانونية المكتوبة عادة ترد في مواد مركزة وموجزة، ولا خلاف بين فقهاء القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها، إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية من سلطة قانونية مختصة يناط بها أمر التشريع وتسمى بالسلطة التشريعية.

وعندما يراد استخلاص مفهوم القاعدة القانونية من مدلول الألفاظ التي عبر عنها المشرع ، يقتضي ذلك التفسير هذه الألفاظ التي يكون منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه . وبما أن التفسير يرد على النصوص التشريعية ، فهو باب أولي يرد أيضاً على المصادر الشرعية التي تعتبر مصدراً للتشريعات القانونية كالقرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس.

والتفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معاً ، ولذا لا يرد التفسير على القاعدة العرفية ، لأن التفسير مجاله القانون المكتوب ،  والقاعدة العرفية ليست نصاً مكتوياً يحتوي على اللفظ والمعنى ، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكاً معيناً في أمر معين ، فهذه القاعدة وإن كانت تحتاج لبيان وإيضاح ، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم ، لتبين وجود تلك القاعدة فإن دلّ الاستقراء على وجودها ، كان ذلك في الغالب على سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظموا سلوكهم ذلك العرف ، وإذ كان الأمر كذلك ، لم تكن القاعدة العرفية محلاً للتفسير[3].

 

وعندما يصعب على القاضي أو الفقيه في كثير من الأحيان معرفة المعنى الذي تضمنه النص يلجأ إلى تفسير النص ، وذلك لاستجلاء الغموض الذي يكتنفه والوصول إلى مدلوله . لقد يتنوع التفسير بحسب الجهة التي تتولاه فقد يقوم المشرع بالتفسير،إلا أن التفسير الذي يقوم به المشرع يكون نادراً لأن القضاء عادة يقوم بتفسير النصوص، لأنه هو الذي يتولى مهمة تطبيق القانون، وكثيراً ما يساعده في ذلك الفقه . وهكذا يتنوع التفسير إلى ثلاثة أنواع هي التفسير التشريعي والقضائي والفقهي.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة في معرفة الطرق التي يعتمد عليها القضاة في تفسير النصوص الغامضة.

منهجية الدراسة: اتبعت المنهج الاستقرائي الاستنباطي والمقارن.

خطة الدراسة:

جاءت هذه الدراسة في مبحثين وقد قُسَّم المبحثان إلى مطالب وخاتمة.

المطلب الأول

التفسير التشريعي

 

هو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيراً لقانون سابق ، قد يثور خلاف حول قاعدة قانونية وقد لا تهتدي بعض المحاكم أو أكثرها إلى ما يدل عليه نص من نصوص التشريع ، فتقضي بما يخالف المعنى الذي قصده المشرع ، عندئذ يتدخل المشرع فيفسر النص الذي ثار حوله الخلاف ، أو لم تهتد إليه بعض جهات القضاء ، ولذلك يبين حقيقة مراده وقصده . ويسمى التشريع الذي يصدر لتفسير تشريع سابق بالتشريع أو القانون التفسيري[4].  ولا يعتبر لاحقاً من حيث التطبيق ، وبالتالي يمكن تطبيقه على الوقائع التي حدثت في ظل القانون المفسر ، كما أنه يعتبر قانوناً ملزمُُ للمحاكم وألا تحيد عنه ، وأن القاضي ملزماً بتطبيق القانون وإذا امتنع عن ذلك يكون مرتكباً لجريمة إنكار العدالة والتي نص عليها القانون الجنائي الإسلامي السوداني لسنة 1993م في مادته التاسعة والثمانين وحيث تقرأ: (كل موظف عام يخالف ما يأمر به القانون بشأن المسلك الواجب عليه اتباعه كموظف عام أو يمتنع عن أداء واجب من واجبات وظيفته قاصداً بذلك أن:

(أ ) يسبب ضرراً لأي شخص أو للجمهور أو بسبب مصلحة غير مشروعة لشخص آخر ، أو

(ب) يحمي أي شخص من عقوبة قانونية ، أو يخفف منها أو يؤخر توقيعها ، أو

(ج) يحمي أي مال من المصادرة أو الحجز أو من أي قيد يقرره القانون أو يوفر أيا من هذه الإجراءات ، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً).

وقد اختلف أمر هذا التفسير عن ذي قبل ، ففي القانون الروماني والعصور الوسطى ، كان هو الطريق الوحيد لتفسير النصوص الغامضة ، وكان القاضي يوقف الفصل في النزاع المعروض عليه ، حتى يتدخل المشرع نفسه ، فيصدر تفسيراً لذلك التشريع [5]. الذي لم يدرك القاضي معناه لتطبيقه على الواقعة المعروضة أمامه.

أما في العصر الحديث ، فقد أصبح التفسير التشريعي نادر الوقوع فلم يعد له إلا حظ ضئيل في التفسير ، ويرجع ذلك إلى تقرير مبدأ فصل السلطات اقتصار المشرع على إصدار القواعد القانونية والالتزام بها ، تاركاً إلى السلطات القضائية مهمة تفسير هذه القواعد ، وتطبيقها على النصوص المختلفة.

ولعل أبرز نظم التفسير التشريعي عرفت في التاريخ ، هو نظام التفسير التشريعي الإلزامي ، الذي  بدأ في فرنسا عقب الثورة الفرنسية مباشرة [6].

ومن أمثلة التفسير التشريعي في السودان أن يرد نص يقول : (الشرط هو أمر مستقبل أو غير محقق للوقوع) فهنا قصد الشارع تعريف الشرط ، والتعريف الفقهي للشرط هو (أمر غير محقق للوقوع) إذن عبارة (أو) التي وردت في النص وقعت خطأ ، وكان الصحيح أن تكون (و) فهنا إن طبق المفسر هذا القيد حتماً سيراعى هذا الخطأ المادي الذي وقع فيه النص.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد يصرح بأن التشريع يعد تفسيراً وفي هذه الحالة فهو يسري بأثر رجعي . مثال قانون تفسير القانون في النصوص العامة لسنة 1974م [7].

التي نصت المادة (3) منه صراحة على أن أحكامه تطبيق ، في تفسير كل قانون معمول به ،  سواءً صدر قبل العمل به أو بعده وهو قانون يضع قواعد تفسير القوانين ولذلك فهو يعدَّ تشريعاً تفسيرياً ، وقد حد المشرع نطاق تطبيقه من حيث الزمان.

المطلب الثاني

التفسير القضائـي

 

هو التفسير الذي يقوم به القضاة أثناء نظر الدعاوى التي ترفع إليهم للفصل فيها ، وأن هذا التفسير بالنسبة للقاضي ليس غاية في ذاته ، وإنما هو وسيلة للفصل في تلك الحالة من النزاع المعروض عليه ، لذلك كان من المقرر أنه لا يقبل رفع دعوى إلى القضاء ، يطلب فيها صاحبها تفسير قاعدة قانونية غامضة ، بل يجب أن يكـون ذلك بمناسبة نزاع فعلـي معروض علـى القضاء [8].، سداً للنقص وتلافياً للقصور ومجاراة التشريع لتطور الحياة تجدد الأحداث والمشاكل ، كان لا بد من إصدار تشريع يحدد الخطة التي يسلكها القضاة في تفسير النصوص وإصدار الأحكام ، فيما لم يرد نص بحكمه من الوقائع ، ومن ذلك بيان المصادر الاحتياطية التي يلجأ إليها القضاة لإصدار الأحكام . ولا بد أن يراعى في اختيار هذه المصادر وهي جزء مكمل للتشريع من الأصول والمبادئ والقيم ، دينية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية ، إذ إن من أهم أسباب الاختلاف بين التشريعات أوالتناقض بينها فيما هو مباح أومحظور أومشروع أوباطل ، يرجع إلى الخلاف في هذه القيم والمبادئ التي يستند إليها التشريع ، وينشأ عنها هذا الخلاف ، إلى الاختلاف في مفاهيم العدالة ومعايير المصلحة والمفسدة والخير والشر.

وقد نصت المادة الثانية من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تحت عنوان (تفسير النصوص التشريعية: في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قاطع الدلالة)

(أ ) يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية  تعطيلاً لواجب قطعي أوإباحة لمحرم بين ، وأنه يراعى توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

(ب) يفسر المصطلحات والعبارات التقديرية بما يوافى أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة.

(ج) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

ويتسم التفسير القضائي بصبغته العلمية ، فالقضاة وهم يفصلون في الدعوى المعروضة أمامهم يتأثرون بالظروف المحيطة بهم ويعملون أن تتفق أحكامهم مع الظروف الواقعية للمجتمع وهم في أدائهم لهذا العمل قد يخرجون عن معنى النص ، تحت ستار التفسير ، إذا كان في تقديرهم أن ذلك يحقق العدالة [9].

كما أن التفسيرات القضائية ليس له قوة ملزمة سوى بالنسبة للمحكمة التي أصدرته أو لغيرها من المحاكم ، طالما أن القاضي في تفسيره يتأثر بالظروف المحيطة.

بل هناك استثناء في حالة واحدة وهي التي نصت عليها المادة ( د/213) من قانون الإجراءات المدنية لعام 1983م حيث نصت: (إذا قبلت المحكمة العليا الطعن فلها أن تقرر إعادة القضية التي أصدرت الحكم المطعون فيه إلى محكمة الموضوع للفصل فيه من جديد).

وفي هذه الحالة تتقيد المحكمة المحال لها الموضوع بحكم المحكمة العليا في المسائل القانونية.

وإذا كان التفسير القضائي الأصل فيه أنه غير ملزم عدا الاستثناء الذي اشرنا إليه ، إلا أن المشرع السوداني خرج على حال الأصل حينما نص صراحة على اختصاص المحكمة العليا بتفسير نصوص الدستور والنصوص القانونية وذلك بمقتضى المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م . حيث نصت: ( (1) تتولى المحكمة العليا تفسير النصوص الدستورية والقانونية بناءً على عريضة تقدم إليها من النائب العام.

(2) تقدم النائب العام بطلبات التفسير إلى المحكمة العليا من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب ذوي الشأن ، متى رأى أن طبيعة النصوص المراد تفسيرها وأهميتها تستوجب ذلك ضماناً لوحدة تطبيقها).

وباستقراء النص أعلاه نجد أن المشرع خرج لسد هذا الأصل وأجاز للنائب العام باعتباره مستشار الدولة القانوني أن يتقدم بطلب من تلقاء نفسه أو بناء علي طلب من ذوى الشأن لتفسير النصوص.

والتفسير القضائي لا يكون ملزماً إلا إذا صدر من المحكمة العليا فحينئذ يعتبر سابقة قضائية ، والسوابق القضائية تعتبر مصدراً رسمياً من مصادر القانون السوداني بشرط ألا يوجد نص قانوني يعارضها في التشريع أو مبادئ الشريعة الإسلامية أو العرف.

وقد نص المشرع السوداني على أن السوابق القضائية مصدر رسمي احتياطي من مصادر القاعدة القانونية يلجأ إليها بعد العرف [10].

كما أن المادة (3/ب) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تنص على ذلك حيث تقرأ: " الاسترشاد بما جرت عليه سوابق العمل القضائي في السودان فيما لا يتعارض مع الشريعة وما يذهب إليه جمهور فقهاء الشريعة من فتاوى فرعية وما قرره من قواعد فقهية ".

القضاء ملزم بأن يطبق على الحادثة المعروضة أمامه أحكام الدليل الشرعي القطعي المباشر ، كنصوص الآيات الكريمة ، أو الأحاديث الشريفة كاستنباط الحكم مهتدياً في ذلك بطرق الاستنباط كالقياس.

وقياس القاضي عند تطبيقه للأحكام يظهر بوضوح عند قياسه على السوابق القضائية . كما أن السوابق القضائية ، تمتاز بأهمية خاصة في الأنظمة القانونية المختلفة.

نظرية السوابق القضائية ، هي نظرية تختص بالشريعة العامة الانجليزية وتظهر بوضوح في النظام المسمى الانجلوأمريكان ، ولكن تطورت هذه النظرية تطوراً كبيراً ، بحيث إنها لم تصبح الآن عقبة في سبيل تطور الفقه القضائي ، وذلك أن المحاكم قد ابتدعت سبلاً متعددة للانفلات من السوابق القضائية مقيدة كلما رأت عدم عدالة القاعدة التي أرستها السابقة . ومن هذه السبل تتميز السابقة بحسب وقائعها الخاصة . كما ذهب فقهاء القانون الانجليزي الأمريكي إلى استخلاص الجوهر الذي يعين المحاكم . أما النظم الشرعية الأخرى كالنظام القاري فإنها لا تعترف بنظرية السوابق ولا تطبيقها ، ولعل  أقرب ما يكون إلى نظرية السوابق القضائية في الفقه الإسلامي ما جاء في الرواية الآتية: ((ذكر محمد بن يوسف الكندي أن إبراهيم بن الجراح  تولى القضاء في سنة 204هـ ، وقد قال عمر بن خالد: ما صحبت من القضاة كإبراهيم بن الجراح ، كنت إذا عملت له المحضر وقرأته عليه أقام عنده ما شاء الله أن يقيم ويرى فيه رأيه ، فإذا أراد أن يقضي به دفعه لينشئ منه سجلاً ، فأحبر في ظهره ، قال أبو حنيفة كذا ، قال ابن ليلى كذا ، ثم أحبر على سطر منها علامة كالخط ، فأعلم أن اختياره وقع على ذلك فأنشأ السجل عليه " ورد ذلك  بفقه السنة لسيد سابق ـ ج3/398". أما السوابق القضائية السودانية تعتبر مصدراً من مصادر القانون ، وإن لم تعترف المحاكم بذلك صراحة ، كما كانت تفعل المحاكم الانجليزية ، وكان سندها في ذلك ما نصت عليه المادة التاسعة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م ، أنه في حالة عدم وجود النص تطبق المحكمة قواعد العدالة والوجدان السليم . وذهبت المحاكم في تطبيقاتها لهذه المادة مذاهب شتى ، فمنها ما استعانت بمواد من القوانين الانجليزية ومنها ما قامت بالاسترشاد بالسوابق الأجنبية . ويرى الباحث أنه في ظل التشريعات الشرعية التي صدرت في عامي (1983م ـ1984م) ، وقانون تأصيل أصول الأحكام لسنة 1983م لم تعد السوابق القضائية مصدراً رسمياً كما كانت في الماضي . ويتبين من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرسمي الأول للقوانين السودانية ، بحيث إن التشريعات المقننة نفسها يمكن الطعن فيها بمخالفتها للشريعة الإسلامية ، ذلك أن مخالفة  الشريعة الإسلامية هي السبب الوحيد الذي يجوز للمحكمة العليا مراجعة أحكامها ، وذلك ما نصت عليه المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.

هذا بالإضافة إلى أن القاضي ملزم عند تطبيقه للشريعة الإسلامية استصحاب أن المشرع لم يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة لمحرم بين.

هذا وقد نصت المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م في مستهلها أنه على الرغم مما قد يرد في أي قانون آخر إذا لم يجد نصاً تشريعياً يطبق القاضي ما يجد من حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة ، فإن لم يجد نصاً يجتهد رأيه مراعياً الإجماع ثم القياس ثم اعتبار ما يجلب واليسر في التكليف ، وهذا يؤكد على أن السوابق القضائية لا تناقض قاعدة الاجتهاد لا ينقض بمثله ، وذلك لأن السوابق لا يمكن أن تعارض الشريعة الإسلامية وقواعدها الفقهية.

كما أن السوابق القضائية لا زالت لها أهميتها ، وهي تسبق في تدرج مصادر القانون كلاً من العرف والمبادئ التي تقرها الشرائع الإنسانية الكريمة ،  وذلك حسبما تنص عليه المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م[11].  

 

 

المطلب الثالث

التفسير الفقهــي

الفقه في اللغة:

الفقه لغة: هو الفهم ومنه قوله تعالى (احْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (*) يَفْقَهُوا قَوْلِـي) [12]

وعرف أيضاً بأنه العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر العلوم ، كما غلب الفهم على الثريا . يقال أوتي فلان فقهاً في الدين أي فهماً فيه ، قال الله عز وجل (ليتفقهوا في الدين).

 

تعريف الفقه اصطلاحاً:

الفقه اصطلاحاً هو العلم بالأحكام التشريعية العملية ، أو بخطابات الله تعالى المتعلقة بأفعال المكلفين الشرعية العملية [13].

كما أنه يقصد به عند علماء الشريعة معنيان:

الأول: هو عبارة عن الآراء الصادرة من المشتغلين بعلم القانون ، شرحاً وتحليلاً وتأصيلاً للقواعد التي يتضمنها القانون.

والثاني: هو هؤلاء المشغلون أنفسهم أو ما يسمون بالفقهاء ، وإذن ففقه له معنيان: من يشرح القانون في حد ذاته أو آرائه ، ويمكن تعريف الفقه بعبارة أكثر وضوحاً (مجموعة آراء علماء القانون التي يعرضون بها لشرح القانون وتفسيره ونقده سواء أكان ذلك في مؤلفاتهم ، أم فتاواهم ، أو تعاليمهم)[14].

وعمل الفقيه [15]. لا يقتصر في واقع الأمر على مجرد شرح القاعدة القانونية.

فالفقيه بعد أن يشرح النص القانوني يحاول أن يوصله ، أي يرده إلى القاعدة العامة التي انبنى عليها ، أو يبين انه استثناء على هذه القاعدة.

ثم بعد ذلك يجمع مختلف هذه القواعد في قواعد أخرى أعم ، فيبين المبادئ التي يقوم عليها التشريع في جملته ، ويبرز النظريات التي اعتنقها.

ولا شك أن هذا التأصيل الذي يقوم به الفقيه يساوي في أهميته مجرد شرح النصوص ، وذلك أن لو كان من شأن هذا الشرح أن يبين حكم المسألة التي توقعها المشرع ، فقد تعرض مسائل أخرى لم تكن في الحسبان ، فنجد حلاً لها في رحاب القواعد العامة التي استظهرها الفقيه[16].

وتفسير فقهاء القانون غير ملزم للمحاكم ولكن مع ذلك لها أن تستأنس في أحكامها به.

إلا أن التفسير الفقهي في بعض الأحيان يأخذ وجهة عملية وذلك حينما يهتم بدراسة أحكام المحاكم وشرحها وتأييدها ، أوانتقادها بجانب دراسته وشرحه للنصوص ، بذلك صار هنالك تأثير متبادل بين الفقه والقضاء وأوضح مثال لذلك حينما تعرضت المحكمة العليا لتفسير كلمة (القانون) الواردة في عبارة (الخطأ في تطبيق القانون أوتأويله) الواردة في المادة (207) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م . حيث جاء في الحكم: (أن القانون الذي أرادته المادة (207/1) من قانون الإجراءات المدنية ليس ما تسنه السلطة التشريعية فحسب ، وإنما هو أيضاً من القواعد العامة المستفادة ضمناً من النصوص القانونية أو روح التشريع وحكمها المعتبرة جزءاً منه بالضرورة ، وهذا هو المراد بتأويل القانون.

ويظهر تأثير الفقه في الشريعة الإسلامية حيث يعتبر إجماع الفقهاء هو المصدر الثالث للتشريع الإسلامي بعد القرآن والسنة.

 

المطلب الرابع

 

دور الفقه في تفسير النصوص

 

وفي الشريعة الإسلامية يؤدي الفقه دوراً مهماً، وعلى يده ازدهرت وترعرعت الأحكام، وأحاطت بمشاكل العصر الذي راجت فيه الحركة الفقهية، حيث ترك الفقهاء أثراً خالداً لا يمحى. كانت آراؤهم أحد المصادر الرسمية للشريعة الإسلامية، إذ بجانب القرآن والسنة والقياس والإجماع، وهو اتفاق آراء المجتهدين في الأمة الإسلامية على حكم مسألة من المسائل، ولو أن الحركة الفقهية قد استمرت في اندفاعها لكانت أهمية الفقه الإسلامي لا تضارع في أي شريعة من الشرائع، ولكنها مع الأسف، توقفت منذ أواخر القرن الرابع الهجري بمقولة أن باب الاجتهاد قد فقل، وهي دعوى كانت لها ظروفها.

إن معاودة المحدثين من فقهاء الشريعة الإسلامية اجتهاداتهم، أصبحت اليوم واجباً لاستنباط حلول لمشاكل العصر الذي نعيش فيه، فهذا الواجب يلقي عليهم المهمة الكبرى، وأن تفسير فقهاء الشريعة الإسلامية في نظر الباحث هو التفسير الذي يجب أن يكون ملزماً للمحاكم ومقيداً لأحكامها ويجب أن لا تحيد عنه أبداً.

وبما أن النصوص القانونية التشريعية مستمدة أحكامها من الشريعة الإسلامية، وأن القرآن الكريم والسنة قد وردت باللغة العربية . فإن فهم الأحكام منها يكون فهماً صحيحاً إذا روعي فيه مقتضى الأساليب من اللغة وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة . ولهذا اعتنى علماء أصول الفقه الإسلامي، باستقراء أساليب اللغة العربية ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء، ومما قرره علماء هذه اللغة قواعد وضوابط، يتوصل مراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهماً صحيحاً، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل بها أيضاً إلى إيضاح ما فيه خفاء من النصوص ، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض ، وتأويل ما دل على تأويله ، وغير هذا مما يتعلق بالاستفادة من الأحكام من نصوصها.

وهذه القواعد والضوابط اللغوية مستمدة من استقراء الأساليب العربية ومما قرره أئمة اللغة العربية ، وليست لها صيغة مرتبة، فهي قواعد لفهم العبارات فهماً صحيحاً. ولهذا يتوصل بها أيضاً إلى فهم قواعد أي قانون وضع باللغة العربية، وذلك لأن مواد القوانين الوضعية المصوغة باللغة العربية، هي مثل النصوص الشرعية في أنها جميعاً عبارات باللغة العربية مكونة من مفردات عربية ومصوغة بالأسلوب العربي. ففهم المعاني والأحكام منها يجب أن يسلك فيه السلوك العربي في فهم العبارات والمفردات والأساليب.

وليس من السائغ قانوناً ولا عقلاً أن يسن الشارع قانوناً من القوانين بلغة ، ويطلب من الأمة أن تفهم ألفاظ مواده وعباراتها على مقتضى أساليب وأوضاع بلغة أخرى . لأن شرط صحة التكليف بالقانون هو قدرة المكلفين به على فهمه ، ولهذا يوضع القانون في الأمة بلسانها، وبلغة جمهور أفرادها ، ليكون في استطاعتهم فهم الأحكام منه بأساليب الفهم ، ولا يكون القانون حجة على الأمة إذا وضع بغير لغتها أو كان طريق فهمه غير اللغة التي وضع بها ، قال تعالي :(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ...)[17].

وعلى هذا القواعد والضوابط التي قررها علماء أصول الفقه الإسلامي في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وفيما يقيد العموم من الصيغ ، وفيما يدل عليه العام المطلق والمشترك ، وفيما يحتمل التأويل ، وما لا يحتمل التأويل ، وفي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي أن العطف يقتضي المغايرة ، وأن الأمر المطلق نقيض الإيجاب ، وغير ذلك من ضوابط فهم النصوص واستثمار الأحكام منها ، كما تراعى في فهم النصوص الشرعية ، تراعى في فهم نصوص جميع فروع القانون الأخرى الموضوعة باللغة العربية[18].

المطلب الخامس

 

الحكمـة مـن التـفسـير

 

روى الإمام أبو داؤود في سننه عن بريدة عن أبيه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: (القضاة ثلاثة واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)[19].

هذا الحديث الصحيح في أن قاضي الجنة هو من عرف الحق فقضى به وقاضي النار هو من عرف الحق وحاد في قضائه ، ومن قضى على جهل بالحق والوقوف عليه.

والمراد بالجنة جنة الدنيا وهي راحة الضمير واطمئنان القلب وحسن السمعة وثقة الناس ، وجنة الآخرة وهي رضاء الله وحسن لقائه وجزائه . والمراد بالنار نار الدنيا ، وهي خذ الضمير واضطراب النفس وعذاب الرب والشكوك ، وسوء السمعة وفقد الثقة ، ونار الآخرة وهي سخط الله وعذابه والخزي يوم لقائه.

وكل قاضٍ يهمه أن يكون قاضي الجنة أن يسلك في قضائه السبل التي تنجيه من خذ الضمير في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة إلا أن يعرف الحق ويقضي به.

  أما السبيل إلى معرفة الحق في الخصومة المعروضة عليه فهي أن يبذل جهده في أمرين هما:

أولاً: معرفة الحق الذي يطابق الواقع من الوقائع المدعاة لتبيين الصدق منها والكذب ، وعدته لهذا فطنته وفراسته وملكته تقديره وتطبيقه لأصول الإجراءات.

ثانياً: معرفة الحق من نصوص القانون الواجب تطبيقه وفهمها على نور ساطع لا تشوبها أهواء ولا أغراض وعدته لهذا علمه بنصوص القانون وطرق تفسيرها وتأويلها وإزالة غموضها.

ولذلك كانت المعرفة الصحيحة بقواعد تفسير النصوص القانونية أمراً لازماً لفهم هذه النصوص والقوانين وحسن تأويلها وذلك لأن التفسير والتأويل في كل واحد منهما مجال للأهواء والأغراض كثيراً ما يكون تعطيل النص والعبث به عن طريق تفسيره وتأويله . وكثيراً ما تسيطر الأغراض والأهواء فيفسر النص بما ينسخه ويؤول إلى ما لا يحتمله.

فالأصل في النص القانوني أن يكون واضح الدلالة على المراد منه ولا يحتمل الدلالة على غيره ، ولا يحتاج القاضي إلى اجتهاد في تعيين المراد منه لأن الشارع وضع ما قصده وعين ما أراده وكفى القاضي العناء في الاجتهاد في تبيينه.

كما أن القوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

ومع ذلك قد نجد نصوصاً في القوانين بها نوع من الخفاء والغموض ويحتاج من يطبقها إلى إزالة هذا الخفاء أو الغموض ، أو أن يكون النص محتملاً لأكثر من معنى ويحتاج الأمر إلى ترجيح أحد المعاني وتعيين المراد منه ، لذلك كانت عملية التفسير أمراً لازماً وضرورياً حتى يتسنى تطبيق القانون تطبيقاً سليماً وعادلاً[20].

إلا أن المشكلة أحياناً قد تكون أكثر تعقيداً حينما يصبح من غير الميسور معرفة مضمون النص من خلال ألفاظه ، حينها يتم اللجوء لوسائل خارجية لتوضيح المعنى المراد من القاعدة القانونية مثل حكمة التشريع والأعمال التحضيرية للتشريع وهي مجموعة الوثائق التي تسجل الخطوات التي مر بها التشريع والمناقشات التي دارت حوله ، وهي تساعد كثيراً في فهم النصوص. كذلك الأمر يمكن اللجوء للمصادر التاريخية التي أخذ منها القانون بعض أحكامه ، فمثلاً نصت المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م[21].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

مذاهــب التفسـير

 

يهدف التفسير إلى التعرف على المعنى الذي ينطوي عليه النص وما قصده المشرع من عبارات ، فالوقوف على نية المشرع وإرادته التي عبر عنها في النص التشريعي هي الغرض الذي يسعى كل من الفقيه والقاضي إلى الوصول إليه ، ولكن الخلاف يثور عندما يراد تحديد المقصود بإرادة المشرع ونيته ، لذلك لقد تعددت الآراء بشأن النية التي يجب البحث عنها من واقع النص ، هذا بدوره أدى إلى تعدد الآراء في التفسير ومنها:

 

المطلب الأول

 

النـــظريــة  التقـــليدية

 

ويعرف أصحاب هذا الاتجاه بمدرسة التزام النصوص ، وقد ظهرت أعقاب صدور المجموعات الفرنسية مع بداية القرن التاسع عشر ، وقد كان الفقهاء الفرنسيون ينظرون في ذلك الحين إلى العمل التشريعي الذي قام به نابليون ، عندما جمع القواعد القانونية لكل فرع من فروع القانون في مجموعة مستقلة نظرة تقديس واحترام ، وكانوا يرون أن التشريعات التي أصدرها نابليون جمعت وأحاطت بكل شيء ، وما دامت النصوص التشريعية تشمل على كل شيء فإن دور الفقيه يقتصر على تفسيرها واستخلاص الأحكام منها ، ويتعين على الفقيه عند تفسير النص أن يبحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع والتي عبر عنها النص التشريعي عند وضعه.

وإزاء هذا التقديس للنصوص اندفع أنصار هذه المدرسة إلى التقيد بالنص والتزام حدوده.

ويرى أنصار هذه المدرسة أيضاً عند التقيد بالنص بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية ، والسوابق التاريخية والروح العامة للتشريع.

أولاً: الأعمال التحضيرية: عند غموض النص وعدم وضوحه يجب الرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمناقشات التي صاحبت إعداد النص أو خلق القاعدة القانونية ، وعند الاطلاع عليها يمكن الوقوف على إرادة المشرع.

ثانياً: السوابق التاريخية: يرى أصحاب هذه المدرسة بأن سكوت المشرع عن الإفصاح عن أمر معين ما يفيد رضاءه بالوضع الذي كان قائماً قبل صدور النص ، وهذا لا يتم إلا بالرجوع إلى السوابق التاريخية.

 ثالثاً: الروح العامة للتشريع: في حالة الشك في مفهوم نص معين يجب ترجيح المعنى الذي يلائم الروح العامة للنصوص.

النظرية الحديثة:

يرى أصحاب هذه المدرسة أن أمر التفسير يتلخص في أمرين هما:

أولاً: التفسير وفق إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق النص:

يرون أن القواعد القانونية المقررة في النصوص ينبغي أن تفسر وفقاً لحاجة المجتمع وظروفه وقت تطبيقها ، فالمفروض أن يتساءل المفسر عن إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق القواعد القانونية ، ولا يقع أسير هذه الإرادة يوم إعداد تلك القاعدة.

 ثانياً: اتساع مفهوم التفسير لمنهج البحث العلمي الحر:

يرون بعدم جواز إرهاق إرادة المشرع ، فليس من الضروري أن يلتزم بإيجاد الحل وفقاً لإرادة المشرع الاحتمالية ، بل إن المفسر الدائر في فلك  النصوص يجب أن يتم في إطارها ، دون إضاعة الجهد في البحث عن نوايا احتمالية للمشرع ، وإنما وجوب التسليم صراحة بأن هناك مسائل لم يتعرض إليها المشرع.

كما يجب أن يستعين المفسر في تفسيره بالأصول الفكرية الواقية التي تكمن في جوهر القواعد القانونية ، وينبغي أن يكون الحل عادلاً بالنسبة للأفراد وملائماً للجماعة.

 

النظرية المختلطة:

تقوم هذه النظرية بالجمع بين الاتجاهين وذلك وفقاً للغاية من التفسير ، أي إذا كانت الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية طبقاً ، أو عما إذا كانت الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة.

أولاً : حالة افتراض الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية المطبقة:

لا يرى أنصار هذه النظرية في هذه الحالة تجميد التفسير في الإطار الضيق الذي أراده أصحاب مدرسة التقيد بالنص ، فلا يجوز للمفسر أن يستسلم لإرادة المشرع وقت وضع النص ، أو أسيراً لمفهوم القاعدة القانونية عند وضعها بوجه عام ، وإنما ينبغي على المفسر أن ينظر إلى القاعدة القانونية بروح العصر عند تطبيقها ، فهو على هذا النحو يرد القاعدة القانونية إلى طبيعتها الأصلية ، وانه لا يملك مخالفتها أو تعطيل أحكامها.

ثانياً : حالة الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة:

المفروض في هذه الحالة أن القواعد القانونية لا تسعف المفسر في تقديم الحل لبعض الفروض التي تكشف عنها الحياة العملية.

فإذا كانت غاية التفسير ابتداع حكم لسد الفراغ ، فينبغي على المفسر أن يسلك منهج البحث العلمي الحر ، على هدى من الأصول التي تشكل جوهر القاعدة القانونية في الجماعة.

طرق التفسير:

في حالة عرض نزاع ما على القاضي عليه أن يلتمس الحل في التشريع أولاً ، فقد يجد نصاً واضحاً سليماً وقد لا يجده وبما أن مهمة القاضي الفصل في النزاعات ، فإنه يلجأ إلى طرق التفسير المختلفة التي يستعين بها في الوصول إلى حكم النصوص الموجودة ، وإذا لم يتمكن عن طريق النصوص الموجودة من الوصول إلى حل النزاع ، فإنه يوجد أمام حالة غير منصوص عليها ، وتبعاً لذلك يكون حلها باللجوء إلى مصادر القوانين الأخرى.

المطلب الثاني

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

أصول جمع أصل ، الأصل في لغة العرب ما يبتني عليه غيره ، ومنه بناء الأحكام الجزئية ، على القواعد الكلية ، وهو عند الفقهاء والأصوليين يطلق على معانٍ منها (الدليل) ، إذ يقال الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة ، ومنها (القاعدة الكلية) ، وتعرف بأنها قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على جزيئات موضوعها[22].

بين قانون أصول الحكام القضائية لسنة 1983م ما لا يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني [23]. أو التفسيري كما بين أيضاً ما يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني.

ويدور الجواز وعدمه وجوداً وعدماً ، مع توافر وانعدام قيدين هما كون النص مفسراً أو قطعي الدلالة كما بينت لنا المادة الثانية من هذا القانون الكيفية التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني في تفسير النصوص التشريعية وحيث نصت (في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قطعي الدلالة:

(أ ) يستحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية ، تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة محرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

  1. يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية بما يوافق أحكام الشريعة ومبتدئها وروحها العامة.

(ت) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

أولاً : مالا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

لا يجوز لقاضي الاجتهاد البياني ، في حالتي النص التشريعي المفسر ، أو النص التشريعي قطعي الدلالة ، لعدم احتمالهما التأويل ، أوالتخصيص ، أوصرفهما عن ظاهرهما.

النص المفسر:

ينقسم اللفظ بحسب خفاء معناه وظهوره إلى قسمين:

(أ ) خفي الدلالة ، وهو استتر معناها لذاته ، أو لأمر آخر ، متوقف على المراد منه على غيره ، وقد يتعذر فهمه أو يزول خفاءه بالرجوع إلى المتكلم به أو البحث والتأويل ، وهو يشمل المتشابه والمجمل والمشكل والخفي.

(ب) واضح الدلالة ، وهو ما دل على معناه بصيغته من غير توقف على أمر خارجي ويشمل المحكم والمفسر والنص الظاهر.

النص القطعي:

هو النص الذي وصل إلينا عن طريق قطعي ويحمل في نفس الوقت دلالة قطعية علي مضمونه ، أي أنه قطعي الثبوت بالنظر لإسناده ، وقطعي الدلالة بالنظر لمضمونه ، وهو اللفظ باعتبار دلالته علي معنى مقصود من السوق ، وغير محتمل للتفسير والتأويل ، ولا قابل للنسخ ، فهو كالمفسر في وضوح دلالته ، ولكنه أقوى منه دلالة على المعنى .

ثانياً: ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

الاجتهاد البياني هو تفسير نص قائم بتفهم معناه وكشف مرماه ومضمونه فهو اجتهاد ضمن دائرة النص القائم في حدود الأصول اللغوية والشرعية [24] . ويتنوع البيان والتفسير بحسب الجهة التي تتولاه.

 

 

الإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني:

نصت الفقرة (أ ) من المادة (2) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م على الآتي:

(يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي ، أو إباحة لمحرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية).

وباستقراء نص المادة أعلاه أن لا يذهب القاضي في تفسيره للنصوص التشريعية ؛ إلى تفسير يخالف أحكام الشريعة الإسلامية ، وأنَّ عليه أن يفسر النص بما يوافق الشريعة الإسلامية ، ومن ثم يكون باطلاً كل تفسير قضائي يعطل واجباً قطعياً أويبيح محرماً بيناً.

وهذا ما سارت عليه السوابق القضائية السودانية وأرست:

قواعد عامة - البحث في التشريع - دواعيه [25].

تفسير - تفسير النص القانوني - الغرض منه - جواز الالتجاء إليه.

تفسير - التفسيرات التشريعية - متى تصدر.

إجراءات مدنية - إنذار النائب العام - عدم جواز إرسال العريضة بواسطة المحكمة للنائب العام.

تفسير- عبارة إبلاغ النائب العام الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المقصود منه.

1- لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجور الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالحكمة التي أملته لأن البحث في حكمة التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سيبل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصى الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة عند وجود نص واضح ومحدد.

2- الأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا إذا شاب ذلك النص غموض يراد توضيحه أونقص يراد إكماله أوتعارض يراد إزالته بحيث إذا كان صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أيا كانت وسيلته إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له.

3- التفسيرات التشريعية تصدر لتكشف عن غوامض القانون ولتزيل الإبهام الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكامه أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة ، لم تتناولها نصوصه.

4- إرسال العريضة إلى النائب العام للرد عليها خلال شهرين إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد فيه هو مساعدة المدعى بتحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.     

5- يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانوناً إلى النائب العام ولا يدخل في تعريف (المدعى) اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً للقانون.

 

 

ملخص الوقائع:

القاضي/ فاروق أحمد إبراهيم

هذا طلب مقدم من النائب العام تحت المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م . لتفسير نص المادة 33(4) من ذلك القانون.

 وفي صدر الطلب يورد النائب العام نص المادة 33(4) ومفاده أنه لا يجوز رفع دعوى ضد أي جهاز من أجهزة الدولة أو ضد أي موظف عام عن فعلٍ نسب إليه بصفته أو أثناء قيامه بواجبات وظيفته قبل إبلاغ المدعى للنائب العام بالنية في رفع الدعوى بعريضة واضحة ومختصرة ويمضي شهران من تاريخ ذلك التبليغ ما لم يأذن النائب العام في رفع الدعوى قبل انتهاء تلك المدة.

وعلى سبيل المقارنة وكخلفية تاريخية يورد النائب العام نص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م والتي لم تكن تجيز رفع الدعوى ما لم يقم المدعى أو المحكمة بحسب الأحوال بإبلاغ النائب العام وأن تنقضي مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة ما لم يأذن النائب العام برفعها قبل انقضائها.

ويقول النائب العام أنه استناداً إلى قانون 1974م درجت المحاكم على إبلاغ النائب العام رغم أن الغرض من النص هو إعطاؤه الفرصة لتقييم الموقف بهدف الوصول إلى تسوية مع المدعي أو رفض العريضة . هذا وقد أشار النائب العام إلى بعض السوابق القضائية في هذا الخصوص وذلك للتدليل على أن قاعدة إنذار النائب العام هي مسألة تتعلق بالنظام العام وأنه رغم ذلك لم تلتزم محاكم أدنى درجة بإنذاره وفقاً لما قرره القانون.

ويمضي النائب العام إلى القول بأن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م قد حسم هذا الأمر بصفة قاطعة حينما تم حذف عبارة (أمر المحكمة)

وبالتالي أصبح واجب إنذار النائب العام مقصوراً على المدعى وحده.

وينتهي النائب العام إلى القول بأن المحاكم لم تلتفت إلى النص الجديد حيث درج بعضها على إبلاغ النائب العام بنفسه بحجة أن ذلك لم يضر بمصلحة ولكون أن ذلك الإبلاغ من جانب المحكمة لا يخرج في مضمونه عن نقل نية المدعى رفع الدعوى وبالتالي لا يمكن تفسيره على وجوب أن يقوم المدعى بشخصه وليس المحكمة بإبلاغ النائب العام وإلا وقع التبليغ باطلاً.

لذلك يلتمس النائب العام تفسير المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م كي يقرر ما إذا كان يتحتم على المدعى بشخصه إبلاغ النائب العام بنيتة في رفع الدعوى أم يجوز أيضاً للمحكمة إبلاغه نيابة عن المدعى وإذا ما أبلغت المحكمة النائب العام ولم يقم المدعى بإبلاغه فهل يكون ذلك التبليغ باطلاً.

المحكمة

لما كانت المادة 33(3) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م واضحة وصريحة حيث إنها لم تجز رفع الدعوى حتى تنقضى مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة فإنه تأسيساً على ذلك يكون القانون وقتها قد أجاز للمدعى سلوك أحد طريقين وهو إما أن يقوم بإبلاغ النائب العام قبل تقديم العريضة إلى المحكمة وفي هذه الحالة يمتنع عليه اتخاذ أي إجراءات قضائية قبل انقضاء مدة الشهرين أو أن يغفل إبلاغ النائب العام ويتقدم بعريضته مباشرة إلى المحكمة لتقوم بدورها بإبلاغ النائب العام.

ثم صدر فيما بعد قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وحذف المشرع من لب المادة 33(4) منه عبارة (أو المحكمة) لتصبح الجهة الوحيدة التي تقوم بإبلاغ النائب العام بالنية برفع الدعوى هي المدعى وحده . هذا النص صريح وقاطع في الدلالة بحيث لا يحتاج إلى عناء في التفسير إذ إن المشرع بإسقاط عبارة (أوالمحكمة) يكون قد قصد ولأسباب يقدرها استبعاد تدخل أي جهة أخرى وقصر واجب البلاغ على المدعى وحده دون غيره ولأسباب تتصل بمقتضيات العمل ولكي تتاح الفرصة للنائب العام خلال مدة الشهرين للاتصال بالجهات ذات الصلة بالعريضة للوقوف على جدية الادعاءات المضمنة فيها أو إجراء تسوية لمطالبة المدعى إن لزم تجنباً لمشقة التقاضي.

لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجوز الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالمحكمة التي أملته لأن البحث في حكمه التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سبيل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصي الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها لا مع حكمتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة مع وجود نص واضح ومحدد . فالأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أياً كانت وسيلته . إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له . فالتفسيرات التشريعية إنما تصدر لتكشف عن غوامض قانون ولتزيل الإبهام عن الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكام القانون أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة لم تتناولها نصوصه.

وعلى هدى من هذا النظر فإنه متى كانت عبارة النص قد وردت صريحة على المقصود منها فإنه لا يجوز الاجتهاد مع هذا الوضوح في النص بدعوى أن تطبيقه قد يترتب عليى أضرار بمصلحة الخاضعين لأحكامه لأن وصاية العدالة في سن التشريعات وتعديلها في ضوء ما يسفر عند تطبيقها هي مهمة المشرع وليس المحكمة.

وترتيباً على ذلك فإنه وبعد سريان الإجراءات المدنية لسنة 1983م يجدر بالمحاكم أن تتقيد بنص المادة 33(4) وذلك بأن لا تقبل العريضة في مواجهة النائب العام إلا إذا أثبت فيها مقدمها أنه قد أبلغ النائب وفقاً لمقتضيات القانون ،  فإذا ما تقدم بعريضته إلى المحكمة دون أن يبين فيها أنه قد التزم بحرفية المادة 33(4) وجب على المحكمة أن ترد إليه العريضة دون اتخاذ أي إجراء وأن توجه باتباع الإجراء القانوني الذي أوجبته المادة أعلاه قبل اللجوء إلى المحكمة.

أما ما درجت عليه بعض المحاكم من إرسال صورة من العريضة إليى النائب العام للرد عليها خلال شهرين وهذا في رأينا إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد منه هو مساعدة المدعى تحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.

أما ما ذهبت إليه بعض المحاكم في تبريرها لذلك الدخل بمقولة أنها تعتبر وكيلة عن المدعى أوحلقة وصل في هذه الحالة وهذا إجراء لا أساس له في الواقع أو القانون إذ إن المحكمة لا تعتبر في أي مرحلة تكون فيها الدعوى وكيلة عن أيٍ من الطرفين إذ يتنافي ذلك مع واجبها الأساسي بل ويجردها من أبسط مظاهر العدالة وهي أولاً الالتزام بتطبيق القانون كما صاغه المشرع وثانياً أن ذلك التطبيق بالحيدة المطلوبة دون ميل أو محاباة لأي من الخصوم.

لما تقدم ذكره أرى أن التفسير الذي يميل إليه النائب العام هو تفسير صحيح لنص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ومن ثم أرى أن يصدر الحكم على النحو التالي:

يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانونياً النائب العام ولا يدخل في تعريف المدعى اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً لهذا القانون.

القاضي/ حنفي أحمد إبراهيم

بعد الاطلاع أوافق على رأي مولانا/ فاروق لأنه التفسير السليم للنص

القاضي/ أحمد إدريس أحمد 

أوافق على كل ما جاء في المذكرة.

القاضي/ محمد حمزة الصديق

أوافق فقصد المشرع بحذف كلمة (أو المحكمة) الواردة في قانون سنة 1974م كما بينه مولانا فاروق.

القاضي/ يوسـف دفع الله

أوافق على ما ذهب إليه مولانا فاروق أحمد

القاضي/ عبيد قسـم الله

أوافق على التفسير الذي ورد في مذكرة الزميل فاروق.

القاضي/ زكي عبد الرحمن

11/5/1986م

أوافق على ما انتهى إليه مولانا/ فاروق أحمد . ولو جاز لي أن أضيف شيئاً إلى مذكرته الوافية فهو أنه حتى إذا كان هناك غموض في نص المادة 33(4) أضفاه عليه اختلاف الفهم للمحكمة من ورائه . فإن قواعد التفسير التقليدية تؤدي إلى نفس النتيجة التي رآها مولانا فاروق حيث إن تطبيق قاعدة إزالة الضـرر (Mischief Rule) على تفسير المادة في ضوء مراحل تطورها ، ينتهي بنا الأمر إلى أن المشرع إنما حذف عبارة (أو المحكمة) التي كانت ترد في القانون قبل عام 1983م نظراً إلى الأضرار التي ترتبت على إقحام المحكمة في إجراء يتطلبه القانون من الذين يرغبون في مقاضاة الدولة فقد أدى ورود عبارة (المحكمة) في سياق النص الذي ألزم المدعى بإبلاغ النائب العام إلى خلط أفرغ النص من معناه حيث كانت المحاكم تأخذه على أنه مجرد إجراء شكلي لا يمنع تصريح الدعوى ويغني عنه إعلان النائب العام في أي وقت لميعاد بتراخي شهرين أو أكثر وهو ما كان يعني بالضرورة أن تحل كل الالتزامات الناشئة عن التقاضي.

وعلى هذا ، فإنه وسواء كان نص المادة 33(4) واضحاً وضوحاً لا يحتمل تبايناً التفسيرات أوكان مشوباً بغموض يتطلب الإيضاح ، فإن النتيجة واحدة ، وهي ما انتهى إليه مولانا فاروق.

وأيضاً السابقة القضائية [26]:

قواعد تفسير القانون 1974م _ عناوين المواد الراسية والهامشية ليست جزءاًً من التشريع - إمكانية الاسترشاد بما فيها تفسير النصوص في حالة غموضها.

قانون الشفعة لسنة 1928م - سلطة المحكمة في مد وتأجيل المواعيد المحددة في القانون المادة 19 .

1- من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقانون وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها في حالة وضوح النص ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

2- سلطة المحكمة بخصوص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م لمد أو تأجيل المواعيد المحددة في القانون لاتخاذ إجراء معين سلطة مطلقة تنسحب على كل الأوقات والمواعيد في القانون بما في ذلك المواعيد المنصوص عليها في المادة 17 من القانون.

رأي مخالف: تعطي المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك منوط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد.

المحامون:

علي محمود حسنين وسعد ياجي                                 عـن الطاعن       

عبد العزيز شدو                                         عن المطعون ضدهما               

الحكــم:

19/3/1976 م

القاضي: رمضان علي محمد:

يطعن مقدم الطلب (المدعى) بطريق النقض في حكم محكمة الاستئناف في استئنافها رقم 115/75 بتاريخ 7/4/1976م والقاضي بشطب الطعن بالاستئناف المقدم لها ضد حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية في الدعوى  رقم 599/74 الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م بشطب الدعوى.

تتلخص وقائع الدعوى التي صدر فيها موضوع الطعن في أن الطعن (المدعى) أقام الدعوى المشار إليها يلتمس فيها الحكم له بتعديل سجل 505/4 فداناً في الساقية رقم 96/2 مربوع شمبات بالخرطوم بحري من اسم المطعون ضده الأول (المدعى عليه الأول) إلى اسمه وادعى الطاعن في عريضة دعواه بأن المطعون ضده الأول قام بشراء هذه المساحة من المطعون ضده الثاني والذي كان يملك ذلك النصيب معه في تلك الساقية على الشيوع مما يعطيه أولوية الشراء عن طريق الشفعة.

جاء في مذكرة الدفاع أن البيع سجل في 13 مارس سنة 1974م وبذلك سقط حق الطاعن (المدعى) في الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة. وقد عقب الطاعن (المدعى) على هذا الرد بأنه علم بالبيع في 14/9/1974م ، فإذا تم البيع فعلاً في 13 مارس 1974م فقد أخفي المطعون ضدهما ذلك منه حتى تاريخ انقضاء الستة أشهر حيث أخطر الطاعن (المدعى) في 14/9/1974م أي بعد يوم واحد من انقضاء مدة الستة أشهر وبالتالي لم يقم المطعون ضدهما بالإخطار المنصوص عليه في المادة 15 من قانون الشفعة.

ومن ثم طلب الطاعن من المحكمة الابتدائية أن تمارس سلطتها وفقاً للمادة 19 من قانون الشفعة لمدة الستة أشهر من صالحه.

في 2 فبراير 1975م قضت المحكمة الجزئية بشطب الدعوى لسقوط حق الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة / واستندت في ذلك على ما يلي:

1- لقد فسرت السابقة القضائية المدونة في عدد سنة 1970م من المجلة القضائية في الصفحة 71 ما يوفى بأنه إلزام على المشتري أوالبائع إخطار المشفع بحقه في حق الشفعة إنما هو حق لهما يملكان الخيار في استعماله إن أرادا ذلك.

2- على المشفع أن يتخذ إجراءات إعلان الشفعة تحت المادة 11 من قانون الشفعة في خلال 15 يوماً من تاريخ علمه بالبيع أوإخطاره بحقه في الشفعة وبالعدم يسقط حقه في المطالبة بالشفعة وفقاً لأحكام المادة 17 وقد حددت المادة 17 مدة السقوط لفترة ستة أشهر تبدأ من تاريخ تسجيل البيع.

3- إذ جاز مد فترة السقوط فهذا يعني أن المحكمة لمثل هذا الفعل قد حلت محل المشرع وألقت ما جاء في المادة 17 من قانون الشفعة.

في 7 أبريل سنة 1976م شطبت محكمة الاستئناف طعناً بالاستئناف تقدم به الطاعن ضد حكم المحكمة الجزئية وضد هذا القرار يتقدم الطاعن بالطعن المطروح أمامنا الآن لنقض ذلك الحكم.

استندت محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه على الأسباب الآتية:

1- قدم طلب الشفعة بعد أكثر من ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع . لقد تم تسجيل البيع في 13 مارس 1974 م وقدم طلب الشفعة في 21 سبتمبر 1974م أي كان تقديم الشفعة بعد انقضاء 8 أيام من نهاية الفترة المحددة.

2- لا تملك المحكمة في أن تتجاوز عن هذا التأخير حيث لا يمكن للمحكمة أن تمد المدة المحددة استناداً على المادة 19 من قانون الشفعة.

إن السلطة الممنوحة للمحكمة بموجب هذه المادة لمد المواعيد التي تحددها المحكمة نفسها ولا تمتد للمواعيد التي يقررها القانون وهذا واضح من استعمال كلمة (Limited) أي(المحددة) ولم يستعمل المشرع كلمة (المقررة) (Prescribed) لأن العبارة الأخيرة هي التي تشير إلى تلك المواعيد التي يقررها القانون . وقد أشارت محكمة الاستئناف في هذا الشأن إلى التعريف الوارد في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة.

وقد أورد السيد محامي الطاعن الأسباب الآتية لنقض الحكم المطعون فيه:

1- جاء عنوان مد المدة المسموح بها بموجب هذا القانون وواضح من هذا النص أن للمحكمة حق مد وتأجيل الوقت لأي فعل أو اتخاذ أي إجراء بموجب قانون الشفعة كله . وقد جاء عبارة (The Time Limited Hereunder) الواردة في المادة 19 لتعني المدة المحددة في القانون وليست المدة التي تحددها المحكمة.

2- أن المادة 19 من قانون الشفعة تماثل المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م التي تمنح المحكمة سلطة مد أي مدة حددها القانون.

تنص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م على الآتي:

(“Where awing to the absence of a party or other cause it seems just to court to extend or adjourn the time limited hereunder for doing any act or taking any proceeding “the court may by order extend or adjourn any such time)

من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقوانين ، وبالتالي فلا يمكن الاستعانة بها خاصة إذا كانت النصوص واضحة ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

عبارة (The Time Limited Hereunder ) إن هذه العبارة ترجمتها في رأينا كالأتي:

(المواعيد المحددة في هذا القانون) وهذه الترجمة تتماشي تماماً مع العنوان الهامشي في المادة نفسها وهو :

Power to extend time allowed under this ordinance

وعليه لا يمكن القول بوجود تضارب بين العنوان والنص الوارد في المادة 19 من القانون.

وقد جاءت ترجمة المادة 19 من النص العربي من قوانين السودان المراجعة حتى نهاية 1974م في المجلد الثاني كما يلي:

(إذ ظهر للمحكمة في الوقت المسموح به بموجب هذا القانون أنه من العدل أن تمد أوتقصر الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء فيجوز بأمر منها أن تمد أو تقصر هذه المواعيد).

جاءت المادة 4 من قانون تفسير القوانين النصوص العامة لسنة 1974م (قانون32 لسنة 1974م) تفسر عبارة مقرر (prescribed) ضمن كلمات وعبارات أخرى لأنها تعني (مقررة) بالقانون الذي وردت فيه هذا الكلمة أو أي تشريع آخر وفقاً لهذا القانون . وفي رأينا أن كلمة مقررة أو محددة  (prescribed limited or) مترادفتان وتؤديان نفس المعنى ما لم يحدد المشرع معاني خاصة لكل منها فقانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م لم يحدد معنىً خاصاً بعبارة محددة.

وفضل عن ذلك فليس في قانون الشفعة لسنة 1928م مادة واحدة تعطي المحكمة سلطة تحديد فترة زمنية معينة لأداء أي عمل أو إجراء خلالها . وأن المواعيد الواردة في هذا القانون جميعها إنما هي مواعيد محددة في القانون ومن الطبيعي أن سلطة مد المواعيد المقررة بموجب المادة 19 إنما تشير إلى هذه المواعيد المقررة بموجب القانون.

إن لمحامي المطعون ضده نفس الرأي في تفسير المادة 19 في أنها تمنح المحكمة حق مد أو تأجيل المواعيد المحددة في قانون اتخاذ إجراء معين إلا أنه يضيف قائلاً بأن الإجراءات المعنية في نص المادة 19 إنما هي الإجراءات المنصوص عنها في المواد 11 و15 و16 ولا تعني الإجراءات المنصوص عليها في المادة 17 والتي تتحدث عن سقوط حق الشفعة وأنها إذا انقضت ستة أشهر على تاريخ تسجيل البيع علم بذلك المشفع أو لم يعلم ، وليس هنالك إجراء معين يمكن للمشفع اتخاذه خلال فترة معينة حتى تنطبق عليه أحكام المادة 19 من قانون الشفعة.

إن المشرع عندما نص في المادة 17 على أنها حق الشفعة بعد مضي ستة أشهر من التسجيل إنما قصد ضمناً وجوب اتخاذ إجراءات الشفعة خلال الستة أشهر السابقة للتسجيل . وفي رأيي إن للمحكمة سلطة مد هذه المدة بما لها من سلطات بموجب المادة 19 . وعليه  أرى قبول هذا الطعن وإلغاء كل من حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م وقرار محكمة الاستئناف المؤيد له مع الأمر بإعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير في الدعوى على ضوء هذه المذكرة.

القاضي : الصادق عبد الله

أوافق . لقد جاء نص المادة 19 مطلقاً دون تقييد ولا استثناء شاملاً كل (الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون) ولذلك فهي تنطبق على المواعيد المنصوص عنها بالمادة 17 من القانون والسبب الذي أبداه الشفيع هو أنه لم يكن يعلم بالبيع.

7/3/1977 م

مذكرة برأي مخالف

القاضي هنري رياض سكلا:

رغم أن الأسباب والأسانيد التي ساقها الزميل العالم رمضان علي محمد لها وجاهتها وحجتها في الإقناع مما يبرر تفسير المادة 19 من قانون الشفعة القائل (إذا كان السبب غياب طرف من أطراف دعوى أو لأي سبب آخر رأت المحكمة من العدل مد المواعيد أو تأجيلها للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء ويجوز للمحكمة بأمر منها أن تمد أو تؤجل أي موعد) بأنه يعطي المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك مشروط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد كما هو واضح بجلاء من صدر المادة المذكورة.

وعلى هدى من هذا النظر ولما كانت عريضة دعوى الطاعنين قد جاءت خلواً من أي سبب لمد الميعاد فإن عناصر المادة 19 لا تكون متوفرة أو مكتملة مما يتعين معه رفض تطبيقها وعدم إعمالها على واقعة الدعوى ومن ثم يتعين تطبيق أحكام المادة 17التي تقضي بسقوط الحق في الأخذ في الشفعة إذا انقضت ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع هو ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه دون أن يكون مخالفاً للقانون ولا مخطئا في تطبيقه.

ولذلك فإني أرى رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالرسوم.

 تفسير المجملات والعبارات التقديرية:

نصت عليها الفقرة (ب) من المادة (2) على أنه: (يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية ، بما يوافق الشريعة الإسلامية ومبادئها وروحها العامة).

لقد اختلف الأصوليون اختلافاً لفظياً في تعريف المجمل ، فعرفه البزدوي (بأنه ما ازدحمت فيه المعاني ، و اشتبه المراد منه اشتباهاً ، لا يدرك بنفس العبارة ، بل بالرجوع إلى الاستفسار ، ثم الطلب ، ثم التأمل[27].

واستناداً إلى تفسير الأصوليين بالمجمل وهو الذي لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى الشارع أو المشرع.

 في التفسير التشريعي لا نجد في القوانين كلها ألفاظاً مجملة بهذا الاصطلاح ولذا وردت كلمة (المجملات)  في المادة وخول القانون للقاضي تفسيرها بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة فإنها لا تعني كل لفظ أوعبارة خفي معناها خفاء يمكن التعرف على معناها بالاجتهاد لأن المجمل في تعريف العلماء لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى المتكلم وهو المشرع وهو وحده المختص ببيان المجمل.

لقد أختار المشرع مصطلحات علماء الأصول في تفسير النصوص وفي المصادر الاحتياطية التي يلجأ إلى أحكامها القضاة عند عدم وجود النص وإن اختيار هذه المصطلحات تعني بالضرورة الالتزام بمعانيها التي قررها علماء الأصول وعدم الخروج عنها ، فإذا جعل المشرع من اختصاص القاضي تفسير المجمل فهذا خروج على علماء الأصول في تعريف المجمل ما لم يبين بكل الوضوح أن المشرع لم يقصد الخروج عن اصطلاح العلماء ولكن عبر بالمجمل عن كل ما فيه غموض أو إبهام أو خفاء من النصوص ويمكن معرفة معناه بالاجتهاد والتأمل كالمشكل والخفي دون الرجوع للمشرع.

من قبيل المجمل في القوانين السودانية لفظ المعاملات في الفقرة (1) من المادة (3) من قانون الإثبات لسنة 1993م ونصها: (يطبق هذا القانون على الإثبات في المعاملات والمسائل الجنائية ...).

فلفظ (المعاملات) في هذا المعنى العرفي الظاهر يختص بتصرفات الأفراد المالية في العقود المدنية ، وأدخل الشارع في معناه هنا معناً شرعياً وهو (الأحوال الشخصية بما فيها أقضية الطلاق والنسب والحضانة) إذ نصت المادة الرابعة من ذات القانون على أن: (المعاملات يقصد بها العلاقات والتصرفات المالية والأحوال الشخصية وسائر المسائل القانونية غير الجنائية) فكان ذلك بياناً من الشارع بما رفع خفاء المعنى بنقله من المعنى العرفي إلى معنىً قانوني جديد.

وأيضاً من قبيل المجمل لفظ (البينة) في المادة (3) الفقرة (2) من قانون الإثبات السوداني لسنة 1983 م: (سرى أحكام هذا القانون على ما لم يكن قد سمعت فيه البينة من الدعاوى) فلفظ البينة في المعنى اللغوي الظاهر يدور بين معانٍ عديدة منها الإظهار، قال تعالى: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ...)[28].

قال الزمخشري [29] : من تبين الشيء إذا ظهر وتجلى ، ومنها أن البينة تعني تثبت لقوله تعالى: (يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)   [30] . ومنها أن البينة تعني الحجة والبرهان ، ومنه قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا ...)[31].

ولما كان المقام هنا متعلقاً بسماع البينة في الدعوى على نحو ما ثبت في النص فقد ثبت أن البينة المرادة هنا هي الحجة والبرهان ، هكذا رفع المجمل جزئياً ويعدّ اللفظ مشكلاً يدور معناه بين رأي جمهور الفقهاء القائل بأن البينة هي شهادة الشهود ، ورأي ابن حزم الظاهري القائل بأن البينة هي شهادة الشهود وعلم القاضي والإقرار . ورأي فريق من الفقهاء منهم ابن القيم الجوزية وابن فرحون المالكي وعلاء الدين الطرابلسي الحنفي أن البينة هي كل ما يبين به الحق.

ولما تزاحمت هذه المعاني في نص المادة أعلاه ، لم يكن ثمة بد من بيانها بواسطة المشرع نفسه ، فجاءت المادة الرابعة من ذات القانون تنص على أن: (البينة يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو في أي واقعة متعلقة بدعوى أو نزاع أمام المحكمين أو الموفقين) . ومن ثم علم أن المشرع يريد بمعنى البينة ما ذهب إليه هذا الفريق من الفقهاء ، فكان ذلك بياناً بما رفع ما في الإجمال من خفاء بسبب تزاحم المعاني وتعيين المراد من قبل المشرع.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

أولاً : القرآن الكريم

ثانياً : المراجع:

  1. السنن الكبرى.
  2. سنن البيهقي.
  3. تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ، محمد أديب صالح.
  4. المدخل لدراسة العلوم القانونية ، مصطفى منصور.
  5. النظرية العامة للقانون ، سيد عبد الستار تنابو.
  6. شرح القانون المدني المصري الجديد ، كامل مرسي.
  7. دروس في مبادئ القانون ، عبد الودود يحيى و نعمان جمعة.
  8. شرح التلويح على متن التنقيح في أصول الفقه ، تحقيق: زكريا عميرات ، سعد الدين التفتازاني.
  9. دروس في نظرية القاعدة القانونية ، محمود جمال زكي.
  10. المدخل لدراسة القانون ، أحمد سلامة.
  11. المدخل إلى القانون ، رمضان أبو السعد و همام محمد محمود زهران.
  12. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ، وهبة الزحيلي.
  13. دلالات الألفـاظ و أثـرها فـي تفسير النصوص القانونيـة ،      د. عباس سليمان علوان.
  14. قانون الأحكام القضائية لسنة 1983م.
  15. مجلة الأحكام القضائية لسنة 1986م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

1- مقدمة                                                            1      

2- المستخلص باللغة العربية                                          3

3- المستخلص باللغة الانجليزية                                        4

4- المبحث الأول : مفهوم التفسير و مجاله و أنواعه                     5

5- المطلب الأول : التفسير التشريعي                          7

6- المطلب الثاني : التفسير القضائي                                   9

7- المطلب الثالث : التفسير الفقهي                                    13

8- المطلب الرابع : دور الفقه في تفسير النصوص                       15

9- المطلب الخامس : الحكمة من التفسير                               17

10- المبحث الثاني : مذاهب التفسير                                   19

11- المطلب الأول : النظرية التقليدية                                  19

12- المطلب الثاني : النظرية الحديثة                          20

13- المطلب الثالث : النظرية المختلطة                                21

14- المطلب الرابع : تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون                  22

أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

15- المصادر و المراجع                                              38

16- الفهرس                                                        39

 

 

[1] يقصد به التشريع القانوني ، وهو قيام السلطة المختصة في الدولة بوضع قواعد  جبرية مكتوبة تنظم المجتمع ، وذلك في حدود اختصاصها وفقاً للإجراءات المقررة لها لذلك . وله تعريف ثانٍ وهو القاعدة القانونية المكتوبة ذاتها والصادرة عن السلطة المختصة المشار إليها .

[2] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ـــ ج1/51 .

[3] مصطفي منصور ــ المدخل للعلوم القانونية ــ ج 1/245-1960ـــ دار التأليف .

[4] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ ج 1/110 .

[5] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ1/111.

[6]سير عبد السيد تناغو: النظرية القانون – منشأة المعارف – ص 739.

[7] (تطبيق أحكام هذا القانون في تفسير كل قانون معمول به سواءً صدر قبل العمل بهذا القانون أو بعده .

[8] كامل مرسي ــ شرح القانون المدني المصري الجديد ، الباب التمهيدي ــ ص ( 87ــ88) .

[9]عبد الودود يحي ونعمان جمعة ــ دروس في مبادئ القانون ــ ط 1991ــ ص 171 .

[10] الفقرة (2) من المادة (6)من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 م حيث نصت : ( في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاءً في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[11] ((1) لا تخضع حكام المحكمة العليا للمراجعة علي أنه يجوز لرئيسها أن يشكل دائرة تتكون من خمسة من قضاتها لمراجعة أي حكم صادر منها موضوعياً إذا تبين له أن ذلك الحكم ربما ينطوي علي مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ويصدر قرار الدائرة بأغلبية الأعضاء . (2) تشكل دائرة المراجعة من قضاة أغلبيتهم ممن لم يشاركوا في إصدار الحكم  موضوع المراجعة (3)ميعاد المراجعة ستون يوماً تسري وفق حساب الميعاد المنصوص عليها في المادة 177(1)(2)).

[12] سورة طه ــ الآية (27ــ28).

[13] سعد الدين التفتا زاني مسعود بن عمر : شرح التلويح علي لمتن التنقيح في أصول الفقه : تحقيق زكريا عميرات  ط1 ــ دار الكتب العلمية بيروت ــ1416هــ - 1996م ــج1/28.

[14] محمود جمال الدين زكي  ــ دروس في نظرية القاعدة القانونية ــ هامش  رقم (6) ، ص (162) ــ طبعة القاهرة ، سنة 1954 .

[15] يقصد به فقهاء القانون .

[16] أحمد سلامة ــ المدخل لدراسة القانون ــ طبعة القاهرة سنة 1974 م ــ ص (170) وما بعدها .

[17] سورة إبراهيم ــ الآية (4).

[18] هذا كما أن اللغة العربية هي لغة الدولة وذلك حسب نص المادة الثامنة من دستور السودان المعدل لسنة 2005 م . وحيث تقرأ ".. تكون العربية باعتبارها لغة رئيسية علي الصعيد القومي ، والانجليزية ، اللغتين الرسميتين لأعمال الحكومة ولغتي التدريس في التعليم العالي " وتحديد مدلول القاعدة القانونية والمراد من معناها لا يتم إلا بمعرفة دلالتها وهذا ما عبر عنه بأثر الدلالات في فهم النصوص القانونية .

[19] أخرجه البيهقى في السنن الكبرى ــ 10/117.

[20] الدكتور رمضان أبو السعود والدكتور همام محمد محمود زهران ــ المدخل إلي القانون ــ النظرية العامة للقاعدة القانونية ــ دار المطبوعات الجامعية ــ 1997 م ــ ص 314 .

[21] ((1) إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه علي الإجراءات في المسألة  المعرضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة (2)غب المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[22] كشاف اصطلاحات الفنون ـــ للتهانوي ــ مطبعة السعادة 1963م ــ ج1ــ ص 122ـ123.

[23] دكتور وهبة الزحيلي ــ الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ــ ص 594.

[24] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص ـج1ــص 81.

[25] مجلة الأحكام القضائية 1986 م ــ ص 243.

[26] م ع / 154/1976 م ــ مجلة  الأحكام القضائية المنشورة ــ 1976 م ــ ص 268 وما بعدها .

[27] البزدوي ــ أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار ــ ج1ـــ ص54.

[28] سورة سبأ ــ الآية (14).

[29] الزمخشري هو محمد بن عمر بن أحمد العلامة أبو القاسم الزمخشري النحوي ألمعتزلي المفسر ، يلقب جار الله لأنه جاور بمكة زماناً ولد في رجب سنة سبع وستين و أربع مائة بزمخشر قرية من قرى خوارزم ، سمع من أبي الخطاب بن البطر وأبي سعد النقاني ،وأجاز للسلفي ، وكان واسع العلم غاية الذكاء معتزلياً قوياً في مذهبه مجاهراً به داعياً إليه حنيفاً علامة في الأدب والنحو له تصانيف منها : الكشاف في التفسير ــ الفائق في غريب الحديث ــ أساس البلاغة ــ المفصل في النحو ــ مات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ـــ أنظر الداودي طبقات المفسرين  ــ 2/314/316.

[30] سورة الحجرات ــ الآية (6) .

[31] سورة البقرة ــ الآية (209).

▸ بحث (1) 2018م فوق ترجمة جنائي 2018م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. بحوث 2018م
  5. بحث (2) 2018م

بحث (2) 2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانـون

أصول الأحكام القضائية

لسنة 1983م

 

[ بقلـم ]

د0/ عباس سليمان علوان

 

قاضي المحكمة العامة

 

 

 

مقدمــة:

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية هي التي يقوم عليها كل استنباط للأحكام في الشريعة الإسلامية ، فالأدلة الشرعية قسمان : نصوص وغير نصوص

والأدلة التي لا تعتبر نصوصاً كالقياس والاستحسان وهي ذاتها مستنبطة من النصوص ومشتقة منها ، ومعتمدة عليها ، واستنباط الأحكام إما أن يكون بطرق معنوية أو بطرق لفظية.

الطرق المعنوية هي الاستنباط من النصوص المعنوية ، أي الاستدلال من غير النصوص كالاستدلال بالقياس ، والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغير ذلك.

أما الطرق اللفظية هي طرق الاستنباط من النصوص بأن تعرف معاني ألفاظ النصوص وما تدل عليه في عمومها وخصوصها ، وطرق الدلالة أهي بالمنطوق اللفظي للنص ؟ أم من طريق المفهوم الذي يؤخذ من فحوى الكلام والقيود التي اشتملت عليها عبارات النص ومعرفة ما يفهم من ألفاظ النص وعباراته وإشاراته وهكذا.

ولقد أعتمد علماء الأصول لفهم النصوص واستنباط الأحكام التكليفية منها على أمرين:

الأول: المدلولات اللغوية والفهم العربي لهذه النصوص بالنسبة للقرآن الكريم والسنة.

الثاني: بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما ورد من أحكام في النصوص القرآنية وما أبانته السنة النبوية من أحكام مستقلة أو مقررة أو ناسخة.

فالقوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة ، فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

لقد نص قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 م على الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها في تفسير ما خفي معناه من النصوص وفي حالة عدم وجود نص تشريعي يبين حكم الواقعة محل النزاع ، وفي اختيار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ربط ما بين ماضي الأمة وحاضرها إذا كانت الشريعة الإسلامية هي القانون المعمول به قبل غزو القوانين الأجنبية وعلى مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليمها انتظمت العلاقات بين الناس في المجتمع واستقرت الأعراف والتقاليد والتي لا يسع أي مشرع أن يتجاهل اعتبارها والأخذ بها في أي تشريع يصدر ، و أنه مما يبعث على الرضا والتفاؤل أن معظم الدول العربية والإسلامية قد عادت وجعلت من مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع مع مصادر أخرى في حالة عدم وجود نص تشريعي يحكم الواقعة ، وقد خطا قانون أصول الأحكام خطوة عملية لتطبيق أحكام الإسلام إذ نص على العمل بالقواعد الأصولية التي بنى عليها المجتهدون من الأئمة استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف وجعل من اتباع هذه القواعد منهجاً ملزماً يسلكه القضاة للوصول إلى حكم ما لم يرد فيه نص من الوقائع فنص على الاجتهاد وقيد هذا الإجماع بتطبيق القواعد المذكورة ، و ذلك أدعى إلى توحيد الأحكام في الوقائع المتماثلة من الإجهاد الطليق المحرر من القيود الذي تأخذ به بعض التشريعات التي تجعل من القانون الطبيعي مبادئ العدالة مثلا مصدراً لسد الفجوة ، وهو مصدر لا يضع أمام القاضي ضابطاً محدداً يسترشد به في إصدار الحكم ، ولعله مصدر يتناسب مع بعض التشريعات التي تجعل للقضاء دوراً إنشائياً في وضع القواعد القانونية كالقانون الإنجليزي أوتجعل للقاضي أن يضع من القواعد القانونية ما كان سيضعه إذا عهد إليه بأمر التشريع كالقانون السويسري.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المستخلص باللغة العربية

 

هذه الدراسة بعنوان تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م حيث جاءت في مقدمة ومبحثي وقسمت المباحث إلى مطالب.

تناولت في المقدمة مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه ، ودور الفقه في تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م مع توضيح ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني للتفسير والإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني.

وأيضاً قمت بمقارنة مدرستي التفسير التقليدية والحديثة ، وما سار عليه قانون أصول الأحكام القضائية مع إبراز رأي الفقه القضائي السوداني الوارد في السوابق القضائية الصادر من أعلى جهة قضائية وهي المحكمة القومية العليا ، و التي ترى أنه لا يجوز الخروج عن النص أو تأويله ، لأن التفسير يكون فقط عند غموض النص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Abstract

 

The title of this study is the interpretation of legal texts according to the law of principles of judicial decisions of 1983, it included an introduction and two topics which are divided into questions.

In the introduction I discussed the concept of interpretation, its domain and types, and the role of jurisprudence in the interpretation of legal texts according to the law of the principles of judicial decisions of 1983 with an explanation of what is not permissible in this law to use expository diligence for interpretation and the procedures that the judge follows in his expository diligence.

I also compared between the two schools of interpretation the traditional and the modern school, and what the law of the principles of judicial decisions followed highlighting the view of the Sudanese judicial jurisprudence used in case laws that were introduced by a highest judicial body which is the higher national court, and which claims that it is not permissible to go out of the text or to interpret it because interpret it because interpretation is only made if the text is vague.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه

يرى الفقهاء أنه عندما يراد تطبيق قاعدة من القواعد القانونية على أحوال الحياة، وما يجد فيها من وقائع، وذلك بإعمال حكمها على الحالات الواقعية التي يطبق عليها النص،لابد قبل ذلك من خطوة لازمة دائماً لهذا التطبيق وهي تحديد مدلول تلك القاعدة القانونية، ولتحديد المعنى المراد منها وذلك هو التفسير.

فالتفسير إذن هو تحديد لمعنى القاعدة القانونية من واقع الألفاظ التي عبر بها المشرع ، أو كما عبر عنه هو الاستدلال على الحكم القانوني من نصوص التشريع [1]. أو هو بيان معنى الألفاظ ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يفهم من النص [2].

بما أن التفسير هو تحديد مدلول القاعدة القانونية لتحديد المعنى المراد بها، إذن فمجاله هو القانون المكتوب، لأن النصوص القانونية المكتوبة عادة ترد في مواد مركزة وموجزة، ولا خلاف بين فقهاء القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها، إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية من سلطة قانونية مختصة يناط بها أمر التشريع وتسمى بالسلطة التشريعية.

وعندما يراد استخلاص مفهوم القاعدة القانونية من مدلول الألفاظ التي عبر عنها المشرع ، يقتضي ذلك التفسير هذه الألفاظ التي يكون منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه . وبما أن التفسير يرد على النصوص التشريعية ، فهو باب أولي يرد أيضاً على المصادر الشرعية التي تعتبر مصدراً للتشريعات القانونية كالقرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس.

والتفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معاً ، ولذا لا يرد التفسير على القاعدة العرفية ، لأن التفسير مجاله القانون المكتوب ،  والقاعدة العرفية ليست نصاً مكتوياً يحتوي على اللفظ والمعنى ، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكاً معيناً في أمر معين ، فهذه القاعدة وإن كانت تحتاج لبيان وإيضاح ، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم ، لتبين وجود تلك القاعدة فإن دلّ الاستقراء على وجودها ، كان ذلك في الغالب على سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظموا سلوكهم ذلك العرف ، وإذ كان الأمر كذلك ، لم تكن القاعدة العرفية محلاً للتفسير[3].

 

وعندما يصعب على القاضي أو الفقيه في كثير من الأحيان معرفة المعنى الذي تضمنه النص يلجأ إلى تفسير النص ، وذلك لاستجلاء الغموض الذي يكتنفه والوصول إلى مدلوله . لقد يتنوع التفسير بحسب الجهة التي تتولاه فقد يقوم المشرع بالتفسير،إلا أن التفسير الذي يقوم به المشرع يكون نادراً لأن القضاء عادة يقوم بتفسير النصوص، لأنه هو الذي يتولى مهمة تطبيق القانون، وكثيراً ما يساعده في ذلك الفقه . وهكذا يتنوع التفسير إلى ثلاثة أنواع هي التفسير التشريعي والقضائي والفقهي.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة في معرفة الطرق التي يعتمد عليها القضاة في تفسير النصوص الغامضة.

منهجية الدراسة: اتبعت المنهج الاستقرائي الاستنباطي والمقارن.

خطة الدراسة:

جاءت هذه الدراسة في مبحثين وقد قُسَّم المبحثان إلى مطالب وخاتمة.

المطلب الأول

التفسير التشريعي

 

هو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيراً لقانون سابق ، قد يثور خلاف حول قاعدة قانونية وقد لا تهتدي بعض المحاكم أو أكثرها إلى ما يدل عليه نص من نصوص التشريع ، فتقضي بما يخالف المعنى الذي قصده المشرع ، عندئذ يتدخل المشرع فيفسر النص الذي ثار حوله الخلاف ، أو لم تهتد إليه بعض جهات القضاء ، ولذلك يبين حقيقة مراده وقصده . ويسمى التشريع الذي يصدر لتفسير تشريع سابق بالتشريع أو القانون التفسيري[4].  ولا يعتبر لاحقاً من حيث التطبيق ، وبالتالي يمكن تطبيقه على الوقائع التي حدثت في ظل القانون المفسر ، كما أنه يعتبر قانوناً ملزمُُ للمحاكم وألا تحيد عنه ، وأن القاضي ملزماً بتطبيق القانون وإذا امتنع عن ذلك يكون مرتكباً لجريمة إنكار العدالة والتي نص عليها القانون الجنائي الإسلامي السوداني لسنة 1993م في مادته التاسعة والثمانين وحيث تقرأ: (كل موظف عام يخالف ما يأمر به القانون بشأن المسلك الواجب عليه اتباعه كموظف عام أو يمتنع عن أداء واجب من واجبات وظيفته قاصداً بذلك أن:

(أ ) يسبب ضرراً لأي شخص أو للجمهور أو بسبب مصلحة غير مشروعة لشخص آخر ، أو

(ب) يحمي أي شخص من عقوبة قانونية ، أو يخفف منها أو يؤخر توقيعها ، أو

(ج) يحمي أي مال من المصادرة أو الحجز أو من أي قيد يقرره القانون أو يوفر أيا من هذه الإجراءات ، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً).

وقد اختلف أمر هذا التفسير عن ذي قبل ، ففي القانون الروماني والعصور الوسطى ، كان هو الطريق الوحيد لتفسير النصوص الغامضة ، وكان القاضي يوقف الفصل في النزاع المعروض عليه ، حتى يتدخل المشرع نفسه ، فيصدر تفسيراً لذلك التشريع [5]. الذي لم يدرك القاضي معناه لتطبيقه على الواقعة المعروضة أمامه.

أما في العصر الحديث ، فقد أصبح التفسير التشريعي نادر الوقوع فلم يعد له إلا حظ ضئيل في التفسير ، ويرجع ذلك إلى تقرير مبدأ فصل السلطات اقتصار المشرع على إصدار القواعد القانونية والالتزام بها ، تاركاً إلى السلطات القضائية مهمة تفسير هذه القواعد ، وتطبيقها على النصوص المختلفة.

ولعل أبرز نظم التفسير التشريعي عرفت في التاريخ ، هو نظام التفسير التشريعي الإلزامي ، الذي  بدأ في فرنسا عقب الثورة الفرنسية مباشرة [6].

ومن أمثلة التفسير التشريعي في السودان أن يرد نص يقول : (الشرط هو أمر مستقبل أو غير محقق للوقوع) فهنا قصد الشارع تعريف الشرط ، والتعريف الفقهي للشرط هو (أمر غير محقق للوقوع) إذن عبارة (أو) التي وردت في النص وقعت خطأ ، وكان الصحيح أن تكون (و) فهنا إن طبق المفسر هذا القيد حتماً سيراعى هذا الخطأ المادي الذي وقع فيه النص.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد يصرح بأن التشريع يعد تفسيراً وفي هذه الحالة فهو يسري بأثر رجعي . مثال قانون تفسير القانون في النصوص العامة لسنة 1974م [7].

التي نصت المادة (3) منه صراحة على أن أحكامه تطبيق ، في تفسير كل قانون معمول به ،  سواءً صدر قبل العمل به أو بعده وهو قانون يضع قواعد تفسير القوانين ولذلك فهو يعدَّ تشريعاً تفسيرياً ، وقد حد المشرع نطاق تطبيقه من حيث الزمان.

المطلب الثاني

التفسير القضائـي

 

هو التفسير الذي يقوم به القضاة أثناء نظر الدعاوى التي ترفع إليهم للفصل فيها ، وأن هذا التفسير بالنسبة للقاضي ليس غاية في ذاته ، وإنما هو وسيلة للفصل في تلك الحالة من النزاع المعروض عليه ، لذلك كان من المقرر أنه لا يقبل رفع دعوى إلى القضاء ، يطلب فيها صاحبها تفسير قاعدة قانونية غامضة ، بل يجب أن يكـون ذلك بمناسبة نزاع فعلـي معروض علـى القضاء [8].، سداً للنقص وتلافياً للقصور ومجاراة التشريع لتطور الحياة تجدد الأحداث والمشاكل ، كان لا بد من إصدار تشريع يحدد الخطة التي يسلكها القضاة في تفسير النصوص وإصدار الأحكام ، فيما لم يرد نص بحكمه من الوقائع ، ومن ذلك بيان المصادر الاحتياطية التي يلجأ إليها القضاة لإصدار الأحكام . ولا بد أن يراعى في اختيار هذه المصادر وهي جزء مكمل للتشريع من الأصول والمبادئ والقيم ، دينية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية ، إذ إن من أهم أسباب الاختلاف بين التشريعات أوالتناقض بينها فيما هو مباح أومحظور أومشروع أوباطل ، يرجع إلى الخلاف في هذه القيم والمبادئ التي يستند إليها التشريع ، وينشأ عنها هذا الخلاف ، إلى الاختلاف في مفاهيم العدالة ومعايير المصلحة والمفسدة والخير والشر.

وقد نصت المادة الثانية من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تحت عنوان (تفسير النصوص التشريعية: في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قاطع الدلالة)

(أ ) يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية  تعطيلاً لواجب قطعي أوإباحة لمحرم بين ، وأنه يراعى توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

(ب) يفسر المصطلحات والعبارات التقديرية بما يوافى أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة.

(ج) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

ويتسم التفسير القضائي بصبغته العلمية ، فالقضاة وهم يفصلون في الدعوى المعروضة أمامهم يتأثرون بالظروف المحيطة بهم ويعملون أن تتفق أحكامهم مع الظروف الواقعية للمجتمع وهم في أدائهم لهذا العمل قد يخرجون عن معنى النص ، تحت ستار التفسير ، إذا كان في تقديرهم أن ذلك يحقق العدالة [9].

كما أن التفسيرات القضائية ليس له قوة ملزمة سوى بالنسبة للمحكمة التي أصدرته أو لغيرها من المحاكم ، طالما أن القاضي في تفسيره يتأثر بالظروف المحيطة.

بل هناك استثناء في حالة واحدة وهي التي نصت عليها المادة ( د/213) من قانون الإجراءات المدنية لعام 1983م حيث نصت: (إذا قبلت المحكمة العليا الطعن فلها أن تقرر إعادة القضية التي أصدرت الحكم المطعون فيه إلى محكمة الموضوع للفصل فيه من جديد).

وفي هذه الحالة تتقيد المحكمة المحال لها الموضوع بحكم المحكمة العليا في المسائل القانونية.

وإذا كان التفسير القضائي الأصل فيه أنه غير ملزم عدا الاستثناء الذي اشرنا إليه ، إلا أن المشرع السوداني خرج على حال الأصل حينما نص صراحة على اختصاص المحكمة العليا بتفسير نصوص الدستور والنصوص القانونية وذلك بمقتضى المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م . حيث نصت: ( (1) تتولى المحكمة العليا تفسير النصوص الدستورية والقانونية بناءً على عريضة تقدم إليها من النائب العام.

(2) تقدم النائب العام بطلبات التفسير إلى المحكمة العليا من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب ذوي الشأن ، متى رأى أن طبيعة النصوص المراد تفسيرها وأهميتها تستوجب ذلك ضماناً لوحدة تطبيقها).

وباستقراء النص أعلاه نجد أن المشرع خرج لسد هذا الأصل وأجاز للنائب العام باعتباره مستشار الدولة القانوني أن يتقدم بطلب من تلقاء نفسه أو بناء علي طلب من ذوى الشأن لتفسير النصوص.

والتفسير القضائي لا يكون ملزماً إلا إذا صدر من المحكمة العليا فحينئذ يعتبر سابقة قضائية ، والسوابق القضائية تعتبر مصدراً رسمياً من مصادر القانون السوداني بشرط ألا يوجد نص قانوني يعارضها في التشريع أو مبادئ الشريعة الإسلامية أو العرف.

وقد نص المشرع السوداني على أن السوابق القضائية مصدر رسمي احتياطي من مصادر القاعدة القانونية يلجأ إليها بعد العرف [10].

كما أن المادة (3/ب) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تنص على ذلك حيث تقرأ: " الاسترشاد بما جرت عليه سوابق العمل القضائي في السودان فيما لا يتعارض مع الشريعة وما يذهب إليه جمهور فقهاء الشريعة من فتاوى فرعية وما قرره من قواعد فقهية ".

القضاء ملزم بأن يطبق على الحادثة المعروضة أمامه أحكام الدليل الشرعي القطعي المباشر ، كنصوص الآيات الكريمة ، أو الأحاديث الشريفة كاستنباط الحكم مهتدياً في ذلك بطرق الاستنباط كالقياس.

وقياس القاضي عند تطبيقه للأحكام يظهر بوضوح عند قياسه على السوابق القضائية . كما أن السوابق القضائية ، تمتاز بأهمية خاصة في الأنظمة القانونية المختلفة.

نظرية السوابق القضائية ، هي نظرية تختص بالشريعة العامة الانجليزية وتظهر بوضوح في النظام المسمى الانجلوأمريكان ، ولكن تطورت هذه النظرية تطوراً كبيراً ، بحيث إنها لم تصبح الآن عقبة في سبيل تطور الفقه القضائي ، وذلك أن المحاكم قد ابتدعت سبلاً متعددة للانفلات من السوابق القضائية مقيدة كلما رأت عدم عدالة القاعدة التي أرستها السابقة . ومن هذه السبل تتميز السابقة بحسب وقائعها الخاصة . كما ذهب فقهاء القانون الانجليزي الأمريكي إلى استخلاص الجوهر الذي يعين المحاكم . أما النظم الشرعية الأخرى كالنظام القاري فإنها لا تعترف بنظرية السوابق ولا تطبيقها ، ولعل  أقرب ما يكون إلى نظرية السوابق القضائية في الفقه الإسلامي ما جاء في الرواية الآتية: ((ذكر محمد بن يوسف الكندي أن إبراهيم بن الجراح  تولى القضاء في سنة 204هـ ، وقد قال عمر بن خالد: ما صحبت من القضاة كإبراهيم بن الجراح ، كنت إذا عملت له المحضر وقرأته عليه أقام عنده ما شاء الله أن يقيم ويرى فيه رأيه ، فإذا أراد أن يقضي به دفعه لينشئ منه سجلاً ، فأحبر في ظهره ، قال أبو حنيفة كذا ، قال ابن ليلى كذا ، ثم أحبر على سطر منها علامة كالخط ، فأعلم أن اختياره وقع على ذلك فأنشأ السجل عليه " ورد ذلك  بفقه السنة لسيد سابق ـ ج3/398". أما السوابق القضائية السودانية تعتبر مصدراً من مصادر القانون ، وإن لم تعترف المحاكم بذلك صراحة ، كما كانت تفعل المحاكم الانجليزية ، وكان سندها في ذلك ما نصت عليه المادة التاسعة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م ، أنه في حالة عدم وجود النص تطبق المحكمة قواعد العدالة والوجدان السليم . وذهبت المحاكم في تطبيقاتها لهذه المادة مذاهب شتى ، فمنها ما استعانت بمواد من القوانين الانجليزية ومنها ما قامت بالاسترشاد بالسوابق الأجنبية . ويرى الباحث أنه في ظل التشريعات الشرعية التي صدرت في عامي (1983م ـ1984م) ، وقانون تأصيل أصول الأحكام لسنة 1983م لم تعد السوابق القضائية مصدراً رسمياً كما كانت في الماضي . ويتبين من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرسمي الأول للقوانين السودانية ، بحيث إن التشريعات المقننة نفسها يمكن الطعن فيها بمخالفتها للشريعة الإسلامية ، ذلك أن مخالفة  الشريعة الإسلامية هي السبب الوحيد الذي يجوز للمحكمة العليا مراجعة أحكامها ، وذلك ما نصت عليه المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.

هذا بالإضافة إلى أن القاضي ملزم عند تطبيقه للشريعة الإسلامية استصحاب أن المشرع لم يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة لمحرم بين.

هذا وقد نصت المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م في مستهلها أنه على الرغم مما قد يرد في أي قانون آخر إذا لم يجد نصاً تشريعياً يطبق القاضي ما يجد من حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة ، فإن لم يجد نصاً يجتهد رأيه مراعياً الإجماع ثم القياس ثم اعتبار ما يجلب واليسر في التكليف ، وهذا يؤكد على أن السوابق القضائية لا تناقض قاعدة الاجتهاد لا ينقض بمثله ، وذلك لأن السوابق لا يمكن أن تعارض الشريعة الإسلامية وقواعدها الفقهية.

كما أن السوابق القضائية لا زالت لها أهميتها ، وهي تسبق في تدرج مصادر القانون كلاً من العرف والمبادئ التي تقرها الشرائع الإنسانية الكريمة ،  وذلك حسبما تنص عليه المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م[11].  

 

 

المطلب الثالث

التفسير الفقهــي

الفقه في اللغة:

الفقه لغة: هو الفهم ومنه قوله تعالى (احْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (*) يَفْقَهُوا قَوْلِـي) [12]

وعرف أيضاً بأنه العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر العلوم ، كما غلب الفهم على الثريا . يقال أوتي فلان فقهاً في الدين أي فهماً فيه ، قال الله عز وجل (ليتفقهوا في الدين).

 

تعريف الفقه اصطلاحاً:

الفقه اصطلاحاً هو العلم بالأحكام التشريعية العملية ، أو بخطابات الله تعالى المتعلقة بأفعال المكلفين الشرعية العملية [13].

كما أنه يقصد به عند علماء الشريعة معنيان:

الأول: هو عبارة عن الآراء الصادرة من المشتغلين بعلم القانون ، شرحاً وتحليلاً وتأصيلاً للقواعد التي يتضمنها القانون.

والثاني: هو هؤلاء المشغلون أنفسهم أو ما يسمون بالفقهاء ، وإذن ففقه له معنيان: من يشرح القانون في حد ذاته أو آرائه ، ويمكن تعريف الفقه بعبارة أكثر وضوحاً (مجموعة آراء علماء القانون التي يعرضون بها لشرح القانون وتفسيره ونقده سواء أكان ذلك في مؤلفاتهم ، أم فتاواهم ، أو تعاليمهم)[14].

وعمل الفقيه [15]. لا يقتصر في واقع الأمر على مجرد شرح القاعدة القانونية.

فالفقيه بعد أن يشرح النص القانوني يحاول أن يوصله ، أي يرده إلى القاعدة العامة التي انبنى عليها ، أو يبين انه استثناء على هذه القاعدة.

ثم بعد ذلك يجمع مختلف هذه القواعد في قواعد أخرى أعم ، فيبين المبادئ التي يقوم عليها التشريع في جملته ، ويبرز النظريات التي اعتنقها.

ولا شك أن هذا التأصيل الذي يقوم به الفقيه يساوي في أهميته مجرد شرح النصوص ، وذلك أن لو كان من شأن هذا الشرح أن يبين حكم المسألة التي توقعها المشرع ، فقد تعرض مسائل أخرى لم تكن في الحسبان ، فنجد حلاً لها في رحاب القواعد العامة التي استظهرها الفقيه[16].

وتفسير فقهاء القانون غير ملزم للمحاكم ولكن مع ذلك لها أن تستأنس في أحكامها به.

إلا أن التفسير الفقهي في بعض الأحيان يأخذ وجهة عملية وذلك حينما يهتم بدراسة أحكام المحاكم وشرحها وتأييدها ، أوانتقادها بجانب دراسته وشرحه للنصوص ، بذلك صار هنالك تأثير متبادل بين الفقه والقضاء وأوضح مثال لذلك حينما تعرضت المحكمة العليا لتفسير كلمة (القانون) الواردة في عبارة (الخطأ في تطبيق القانون أوتأويله) الواردة في المادة (207) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م . حيث جاء في الحكم: (أن القانون الذي أرادته المادة (207/1) من قانون الإجراءات المدنية ليس ما تسنه السلطة التشريعية فحسب ، وإنما هو أيضاً من القواعد العامة المستفادة ضمناً من النصوص القانونية أو روح التشريع وحكمها المعتبرة جزءاً منه بالضرورة ، وهذا هو المراد بتأويل القانون.

ويظهر تأثير الفقه في الشريعة الإسلامية حيث يعتبر إجماع الفقهاء هو المصدر الثالث للتشريع الإسلامي بعد القرآن والسنة.

 

المطلب الرابع

 

دور الفقه في تفسير النصوص

 

وفي الشريعة الإسلامية يؤدي الفقه دوراً مهماً، وعلى يده ازدهرت وترعرعت الأحكام، وأحاطت بمشاكل العصر الذي راجت فيه الحركة الفقهية، حيث ترك الفقهاء أثراً خالداً لا يمحى. كانت آراؤهم أحد المصادر الرسمية للشريعة الإسلامية، إذ بجانب القرآن والسنة والقياس والإجماع، وهو اتفاق آراء المجتهدين في الأمة الإسلامية على حكم مسألة من المسائل، ولو أن الحركة الفقهية قد استمرت في اندفاعها لكانت أهمية الفقه الإسلامي لا تضارع في أي شريعة من الشرائع، ولكنها مع الأسف، توقفت منذ أواخر القرن الرابع الهجري بمقولة أن باب الاجتهاد قد فقل، وهي دعوى كانت لها ظروفها.

إن معاودة المحدثين من فقهاء الشريعة الإسلامية اجتهاداتهم، أصبحت اليوم واجباً لاستنباط حلول لمشاكل العصر الذي نعيش فيه، فهذا الواجب يلقي عليهم المهمة الكبرى، وأن تفسير فقهاء الشريعة الإسلامية في نظر الباحث هو التفسير الذي يجب أن يكون ملزماً للمحاكم ومقيداً لأحكامها ويجب أن لا تحيد عنه أبداً.

وبما أن النصوص القانونية التشريعية مستمدة أحكامها من الشريعة الإسلامية، وأن القرآن الكريم والسنة قد وردت باللغة العربية . فإن فهم الأحكام منها يكون فهماً صحيحاً إذا روعي فيه مقتضى الأساليب من اللغة وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة . ولهذا اعتنى علماء أصول الفقه الإسلامي، باستقراء أساليب اللغة العربية ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء، ومما قرره علماء هذه اللغة قواعد وضوابط، يتوصل مراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهماً صحيحاً، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل بها أيضاً إلى إيضاح ما فيه خفاء من النصوص ، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض ، وتأويل ما دل على تأويله ، وغير هذا مما يتعلق بالاستفادة من الأحكام من نصوصها.

وهذه القواعد والضوابط اللغوية مستمدة من استقراء الأساليب العربية ومما قرره أئمة اللغة العربية ، وليست لها صيغة مرتبة، فهي قواعد لفهم العبارات فهماً صحيحاً. ولهذا يتوصل بها أيضاً إلى فهم قواعد أي قانون وضع باللغة العربية، وذلك لأن مواد القوانين الوضعية المصوغة باللغة العربية، هي مثل النصوص الشرعية في أنها جميعاً عبارات باللغة العربية مكونة من مفردات عربية ومصوغة بالأسلوب العربي. ففهم المعاني والأحكام منها يجب أن يسلك فيه السلوك العربي في فهم العبارات والمفردات والأساليب.

وليس من السائغ قانوناً ولا عقلاً أن يسن الشارع قانوناً من القوانين بلغة ، ويطلب من الأمة أن تفهم ألفاظ مواده وعباراتها على مقتضى أساليب وأوضاع بلغة أخرى . لأن شرط صحة التكليف بالقانون هو قدرة المكلفين به على فهمه ، ولهذا يوضع القانون في الأمة بلسانها، وبلغة جمهور أفرادها ، ليكون في استطاعتهم فهم الأحكام منه بأساليب الفهم ، ولا يكون القانون حجة على الأمة إذا وضع بغير لغتها أو كان طريق فهمه غير اللغة التي وضع بها ، قال تعالي :(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ...)[17].

وعلى هذا القواعد والضوابط التي قررها علماء أصول الفقه الإسلامي في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وفيما يقيد العموم من الصيغ ، وفيما يدل عليه العام المطلق والمشترك ، وفيما يحتمل التأويل ، وما لا يحتمل التأويل ، وفي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي أن العطف يقتضي المغايرة ، وأن الأمر المطلق نقيض الإيجاب ، وغير ذلك من ضوابط فهم النصوص واستثمار الأحكام منها ، كما تراعى في فهم النصوص الشرعية ، تراعى في فهم نصوص جميع فروع القانون الأخرى الموضوعة باللغة العربية[18].

المطلب الخامس

 

الحكمـة مـن التـفسـير

 

روى الإمام أبو داؤود في سننه عن بريدة عن أبيه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: (القضاة ثلاثة واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)[19].

هذا الحديث الصحيح في أن قاضي الجنة هو من عرف الحق فقضى به وقاضي النار هو من عرف الحق وحاد في قضائه ، ومن قضى على جهل بالحق والوقوف عليه.

والمراد بالجنة جنة الدنيا وهي راحة الضمير واطمئنان القلب وحسن السمعة وثقة الناس ، وجنة الآخرة وهي رضاء الله وحسن لقائه وجزائه . والمراد بالنار نار الدنيا ، وهي خذ الضمير واضطراب النفس وعذاب الرب والشكوك ، وسوء السمعة وفقد الثقة ، ونار الآخرة وهي سخط الله وعذابه والخزي يوم لقائه.

وكل قاضٍ يهمه أن يكون قاضي الجنة أن يسلك في قضائه السبل التي تنجيه من خذ الضمير في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة إلا أن يعرف الحق ويقضي به.

  أما السبيل إلى معرفة الحق في الخصومة المعروضة عليه فهي أن يبذل جهده في أمرين هما:

أولاً: معرفة الحق الذي يطابق الواقع من الوقائع المدعاة لتبيين الصدق منها والكذب ، وعدته لهذا فطنته وفراسته وملكته تقديره وتطبيقه لأصول الإجراءات.

ثانياً: معرفة الحق من نصوص القانون الواجب تطبيقه وفهمها على نور ساطع لا تشوبها أهواء ولا أغراض وعدته لهذا علمه بنصوص القانون وطرق تفسيرها وتأويلها وإزالة غموضها.

ولذلك كانت المعرفة الصحيحة بقواعد تفسير النصوص القانونية أمراً لازماً لفهم هذه النصوص والقوانين وحسن تأويلها وذلك لأن التفسير والتأويل في كل واحد منهما مجال للأهواء والأغراض كثيراً ما يكون تعطيل النص والعبث به عن طريق تفسيره وتأويله . وكثيراً ما تسيطر الأغراض والأهواء فيفسر النص بما ينسخه ويؤول إلى ما لا يحتمله.

فالأصل في النص القانوني أن يكون واضح الدلالة على المراد منه ولا يحتمل الدلالة على غيره ، ولا يحتاج القاضي إلى اجتهاد في تعيين المراد منه لأن الشارع وضع ما قصده وعين ما أراده وكفى القاضي العناء في الاجتهاد في تبيينه.

كما أن القوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

ومع ذلك قد نجد نصوصاً في القوانين بها نوع من الخفاء والغموض ويحتاج من يطبقها إلى إزالة هذا الخفاء أو الغموض ، أو أن يكون النص محتملاً لأكثر من معنى ويحتاج الأمر إلى ترجيح أحد المعاني وتعيين المراد منه ، لذلك كانت عملية التفسير أمراً لازماً وضرورياً حتى يتسنى تطبيق القانون تطبيقاً سليماً وعادلاً[20].

إلا أن المشكلة أحياناً قد تكون أكثر تعقيداً حينما يصبح من غير الميسور معرفة مضمون النص من خلال ألفاظه ، حينها يتم اللجوء لوسائل خارجية لتوضيح المعنى المراد من القاعدة القانونية مثل حكمة التشريع والأعمال التحضيرية للتشريع وهي مجموعة الوثائق التي تسجل الخطوات التي مر بها التشريع والمناقشات التي دارت حوله ، وهي تساعد كثيراً في فهم النصوص. كذلك الأمر يمكن اللجوء للمصادر التاريخية التي أخذ منها القانون بعض أحكامه ، فمثلاً نصت المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م[21].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

مذاهــب التفسـير

 

يهدف التفسير إلى التعرف على المعنى الذي ينطوي عليه النص وما قصده المشرع من عبارات ، فالوقوف على نية المشرع وإرادته التي عبر عنها في النص التشريعي هي الغرض الذي يسعى كل من الفقيه والقاضي إلى الوصول إليه ، ولكن الخلاف يثور عندما يراد تحديد المقصود بإرادة المشرع ونيته ، لذلك لقد تعددت الآراء بشأن النية التي يجب البحث عنها من واقع النص ، هذا بدوره أدى إلى تعدد الآراء في التفسير ومنها:

 

المطلب الأول

 

النـــظريــة  التقـــليدية

 

ويعرف أصحاب هذا الاتجاه بمدرسة التزام النصوص ، وقد ظهرت أعقاب صدور المجموعات الفرنسية مع بداية القرن التاسع عشر ، وقد كان الفقهاء الفرنسيون ينظرون في ذلك الحين إلى العمل التشريعي الذي قام به نابليون ، عندما جمع القواعد القانونية لكل فرع من فروع القانون في مجموعة مستقلة نظرة تقديس واحترام ، وكانوا يرون أن التشريعات التي أصدرها نابليون جمعت وأحاطت بكل شيء ، وما دامت النصوص التشريعية تشمل على كل شيء فإن دور الفقيه يقتصر على تفسيرها واستخلاص الأحكام منها ، ويتعين على الفقيه عند تفسير النص أن يبحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع والتي عبر عنها النص التشريعي عند وضعه.

وإزاء هذا التقديس للنصوص اندفع أنصار هذه المدرسة إلى التقيد بالنص والتزام حدوده.

ويرى أنصار هذه المدرسة أيضاً عند التقيد بالنص بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية ، والسوابق التاريخية والروح العامة للتشريع.

أولاً: الأعمال التحضيرية: عند غموض النص وعدم وضوحه يجب الرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمناقشات التي صاحبت إعداد النص أو خلق القاعدة القانونية ، وعند الاطلاع عليها يمكن الوقوف على إرادة المشرع.

ثانياً: السوابق التاريخية: يرى أصحاب هذه المدرسة بأن سكوت المشرع عن الإفصاح عن أمر معين ما يفيد رضاءه بالوضع الذي كان قائماً قبل صدور النص ، وهذا لا يتم إلا بالرجوع إلى السوابق التاريخية.

 ثالثاً: الروح العامة للتشريع: في حالة الشك في مفهوم نص معين يجب ترجيح المعنى الذي يلائم الروح العامة للنصوص.

النظرية الحديثة:

يرى أصحاب هذه المدرسة أن أمر التفسير يتلخص في أمرين هما:

أولاً: التفسير وفق إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق النص:

يرون أن القواعد القانونية المقررة في النصوص ينبغي أن تفسر وفقاً لحاجة المجتمع وظروفه وقت تطبيقها ، فالمفروض أن يتساءل المفسر عن إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق القواعد القانونية ، ولا يقع أسير هذه الإرادة يوم إعداد تلك القاعدة.

 ثانياً: اتساع مفهوم التفسير لمنهج البحث العلمي الحر:

يرون بعدم جواز إرهاق إرادة المشرع ، فليس من الضروري أن يلتزم بإيجاد الحل وفقاً لإرادة المشرع الاحتمالية ، بل إن المفسر الدائر في فلك  النصوص يجب أن يتم في إطارها ، دون إضاعة الجهد في البحث عن نوايا احتمالية للمشرع ، وإنما وجوب التسليم صراحة بأن هناك مسائل لم يتعرض إليها المشرع.

كما يجب أن يستعين المفسر في تفسيره بالأصول الفكرية الواقية التي تكمن في جوهر القواعد القانونية ، وينبغي أن يكون الحل عادلاً بالنسبة للأفراد وملائماً للجماعة.

 

النظرية المختلطة:

تقوم هذه النظرية بالجمع بين الاتجاهين وذلك وفقاً للغاية من التفسير ، أي إذا كانت الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية طبقاً ، أو عما إذا كانت الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة.

أولاً : حالة افتراض الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية المطبقة:

لا يرى أنصار هذه النظرية في هذه الحالة تجميد التفسير في الإطار الضيق الذي أراده أصحاب مدرسة التقيد بالنص ، فلا يجوز للمفسر أن يستسلم لإرادة المشرع وقت وضع النص ، أو أسيراً لمفهوم القاعدة القانونية عند وضعها بوجه عام ، وإنما ينبغي على المفسر أن ينظر إلى القاعدة القانونية بروح العصر عند تطبيقها ، فهو على هذا النحو يرد القاعدة القانونية إلى طبيعتها الأصلية ، وانه لا يملك مخالفتها أو تعطيل أحكامها.

ثانياً : حالة الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة:

المفروض في هذه الحالة أن القواعد القانونية لا تسعف المفسر في تقديم الحل لبعض الفروض التي تكشف عنها الحياة العملية.

فإذا كانت غاية التفسير ابتداع حكم لسد الفراغ ، فينبغي على المفسر أن يسلك منهج البحث العلمي الحر ، على هدى من الأصول التي تشكل جوهر القاعدة القانونية في الجماعة.

طرق التفسير:

في حالة عرض نزاع ما على القاضي عليه أن يلتمس الحل في التشريع أولاً ، فقد يجد نصاً واضحاً سليماً وقد لا يجده وبما أن مهمة القاضي الفصل في النزاعات ، فإنه يلجأ إلى طرق التفسير المختلفة التي يستعين بها في الوصول إلى حكم النصوص الموجودة ، وإذا لم يتمكن عن طريق النصوص الموجودة من الوصول إلى حل النزاع ، فإنه يوجد أمام حالة غير منصوص عليها ، وتبعاً لذلك يكون حلها باللجوء إلى مصادر القوانين الأخرى.

المطلب الثاني

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

أصول جمع أصل ، الأصل في لغة العرب ما يبتني عليه غيره ، ومنه بناء الأحكام الجزئية ، على القواعد الكلية ، وهو عند الفقهاء والأصوليين يطلق على معانٍ منها (الدليل) ، إذ يقال الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة ، ومنها (القاعدة الكلية) ، وتعرف بأنها قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على جزيئات موضوعها[22].

بين قانون أصول الحكام القضائية لسنة 1983م ما لا يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني [23]. أو التفسيري كما بين أيضاً ما يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني.

ويدور الجواز وعدمه وجوداً وعدماً ، مع توافر وانعدام قيدين هما كون النص مفسراً أو قطعي الدلالة كما بينت لنا المادة الثانية من هذا القانون الكيفية التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني في تفسير النصوص التشريعية وحيث نصت (في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قطعي الدلالة:

(أ ) يستحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية ، تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة محرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

  1. يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية بما يوافق أحكام الشريعة ومبتدئها وروحها العامة.

(ت) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

أولاً : مالا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

لا يجوز لقاضي الاجتهاد البياني ، في حالتي النص التشريعي المفسر ، أو النص التشريعي قطعي الدلالة ، لعدم احتمالهما التأويل ، أوالتخصيص ، أوصرفهما عن ظاهرهما.

النص المفسر:

ينقسم اللفظ بحسب خفاء معناه وظهوره إلى قسمين:

(أ ) خفي الدلالة ، وهو استتر معناها لذاته ، أو لأمر آخر ، متوقف على المراد منه على غيره ، وقد يتعذر فهمه أو يزول خفاءه بالرجوع إلى المتكلم به أو البحث والتأويل ، وهو يشمل المتشابه والمجمل والمشكل والخفي.

(ب) واضح الدلالة ، وهو ما دل على معناه بصيغته من غير توقف على أمر خارجي ويشمل المحكم والمفسر والنص الظاهر.

النص القطعي:

هو النص الذي وصل إلينا عن طريق قطعي ويحمل في نفس الوقت دلالة قطعية علي مضمونه ، أي أنه قطعي الثبوت بالنظر لإسناده ، وقطعي الدلالة بالنظر لمضمونه ، وهو اللفظ باعتبار دلالته علي معنى مقصود من السوق ، وغير محتمل للتفسير والتأويل ، ولا قابل للنسخ ، فهو كالمفسر في وضوح دلالته ، ولكنه أقوى منه دلالة على المعنى .

ثانياً: ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

الاجتهاد البياني هو تفسير نص قائم بتفهم معناه وكشف مرماه ومضمونه فهو اجتهاد ضمن دائرة النص القائم في حدود الأصول اللغوية والشرعية [24] . ويتنوع البيان والتفسير بحسب الجهة التي تتولاه.

 

 

الإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني:

نصت الفقرة (أ ) من المادة (2) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م على الآتي:

(يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي ، أو إباحة لمحرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية).

وباستقراء نص المادة أعلاه أن لا يذهب القاضي في تفسيره للنصوص التشريعية ؛ إلى تفسير يخالف أحكام الشريعة الإسلامية ، وأنَّ عليه أن يفسر النص بما يوافق الشريعة الإسلامية ، ومن ثم يكون باطلاً كل تفسير قضائي يعطل واجباً قطعياً أويبيح محرماً بيناً.

وهذا ما سارت عليه السوابق القضائية السودانية وأرست:

قواعد عامة - البحث في التشريع - دواعيه [25].

تفسير - تفسير النص القانوني - الغرض منه - جواز الالتجاء إليه.

تفسير - التفسيرات التشريعية - متى تصدر.

إجراءات مدنية - إنذار النائب العام - عدم جواز إرسال العريضة بواسطة المحكمة للنائب العام.

تفسير- عبارة إبلاغ النائب العام الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المقصود منه.

1- لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجور الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالحكمة التي أملته لأن البحث في حكمة التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سيبل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصى الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة عند وجود نص واضح ومحدد.

2- الأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا إذا شاب ذلك النص غموض يراد توضيحه أونقص يراد إكماله أوتعارض يراد إزالته بحيث إذا كان صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أيا كانت وسيلته إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له.

3- التفسيرات التشريعية تصدر لتكشف عن غوامض القانون ولتزيل الإبهام الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكامه أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة ، لم تتناولها نصوصه.

4- إرسال العريضة إلى النائب العام للرد عليها خلال شهرين إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد فيه هو مساعدة المدعى بتحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.     

5- يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانوناً إلى النائب العام ولا يدخل في تعريف (المدعى) اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً للقانون.

 

 

ملخص الوقائع:

القاضي/ فاروق أحمد إبراهيم

هذا طلب مقدم من النائب العام تحت المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م . لتفسير نص المادة 33(4) من ذلك القانون.

 وفي صدر الطلب يورد النائب العام نص المادة 33(4) ومفاده أنه لا يجوز رفع دعوى ضد أي جهاز من أجهزة الدولة أو ضد أي موظف عام عن فعلٍ نسب إليه بصفته أو أثناء قيامه بواجبات وظيفته قبل إبلاغ المدعى للنائب العام بالنية في رفع الدعوى بعريضة واضحة ومختصرة ويمضي شهران من تاريخ ذلك التبليغ ما لم يأذن النائب العام في رفع الدعوى قبل انتهاء تلك المدة.

وعلى سبيل المقارنة وكخلفية تاريخية يورد النائب العام نص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م والتي لم تكن تجيز رفع الدعوى ما لم يقم المدعى أو المحكمة بحسب الأحوال بإبلاغ النائب العام وأن تنقضي مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة ما لم يأذن النائب العام برفعها قبل انقضائها.

ويقول النائب العام أنه استناداً إلى قانون 1974م درجت المحاكم على إبلاغ النائب العام رغم أن الغرض من النص هو إعطاؤه الفرصة لتقييم الموقف بهدف الوصول إلى تسوية مع المدعي أو رفض العريضة . هذا وقد أشار النائب العام إلى بعض السوابق القضائية في هذا الخصوص وذلك للتدليل على أن قاعدة إنذار النائب العام هي مسألة تتعلق بالنظام العام وأنه رغم ذلك لم تلتزم محاكم أدنى درجة بإنذاره وفقاً لما قرره القانون.

ويمضي النائب العام إلى القول بأن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م قد حسم هذا الأمر بصفة قاطعة حينما تم حذف عبارة (أمر المحكمة)

وبالتالي أصبح واجب إنذار النائب العام مقصوراً على المدعى وحده.

وينتهي النائب العام إلى القول بأن المحاكم لم تلتفت إلى النص الجديد حيث درج بعضها على إبلاغ النائب العام بنفسه بحجة أن ذلك لم يضر بمصلحة ولكون أن ذلك الإبلاغ من جانب المحكمة لا يخرج في مضمونه عن نقل نية المدعى رفع الدعوى وبالتالي لا يمكن تفسيره على وجوب أن يقوم المدعى بشخصه وليس المحكمة بإبلاغ النائب العام وإلا وقع التبليغ باطلاً.

لذلك يلتمس النائب العام تفسير المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م كي يقرر ما إذا كان يتحتم على المدعى بشخصه إبلاغ النائب العام بنيتة في رفع الدعوى أم يجوز أيضاً للمحكمة إبلاغه نيابة عن المدعى وإذا ما أبلغت المحكمة النائب العام ولم يقم المدعى بإبلاغه فهل يكون ذلك التبليغ باطلاً.

المحكمة

لما كانت المادة 33(3) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م واضحة وصريحة حيث إنها لم تجز رفع الدعوى حتى تنقضى مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة فإنه تأسيساً على ذلك يكون القانون وقتها قد أجاز للمدعى سلوك أحد طريقين وهو إما أن يقوم بإبلاغ النائب العام قبل تقديم العريضة إلى المحكمة وفي هذه الحالة يمتنع عليه اتخاذ أي إجراءات قضائية قبل انقضاء مدة الشهرين أو أن يغفل إبلاغ النائب العام ويتقدم بعريضته مباشرة إلى المحكمة لتقوم بدورها بإبلاغ النائب العام.

ثم صدر فيما بعد قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وحذف المشرع من لب المادة 33(4) منه عبارة (أو المحكمة) لتصبح الجهة الوحيدة التي تقوم بإبلاغ النائب العام بالنية برفع الدعوى هي المدعى وحده . هذا النص صريح وقاطع في الدلالة بحيث لا يحتاج إلى عناء في التفسير إذ إن المشرع بإسقاط عبارة (أوالمحكمة) يكون قد قصد ولأسباب يقدرها استبعاد تدخل أي جهة أخرى وقصر واجب البلاغ على المدعى وحده دون غيره ولأسباب تتصل بمقتضيات العمل ولكي تتاح الفرصة للنائب العام خلال مدة الشهرين للاتصال بالجهات ذات الصلة بالعريضة للوقوف على جدية الادعاءات المضمنة فيها أو إجراء تسوية لمطالبة المدعى إن لزم تجنباً لمشقة التقاضي.

لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجوز الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالمحكمة التي أملته لأن البحث في حكمه التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سبيل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصي الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها لا مع حكمتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة مع وجود نص واضح ومحدد . فالأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أياً كانت وسيلته . إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له . فالتفسيرات التشريعية إنما تصدر لتكشف عن غوامض قانون ولتزيل الإبهام عن الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكام القانون أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة لم تتناولها نصوصه.

وعلى هدى من هذا النظر فإنه متى كانت عبارة النص قد وردت صريحة على المقصود منها فإنه لا يجوز الاجتهاد مع هذا الوضوح في النص بدعوى أن تطبيقه قد يترتب عليى أضرار بمصلحة الخاضعين لأحكامه لأن وصاية العدالة في سن التشريعات وتعديلها في ضوء ما يسفر عند تطبيقها هي مهمة المشرع وليس المحكمة.

وترتيباً على ذلك فإنه وبعد سريان الإجراءات المدنية لسنة 1983م يجدر بالمحاكم أن تتقيد بنص المادة 33(4) وذلك بأن لا تقبل العريضة في مواجهة النائب العام إلا إذا أثبت فيها مقدمها أنه قد أبلغ النائب وفقاً لمقتضيات القانون ،  فإذا ما تقدم بعريضته إلى المحكمة دون أن يبين فيها أنه قد التزم بحرفية المادة 33(4) وجب على المحكمة أن ترد إليه العريضة دون اتخاذ أي إجراء وأن توجه باتباع الإجراء القانوني الذي أوجبته المادة أعلاه قبل اللجوء إلى المحكمة.

أما ما درجت عليه بعض المحاكم من إرسال صورة من العريضة إليى النائب العام للرد عليها خلال شهرين وهذا في رأينا إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد منه هو مساعدة المدعى تحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.

أما ما ذهبت إليه بعض المحاكم في تبريرها لذلك الدخل بمقولة أنها تعتبر وكيلة عن المدعى أوحلقة وصل في هذه الحالة وهذا إجراء لا أساس له في الواقع أو القانون إذ إن المحكمة لا تعتبر في أي مرحلة تكون فيها الدعوى وكيلة عن أيٍ من الطرفين إذ يتنافي ذلك مع واجبها الأساسي بل ويجردها من أبسط مظاهر العدالة وهي أولاً الالتزام بتطبيق القانون كما صاغه المشرع وثانياً أن ذلك التطبيق بالحيدة المطلوبة دون ميل أو محاباة لأي من الخصوم.

لما تقدم ذكره أرى أن التفسير الذي يميل إليه النائب العام هو تفسير صحيح لنص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ومن ثم أرى أن يصدر الحكم على النحو التالي:

يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانونياً النائب العام ولا يدخل في تعريف المدعى اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً لهذا القانون.

القاضي/ حنفي أحمد إبراهيم

بعد الاطلاع أوافق على رأي مولانا/ فاروق لأنه التفسير السليم للنص

القاضي/ أحمد إدريس أحمد 

أوافق على كل ما جاء في المذكرة.

القاضي/ محمد حمزة الصديق

أوافق فقصد المشرع بحذف كلمة (أو المحكمة) الواردة في قانون سنة 1974م كما بينه مولانا فاروق.

القاضي/ يوسـف دفع الله

أوافق على ما ذهب إليه مولانا فاروق أحمد

القاضي/ عبيد قسـم الله

أوافق على التفسير الذي ورد في مذكرة الزميل فاروق.

القاضي/ زكي عبد الرحمن

11/5/1986م

أوافق على ما انتهى إليه مولانا/ فاروق أحمد . ولو جاز لي أن أضيف شيئاً إلى مذكرته الوافية فهو أنه حتى إذا كان هناك غموض في نص المادة 33(4) أضفاه عليه اختلاف الفهم للمحكمة من ورائه . فإن قواعد التفسير التقليدية تؤدي إلى نفس النتيجة التي رآها مولانا فاروق حيث إن تطبيق قاعدة إزالة الضـرر (Mischief Rule) على تفسير المادة في ضوء مراحل تطورها ، ينتهي بنا الأمر إلى أن المشرع إنما حذف عبارة (أو المحكمة) التي كانت ترد في القانون قبل عام 1983م نظراً إلى الأضرار التي ترتبت على إقحام المحكمة في إجراء يتطلبه القانون من الذين يرغبون في مقاضاة الدولة فقد أدى ورود عبارة (المحكمة) في سياق النص الذي ألزم المدعى بإبلاغ النائب العام إلى خلط أفرغ النص من معناه حيث كانت المحاكم تأخذه على أنه مجرد إجراء شكلي لا يمنع تصريح الدعوى ويغني عنه إعلان النائب العام في أي وقت لميعاد بتراخي شهرين أو أكثر وهو ما كان يعني بالضرورة أن تحل كل الالتزامات الناشئة عن التقاضي.

وعلى هذا ، فإنه وسواء كان نص المادة 33(4) واضحاً وضوحاً لا يحتمل تبايناً التفسيرات أوكان مشوباً بغموض يتطلب الإيضاح ، فإن النتيجة واحدة ، وهي ما انتهى إليه مولانا فاروق.

وأيضاً السابقة القضائية [26]:

قواعد تفسير القانون 1974م _ عناوين المواد الراسية والهامشية ليست جزءاًً من التشريع - إمكانية الاسترشاد بما فيها تفسير النصوص في حالة غموضها.

قانون الشفعة لسنة 1928م - سلطة المحكمة في مد وتأجيل المواعيد المحددة في القانون المادة 19 .

1- من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقانون وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها في حالة وضوح النص ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

2- سلطة المحكمة بخصوص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م لمد أو تأجيل المواعيد المحددة في القانون لاتخاذ إجراء معين سلطة مطلقة تنسحب على كل الأوقات والمواعيد في القانون بما في ذلك المواعيد المنصوص عليها في المادة 17 من القانون.

رأي مخالف: تعطي المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك منوط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد.

المحامون:

علي محمود حسنين وسعد ياجي                                 عـن الطاعن       

عبد العزيز شدو                                         عن المطعون ضدهما               

الحكــم:

19/3/1976 م

القاضي: رمضان علي محمد:

يطعن مقدم الطلب (المدعى) بطريق النقض في حكم محكمة الاستئناف في استئنافها رقم 115/75 بتاريخ 7/4/1976م والقاضي بشطب الطعن بالاستئناف المقدم لها ضد حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية في الدعوى  رقم 599/74 الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م بشطب الدعوى.

تتلخص وقائع الدعوى التي صدر فيها موضوع الطعن في أن الطعن (المدعى) أقام الدعوى المشار إليها يلتمس فيها الحكم له بتعديل سجل 505/4 فداناً في الساقية رقم 96/2 مربوع شمبات بالخرطوم بحري من اسم المطعون ضده الأول (المدعى عليه الأول) إلى اسمه وادعى الطاعن في عريضة دعواه بأن المطعون ضده الأول قام بشراء هذه المساحة من المطعون ضده الثاني والذي كان يملك ذلك النصيب معه في تلك الساقية على الشيوع مما يعطيه أولوية الشراء عن طريق الشفعة.

جاء في مذكرة الدفاع أن البيع سجل في 13 مارس سنة 1974م وبذلك سقط حق الطاعن (المدعى) في الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة. وقد عقب الطاعن (المدعى) على هذا الرد بأنه علم بالبيع في 14/9/1974م ، فإذا تم البيع فعلاً في 13 مارس 1974م فقد أخفي المطعون ضدهما ذلك منه حتى تاريخ انقضاء الستة أشهر حيث أخطر الطاعن (المدعى) في 14/9/1974م أي بعد يوم واحد من انقضاء مدة الستة أشهر وبالتالي لم يقم المطعون ضدهما بالإخطار المنصوص عليه في المادة 15 من قانون الشفعة.

ومن ثم طلب الطاعن من المحكمة الابتدائية أن تمارس سلطتها وفقاً للمادة 19 من قانون الشفعة لمدة الستة أشهر من صالحه.

في 2 فبراير 1975م قضت المحكمة الجزئية بشطب الدعوى لسقوط حق الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة / واستندت في ذلك على ما يلي:

1- لقد فسرت السابقة القضائية المدونة في عدد سنة 1970م من المجلة القضائية في الصفحة 71 ما يوفى بأنه إلزام على المشتري أوالبائع إخطار المشفع بحقه في حق الشفعة إنما هو حق لهما يملكان الخيار في استعماله إن أرادا ذلك.

2- على المشفع أن يتخذ إجراءات إعلان الشفعة تحت المادة 11 من قانون الشفعة في خلال 15 يوماً من تاريخ علمه بالبيع أوإخطاره بحقه في الشفعة وبالعدم يسقط حقه في المطالبة بالشفعة وفقاً لأحكام المادة 17 وقد حددت المادة 17 مدة السقوط لفترة ستة أشهر تبدأ من تاريخ تسجيل البيع.

3- إذ جاز مد فترة السقوط فهذا يعني أن المحكمة لمثل هذا الفعل قد حلت محل المشرع وألقت ما جاء في المادة 17 من قانون الشفعة.

في 7 أبريل سنة 1976م شطبت محكمة الاستئناف طعناً بالاستئناف تقدم به الطاعن ضد حكم المحكمة الجزئية وضد هذا القرار يتقدم الطاعن بالطعن المطروح أمامنا الآن لنقض ذلك الحكم.

استندت محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه على الأسباب الآتية:

1- قدم طلب الشفعة بعد أكثر من ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع . لقد تم تسجيل البيع في 13 مارس 1974 م وقدم طلب الشفعة في 21 سبتمبر 1974م أي كان تقديم الشفعة بعد انقضاء 8 أيام من نهاية الفترة المحددة.

2- لا تملك المحكمة في أن تتجاوز عن هذا التأخير حيث لا يمكن للمحكمة أن تمد المدة المحددة استناداً على المادة 19 من قانون الشفعة.

إن السلطة الممنوحة للمحكمة بموجب هذه المادة لمد المواعيد التي تحددها المحكمة نفسها ولا تمتد للمواعيد التي يقررها القانون وهذا واضح من استعمال كلمة (Limited) أي(المحددة) ولم يستعمل المشرع كلمة (المقررة) (Prescribed) لأن العبارة الأخيرة هي التي تشير إلى تلك المواعيد التي يقررها القانون . وقد أشارت محكمة الاستئناف في هذا الشأن إلى التعريف الوارد في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة.

وقد أورد السيد محامي الطاعن الأسباب الآتية لنقض الحكم المطعون فيه:

1- جاء عنوان مد المدة المسموح بها بموجب هذا القانون وواضح من هذا النص أن للمحكمة حق مد وتأجيل الوقت لأي فعل أو اتخاذ أي إجراء بموجب قانون الشفعة كله . وقد جاء عبارة (The Time Limited Hereunder) الواردة في المادة 19 لتعني المدة المحددة في القانون وليست المدة التي تحددها المحكمة.

2- أن المادة 19 من قانون الشفعة تماثل المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م التي تمنح المحكمة سلطة مد أي مدة حددها القانون.

تنص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م على الآتي:

(“Where awing to the absence of a party or other cause it seems just to court to extend or adjourn the time limited hereunder for doing any act or taking any proceeding “the court may by order extend or adjourn any such time)

من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقوانين ، وبالتالي فلا يمكن الاستعانة بها خاصة إذا كانت النصوص واضحة ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

عبارة (The Time Limited Hereunder ) إن هذه العبارة ترجمتها في رأينا كالأتي:

(المواعيد المحددة في هذا القانون) وهذه الترجمة تتماشي تماماً مع العنوان الهامشي في المادة نفسها وهو :

Power to extend time allowed under this ordinance

وعليه لا يمكن القول بوجود تضارب بين العنوان والنص الوارد في المادة 19 من القانون.

وقد جاءت ترجمة المادة 19 من النص العربي من قوانين السودان المراجعة حتى نهاية 1974م في المجلد الثاني كما يلي:

(إذ ظهر للمحكمة في الوقت المسموح به بموجب هذا القانون أنه من العدل أن تمد أوتقصر الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء فيجوز بأمر منها أن تمد أو تقصر هذه المواعيد).

جاءت المادة 4 من قانون تفسير القوانين النصوص العامة لسنة 1974م (قانون32 لسنة 1974م) تفسر عبارة مقرر (prescribed) ضمن كلمات وعبارات أخرى لأنها تعني (مقررة) بالقانون الذي وردت فيه هذا الكلمة أو أي تشريع آخر وفقاً لهذا القانون . وفي رأينا أن كلمة مقررة أو محددة  (prescribed limited or) مترادفتان وتؤديان نفس المعنى ما لم يحدد المشرع معاني خاصة لكل منها فقانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م لم يحدد معنىً خاصاً بعبارة محددة.

وفضل عن ذلك فليس في قانون الشفعة لسنة 1928م مادة واحدة تعطي المحكمة سلطة تحديد فترة زمنية معينة لأداء أي عمل أو إجراء خلالها . وأن المواعيد الواردة في هذا القانون جميعها إنما هي مواعيد محددة في القانون ومن الطبيعي أن سلطة مد المواعيد المقررة بموجب المادة 19 إنما تشير إلى هذه المواعيد المقررة بموجب القانون.

إن لمحامي المطعون ضده نفس الرأي في تفسير المادة 19 في أنها تمنح المحكمة حق مد أو تأجيل المواعيد المحددة في قانون اتخاذ إجراء معين إلا أنه يضيف قائلاً بأن الإجراءات المعنية في نص المادة 19 إنما هي الإجراءات المنصوص عنها في المواد 11 و15 و16 ولا تعني الإجراءات المنصوص عليها في المادة 17 والتي تتحدث عن سقوط حق الشفعة وأنها إذا انقضت ستة أشهر على تاريخ تسجيل البيع علم بذلك المشفع أو لم يعلم ، وليس هنالك إجراء معين يمكن للمشفع اتخاذه خلال فترة معينة حتى تنطبق عليه أحكام المادة 19 من قانون الشفعة.

إن المشرع عندما نص في المادة 17 على أنها حق الشفعة بعد مضي ستة أشهر من التسجيل إنما قصد ضمناً وجوب اتخاذ إجراءات الشفعة خلال الستة أشهر السابقة للتسجيل . وفي رأيي إن للمحكمة سلطة مد هذه المدة بما لها من سلطات بموجب المادة 19 . وعليه  أرى قبول هذا الطعن وإلغاء كل من حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م وقرار محكمة الاستئناف المؤيد له مع الأمر بإعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير في الدعوى على ضوء هذه المذكرة.

القاضي : الصادق عبد الله

أوافق . لقد جاء نص المادة 19 مطلقاً دون تقييد ولا استثناء شاملاً كل (الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون) ولذلك فهي تنطبق على المواعيد المنصوص عنها بالمادة 17 من القانون والسبب الذي أبداه الشفيع هو أنه لم يكن يعلم بالبيع.

7/3/1977 م

مذكرة برأي مخالف

القاضي هنري رياض سكلا:

رغم أن الأسباب والأسانيد التي ساقها الزميل العالم رمضان علي محمد لها وجاهتها وحجتها في الإقناع مما يبرر تفسير المادة 19 من قانون الشفعة القائل (إذا كان السبب غياب طرف من أطراف دعوى أو لأي سبب آخر رأت المحكمة من العدل مد المواعيد أو تأجيلها للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء ويجوز للمحكمة بأمر منها أن تمد أو تؤجل أي موعد) بأنه يعطي المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك مشروط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد كما هو واضح بجلاء من صدر المادة المذكورة.

وعلى هدى من هذا النظر ولما كانت عريضة دعوى الطاعنين قد جاءت خلواً من أي سبب لمد الميعاد فإن عناصر المادة 19 لا تكون متوفرة أو مكتملة مما يتعين معه رفض تطبيقها وعدم إعمالها على واقعة الدعوى ومن ثم يتعين تطبيق أحكام المادة 17التي تقضي بسقوط الحق في الأخذ في الشفعة إذا انقضت ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع هو ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه دون أن يكون مخالفاً للقانون ولا مخطئا في تطبيقه.

ولذلك فإني أرى رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالرسوم.

 تفسير المجملات والعبارات التقديرية:

نصت عليها الفقرة (ب) من المادة (2) على أنه: (يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية ، بما يوافق الشريعة الإسلامية ومبادئها وروحها العامة).

لقد اختلف الأصوليون اختلافاً لفظياً في تعريف المجمل ، فعرفه البزدوي (بأنه ما ازدحمت فيه المعاني ، و اشتبه المراد منه اشتباهاً ، لا يدرك بنفس العبارة ، بل بالرجوع إلى الاستفسار ، ثم الطلب ، ثم التأمل[27].

واستناداً إلى تفسير الأصوليين بالمجمل وهو الذي لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى الشارع أو المشرع.

 في التفسير التشريعي لا نجد في القوانين كلها ألفاظاً مجملة بهذا الاصطلاح ولذا وردت كلمة (المجملات)  في المادة وخول القانون للقاضي تفسيرها بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة فإنها لا تعني كل لفظ أوعبارة خفي معناها خفاء يمكن التعرف على معناها بالاجتهاد لأن المجمل في تعريف العلماء لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى المتكلم وهو المشرع وهو وحده المختص ببيان المجمل.

لقد أختار المشرع مصطلحات علماء الأصول في تفسير النصوص وفي المصادر الاحتياطية التي يلجأ إلى أحكامها القضاة عند عدم وجود النص وإن اختيار هذه المصطلحات تعني بالضرورة الالتزام بمعانيها التي قررها علماء الأصول وعدم الخروج عنها ، فإذا جعل المشرع من اختصاص القاضي تفسير المجمل فهذا خروج على علماء الأصول في تعريف المجمل ما لم يبين بكل الوضوح أن المشرع لم يقصد الخروج عن اصطلاح العلماء ولكن عبر بالمجمل عن كل ما فيه غموض أو إبهام أو خفاء من النصوص ويمكن معرفة معناه بالاجتهاد والتأمل كالمشكل والخفي دون الرجوع للمشرع.

من قبيل المجمل في القوانين السودانية لفظ المعاملات في الفقرة (1) من المادة (3) من قانون الإثبات لسنة 1993م ونصها: (يطبق هذا القانون على الإثبات في المعاملات والمسائل الجنائية ...).

فلفظ (المعاملات) في هذا المعنى العرفي الظاهر يختص بتصرفات الأفراد المالية في العقود المدنية ، وأدخل الشارع في معناه هنا معناً شرعياً وهو (الأحوال الشخصية بما فيها أقضية الطلاق والنسب والحضانة) إذ نصت المادة الرابعة من ذات القانون على أن: (المعاملات يقصد بها العلاقات والتصرفات المالية والأحوال الشخصية وسائر المسائل القانونية غير الجنائية) فكان ذلك بياناً من الشارع بما رفع خفاء المعنى بنقله من المعنى العرفي إلى معنىً قانوني جديد.

وأيضاً من قبيل المجمل لفظ (البينة) في المادة (3) الفقرة (2) من قانون الإثبات السوداني لسنة 1983 م: (سرى أحكام هذا القانون على ما لم يكن قد سمعت فيه البينة من الدعاوى) فلفظ البينة في المعنى اللغوي الظاهر يدور بين معانٍ عديدة منها الإظهار، قال تعالى: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ...)[28].

قال الزمخشري [29] : من تبين الشيء إذا ظهر وتجلى ، ومنها أن البينة تعني تثبت لقوله تعالى: (يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)   [30] . ومنها أن البينة تعني الحجة والبرهان ، ومنه قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا ...)[31].

ولما كان المقام هنا متعلقاً بسماع البينة في الدعوى على نحو ما ثبت في النص فقد ثبت أن البينة المرادة هنا هي الحجة والبرهان ، هكذا رفع المجمل جزئياً ويعدّ اللفظ مشكلاً يدور معناه بين رأي جمهور الفقهاء القائل بأن البينة هي شهادة الشهود ، ورأي ابن حزم الظاهري القائل بأن البينة هي شهادة الشهود وعلم القاضي والإقرار . ورأي فريق من الفقهاء منهم ابن القيم الجوزية وابن فرحون المالكي وعلاء الدين الطرابلسي الحنفي أن البينة هي كل ما يبين به الحق.

ولما تزاحمت هذه المعاني في نص المادة أعلاه ، لم يكن ثمة بد من بيانها بواسطة المشرع نفسه ، فجاءت المادة الرابعة من ذات القانون تنص على أن: (البينة يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو في أي واقعة متعلقة بدعوى أو نزاع أمام المحكمين أو الموفقين) . ومن ثم علم أن المشرع يريد بمعنى البينة ما ذهب إليه هذا الفريق من الفقهاء ، فكان ذلك بياناً بما رفع ما في الإجمال من خفاء بسبب تزاحم المعاني وتعيين المراد من قبل المشرع.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

أولاً : القرآن الكريم

ثانياً : المراجع:

  1. السنن الكبرى.
  2. سنن البيهقي.
  3. تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ، محمد أديب صالح.
  4. المدخل لدراسة العلوم القانونية ، مصطفى منصور.
  5. النظرية العامة للقانون ، سيد عبد الستار تنابو.
  6. شرح القانون المدني المصري الجديد ، كامل مرسي.
  7. دروس في مبادئ القانون ، عبد الودود يحيى و نعمان جمعة.
  8. شرح التلويح على متن التنقيح في أصول الفقه ، تحقيق: زكريا عميرات ، سعد الدين التفتازاني.
  9. دروس في نظرية القاعدة القانونية ، محمود جمال زكي.
  10. المدخل لدراسة القانون ، أحمد سلامة.
  11. المدخل إلى القانون ، رمضان أبو السعد و همام محمد محمود زهران.
  12. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ، وهبة الزحيلي.
  13. دلالات الألفـاظ و أثـرها فـي تفسير النصوص القانونيـة ،      د. عباس سليمان علوان.
  14. قانون الأحكام القضائية لسنة 1983م.
  15. مجلة الأحكام القضائية لسنة 1986م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

1- مقدمة                                                            1      

2- المستخلص باللغة العربية                                          3

3- المستخلص باللغة الانجليزية                                        4

4- المبحث الأول : مفهوم التفسير و مجاله و أنواعه                     5

5- المطلب الأول : التفسير التشريعي                          7

6- المطلب الثاني : التفسير القضائي                                   9

7- المطلب الثالث : التفسير الفقهي                                    13

8- المطلب الرابع : دور الفقه في تفسير النصوص                       15

9- المطلب الخامس : الحكمة من التفسير                               17

10- المبحث الثاني : مذاهب التفسير                                   19

11- المطلب الأول : النظرية التقليدية                                  19

12- المطلب الثاني : النظرية الحديثة                          20

13- المطلب الثالث : النظرية المختلطة                                21

14- المطلب الرابع : تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون                  22

أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

15- المصادر و المراجع                                              38

16- الفهرس                                                        39

 

 

[1] يقصد به التشريع القانوني ، وهو قيام السلطة المختصة في الدولة بوضع قواعد  جبرية مكتوبة تنظم المجتمع ، وذلك في حدود اختصاصها وفقاً للإجراءات المقررة لها لذلك . وله تعريف ثانٍ وهو القاعدة القانونية المكتوبة ذاتها والصادرة عن السلطة المختصة المشار إليها .

[2] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ـــ ج1/51 .

[3] مصطفي منصور ــ المدخل للعلوم القانونية ــ ج 1/245-1960ـــ دار التأليف .

[4] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ ج 1/110 .

[5] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ1/111.

[6]سير عبد السيد تناغو: النظرية القانون – منشأة المعارف – ص 739.

[7] (تطبيق أحكام هذا القانون في تفسير كل قانون معمول به سواءً صدر قبل العمل بهذا القانون أو بعده .

[8] كامل مرسي ــ شرح القانون المدني المصري الجديد ، الباب التمهيدي ــ ص ( 87ــ88) .

[9]عبد الودود يحي ونعمان جمعة ــ دروس في مبادئ القانون ــ ط 1991ــ ص 171 .

[10] الفقرة (2) من المادة (6)من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 م حيث نصت : ( في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاءً في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[11] ((1) لا تخضع حكام المحكمة العليا للمراجعة علي أنه يجوز لرئيسها أن يشكل دائرة تتكون من خمسة من قضاتها لمراجعة أي حكم صادر منها موضوعياً إذا تبين له أن ذلك الحكم ربما ينطوي علي مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ويصدر قرار الدائرة بأغلبية الأعضاء . (2) تشكل دائرة المراجعة من قضاة أغلبيتهم ممن لم يشاركوا في إصدار الحكم  موضوع المراجعة (3)ميعاد المراجعة ستون يوماً تسري وفق حساب الميعاد المنصوص عليها في المادة 177(1)(2)).

[12] سورة طه ــ الآية (27ــ28).

[13] سعد الدين التفتا زاني مسعود بن عمر : شرح التلويح علي لمتن التنقيح في أصول الفقه : تحقيق زكريا عميرات  ط1 ــ دار الكتب العلمية بيروت ــ1416هــ - 1996م ــج1/28.

[14] محمود جمال الدين زكي  ــ دروس في نظرية القاعدة القانونية ــ هامش  رقم (6) ، ص (162) ــ طبعة القاهرة ، سنة 1954 .

[15] يقصد به فقهاء القانون .

[16] أحمد سلامة ــ المدخل لدراسة القانون ــ طبعة القاهرة سنة 1974 م ــ ص (170) وما بعدها .

[17] سورة إبراهيم ــ الآية (4).

[18] هذا كما أن اللغة العربية هي لغة الدولة وذلك حسب نص المادة الثامنة من دستور السودان المعدل لسنة 2005 م . وحيث تقرأ ".. تكون العربية باعتبارها لغة رئيسية علي الصعيد القومي ، والانجليزية ، اللغتين الرسميتين لأعمال الحكومة ولغتي التدريس في التعليم العالي " وتحديد مدلول القاعدة القانونية والمراد من معناها لا يتم إلا بمعرفة دلالتها وهذا ما عبر عنه بأثر الدلالات في فهم النصوص القانونية .

[19] أخرجه البيهقى في السنن الكبرى ــ 10/117.

[20] الدكتور رمضان أبو السعود والدكتور همام محمد محمود زهران ــ المدخل إلي القانون ــ النظرية العامة للقاعدة القانونية ــ دار المطبوعات الجامعية ــ 1997 م ــ ص 314 .

[21] ((1) إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه علي الإجراءات في المسألة  المعرضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة (2)غب المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[22] كشاف اصطلاحات الفنون ـــ للتهانوي ــ مطبعة السعادة 1963م ــ ج1ــ ص 122ـ123.

[23] دكتور وهبة الزحيلي ــ الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ــ ص 594.

[24] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص ـج1ــص 81.

[25] مجلة الأحكام القضائية 1986 م ــ ص 243.

[26] م ع / 154/1976 م ــ مجلة  الأحكام القضائية المنشورة ــ 1976 م ــ ص 268 وما بعدها .

[27] البزدوي ــ أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار ــ ج1ـــ ص54.

[28] سورة سبأ ــ الآية (14).

[29] الزمخشري هو محمد بن عمر بن أحمد العلامة أبو القاسم الزمخشري النحوي ألمعتزلي المفسر ، يلقب جار الله لأنه جاور بمكة زماناً ولد في رجب سنة سبع وستين و أربع مائة بزمخشر قرية من قرى خوارزم ، سمع من أبي الخطاب بن البطر وأبي سعد النقاني ،وأجاز للسلفي ، وكان واسع العلم غاية الذكاء معتزلياً قوياً في مذهبه مجاهراً به داعياً إليه حنيفاً علامة في الأدب والنحو له تصانيف منها : الكشاف في التفسير ــ الفائق في غريب الحديث ــ أساس البلاغة ــ المفصل في النحو ــ مات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ـــ أنظر الداودي طبقات المفسرين  ــ 2/314/316.

[30] سورة الحجرات ــ الآية (6) .

[31] سورة البقرة ــ الآية (209).

▸ بحث (1) 2018م فوق ترجمة جنائي 2018م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2018
  4. بحوث 2018م
  5. بحث (2) 2018م

بحث (2) 2018م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانـون

أصول الأحكام القضائية

لسنة 1983م

 

[ بقلـم ]

د0/ عباس سليمان علوان

 

قاضي المحكمة العامة

 

 

 

مقدمــة:

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية هي التي يقوم عليها كل استنباط للأحكام في الشريعة الإسلامية ، فالأدلة الشرعية قسمان : نصوص وغير نصوص

والأدلة التي لا تعتبر نصوصاً كالقياس والاستحسان وهي ذاتها مستنبطة من النصوص ومشتقة منها ، ومعتمدة عليها ، واستنباط الأحكام إما أن يكون بطرق معنوية أو بطرق لفظية.

الطرق المعنوية هي الاستنباط من النصوص المعنوية ، أي الاستدلال من غير النصوص كالاستدلال بالقياس ، والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغير ذلك.

أما الطرق اللفظية هي طرق الاستنباط من النصوص بأن تعرف معاني ألفاظ النصوص وما تدل عليه في عمومها وخصوصها ، وطرق الدلالة أهي بالمنطوق اللفظي للنص ؟ أم من طريق المفهوم الذي يؤخذ من فحوى الكلام والقيود التي اشتملت عليها عبارات النص ومعرفة ما يفهم من ألفاظ النص وعباراته وإشاراته وهكذا.

ولقد أعتمد علماء الأصول لفهم النصوص واستنباط الأحكام التكليفية منها على أمرين:

الأول: المدلولات اللغوية والفهم العربي لهذه النصوص بالنسبة للقرآن الكريم والسنة.

الثاني: بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما ورد من أحكام في النصوص القرآنية وما أبانته السنة النبوية من أحكام مستقلة أو مقررة أو ناسخة.

فالقوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة ، فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

لقد نص قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 م على الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها في تفسير ما خفي معناه من النصوص وفي حالة عدم وجود نص تشريعي يبين حكم الواقعة محل النزاع ، وفي اختيار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ربط ما بين ماضي الأمة وحاضرها إذا كانت الشريعة الإسلامية هي القانون المعمول به قبل غزو القوانين الأجنبية وعلى مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليمها انتظمت العلاقات بين الناس في المجتمع واستقرت الأعراف والتقاليد والتي لا يسع أي مشرع أن يتجاهل اعتبارها والأخذ بها في أي تشريع يصدر ، و أنه مما يبعث على الرضا والتفاؤل أن معظم الدول العربية والإسلامية قد عادت وجعلت من مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع مع مصادر أخرى في حالة عدم وجود نص تشريعي يحكم الواقعة ، وقد خطا قانون أصول الأحكام خطوة عملية لتطبيق أحكام الإسلام إذ نص على العمل بالقواعد الأصولية التي بنى عليها المجتهدون من الأئمة استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف وجعل من اتباع هذه القواعد منهجاً ملزماً يسلكه القضاة للوصول إلى حكم ما لم يرد فيه نص من الوقائع فنص على الاجتهاد وقيد هذا الإجماع بتطبيق القواعد المذكورة ، و ذلك أدعى إلى توحيد الأحكام في الوقائع المتماثلة من الإجهاد الطليق المحرر من القيود الذي تأخذ به بعض التشريعات التي تجعل من القانون الطبيعي مبادئ العدالة مثلا مصدراً لسد الفجوة ، وهو مصدر لا يضع أمام القاضي ضابطاً محدداً يسترشد به في إصدار الحكم ، ولعله مصدر يتناسب مع بعض التشريعات التي تجعل للقضاء دوراً إنشائياً في وضع القواعد القانونية كالقانون الإنجليزي أوتجعل للقاضي أن يضع من القواعد القانونية ما كان سيضعه إذا عهد إليه بأمر التشريع كالقانون السويسري.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المستخلص باللغة العربية

 

هذه الدراسة بعنوان تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م حيث جاءت في مقدمة ومبحثي وقسمت المباحث إلى مطالب.

تناولت في المقدمة مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه ، ودور الفقه في تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م مع توضيح ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني للتفسير والإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني.

وأيضاً قمت بمقارنة مدرستي التفسير التقليدية والحديثة ، وما سار عليه قانون أصول الأحكام القضائية مع إبراز رأي الفقه القضائي السوداني الوارد في السوابق القضائية الصادر من أعلى جهة قضائية وهي المحكمة القومية العليا ، و التي ترى أنه لا يجوز الخروج عن النص أو تأويله ، لأن التفسير يكون فقط عند غموض النص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Abstract

 

The title of this study is the interpretation of legal texts according to the law of principles of judicial decisions of 1983, it included an introduction and two topics which are divided into questions.

In the introduction I discussed the concept of interpretation, its domain and types, and the role of jurisprudence in the interpretation of legal texts according to the law of the principles of judicial decisions of 1983 with an explanation of what is not permissible in this law to use expository diligence for interpretation and the procedures that the judge follows in his expository diligence.

I also compared between the two schools of interpretation the traditional and the modern school, and what the law of the principles of judicial decisions followed highlighting the view of the Sudanese judicial jurisprudence used in case laws that were introduced by a highest judicial body which is the higher national court, and which claims that it is not permissible to go out of the text or to interpret it because interpret it because interpretation is only made if the text is vague.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

مفهوم التفسير ومجاله وأنواعه

يرى الفقهاء أنه عندما يراد تطبيق قاعدة من القواعد القانونية على أحوال الحياة، وما يجد فيها من وقائع، وذلك بإعمال حكمها على الحالات الواقعية التي يطبق عليها النص،لابد قبل ذلك من خطوة لازمة دائماً لهذا التطبيق وهي تحديد مدلول تلك القاعدة القانونية، ولتحديد المعنى المراد منها وذلك هو التفسير.

فالتفسير إذن هو تحديد لمعنى القاعدة القانونية من واقع الألفاظ التي عبر بها المشرع ، أو كما عبر عنه هو الاستدلال على الحكم القانوني من نصوص التشريع [1]. أو هو بيان معنى الألفاظ ودلالتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يفهم من النص [2].

بما أن التفسير هو تحديد مدلول القاعدة القانونية لتحديد المعنى المراد بها، إذن فمجاله هو القانون المكتوب، لأن النصوص القانونية المكتوبة عادة ترد في مواد مركزة وموجزة، ولا خلاف بين فقهاء القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها، إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية من سلطة قانونية مختصة يناط بها أمر التشريع وتسمى بالسلطة التشريعية.

وعندما يراد استخلاص مفهوم القاعدة القانونية من مدلول الألفاظ التي عبر عنها المشرع ، يقتضي ذلك التفسير هذه الألفاظ التي يكون منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه . وبما أن التفسير يرد على النصوص التشريعية ، فهو باب أولي يرد أيضاً على المصادر الشرعية التي تعتبر مصدراً للتشريعات القانونية كالقرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس.

والتفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معاً ، ولذا لا يرد التفسير على القاعدة العرفية ، لأن التفسير مجاله القانون المكتوب ،  والقاعدة العرفية ليست نصاً مكتوياً يحتوي على اللفظ والمعنى ، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكاً معيناً في أمر معين ، فهذه القاعدة وإن كانت تحتاج لبيان وإيضاح ، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم ، لتبين وجود تلك القاعدة فإن دلّ الاستقراء على وجودها ، كان ذلك في الغالب على سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظموا سلوكهم ذلك العرف ، وإذ كان الأمر كذلك ، لم تكن القاعدة العرفية محلاً للتفسير[3].

 

وعندما يصعب على القاضي أو الفقيه في كثير من الأحيان معرفة المعنى الذي تضمنه النص يلجأ إلى تفسير النص ، وذلك لاستجلاء الغموض الذي يكتنفه والوصول إلى مدلوله . لقد يتنوع التفسير بحسب الجهة التي تتولاه فقد يقوم المشرع بالتفسير،إلا أن التفسير الذي يقوم به المشرع يكون نادراً لأن القضاء عادة يقوم بتفسير النصوص، لأنه هو الذي يتولى مهمة تطبيق القانون، وكثيراً ما يساعده في ذلك الفقه . وهكذا يتنوع التفسير إلى ثلاثة أنواع هي التفسير التشريعي والقضائي والفقهي.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة في معرفة الطرق التي يعتمد عليها القضاة في تفسير النصوص الغامضة.

منهجية الدراسة: اتبعت المنهج الاستقرائي الاستنباطي والمقارن.

خطة الدراسة:

جاءت هذه الدراسة في مبحثين وقد قُسَّم المبحثان إلى مطالب وخاتمة.

المطلب الأول

التفسير التشريعي

 

هو الذي يصدر عن المشرع نفسه تفسيراً لقانون سابق ، قد يثور خلاف حول قاعدة قانونية وقد لا تهتدي بعض المحاكم أو أكثرها إلى ما يدل عليه نص من نصوص التشريع ، فتقضي بما يخالف المعنى الذي قصده المشرع ، عندئذ يتدخل المشرع فيفسر النص الذي ثار حوله الخلاف ، أو لم تهتد إليه بعض جهات القضاء ، ولذلك يبين حقيقة مراده وقصده . ويسمى التشريع الذي يصدر لتفسير تشريع سابق بالتشريع أو القانون التفسيري[4].  ولا يعتبر لاحقاً من حيث التطبيق ، وبالتالي يمكن تطبيقه على الوقائع التي حدثت في ظل القانون المفسر ، كما أنه يعتبر قانوناً ملزمُُ للمحاكم وألا تحيد عنه ، وأن القاضي ملزماً بتطبيق القانون وإذا امتنع عن ذلك يكون مرتكباً لجريمة إنكار العدالة والتي نص عليها القانون الجنائي الإسلامي السوداني لسنة 1993م في مادته التاسعة والثمانين وحيث تقرأ: (كل موظف عام يخالف ما يأمر به القانون بشأن المسلك الواجب عليه اتباعه كموظف عام أو يمتنع عن أداء واجب من واجبات وظيفته قاصداً بذلك أن:

(أ ) يسبب ضرراً لأي شخص أو للجمهور أو بسبب مصلحة غير مشروعة لشخص آخر ، أو

(ب) يحمي أي شخص من عقوبة قانونية ، أو يخفف منها أو يؤخر توقيعها ، أو

(ج) يحمي أي مال من المصادرة أو الحجز أو من أي قيد يقرره القانون أو يوفر أيا من هذه الإجراءات ، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً).

وقد اختلف أمر هذا التفسير عن ذي قبل ، ففي القانون الروماني والعصور الوسطى ، كان هو الطريق الوحيد لتفسير النصوص الغامضة ، وكان القاضي يوقف الفصل في النزاع المعروض عليه ، حتى يتدخل المشرع نفسه ، فيصدر تفسيراً لذلك التشريع [5]. الذي لم يدرك القاضي معناه لتطبيقه على الواقعة المعروضة أمامه.

أما في العصر الحديث ، فقد أصبح التفسير التشريعي نادر الوقوع فلم يعد له إلا حظ ضئيل في التفسير ، ويرجع ذلك إلى تقرير مبدأ فصل السلطات اقتصار المشرع على إصدار القواعد القانونية والالتزام بها ، تاركاً إلى السلطات القضائية مهمة تفسير هذه القواعد ، وتطبيقها على النصوص المختلفة.

ولعل أبرز نظم التفسير التشريعي عرفت في التاريخ ، هو نظام التفسير التشريعي الإلزامي ، الذي  بدأ في فرنسا عقب الثورة الفرنسية مباشرة [6].

ومن أمثلة التفسير التشريعي في السودان أن يرد نص يقول : (الشرط هو أمر مستقبل أو غير محقق للوقوع) فهنا قصد الشارع تعريف الشرط ، والتعريف الفقهي للشرط هو (أمر غير محقق للوقوع) إذن عبارة (أو) التي وردت في النص وقعت خطأ ، وكان الصحيح أن تكون (و) فهنا إن طبق المفسر هذا القيد حتماً سيراعى هذا الخطأ المادي الذي وقع فيه النص.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد يصرح بأن التشريع يعد تفسيراً وفي هذه الحالة فهو يسري بأثر رجعي . مثال قانون تفسير القانون في النصوص العامة لسنة 1974م [7].

التي نصت المادة (3) منه صراحة على أن أحكامه تطبيق ، في تفسير كل قانون معمول به ،  سواءً صدر قبل العمل به أو بعده وهو قانون يضع قواعد تفسير القوانين ولذلك فهو يعدَّ تشريعاً تفسيرياً ، وقد حد المشرع نطاق تطبيقه من حيث الزمان.

المطلب الثاني

التفسير القضائـي

 

هو التفسير الذي يقوم به القضاة أثناء نظر الدعاوى التي ترفع إليهم للفصل فيها ، وأن هذا التفسير بالنسبة للقاضي ليس غاية في ذاته ، وإنما هو وسيلة للفصل في تلك الحالة من النزاع المعروض عليه ، لذلك كان من المقرر أنه لا يقبل رفع دعوى إلى القضاء ، يطلب فيها صاحبها تفسير قاعدة قانونية غامضة ، بل يجب أن يكـون ذلك بمناسبة نزاع فعلـي معروض علـى القضاء [8].، سداً للنقص وتلافياً للقصور ومجاراة التشريع لتطور الحياة تجدد الأحداث والمشاكل ، كان لا بد من إصدار تشريع يحدد الخطة التي يسلكها القضاة في تفسير النصوص وإصدار الأحكام ، فيما لم يرد نص بحكمه من الوقائع ، ومن ذلك بيان المصادر الاحتياطية التي يلجأ إليها القضاة لإصدار الأحكام . ولا بد أن يراعى في اختيار هذه المصادر وهي جزء مكمل للتشريع من الأصول والمبادئ والقيم ، دينية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية ، إذ إن من أهم أسباب الاختلاف بين التشريعات أوالتناقض بينها فيما هو مباح أومحظور أومشروع أوباطل ، يرجع إلى الخلاف في هذه القيم والمبادئ التي يستند إليها التشريع ، وينشأ عنها هذا الخلاف ، إلى الاختلاف في مفاهيم العدالة ومعايير المصلحة والمفسدة والخير والشر.

وقد نصت المادة الثانية من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تحت عنوان (تفسير النصوص التشريعية: في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قاطع الدلالة)

(أ ) يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية  تعطيلاً لواجب قطعي أوإباحة لمحرم بين ، وأنه يراعى توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

(ب) يفسر المصطلحات والعبارات التقديرية بما يوافى أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة.

(ج) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

ويتسم التفسير القضائي بصبغته العلمية ، فالقضاة وهم يفصلون في الدعوى المعروضة أمامهم يتأثرون بالظروف المحيطة بهم ويعملون أن تتفق أحكامهم مع الظروف الواقعية للمجتمع وهم في أدائهم لهذا العمل قد يخرجون عن معنى النص ، تحت ستار التفسير ، إذا كان في تقديرهم أن ذلك يحقق العدالة [9].

كما أن التفسيرات القضائية ليس له قوة ملزمة سوى بالنسبة للمحكمة التي أصدرته أو لغيرها من المحاكم ، طالما أن القاضي في تفسيره يتأثر بالظروف المحيطة.

بل هناك استثناء في حالة واحدة وهي التي نصت عليها المادة ( د/213) من قانون الإجراءات المدنية لعام 1983م حيث نصت: (إذا قبلت المحكمة العليا الطعن فلها أن تقرر إعادة القضية التي أصدرت الحكم المطعون فيه إلى محكمة الموضوع للفصل فيه من جديد).

وفي هذه الحالة تتقيد المحكمة المحال لها الموضوع بحكم المحكمة العليا في المسائل القانونية.

وإذا كان التفسير القضائي الأصل فيه أنه غير ملزم عدا الاستثناء الذي اشرنا إليه ، إلا أن المشرع السوداني خرج على حال الأصل حينما نص صراحة على اختصاص المحكمة العليا بتفسير نصوص الدستور والنصوص القانونية وذلك بمقتضى المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م . حيث نصت: ( (1) تتولى المحكمة العليا تفسير النصوص الدستورية والقانونية بناءً على عريضة تقدم إليها من النائب العام.

(2) تقدم النائب العام بطلبات التفسير إلى المحكمة العليا من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب ذوي الشأن ، متى رأى أن طبيعة النصوص المراد تفسيرها وأهميتها تستوجب ذلك ضماناً لوحدة تطبيقها).

وباستقراء النص أعلاه نجد أن المشرع خرج لسد هذا الأصل وأجاز للنائب العام باعتباره مستشار الدولة القانوني أن يتقدم بطلب من تلقاء نفسه أو بناء علي طلب من ذوى الشأن لتفسير النصوص.

والتفسير القضائي لا يكون ملزماً إلا إذا صدر من المحكمة العليا فحينئذ يعتبر سابقة قضائية ، والسوابق القضائية تعتبر مصدراً رسمياً من مصادر القانون السوداني بشرط ألا يوجد نص قانوني يعارضها في التشريع أو مبادئ الشريعة الإسلامية أو العرف.

وقد نص المشرع السوداني على أن السوابق القضائية مصدر رسمي احتياطي من مصادر القاعدة القانونية يلجأ إليها بعد العرف [10].

كما أن المادة (3/ب) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م تنص على ذلك حيث تقرأ: " الاسترشاد بما جرت عليه سوابق العمل القضائي في السودان فيما لا يتعارض مع الشريعة وما يذهب إليه جمهور فقهاء الشريعة من فتاوى فرعية وما قرره من قواعد فقهية ".

القضاء ملزم بأن يطبق على الحادثة المعروضة أمامه أحكام الدليل الشرعي القطعي المباشر ، كنصوص الآيات الكريمة ، أو الأحاديث الشريفة كاستنباط الحكم مهتدياً في ذلك بطرق الاستنباط كالقياس.

وقياس القاضي عند تطبيقه للأحكام يظهر بوضوح عند قياسه على السوابق القضائية . كما أن السوابق القضائية ، تمتاز بأهمية خاصة في الأنظمة القانونية المختلفة.

نظرية السوابق القضائية ، هي نظرية تختص بالشريعة العامة الانجليزية وتظهر بوضوح في النظام المسمى الانجلوأمريكان ، ولكن تطورت هذه النظرية تطوراً كبيراً ، بحيث إنها لم تصبح الآن عقبة في سبيل تطور الفقه القضائي ، وذلك أن المحاكم قد ابتدعت سبلاً متعددة للانفلات من السوابق القضائية مقيدة كلما رأت عدم عدالة القاعدة التي أرستها السابقة . ومن هذه السبل تتميز السابقة بحسب وقائعها الخاصة . كما ذهب فقهاء القانون الانجليزي الأمريكي إلى استخلاص الجوهر الذي يعين المحاكم . أما النظم الشرعية الأخرى كالنظام القاري فإنها لا تعترف بنظرية السوابق ولا تطبيقها ، ولعل  أقرب ما يكون إلى نظرية السوابق القضائية في الفقه الإسلامي ما جاء في الرواية الآتية: ((ذكر محمد بن يوسف الكندي أن إبراهيم بن الجراح  تولى القضاء في سنة 204هـ ، وقد قال عمر بن خالد: ما صحبت من القضاة كإبراهيم بن الجراح ، كنت إذا عملت له المحضر وقرأته عليه أقام عنده ما شاء الله أن يقيم ويرى فيه رأيه ، فإذا أراد أن يقضي به دفعه لينشئ منه سجلاً ، فأحبر في ظهره ، قال أبو حنيفة كذا ، قال ابن ليلى كذا ، ثم أحبر على سطر منها علامة كالخط ، فأعلم أن اختياره وقع على ذلك فأنشأ السجل عليه " ورد ذلك  بفقه السنة لسيد سابق ـ ج3/398". أما السوابق القضائية السودانية تعتبر مصدراً من مصادر القانون ، وإن لم تعترف المحاكم بذلك صراحة ، كما كانت تفعل المحاكم الانجليزية ، وكان سندها في ذلك ما نصت عليه المادة التاسعة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م ، أنه في حالة عدم وجود النص تطبق المحكمة قواعد العدالة والوجدان السليم . وذهبت المحاكم في تطبيقاتها لهذه المادة مذاهب شتى ، فمنها ما استعانت بمواد من القوانين الانجليزية ومنها ما قامت بالاسترشاد بالسوابق الأجنبية . ويرى الباحث أنه في ظل التشريعات الشرعية التي صدرت في عامي (1983م ـ1984م) ، وقانون تأصيل أصول الأحكام لسنة 1983م لم تعد السوابق القضائية مصدراً رسمياً كما كانت في الماضي . ويتبين من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرسمي الأول للقوانين السودانية ، بحيث إن التشريعات المقننة نفسها يمكن الطعن فيها بمخالفتها للشريعة الإسلامية ، ذلك أن مخالفة  الشريعة الإسلامية هي السبب الوحيد الذي يجوز للمحكمة العليا مراجعة أحكامها ، وذلك ما نصت عليه المادة (215) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.

هذا بالإضافة إلى أن القاضي ملزم عند تطبيقه للشريعة الإسلامية استصحاب أن المشرع لم يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة لمحرم بين.

هذا وقد نصت المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م في مستهلها أنه على الرغم مما قد يرد في أي قانون آخر إذا لم يجد نصاً تشريعياً يطبق القاضي ما يجد من حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة ، فإن لم يجد نصاً يجتهد رأيه مراعياً الإجماع ثم القياس ثم اعتبار ما يجلب واليسر في التكليف ، وهذا يؤكد على أن السوابق القضائية لا تناقض قاعدة الاجتهاد لا ينقض بمثله ، وذلك لأن السوابق لا يمكن أن تعارض الشريعة الإسلامية وقواعدها الفقهية.

كما أن السوابق القضائية لا زالت لها أهميتها ، وهي تسبق في تدرج مصادر القانون كلاً من العرف والمبادئ التي تقرها الشرائع الإنسانية الكريمة ،  وذلك حسبما تنص عليه المادة الثالثة من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م[11].  

 

 

المطلب الثالث

التفسير الفقهــي

الفقه في اللغة:

الفقه لغة: هو الفهم ومنه قوله تعالى (احْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (*) يَفْقَهُوا قَوْلِـي) [12]

وعرف أيضاً بأنه العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر العلوم ، كما غلب الفهم على الثريا . يقال أوتي فلان فقهاً في الدين أي فهماً فيه ، قال الله عز وجل (ليتفقهوا في الدين).

 

تعريف الفقه اصطلاحاً:

الفقه اصطلاحاً هو العلم بالأحكام التشريعية العملية ، أو بخطابات الله تعالى المتعلقة بأفعال المكلفين الشرعية العملية [13].

كما أنه يقصد به عند علماء الشريعة معنيان:

الأول: هو عبارة عن الآراء الصادرة من المشتغلين بعلم القانون ، شرحاً وتحليلاً وتأصيلاً للقواعد التي يتضمنها القانون.

والثاني: هو هؤلاء المشغلون أنفسهم أو ما يسمون بالفقهاء ، وإذن ففقه له معنيان: من يشرح القانون في حد ذاته أو آرائه ، ويمكن تعريف الفقه بعبارة أكثر وضوحاً (مجموعة آراء علماء القانون التي يعرضون بها لشرح القانون وتفسيره ونقده سواء أكان ذلك في مؤلفاتهم ، أم فتاواهم ، أو تعاليمهم)[14].

وعمل الفقيه [15]. لا يقتصر في واقع الأمر على مجرد شرح القاعدة القانونية.

فالفقيه بعد أن يشرح النص القانوني يحاول أن يوصله ، أي يرده إلى القاعدة العامة التي انبنى عليها ، أو يبين انه استثناء على هذه القاعدة.

ثم بعد ذلك يجمع مختلف هذه القواعد في قواعد أخرى أعم ، فيبين المبادئ التي يقوم عليها التشريع في جملته ، ويبرز النظريات التي اعتنقها.

ولا شك أن هذا التأصيل الذي يقوم به الفقيه يساوي في أهميته مجرد شرح النصوص ، وذلك أن لو كان من شأن هذا الشرح أن يبين حكم المسألة التي توقعها المشرع ، فقد تعرض مسائل أخرى لم تكن في الحسبان ، فنجد حلاً لها في رحاب القواعد العامة التي استظهرها الفقيه[16].

وتفسير فقهاء القانون غير ملزم للمحاكم ولكن مع ذلك لها أن تستأنس في أحكامها به.

إلا أن التفسير الفقهي في بعض الأحيان يأخذ وجهة عملية وذلك حينما يهتم بدراسة أحكام المحاكم وشرحها وتأييدها ، أوانتقادها بجانب دراسته وشرحه للنصوص ، بذلك صار هنالك تأثير متبادل بين الفقه والقضاء وأوضح مثال لذلك حينما تعرضت المحكمة العليا لتفسير كلمة (القانون) الواردة في عبارة (الخطأ في تطبيق القانون أوتأويله) الواردة في المادة (207) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م . حيث جاء في الحكم: (أن القانون الذي أرادته المادة (207/1) من قانون الإجراءات المدنية ليس ما تسنه السلطة التشريعية فحسب ، وإنما هو أيضاً من القواعد العامة المستفادة ضمناً من النصوص القانونية أو روح التشريع وحكمها المعتبرة جزءاً منه بالضرورة ، وهذا هو المراد بتأويل القانون.

ويظهر تأثير الفقه في الشريعة الإسلامية حيث يعتبر إجماع الفقهاء هو المصدر الثالث للتشريع الإسلامي بعد القرآن والسنة.

 

المطلب الرابع

 

دور الفقه في تفسير النصوص

 

وفي الشريعة الإسلامية يؤدي الفقه دوراً مهماً، وعلى يده ازدهرت وترعرعت الأحكام، وأحاطت بمشاكل العصر الذي راجت فيه الحركة الفقهية، حيث ترك الفقهاء أثراً خالداً لا يمحى. كانت آراؤهم أحد المصادر الرسمية للشريعة الإسلامية، إذ بجانب القرآن والسنة والقياس والإجماع، وهو اتفاق آراء المجتهدين في الأمة الإسلامية على حكم مسألة من المسائل، ولو أن الحركة الفقهية قد استمرت في اندفاعها لكانت أهمية الفقه الإسلامي لا تضارع في أي شريعة من الشرائع، ولكنها مع الأسف، توقفت منذ أواخر القرن الرابع الهجري بمقولة أن باب الاجتهاد قد فقل، وهي دعوى كانت لها ظروفها.

إن معاودة المحدثين من فقهاء الشريعة الإسلامية اجتهاداتهم، أصبحت اليوم واجباً لاستنباط حلول لمشاكل العصر الذي نعيش فيه، فهذا الواجب يلقي عليهم المهمة الكبرى، وأن تفسير فقهاء الشريعة الإسلامية في نظر الباحث هو التفسير الذي يجب أن يكون ملزماً للمحاكم ومقيداً لأحكامها ويجب أن لا تحيد عنه أبداً.

وبما أن النصوص القانونية التشريعية مستمدة أحكامها من الشريعة الإسلامية، وأن القرآن الكريم والسنة قد وردت باللغة العربية . فإن فهم الأحكام منها يكون فهماً صحيحاً إذا روعي فيه مقتضى الأساليب من اللغة وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة . ولهذا اعتنى علماء أصول الفقه الإسلامي، باستقراء أساليب اللغة العربية ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء، ومما قرره علماء هذه اللغة قواعد وضوابط، يتوصل مراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهماً صحيحاً، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل بها أيضاً إلى إيضاح ما فيه خفاء من النصوص ، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض ، وتأويل ما دل على تأويله ، وغير هذا مما يتعلق بالاستفادة من الأحكام من نصوصها.

وهذه القواعد والضوابط اللغوية مستمدة من استقراء الأساليب العربية ومما قرره أئمة اللغة العربية ، وليست لها صيغة مرتبة، فهي قواعد لفهم العبارات فهماً صحيحاً. ولهذا يتوصل بها أيضاً إلى فهم قواعد أي قانون وضع باللغة العربية، وذلك لأن مواد القوانين الوضعية المصوغة باللغة العربية، هي مثل النصوص الشرعية في أنها جميعاً عبارات باللغة العربية مكونة من مفردات عربية ومصوغة بالأسلوب العربي. ففهم المعاني والأحكام منها يجب أن يسلك فيه السلوك العربي في فهم العبارات والمفردات والأساليب.

وليس من السائغ قانوناً ولا عقلاً أن يسن الشارع قانوناً من القوانين بلغة ، ويطلب من الأمة أن تفهم ألفاظ مواده وعباراتها على مقتضى أساليب وأوضاع بلغة أخرى . لأن شرط صحة التكليف بالقانون هو قدرة المكلفين به على فهمه ، ولهذا يوضع القانون في الأمة بلسانها، وبلغة جمهور أفرادها ، ليكون في استطاعتهم فهم الأحكام منه بأساليب الفهم ، ولا يكون القانون حجة على الأمة إذا وضع بغير لغتها أو كان طريق فهمه غير اللغة التي وضع بها ، قال تعالي :(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ...)[17].

وعلى هذا القواعد والضوابط التي قررها علماء أصول الفقه الإسلامي في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وفيما يقيد العموم من الصيغ ، وفيما يدل عليه العام المطلق والمشترك ، وفيما يحتمل التأويل ، وما لا يحتمل التأويل ، وفي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي أن العطف يقتضي المغايرة ، وأن الأمر المطلق نقيض الإيجاب ، وغير ذلك من ضوابط فهم النصوص واستثمار الأحكام منها ، كما تراعى في فهم النصوص الشرعية ، تراعى في فهم نصوص جميع فروع القانون الأخرى الموضوعة باللغة العربية[18].

المطلب الخامس

 

الحكمـة مـن التـفسـير

 

روى الإمام أبو داؤود في سننه عن بريدة عن أبيه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: (القضاة ثلاثة واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)[19].

هذا الحديث الصحيح في أن قاضي الجنة هو من عرف الحق فقضى به وقاضي النار هو من عرف الحق وحاد في قضائه ، ومن قضى على جهل بالحق والوقوف عليه.

والمراد بالجنة جنة الدنيا وهي راحة الضمير واطمئنان القلب وحسن السمعة وثقة الناس ، وجنة الآخرة وهي رضاء الله وحسن لقائه وجزائه . والمراد بالنار نار الدنيا ، وهي خذ الضمير واضطراب النفس وعذاب الرب والشكوك ، وسوء السمعة وفقد الثقة ، ونار الآخرة وهي سخط الله وعذابه والخزي يوم لقائه.

وكل قاضٍ يهمه أن يكون قاضي الجنة أن يسلك في قضائه السبل التي تنجيه من خذ الضمير في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة إلا أن يعرف الحق ويقضي به.

  أما السبيل إلى معرفة الحق في الخصومة المعروضة عليه فهي أن يبذل جهده في أمرين هما:

أولاً: معرفة الحق الذي يطابق الواقع من الوقائع المدعاة لتبيين الصدق منها والكذب ، وعدته لهذا فطنته وفراسته وملكته تقديره وتطبيقه لأصول الإجراءات.

ثانياً: معرفة الحق من نصوص القانون الواجب تطبيقه وفهمها على نور ساطع لا تشوبها أهواء ولا أغراض وعدته لهذا علمه بنصوص القانون وطرق تفسيرها وتأويلها وإزالة غموضها.

ولذلك كانت المعرفة الصحيحة بقواعد تفسير النصوص القانونية أمراً لازماً لفهم هذه النصوص والقوانين وحسن تأويلها وذلك لأن التفسير والتأويل في كل واحد منهما مجال للأهواء والأغراض كثيراً ما يكون تعطيل النص والعبث به عن طريق تفسيره وتأويله . وكثيراً ما تسيطر الأغراض والأهواء فيفسر النص بما ينسخه ويؤول إلى ما لا يحتمله.

فالأصل في النص القانوني أن يكون واضح الدلالة على المراد منه ولا يحتمل الدلالة على غيره ، ولا يحتاج القاضي إلى اجتهاد في تعيين المراد منه لأن الشارع وضع ما قصده وعين ما أراده وكفى القاضي العناء في الاجتهاد في تبيينه.

كما أن القوانين كغيرها من أعمال البشر لا يمكن أن تصل إلى درجة الكمال بحيث تحيط أحكامها بكل ما سيجد من أحداث ووقائع بعد صدور التشريع لأن التشريع وليد الحاجة الحاضرة فلا يصدر تشريع إلا إذا دعت الحاجة إليه ، فالنصوص كما يقول العلماء متناهية والوقائع غير متناهية والمتناهي لا يحيط بغير المتناهي.

ومع ذلك قد نجد نصوصاً في القوانين بها نوع من الخفاء والغموض ويحتاج من يطبقها إلى إزالة هذا الخفاء أو الغموض ، أو أن يكون النص محتملاً لأكثر من معنى ويحتاج الأمر إلى ترجيح أحد المعاني وتعيين المراد منه ، لذلك كانت عملية التفسير أمراً لازماً وضرورياً حتى يتسنى تطبيق القانون تطبيقاً سليماً وعادلاً[20].

إلا أن المشكلة أحياناً قد تكون أكثر تعقيداً حينما يصبح من غير الميسور معرفة مضمون النص من خلال ألفاظه ، حينها يتم اللجوء لوسائل خارجية لتوضيح المعنى المراد من القاعدة القانونية مثل حكمة التشريع والأعمال التحضيرية للتشريع وهي مجموعة الوثائق التي تسجل الخطوات التي مر بها التشريع والمناقشات التي دارت حوله ، وهي تساعد كثيراً في فهم النصوص. كذلك الأمر يمكن اللجوء للمصادر التاريخية التي أخذ منها القانون بعض أحكامه ، فمثلاً نصت المادة (6) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م[21].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

مذاهــب التفسـير

 

يهدف التفسير إلى التعرف على المعنى الذي ينطوي عليه النص وما قصده المشرع من عبارات ، فالوقوف على نية المشرع وإرادته التي عبر عنها في النص التشريعي هي الغرض الذي يسعى كل من الفقيه والقاضي إلى الوصول إليه ، ولكن الخلاف يثور عندما يراد تحديد المقصود بإرادة المشرع ونيته ، لذلك لقد تعددت الآراء بشأن النية التي يجب البحث عنها من واقع النص ، هذا بدوره أدى إلى تعدد الآراء في التفسير ومنها:

 

المطلب الأول

 

النـــظريــة  التقـــليدية

 

ويعرف أصحاب هذا الاتجاه بمدرسة التزام النصوص ، وقد ظهرت أعقاب صدور المجموعات الفرنسية مع بداية القرن التاسع عشر ، وقد كان الفقهاء الفرنسيون ينظرون في ذلك الحين إلى العمل التشريعي الذي قام به نابليون ، عندما جمع القواعد القانونية لكل فرع من فروع القانون في مجموعة مستقلة نظرة تقديس واحترام ، وكانوا يرون أن التشريعات التي أصدرها نابليون جمعت وأحاطت بكل شيء ، وما دامت النصوص التشريعية تشمل على كل شيء فإن دور الفقيه يقتصر على تفسيرها واستخلاص الأحكام منها ، ويتعين على الفقيه عند تفسير النص أن يبحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع والتي عبر عنها النص التشريعي عند وضعه.

وإزاء هذا التقديس للنصوص اندفع أنصار هذه المدرسة إلى التقيد بالنص والتزام حدوده.

ويرى أنصار هذه المدرسة أيضاً عند التقيد بالنص بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية ، والسوابق التاريخية والروح العامة للتشريع.

أولاً: الأعمال التحضيرية: عند غموض النص وعدم وضوحه يجب الرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمناقشات التي صاحبت إعداد النص أو خلق القاعدة القانونية ، وعند الاطلاع عليها يمكن الوقوف على إرادة المشرع.

ثانياً: السوابق التاريخية: يرى أصحاب هذه المدرسة بأن سكوت المشرع عن الإفصاح عن أمر معين ما يفيد رضاءه بالوضع الذي كان قائماً قبل صدور النص ، وهذا لا يتم إلا بالرجوع إلى السوابق التاريخية.

 ثالثاً: الروح العامة للتشريع: في حالة الشك في مفهوم نص معين يجب ترجيح المعنى الذي يلائم الروح العامة للنصوص.

النظرية الحديثة:

يرى أصحاب هذه المدرسة أن أمر التفسير يتلخص في أمرين هما:

أولاً: التفسير وفق إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق النص:

يرون أن القواعد القانونية المقررة في النصوص ينبغي أن تفسر وفقاً لحاجة المجتمع وظروفه وقت تطبيقها ، فالمفروض أن يتساءل المفسر عن إرادة المشرع الاحتمالية عند تطبيق القواعد القانونية ، ولا يقع أسير هذه الإرادة يوم إعداد تلك القاعدة.

 ثانياً: اتساع مفهوم التفسير لمنهج البحث العلمي الحر:

يرون بعدم جواز إرهاق إرادة المشرع ، فليس من الضروري أن يلتزم بإيجاد الحل وفقاً لإرادة المشرع الاحتمالية ، بل إن المفسر الدائر في فلك  النصوص يجب أن يتم في إطارها ، دون إضاعة الجهد في البحث عن نوايا احتمالية للمشرع ، وإنما وجوب التسليم صراحة بأن هناك مسائل لم يتعرض إليها المشرع.

كما يجب أن يستعين المفسر في تفسيره بالأصول الفكرية الواقية التي تكمن في جوهر القواعد القانونية ، وينبغي أن يكون الحل عادلاً بالنسبة للأفراد وملائماً للجماعة.

 

النظرية المختلطة:

تقوم هذه النظرية بالجمع بين الاتجاهين وذلك وفقاً للغاية من التفسير ، أي إذا كانت الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية طبقاً ، أو عما إذا كانت الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة.

أولاً : حالة افتراض الغاية من التفسير استخلاص الحكم في نطاق القواعد القانونية المطبقة:

لا يرى أنصار هذه النظرية في هذه الحالة تجميد التفسير في الإطار الضيق الذي أراده أصحاب مدرسة التقيد بالنص ، فلا يجوز للمفسر أن يستسلم لإرادة المشرع وقت وضع النص ، أو أسيراً لمفهوم القاعدة القانونية عند وضعها بوجه عام ، وإنما ينبغي على المفسر أن ينظر إلى القاعدة القانونية بروح العصر عند تطبيقها ، فهو على هذا النحو يرد القاعدة القانونية إلى طبيعتها الأصلية ، وانه لا يملك مخالفتها أو تعطيل أحكامها.

ثانياً : حالة الغاية من التفسير سد الفراغ في القواعد القانونية المطبقة:

المفروض في هذه الحالة أن القواعد القانونية لا تسعف المفسر في تقديم الحل لبعض الفروض التي تكشف عنها الحياة العملية.

فإذا كانت غاية التفسير ابتداع حكم لسد الفراغ ، فينبغي على المفسر أن يسلك منهج البحث العلمي الحر ، على هدى من الأصول التي تشكل جوهر القاعدة القانونية في الجماعة.

طرق التفسير:

في حالة عرض نزاع ما على القاضي عليه أن يلتمس الحل في التشريع أولاً ، فقد يجد نصاً واضحاً سليماً وقد لا يجده وبما أن مهمة القاضي الفصل في النزاعات ، فإنه يلجأ إلى طرق التفسير المختلفة التي يستعين بها في الوصول إلى حكم النصوص الموجودة ، وإذا لم يتمكن عن طريق النصوص الموجودة من الوصول إلى حل النزاع ، فإنه يوجد أمام حالة غير منصوص عليها ، وتبعاً لذلك يكون حلها باللجوء إلى مصادر القوانين الأخرى.

المطلب الثاني

 

تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

أصول جمع أصل ، الأصل في لغة العرب ما يبتني عليه غيره ، ومنه بناء الأحكام الجزئية ، على القواعد الكلية ، وهو عند الفقهاء والأصوليين يطلق على معانٍ منها (الدليل) ، إذ يقال الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة ، ومنها (القاعدة الكلية) ، وتعرف بأنها قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على جزيئات موضوعها[22].

بين قانون أصول الحكام القضائية لسنة 1983م ما لا يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني [23]. أو التفسيري كما بين أيضاً ما يجوز فيه للقاضي الاجتهاد البياني.

ويدور الجواز وعدمه وجوداً وعدماً ، مع توافر وانعدام قيدين هما كون النص مفسراً أو قطعي الدلالة كما بينت لنا المادة الثانية من هذا القانون الكيفية التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني في تفسير النصوص التشريعية وحيث نصت (في تفسير النصوص التشريعية ما لم يكن النص مفسراً أو قطعي الدلالة:

(أ ) يستحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية ، تعطيلاً لواجب قطعي أو إباحة محرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية.

  1. يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية بما يوافق أحكام الشريعة ومبتدئها وروحها العامة.

(ت) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الأصولية واللغوية في الفقه الإسلامي).

أولاً : مالا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

لا يجوز لقاضي الاجتهاد البياني ، في حالتي النص التشريعي المفسر ، أو النص التشريعي قطعي الدلالة ، لعدم احتمالهما التأويل ، أوالتخصيص ، أوصرفهما عن ظاهرهما.

النص المفسر:

ينقسم اللفظ بحسب خفاء معناه وظهوره إلى قسمين:

(أ ) خفي الدلالة ، وهو استتر معناها لذاته ، أو لأمر آخر ، متوقف على المراد منه على غيره ، وقد يتعذر فهمه أو يزول خفاءه بالرجوع إلى المتكلم به أو البحث والتأويل ، وهو يشمل المتشابه والمجمل والمشكل والخفي.

(ب) واضح الدلالة ، وهو ما دل على معناه بصيغته من غير توقف على أمر خارجي ويشمل المحكم والمفسر والنص الظاهر.

النص القطعي:

هو النص الذي وصل إلينا عن طريق قطعي ويحمل في نفس الوقت دلالة قطعية علي مضمونه ، أي أنه قطعي الثبوت بالنظر لإسناده ، وقطعي الدلالة بالنظر لمضمونه ، وهو اللفظ باعتبار دلالته علي معنى مقصود من السوق ، وغير محتمل للتفسير والتأويل ، ولا قابل للنسخ ، فهو كالمفسر في وضوح دلالته ، ولكنه أقوى منه دلالة على المعنى .

ثانياً: ما لا يجوز فيه الاجتهاد البياني:

الاجتهاد البياني هو تفسير نص قائم بتفهم معناه وكشف مرماه ومضمونه فهو اجتهاد ضمن دائرة النص القائم في حدود الأصول اللغوية والشرعية [24] . ويتنوع البيان والتفسير بحسب الجهة التي تتولاه.

 

 

الإجراءات التي يتبعها القاضي في اجتهاده البياني:

نصت الفقرة (أ ) من المادة (2) من قانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983م على الآتي:

(يستصحب القاضي أن المشرع لا يقصد مخالفة الشريعة الإسلامية تعطيلاً لواجب قطعي ، أو إباحة لمحرم بين ، وأنه يراعي توجيهات الشريعة في الندب والكراهية).

وباستقراء نص المادة أعلاه أن لا يذهب القاضي في تفسيره للنصوص التشريعية ؛ إلى تفسير يخالف أحكام الشريعة الإسلامية ، وأنَّ عليه أن يفسر النص بما يوافق الشريعة الإسلامية ، ومن ثم يكون باطلاً كل تفسير قضائي يعطل واجباً قطعياً أويبيح محرماً بيناً.

وهذا ما سارت عليه السوابق القضائية السودانية وأرست:

قواعد عامة - البحث في التشريع - دواعيه [25].

تفسير - تفسير النص القانوني - الغرض منه - جواز الالتجاء إليه.

تفسير - التفسيرات التشريعية - متى تصدر.

إجراءات مدنية - إنذار النائب العام - عدم جواز إرسال العريضة بواسطة المحكمة للنائب العام.

تفسير- عبارة إبلاغ النائب العام الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م - المقصود منه.

1- لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجور الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالحكمة التي أملته لأن البحث في حكمة التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سيبل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصى الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة عند وجود نص واضح ومحدد.

2- الأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا إذا شاب ذلك النص غموض يراد توضيحه أونقص يراد إكماله أوتعارض يراد إزالته بحيث إذا كان صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أيا كانت وسيلته إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له.

3- التفسيرات التشريعية تصدر لتكشف عن غوامض القانون ولتزيل الإبهام الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكامه أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة ، لم تتناولها نصوصه.

4- إرسال العريضة إلى النائب العام للرد عليها خلال شهرين إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد فيه هو مساعدة المدعى بتحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.     

5- يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانوناً إلى النائب العام ولا يدخل في تعريف (المدعى) اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً للقانون.

 

 

ملخص الوقائع:

القاضي/ فاروق أحمد إبراهيم

هذا طلب مقدم من النائب العام تحت المادة (320) من قانون الإجراءات المدنية سنة 1983م . لتفسير نص المادة 33(4) من ذلك القانون.

 وفي صدر الطلب يورد النائب العام نص المادة 33(4) ومفاده أنه لا يجوز رفع دعوى ضد أي جهاز من أجهزة الدولة أو ضد أي موظف عام عن فعلٍ نسب إليه بصفته أو أثناء قيامه بواجبات وظيفته قبل إبلاغ المدعى للنائب العام بالنية في رفع الدعوى بعريضة واضحة ومختصرة ويمضي شهران من تاريخ ذلك التبليغ ما لم يأذن النائب العام في رفع الدعوى قبل انتهاء تلك المدة.

وعلى سبيل المقارنة وكخلفية تاريخية يورد النائب العام نص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م والتي لم تكن تجيز رفع الدعوى ما لم يقم المدعى أو المحكمة بحسب الأحوال بإبلاغ النائب العام وأن تنقضي مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة ما لم يأذن النائب العام برفعها قبل انقضائها.

ويقول النائب العام أنه استناداً إلى قانون 1974م درجت المحاكم على إبلاغ النائب العام رغم أن الغرض من النص هو إعطاؤه الفرصة لتقييم الموقف بهدف الوصول إلى تسوية مع المدعي أو رفض العريضة . هذا وقد أشار النائب العام إلى بعض السوابق القضائية في هذا الخصوص وذلك للتدليل على أن قاعدة إنذار النائب العام هي مسألة تتعلق بالنظام العام وأنه رغم ذلك لم تلتزم محاكم أدنى درجة بإنذاره وفقاً لما قرره القانون.

ويمضي النائب العام إلى القول بأن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م قد حسم هذا الأمر بصفة قاطعة حينما تم حذف عبارة (أمر المحكمة)

وبالتالي أصبح واجب إنذار النائب العام مقصوراً على المدعى وحده.

وينتهي النائب العام إلى القول بأن المحاكم لم تلتفت إلى النص الجديد حيث درج بعضها على إبلاغ النائب العام بنفسه بحجة أن ذلك لم يضر بمصلحة ولكون أن ذلك الإبلاغ من جانب المحكمة لا يخرج في مضمونه عن نقل نية المدعى رفع الدعوى وبالتالي لا يمكن تفسيره على وجوب أن يقوم المدعى بشخصه وليس المحكمة بإبلاغ النائب العام وإلا وقع التبليغ باطلاً.

لذلك يلتمس النائب العام تفسير المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م كي يقرر ما إذا كان يتحتم على المدعى بشخصه إبلاغ النائب العام بنيتة في رفع الدعوى أم يجوز أيضاً للمحكمة إبلاغه نيابة عن المدعى وإذا ما أبلغت المحكمة النائب العام ولم يقم المدعى بإبلاغه فهل يكون ذلك التبليغ باطلاً.

المحكمة

لما كانت المادة 33(3) من قانون الإجراءات المدنية (الملغي) لسنة 1974م واضحة وصريحة حيث إنها لم تجز رفع الدعوى حتى تنقضى مدة الشهرين المنصوص عليها في تلك المادة فإنه تأسيساً على ذلك يكون القانون وقتها قد أجاز للمدعى سلوك أحد طريقين وهو إما أن يقوم بإبلاغ النائب العام قبل تقديم العريضة إلى المحكمة وفي هذه الحالة يمتنع عليه اتخاذ أي إجراءات قضائية قبل انقضاء مدة الشهرين أو أن يغفل إبلاغ النائب العام ويتقدم بعريضته مباشرة إلى المحكمة لتقوم بدورها بإبلاغ النائب العام.

ثم صدر فيما بعد قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وحذف المشرع من لب المادة 33(4) منه عبارة (أو المحكمة) لتصبح الجهة الوحيدة التي تقوم بإبلاغ النائب العام بالنية برفع الدعوى هي المدعى وحده . هذا النص صريح وقاطع في الدلالة بحيث لا يحتاج إلى عناء في التفسير إذ إن المشرع بإسقاط عبارة (أوالمحكمة) يكون قد قصد ولأسباب يقدرها استبعاد تدخل أي جهة أخرى وقصر واجب البلاغ على المدعى وحده دون غيره ولأسباب تتصل بمقتضيات العمل ولكي تتاح الفرصة للنائب العام خلال مدة الشهرين للاتصال بالجهات ذات الصلة بالعريضة للوقوف على جدية الادعاءات المضمنة فيها أو إجراء تسوية لمطالبة المدعى إن لزم تجنباً لمشقة التقاضي.

لقد استقر القضاء على أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى وقاطعاً في الدلالة على المراد منه فإنه لا يجوز الخروج عنه أو تأويله بدعوى الاستهداء بالمحكمة التي أملته لأن البحث في حكمه التشريع ودواعيه إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه مما يكون معه القاضي مضطراً في سبيل التعرف على الحكم الصحيح إلى تقصي الغرض الذي رمى إليه ذلك النص والقصد الذي أملاه ذلك أن الأحكام القانونية تدور مع علتها لا مع حكمتها ومن ثم لا يجوز إهدار العلة والأخذ بالحكمة مع وجود نص واضح ومحدد . فالأصل أنه لا يجوز للمحكمة أن تلجأ إلى تفسير النص القانوني بغرض التعرف على المقصود منه إلا صريحاً وسليماً من هذه العيوب فلا يجوز الالتجاء إلى تفسيره تشريعياً بما يعدل أحكامه الواضحة لخروج ذلك عن وظيفة التفسير أياً كانت وسيلته . إذ لا يجوز تعديل التشريع إلا بعد إصدار قانون معدل له . فالتفسيرات التشريعية إنما تصدر لتكشف عن غوامض قانون ولتزيل الإبهام عن الذي قد يلابس بعض نصوصه دون أن تخرج عن أحكام القانون أو تعدله أو تستحدث أحكاماً أو إجراءات جديدة لم تتناولها نصوصه.

وعلى هدى من هذا النظر فإنه متى كانت عبارة النص قد وردت صريحة على المقصود منها فإنه لا يجوز الاجتهاد مع هذا الوضوح في النص بدعوى أن تطبيقه قد يترتب عليى أضرار بمصلحة الخاضعين لأحكامه لأن وصاية العدالة في سن التشريعات وتعديلها في ضوء ما يسفر عند تطبيقها هي مهمة المشرع وليس المحكمة.

وترتيباً على ذلك فإنه وبعد سريان الإجراءات المدنية لسنة 1983م يجدر بالمحاكم أن تتقيد بنص المادة 33(4) وذلك بأن لا تقبل العريضة في مواجهة النائب العام إلا إذا أثبت فيها مقدمها أنه قد أبلغ النائب وفقاً لمقتضيات القانون ،  فإذا ما تقدم بعريضته إلى المحكمة دون أن يبين فيها أنه قد التزم بحرفية المادة 33(4) وجب على المحكمة أن ترد إليه العريضة دون اتخاذ أي إجراء وأن توجه باتباع الإجراء القانوني الذي أوجبته المادة أعلاه قبل اللجوء إلى المحكمة.

أما ما درجت عليه بعض المحاكم من إرسال صورة من العريضة إليى النائب العام للرد عليها خلال شهرين وهذا في رأينا إجراء لا سند له في القانون ولا يشفع له أن القصد منه هو مساعدة المدعى تحريك الإجراءات كسباً للوقت إذ لا شأن للمحكمة بذلك لأن القانون قد أسقط أي دور لها في هذه الحالة ومن ثم لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تتدخل بين الخصمين ولو بالاستناد إلى قواعد العدالة لأن تلك القواعد لا تسمو على النص القانوني الصريح.

أما ما ذهبت إليه بعض المحاكم في تبريرها لذلك الدخل بمقولة أنها تعتبر وكيلة عن المدعى أوحلقة وصل في هذه الحالة وهذا إجراء لا أساس له في الواقع أو القانون إذ إن المحكمة لا تعتبر في أي مرحلة تكون فيها الدعوى وكيلة عن أيٍ من الطرفين إذ يتنافي ذلك مع واجبها الأساسي بل ويجردها من أبسط مظاهر العدالة وهي أولاً الالتزام بتطبيق القانون كما صاغه المشرع وثانياً أن ذلك التطبيق بالحيدة المطلوبة دون ميل أو محاباة لأي من الخصوم.

لما تقدم ذكره أرى أن التفسير الذي يميل إليه النائب العام هو تفسير صحيح لنص المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ومن ثم أرى أن يصدر الحكم على النحو التالي:

يقصد بعبارة (إبلاغ النائب العام) الواردة في المادة 33(4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م التبليغ الذي يوجهه المدعى أو أي شخص ينوب عنه قانونياً النائب العام ولا يدخل في تعريف المدعى اصطلاح (المحكمة) وأن أي تبليغ يتم على خلاف هذا النحو يكون مخالفاً لهذا القانون.

القاضي/ حنفي أحمد إبراهيم

بعد الاطلاع أوافق على رأي مولانا/ فاروق لأنه التفسير السليم للنص

القاضي/ أحمد إدريس أحمد 

أوافق على كل ما جاء في المذكرة.

القاضي/ محمد حمزة الصديق

أوافق فقصد المشرع بحذف كلمة (أو المحكمة) الواردة في قانون سنة 1974م كما بينه مولانا فاروق.

القاضي/ يوسـف دفع الله

أوافق على ما ذهب إليه مولانا فاروق أحمد

القاضي/ عبيد قسـم الله

أوافق على التفسير الذي ورد في مذكرة الزميل فاروق.

القاضي/ زكي عبد الرحمن

11/5/1986م

أوافق على ما انتهى إليه مولانا/ فاروق أحمد . ولو جاز لي أن أضيف شيئاً إلى مذكرته الوافية فهو أنه حتى إذا كان هناك غموض في نص المادة 33(4) أضفاه عليه اختلاف الفهم للمحكمة من ورائه . فإن قواعد التفسير التقليدية تؤدي إلى نفس النتيجة التي رآها مولانا فاروق حيث إن تطبيق قاعدة إزالة الضـرر (Mischief Rule) على تفسير المادة في ضوء مراحل تطورها ، ينتهي بنا الأمر إلى أن المشرع إنما حذف عبارة (أو المحكمة) التي كانت ترد في القانون قبل عام 1983م نظراً إلى الأضرار التي ترتبت على إقحام المحكمة في إجراء يتطلبه القانون من الذين يرغبون في مقاضاة الدولة فقد أدى ورود عبارة (المحكمة) في سياق النص الذي ألزم المدعى بإبلاغ النائب العام إلى خلط أفرغ النص من معناه حيث كانت المحاكم تأخذه على أنه مجرد إجراء شكلي لا يمنع تصريح الدعوى ويغني عنه إعلان النائب العام في أي وقت لميعاد بتراخي شهرين أو أكثر وهو ما كان يعني بالضرورة أن تحل كل الالتزامات الناشئة عن التقاضي.

وعلى هذا ، فإنه وسواء كان نص المادة 33(4) واضحاً وضوحاً لا يحتمل تبايناً التفسيرات أوكان مشوباً بغموض يتطلب الإيضاح ، فإن النتيجة واحدة ، وهي ما انتهى إليه مولانا فاروق.

وأيضاً السابقة القضائية [26]:

قواعد تفسير القانون 1974م _ عناوين المواد الراسية والهامشية ليست جزءاًً من التشريع - إمكانية الاسترشاد بما فيها تفسير النصوص في حالة غموضها.

قانون الشفعة لسنة 1928م - سلطة المحكمة في مد وتأجيل المواعيد المحددة في القانون المادة 19 .

1- من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقانون وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها في حالة وضوح النص ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

2- سلطة المحكمة بخصوص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م لمد أو تأجيل المواعيد المحددة في القانون لاتخاذ إجراء معين سلطة مطلقة تنسحب على كل الأوقات والمواعيد في القانون بما في ذلك المواعيد المنصوص عليها في المادة 17 من القانون.

رأي مخالف: تعطي المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك منوط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد.

المحامون:

علي محمود حسنين وسعد ياجي                                 عـن الطاعن       

عبد العزيز شدو                                         عن المطعون ضدهما               

الحكــم:

19/3/1976 م

القاضي: رمضان علي محمد:

يطعن مقدم الطلب (المدعى) بطريق النقض في حكم محكمة الاستئناف في استئنافها رقم 115/75 بتاريخ 7/4/1976م والقاضي بشطب الطعن بالاستئناف المقدم لها ضد حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية في الدعوى  رقم 599/74 الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م بشطب الدعوى.

تتلخص وقائع الدعوى التي صدر فيها موضوع الطعن في أن الطعن (المدعى) أقام الدعوى المشار إليها يلتمس فيها الحكم له بتعديل سجل 505/4 فداناً في الساقية رقم 96/2 مربوع شمبات بالخرطوم بحري من اسم المطعون ضده الأول (المدعى عليه الأول) إلى اسمه وادعى الطاعن في عريضة دعواه بأن المطعون ضده الأول قام بشراء هذه المساحة من المطعون ضده الثاني والذي كان يملك ذلك النصيب معه في تلك الساقية على الشيوع مما يعطيه أولوية الشراء عن طريق الشفعة.

جاء في مذكرة الدفاع أن البيع سجل في 13 مارس سنة 1974م وبذلك سقط حق الطاعن (المدعى) في الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة. وقد عقب الطاعن (المدعى) على هذا الرد بأنه علم بالبيع في 14/9/1974م ، فإذا تم البيع فعلاً في 13 مارس 1974م فقد أخفي المطعون ضدهما ذلك منه حتى تاريخ انقضاء الستة أشهر حيث أخطر الطاعن (المدعى) في 14/9/1974م أي بعد يوم واحد من انقضاء مدة الستة أشهر وبالتالي لم يقم المطعون ضدهما بالإخطار المنصوص عليه في المادة 15 من قانون الشفعة.

ومن ثم طلب الطاعن من المحكمة الابتدائية أن تمارس سلطتها وفقاً للمادة 19 من قانون الشفعة لمدة الستة أشهر من صالحه.

في 2 فبراير 1975م قضت المحكمة الجزئية بشطب الدعوى لسقوط حق الشفعة طبقاً لنص المادة 17 من قانون الشفعة / واستندت في ذلك على ما يلي:

1- لقد فسرت السابقة القضائية المدونة في عدد سنة 1970م من المجلة القضائية في الصفحة 71 ما يوفى بأنه إلزام على المشتري أوالبائع إخطار المشفع بحقه في حق الشفعة إنما هو حق لهما يملكان الخيار في استعماله إن أرادا ذلك.

2- على المشفع أن يتخذ إجراءات إعلان الشفعة تحت المادة 11 من قانون الشفعة في خلال 15 يوماً من تاريخ علمه بالبيع أوإخطاره بحقه في الشفعة وبالعدم يسقط حقه في المطالبة بالشفعة وفقاً لأحكام المادة 17 وقد حددت المادة 17 مدة السقوط لفترة ستة أشهر تبدأ من تاريخ تسجيل البيع.

3- إذ جاز مد فترة السقوط فهذا يعني أن المحكمة لمثل هذا الفعل قد حلت محل المشرع وألقت ما جاء في المادة 17 من قانون الشفعة.

في 7 أبريل سنة 1976م شطبت محكمة الاستئناف طعناً بالاستئناف تقدم به الطاعن ضد حكم المحكمة الجزئية وضد هذا القرار يتقدم الطاعن بالطعن المطروح أمامنا الآن لنقض ذلك الحكم.

استندت محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه على الأسباب الآتية:

1- قدم طلب الشفعة بعد أكثر من ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع . لقد تم تسجيل البيع في 13 مارس 1974 م وقدم طلب الشفعة في 21 سبتمبر 1974م أي كان تقديم الشفعة بعد انقضاء 8 أيام من نهاية الفترة المحددة.

2- لا تملك المحكمة في أن تتجاوز عن هذا التأخير حيث لا يمكن للمحكمة أن تمد المدة المحددة استناداً على المادة 19 من قانون الشفعة.

إن السلطة الممنوحة للمحكمة بموجب هذه المادة لمد المواعيد التي تحددها المحكمة نفسها ولا تمتد للمواعيد التي يقررها القانون وهذا واضح من استعمال كلمة (Limited) أي(المحددة) ولم يستعمل المشرع كلمة (المقررة) (Prescribed) لأن العبارة الأخيرة هي التي تشير إلى تلك المواعيد التي يقررها القانون . وقد أشارت محكمة الاستئناف في هذا الشأن إلى التعريف الوارد في قانون تفسير القوانين والنصوص العامة.

وقد أورد السيد محامي الطاعن الأسباب الآتية لنقض الحكم المطعون فيه:

1- جاء عنوان مد المدة المسموح بها بموجب هذا القانون وواضح من هذا النص أن للمحكمة حق مد وتأجيل الوقت لأي فعل أو اتخاذ أي إجراء بموجب قانون الشفعة كله . وقد جاء عبارة (The Time Limited Hereunder) الواردة في المادة 19 لتعني المدة المحددة في القانون وليست المدة التي تحددها المحكمة.

2- أن المادة 19 من قانون الشفعة تماثل المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م التي تمنح المحكمة سلطة مد أي مدة حددها القانون.

تنص المادة 19 من قانون الشفعة لسنة 1928م على الآتي:

(“Where awing to the absence of a party or other cause it seems just to court to extend or adjourn the time limited hereunder for doing any act or taking any proceeding “the court may by order extend or adjourn any such time)

من قواعد التفسير المتعارف عليها أن عناوين المواد الراسية والهامشية لا تعتبر جزءاً من التشريع لأنه لم يتم التصويت عليها بواسطة الهيئة التشريعية عند إصدارها للقوانين ، وبالتالي فلا يمكن الاستعانة بها خاصة إذا كانت النصوص واضحة ولكن يمكن الاستعانة بها في تفسير النصوص في حالة غموضها.

عبارة (The Time Limited Hereunder ) إن هذه العبارة ترجمتها في رأينا كالأتي:

(المواعيد المحددة في هذا القانون) وهذه الترجمة تتماشي تماماً مع العنوان الهامشي في المادة نفسها وهو :

Power to extend time allowed under this ordinance

وعليه لا يمكن القول بوجود تضارب بين العنوان والنص الوارد في المادة 19 من القانون.

وقد جاءت ترجمة المادة 19 من النص العربي من قوانين السودان المراجعة حتى نهاية 1974م في المجلد الثاني كما يلي:

(إذ ظهر للمحكمة في الوقت المسموح به بموجب هذا القانون أنه من العدل أن تمد أوتقصر الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء فيجوز بأمر منها أن تمد أو تقصر هذه المواعيد).

جاءت المادة 4 من قانون تفسير القوانين النصوص العامة لسنة 1974م (قانون32 لسنة 1974م) تفسر عبارة مقرر (prescribed) ضمن كلمات وعبارات أخرى لأنها تعني (مقررة) بالقانون الذي وردت فيه هذا الكلمة أو أي تشريع آخر وفقاً لهذا القانون . وفي رأينا أن كلمة مقررة أو محددة  (prescribed limited or) مترادفتان وتؤديان نفس المعنى ما لم يحدد المشرع معاني خاصة لكل منها فقانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م لم يحدد معنىً خاصاً بعبارة محددة.

وفضل عن ذلك فليس في قانون الشفعة لسنة 1928م مادة واحدة تعطي المحكمة سلطة تحديد فترة زمنية معينة لأداء أي عمل أو إجراء خلالها . وأن المواعيد الواردة في هذا القانون جميعها إنما هي مواعيد محددة في القانون ومن الطبيعي أن سلطة مد المواعيد المقررة بموجب المادة 19 إنما تشير إلى هذه المواعيد المقررة بموجب القانون.

إن لمحامي المطعون ضده نفس الرأي في تفسير المادة 19 في أنها تمنح المحكمة حق مد أو تأجيل المواعيد المحددة في قانون اتخاذ إجراء معين إلا أنه يضيف قائلاً بأن الإجراءات المعنية في نص المادة 19 إنما هي الإجراءات المنصوص عنها في المواد 11 و15 و16 ولا تعني الإجراءات المنصوص عليها في المادة 17 والتي تتحدث عن سقوط حق الشفعة وأنها إذا انقضت ستة أشهر على تاريخ تسجيل البيع علم بذلك المشفع أو لم يعلم ، وليس هنالك إجراء معين يمكن للمشفع اتخاذه خلال فترة معينة حتى تنطبق عليه أحكام المادة 19 من قانون الشفعة.

إن المشرع عندما نص في المادة 17 على أنها حق الشفعة بعد مضي ستة أشهر من التسجيل إنما قصد ضمناً وجوب اتخاذ إجراءات الشفعة خلال الستة أشهر السابقة للتسجيل . وفي رأيي إن للمحكمة سلطة مد هذه المدة بما لها من سلطات بموجب المادة 19 . وعليه  أرى قبول هذا الطعن وإلغاء كل من حكم محكمة الخرطوم بحري الجزئية الصادر بتاريخ 2 فبراير سنة 1975م وقرار محكمة الاستئناف المؤيد له مع الأمر بإعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير في الدعوى على ضوء هذه المذكرة.

القاضي : الصادق عبد الله

أوافق . لقد جاء نص المادة 19 مطلقاً دون تقييد ولا استثناء شاملاً كل (الأوقات والمواعيد المحددة في هذا القانون) ولذلك فهي تنطبق على المواعيد المنصوص عنها بالمادة 17 من القانون والسبب الذي أبداه الشفيع هو أنه لم يكن يعلم بالبيع.

7/3/1977 م

مذكرة برأي مخالف

القاضي هنري رياض سكلا:

رغم أن الأسباب والأسانيد التي ساقها الزميل العالم رمضان علي محمد لها وجاهتها وحجتها في الإقناع مما يبرر تفسير المادة 19 من قانون الشفعة القائل (إذا كان السبب غياب طرف من أطراف دعوى أو لأي سبب آخر رأت المحكمة من العدل مد المواعيد أو تأجيلها للقيام بأي عمل أو اتخاذ أي إجراء ويجوز للمحكمة بأمر منها أن تمد أو تؤجل أي موعد) بأنه يعطي المحكمة سلطة مد ميعاد رفع دعوى الشفعة حتى بعد سقوط الحق بعد انقضاء ستة أشهر إلا أن ذلك مشروط بتقديم سبب مقنع تراه المحكمة مقبولاً وعادلاً لمد الميعاد كما هو واضح بجلاء من صدر المادة المذكورة.

وعلى هدى من هذا النظر ولما كانت عريضة دعوى الطاعنين قد جاءت خلواً من أي سبب لمد الميعاد فإن عناصر المادة 19 لا تكون متوفرة أو مكتملة مما يتعين معه رفض تطبيقها وعدم إعمالها على واقعة الدعوى ومن ثم يتعين تطبيق أحكام المادة 17التي تقضي بسقوط الحق في الأخذ في الشفعة إذا انقضت ستة أشهر من تاريخ تسجيل البيع هو ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه دون أن يكون مخالفاً للقانون ولا مخطئا في تطبيقه.

ولذلك فإني أرى رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالرسوم.

 تفسير المجملات والعبارات التقديرية:

نصت عليها الفقرة (ب) من المادة (2) على أنه: (يفسر القاضي المجملات والعبارات التقديرية ، بما يوافق الشريعة الإسلامية ومبادئها وروحها العامة).

لقد اختلف الأصوليون اختلافاً لفظياً في تعريف المجمل ، فعرفه البزدوي (بأنه ما ازدحمت فيه المعاني ، و اشتبه المراد منه اشتباهاً ، لا يدرك بنفس العبارة ، بل بالرجوع إلى الاستفسار ، ثم الطلب ، ثم التأمل[27].

واستناداً إلى تفسير الأصوليين بالمجمل وهو الذي لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى الشارع أو المشرع.

 في التفسير التشريعي لا نجد في القوانين كلها ألفاظاً مجملة بهذا الاصطلاح ولذا وردت كلمة (المجملات)  في المادة وخول القانون للقاضي تفسيرها بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها وروحها العامة فإنها لا تعني كل لفظ أوعبارة خفي معناها خفاء يمكن التعرف على معناها بالاجتهاد لأن المجمل في تعريف العلماء لا يعرف معناه إلا بالرجوع إلى المتكلم وهو المشرع وهو وحده المختص ببيان المجمل.

لقد أختار المشرع مصطلحات علماء الأصول في تفسير النصوص وفي المصادر الاحتياطية التي يلجأ إلى أحكامها القضاة عند عدم وجود النص وإن اختيار هذه المصطلحات تعني بالضرورة الالتزام بمعانيها التي قررها علماء الأصول وعدم الخروج عنها ، فإذا جعل المشرع من اختصاص القاضي تفسير المجمل فهذا خروج على علماء الأصول في تعريف المجمل ما لم يبين بكل الوضوح أن المشرع لم يقصد الخروج عن اصطلاح العلماء ولكن عبر بالمجمل عن كل ما فيه غموض أو إبهام أو خفاء من النصوص ويمكن معرفة معناه بالاجتهاد والتأمل كالمشكل والخفي دون الرجوع للمشرع.

من قبيل المجمل في القوانين السودانية لفظ المعاملات في الفقرة (1) من المادة (3) من قانون الإثبات لسنة 1993م ونصها: (يطبق هذا القانون على الإثبات في المعاملات والمسائل الجنائية ...).

فلفظ (المعاملات) في هذا المعنى العرفي الظاهر يختص بتصرفات الأفراد المالية في العقود المدنية ، وأدخل الشارع في معناه هنا معناً شرعياً وهو (الأحوال الشخصية بما فيها أقضية الطلاق والنسب والحضانة) إذ نصت المادة الرابعة من ذات القانون على أن: (المعاملات يقصد بها العلاقات والتصرفات المالية والأحوال الشخصية وسائر المسائل القانونية غير الجنائية) فكان ذلك بياناً من الشارع بما رفع خفاء المعنى بنقله من المعنى العرفي إلى معنىً قانوني جديد.

وأيضاً من قبيل المجمل لفظ (البينة) في المادة (3) الفقرة (2) من قانون الإثبات السوداني لسنة 1983 م: (سرى أحكام هذا القانون على ما لم يكن قد سمعت فيه البينة من الدعاوى) فلفظ البينة في المعنى اللغوي الظاهر يدور بين معانٍ عديدة منها الإظهار، قال تعالى: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ...)[28].

قال الزمخشري [29] : من تبين الشيء إذا ظهر وتجلى ، ومنها أن البينة تعني تثبت لقوله تعالى: (يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)   [30] . ومنها أن البينة تعني الحجة والبرهان ، ومنه قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا ...)[31].

ولما كان المقام هنا متعلقاً بسماع البينة في الدعوى على نحو ما ثبت في النص فقد ثبت أن البينة المرادة هنا هي الحجة والبرهان ، هكذا رفع المجمل جزئياً ويعدّ اللفظ مشكلاً يدور معناه بين رأي جمهور الفقهاء القائل بأن البينة هي شهادة الشهود ، ورأي ابن حزم الظاهري القائل بأن البينة هي شهادة الشهود وعلم القاضي والإقرار . ورأي فريق من الفقهاء منهم ابن القيم الجوزية وابن فرحون المالكي وعلاء الدين الطرابلسي الحنفي أن البينة هي كل ما يبين به الحق.

ولما تزاحمت هذه المعاني في نص المادة أعلاه ، لم يكن ثمة بد من بيانها بواسطة المشرع نفسه ، فجاءت المادة الرابعة من ذات القانون تنص على أن: (البينة يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو في أي واقعة متعلقة بدعوى أو نزاع أمام المحكمين أو الموفقين) . ومن ثم علم أن المشرع يريد بمعنى البينة ما ذهب إليه هذا الفريق من الفقهاء ، فكان ذلك بياناً بما رفع ما في الإجمال من خفاء بسبب تزاحم المعاني وتعيين المراد من قبل المشرع.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

أولاً : القرآن الكريم

ثانياً : المراجع:

  1. السنن الكبرى.
  2. سنن البيهقي.
  3. تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ، محمد أديب صالح.
  4. المدخل لدراسة العلوم القانونية ، مصطفى منصور.
  5. النظرية العامة للقانون ، سيد عبد الستار تنابو.
  6. شرح القانون المدني المصري الجديد ، كامل مرسي.
  7. دروس في مبادئ القانون ، عبد الودود يحيى و نعمان جمعة.
  8. شرح التلويح على متن التنقيح في أصول الفقه ، تحقيق: زكريا عميرات ، سعد الدين التفتازاني.
  9. دروس في نظرية القاعدة القانونية ، محمود جمال زكي.
  10. المدخل لدراسة القانون ، أحمد سلامة.
  11. المدخل إلى القانون ، رمضان أبو السعد و همام محمد محمود زهران.
  12. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ، وهبة الزحيلي.
  13. دلالات الألفـاظ و أثـرها فـي تفسير النصوص القانونيـة ،      د. عباس سليمان علوان.
  14. قانون الأحكام القضائية لسنة 1983م.
  15. مجلة الأحكام القضائية لسنة 1986م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

1- مقدمة                                                            1      

2- المستخلص باللغة العربية                                          3

3- المستخلص باللغة الانجليزية                                        4

4- المبحث الأول : مفهوم التفسير و مجاله و أنواعه                     5

5- المطلب الأول : التفسير التشريعي                          7

6- المطلب الثاني : التفسير القضائي                                   9

7- المطلب الثالث : التفسير الفقهي                                    13

8- المطلب الرابع : دور الفقه في تفسير النصوص                       15

9- المطلب الخامس : الحكمة من التفسير                               17

10- المبحث الثاني : مذاهب التفسير                                   19

11- المطلب الأول : النظرية التقليدية                                  19

12- المطلب الثاني : النظرية الحديثة                          20

13- المطلب الثالث : النظرية المختلطة                                21

14- المطلب الرابع : تفسير النصوص القانونية وفقاً لقانون                  22

أصول الأحكام القضائية السوداني لسنة 1983م

15- المصادر و المراجع                                              38

16- الفهرس                                                        39

 

 

[1] يقصد به التشريع القانوني ، وهو قيام السلطة المختصة في الدولة بوضع قواعد  جبرية مكتوبة تنظم المجتمع ، وذلك في حدود اختصاصها وفقاً للإجراءات المقررة لها لذلك . وله تعريف ثانٍ وهو القاعدة القانونية المكتوبة ذاتها والصادرة عن السلطة المختصة المشار إليها .

[2] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ـــ ج1/51 .

[3] مصطفي منصور ــ المدخل للعلوم القانونية ــ ج 1/245-1960ـــ دار التأليف .

[4] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ ج 1/110 .

[5] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص في الفقه الإسلامي ــ1/111.

[6]سير عبد السيد تناغو: النظرية القانون – منشأة المعارف – ص 739.

[7] (تطبيق أحكام هذا القانون في تفسير كل قانون معمول به سواءً صدر قبل العمل بهذا القانون أو بعده .

[8] كامل مرسي ــ شرح القانون المدني المصري الجديد ، الباب التمهيدي ــ ص ( 87ــ88) .

[9]عبد الودود يحي ونعمان جمعة ــ دروس في مبادئ القانون ــ ط 1991ــ ص 171 .

[10] الفقرة (2) من المادة (6)من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 م حيث نصت : ( في المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاءً في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[11] ((1) لا تخضع حكام المحكمة العليا للمراجعة علي أنه يجوز لرئيسها أن يشكل دائرة تتكون من خمسة من قضاتها لمراجعة أي حكم صادر منها موضوعياً إذا تبين له أن ذلك الحكم ربما ينطوي علي مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ويصدر قرار الدائرة بأغلبية الأعضاء . (2) تشكل دائرة المراجعة من قضاة أغلبيتهم ممن لم يشاركوا في إصدار الحكم  موضوع المراجعة (3)ميعاد المراجعة ستون يوماً تسري وفق حساب الميعاد المنصوص عليها في المادة 177(1)(2)).

[12] سورة طه ــ الآية (27ــ28).

[13] سعد الدين التفتا زاني مسعود بن عمر : شرح التلويح علي لمتن التنقيح في أصول الفقه : تحقيق زكريا عميرات  ط1 ــ دار الكتب العلمية بيروت ــ1416هــ - 1996م ــج1/28.

[14] محمود جمال الدين زكي  ــ دروس في نظرية القاعدة القانونية ــ هامش  رقم (6) ، ص (162) ــ طبعة القاهرة ، سنة 1954 .

[15] يقصد به فقهاء القانون .

[16] أحمد سلامة ــ المدخل لدراسة القانون ــ طبعة القاهرة سنة 1974 م ــ ص (170) وما بعدها .

[17] سورة إبراهيم ــ الآية (4).

[18] هذا كما أن اللغة العربية هي لغة الدولة وذلك حسب نص المادة الثامنة من دستور السودان المعدل لسنة 2005 م . وحيث تقرأ ".. تكون العربية باعتبارها لغة رئيسية علي الصعيد القومي ، والانجليزية ، اللغتين الرسميتين لأعمال الحكومة ولغتي التدريس في التعليم العالي " وتحديد مدلول القاعدة القانونية والمراد من معناها لا يتم إلا بمعرفة دلالتها وهذا ما عبر عنه بأثر الدلالات في فهم النصوص القانونية .

[19] أخرجه البيهقى في السنن الكبرى ــ 10/117.

[20] الدكتور رمضان أبو السعود والدكتور همام محمد محمود زهران ــ المدخل إلي القانون ــ النظرية العامة للقاعدة القانونية ــ دار المطبوعات الجامعية ــ 1997 م ــ ص 314 .

[21] ((1) إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه علي الإجراءات في المسألة  المعرضة تطبق المحكمة من القواعد ما من شأنه تحقيق العدالة (2)غب المسائل التي لا يحكمها أي نص تشريعي تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية والمبادئ التي استقرت قضاء في السودان والعرف والعدالة والوجدان السليم ).

[22] كشاف اصطلاحات الفنون ـــ للتهانوي ــ مطبعة السعادة 1963م ــ ج1ــ ص 122ـ123.

[23] دكتور وهبة الزحيلي ــ الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ــ ص 594.

[24] محمد أديب صالح ـــ تفسير النصوص ـج1ــص 81.

[25] مجلة الأحكام القضائية 1986 م ــ ص 243.

[26] م ع / 154/1976 م ــ مجلة  الأحكام القضائية المنشورة ــ 1976 م ــ ص 268 وما بعدها .

[27] البزدوي ــ أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار ــ ج1ـــ ص54.

[28] سورة سبأ ــ الآية (14).

[29] الزمخشري هو محمد بن عمر بن أحمد العلامة أبو القاسم الزمخشري النحوي ألمعتزلي المفسر ، يلقب جار الله لأنه جاور بمكة زماناً ولد في رجب سنة سبع وستين و أربع مائة بزمخشر قرية من قرى خوارزم ، سمع من أبي الخطاب بن البطر وأبي سعد النقاني ،وأجاز للسلفي ، وكان واسع العلم غاية الذكاء معتزلياً قوياً في مذهبه مجاهراً به داعياً إليه حنيفاً علامة في الأدب والنحو له تصانيف منها : الكشاف في التفسير ــ الفائق في غريب الحديث ــ أساس البلاغة ــ المفصل في النحو ــ مات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ـــ أنظر الداودي طبقات المفسرين  ــ 2/314/316.

[30] سورة الحجرات ــ الآية (6) .

[31] سورة البقرة ــ الآية (209).

▸ بحث (1) 2018م فوق ترجمة جنائي 2018م ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©