تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
08-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2017
  4. حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

 

القضاة:

سعادة السيد / هاشم عمر عبدالله محمـد

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / يحـي فضل محمـد فضل

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين

م ع/ط ج/750/2014م

 

 

 

الحكــم

 

القاضي: يحي فضل محمد فضل

التاريخ: 18/12/2016م

 

دائرة المراجعة بالمحكمة العليا أعادت إلينا الدعوى بعد إلغاء حكم المحكمة العليا بالرقم م ع/ط ج/750/2014م والتي شطبت الطعن شكلاً لتقديمه بعد فوات المدة القانونية حيث قررت دائرة المراجعة إعادة الأوراق للفصل في الطعن من حيث الموضوع.

من حيث الموضوع فالوقائع أن محكمة الخرطوم أدانت المتهمين إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م. و ي. ع. ص. تحت المواد 22/177/2 من القانون الجنائي وأوقعت العقوبات بالسجن لمدد متفاوتة وقضت بتعويض للشاكي مبلغ 280ر342 جنيه بالتضامن والإنفراد أيدت محكمة الاستئناف الخرطوم هذا الحكم بموجب مذكرتها غ إ/2014م.

ومن ثم كان هذا الطعن الذي تقدم به الأستاذ/ تاج السر بابكر سعيد نيابة عن المدانة إ. ا. م. كما تقدم الأستاذ/ سرالختم بشير الطيب عن المدانين ع. ص. وي. ع. ا. - بطعن آخر.

بالاطلاع على سائر أوراق الدعوى الجنائية لا نجد كبير عناء في تقرير براءة المتهمين الأربعة مما نسب إليهم من اتهام بموجب المادتين 22 و177(2) ق ج لسنة 1991م لوجود شكوك كثيفة تحيط بالأدلة من جهة لعدم ولعدم ثبوت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام بحق أياً منهم فوق مرحلة الشك المعقول من جهة أخرى ، الوقائع الجوهرية التي اطمأن إليها وجدان هذه المحكمة تتلخص في أن الشاكي (بنك الخرطوم) بواسطة مفوضه (معتصم متوكل عبدالله) تقدم بتاريخ 17/4/2012م بعريضة إلى نيابة المصارف مفيداً بوجود عجز نقدي أظهرته ماكينات الصراف الآلي التابعة له في ثلاثة مناطق هي (مصنع سيقا) (مصنع حجار) (مصنع بزيانوس) والعجز مقداره 530ر348 جنيهاً ( ثلاثمائة وثمانية وأربعون ألفاً وخمسمائة وثلاثون جنيهاً) وطلب البنك فتح بلاغ ضد أربعـة مـن موظفيـه هـم : ع. ح. ح. و إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م.     و ي. ع. ص.

 

تحت المادتين (21) و177(2) ق ج لسنة 1991م على أساس أنهم المسؤولون عن تغذية الصرافات المذكورة وبالتالي مسؤولون عن العجز ، اكتملت التحريات وأحيل المتهمون للمحاكمة أمام محكمة الخرطوم التجارية العامة التي سمعت الدعوى التي لم تشتمل على بينة مباشرة ضد المتهمين ومن جانبهم لاذ المتهمون في كل مراحل الدعوى الجنائية بالإنكار التام للتهمة دافعين بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي لبنك الخرطوم هو المتسبب في وجود فروقات بالزيادة والنقصان وأنهم أبلغوا الجهات المسؤولة بالبنك عن ذلك الخلل ومظاهره قبل البلاغ في مناسبات مختلفة ، قضية الاتهام تمثلت في إفادة المتحري الذي قدم تلخيصاً للوقائع وقدم مستندات الاتهام وهي:

 

1- تقرير مراجعة محدودة للفرع المعني.

2- صورة من مجلس تحقيق في مواجهة التهمة الثابتة.

3- تقرير بنك السودان.

4- مستند دفاع بخصوص زيادة حدثت في حساب أحد العملاء خطأ.

5- مستند دفاع (1) تذكير مراقب الفروع.

6- المسمى الوظيفي لمدير الفرع.

 

شاهد الاتهام (المفوض) والشاهد الأول جزء من منظومة البنك الإدارية المسؤول عن أي خلل تقني أو إداري ، لذلك استماتا في رفض تقرير وجود مثل هذا الخلل مع أنها عملياً اعترافاً بالوقائع المؤكدة لوجود الخلل ، فالشاهد مفوض البنك أفاد أنه قام بإعداد مستند اتهام 10/أ/ب/ج في 2011م وهو التقرير الذي حدد الفروقات الموجودة في الصرافات بالمبلغ الذي فتح به البلاغ وتم تشكيل لجنة تحقيق بعد ذلك بناء على تقريره ومن ثم البلاغ وطلب المفوض إنابة عن البنك رد مبلغ (180ر342) دون أن يوضح سبب العدول عن المبلغ الأول (350ر348) حسب العريضة ، أفاد المفوض (أنا ما راجعت خزينة الفرع) ص 33 وهذا يؤكد أن الأمر لا يتعلق بعجز حقيقي بالعهدة الحقيقية للمتهمين ، بل هو عجز افتراضي استناداً على معلومات مستقاة من آلة صماء أشارت وقائع كثيرة كما نسبت إلى أنها أخطاء متكررة فيما يتعلق بالزيادة والنقصان أو العجز والفروقات . وهذه الآلة البكماء يجب أن تكون بينتها في مرتبة أقل من مرتبة بينة الكلب البوليسي (الحي) وهي بينة مرفوضة في محاكمنا لأسباب ترجع لعدم قدرة الكلب على الشهادة وهو ما ينطبق على الصراف الآلي ، وترجع لعدم الوثوق ببينة الحيوان وعدم كفاءة المدرب لتفسير تصرف الكلب على النحو أو ذاك ، وهنا يوجد ما يستدعي عدم الوثوق ببينة الصراف الآلي (الجماد) لوجود بينات على وجود خلل فيه في الصرافات موضوع الاتهام . وعدم الثقة في تفسيرات الخبراء الذين حللوا معلومات مستقاة من الصراف الآلي ويؤكد المفوض نفسه صحة الدفع الذي لاذ به المتهمون (النظام الجديد في بداية تطبيقه كان هناك خطأ في مسار القيود) ص 35 (الوضع الخطأ كان الخصم على حساب العميل والإضافة إلى  حسابات أخرى) ص 30 ثم يعود إلى موضع الدفاع عن الذات فيقول (لا يوجد خلل فني وإنما نقصان نقدية) ووظيفة المفوض هي أنه مشرف على وحدة التسويات لإدارة الصراف الآلي وهذه الوحدة من مسؤولياتها استلام تقارير من الفروع بعمليات الشحن ومراجعتها وهو يقول (ليس لدينا أجهزة لمعرفة الموجود في الصرافات ومعرفة النقد الموجود فيه) ص 31 وهذا الإقرار وهذه الواقعة تبين بجلاء أن (العجز المنسوب للمتهمين هو عجز افتراضي وليس عجزاً حقيقياً) لأن معد التقرير يقر بأنه لم يراجع (الخزينة) وليس لديه إمكانية معرفة المال الموجود في الصرافات الآلية وبالتالي لا يمكن للشاهد الجزم بوجود عجز حقيقي في النقد الذي يقع في دائرة مسؤولية المتهمين ، وكل ما لديه هو افتراض مبني على قراءة بيانات آلة الصراف الآلي فقط حسب ذاكراتها المسماة الجرنال وهو افتراض لا يطمئن إليه وجدان المحكمة ولا يمكن تأسيس إدانة في جريمة خطيرة ماسة بشرف وحرية ومال المتهمين عليه ، إذ إن الإدانة تترتب عليها آثار مدمرة إنسانياً ومهنياً عليهم. ويقر الشاهد المفوض بوجود الخلل التقني الذي ذكره المتهمون بقوله (حصل أن عميلاً صرف مبالغ بصراف أداهو مبالغ أكثر وعرفنا ذلك ببلاغ من العميل ، عرفنا أن ذلك حدث فعلاً بعد رفعه لمدير إدارة الصراف الآلي لتحليله). ص 31 ، فهل يمكن مع واقعة كهذه الحديث عن عجز وفروقات سببها المتهمون دون سواهم ؟ هل يمكن نفي وجود الخلل التقني المؤثر على صحة البيانات الافتراضية الصادرة عن هذه الآلة ؟ هل يمكن إضفاء قدسية على بيانات هذه الآلة ؟ والمفوض نفسه يقول (عشان أعرف المبلغ الطلع ودخل الصراف أراجع المستند والنقدية والقيود وشريط الحركة اليومية في الإضافة) ص 33 ويقول ( أنا ما اختصاصي أراجع نقدية الصراف الآلي) ص 32 وهـذا القول يوضح الخلل التقني في التقرير مستند الاتهام (10) الذي بينه شهود الدفاع وهو أنه تم إعداده بطريقـة غير صحيحة تجعل نتائجه غير صحيحة ، فإقرار المفوض أنه غير مختص بمراجعة نقدية الصراف الآلي يجعل تقريره ومراجعته لا قيمة لهما لصدورهما عن جهة غير مختصة وغير مؤهلة وفـي موقع آخر سنبين من وجهة نظر الخبراء الخلل في التقرير.

وخلافاً لما ذهبت إليه محكمة الموضوع في تسبيب حكمها من قول بأن المتهمين لم يخطروا رؤساءهم بالخلل التقني فإن المفوض قال: (المتهم الرابع قام باتصال بي وأخطرني أن هناك فرقاً في النظام أن الرصيد بالإضافة وليس بالنقصان وذلك بعد تطبيق النظام الجديد في مايو 2010م لوجود مشكلة إدارة الشبكة بها) ص 35 فهل يمكن بعد هذه الإفادة الواضحة نفي وجود خلل تقني في الصرافات الآلية للبنك المعني؟. أو ليس تقرير محكمة الموضوع ضد ما هو ثابت في الأدلة هنا؟.

 

الشاهد الأول للاتهام (جبارة) مدير التجزئة المصرفية وحدة الصراف الآلي عمله هو الإشراف على الصرافات الآلية شهد بما ما يلي ( المبالغ التي يفترض إعادتها إلى الصراف أحياناً تتطابق وأحيناً لا تتطابق مما يعني أن هناك خللاً في الميزان أعطى مؤشراً أن هناك مبالغ مفقودة) ص 51 ، (بعد إيقاف المتهمين تأتي بأن خللاً حصل) ص 53 وهذا القول الأخير قول مرسل وملقي على عواهنه ولا يثبت شيئاً بحق المتهمين لأن الخلل موضوع المحاكمة هو الخلل الذي حدث قبل اتهامهم وليس بعده ، فقط يؤكد قول الشاهد أن التهمة افتراضية مثلها مثل العجز الافتراضي . ويقر الشاهد بأن المتهمين أبلغوا عن الخلل التقني فيقول (حصل وصلت معلومة أن الرصيد لا يتطابق مع النقد الفي الصراف وأنا قلت ليهو التزم بمسار الكاش بتاعك أما الناحية التقنية ستعالجها الجهات المسؤولة) ص 57. 

وقال الشاهد (الخطأ وارد في الصراف) (أنا ما راجعت الفروقات بنفسي) ص 63 وذهب الشاهد أبعد من ذلك في شأن الخلل التقني فقال (في 2010م نحن انتقلنا من نظام إلى آخر وعند التنفيذ الفعلي هناك بعض الحسابات تأثرت خطأ بالإضافة أو الخصم وكل حسابات البنك تأثرت بذلك أو معظمها) ص 69، والسؤال لماذا لا يشمل التأثر المذكور الناجم عن خلل تقني بسبب انتقال البنك من إلى آخر ، لماذا لا يشمل العجز الافتراضي الذي استقاه التقرير موضوع الاتهام من ذاكرة الصرافات الآلية نفسها ؟ لماذا يكون ذلك تأثراً وهذا خيانة أمانة ؟. على الرغم من أن الشواهـد تدل كلها على أن السبب واحد في الحالتين ، فتأثر الحسابات في البنك بالخصم والإضافة يعني وجود فروقات بالعجز والإضافة في الصرافات بطريق اللزوم العقلي ويعني أن تلك الفروقات ناجمة عن خلل النظام الآلي وليس عـن سلوك البشر الذين ليس لهم سلطة عليه وأعنـي بذلك (المتهمين) فهـم ليسـوا مشغلين للصراف الآلي وليسوا على علاقة بالنظام الآلـي له الغريب أن الشاهد نفسه يعـود فيقول بإصرار بعـد تلك الإفادة الواضحـة المؤكـدة لوجود الخلل التقنـي (ليس هناك خطأ تقني) ص 70.

شاهد الاتهام الثالث (معتز سعيد) يتبع للمراجعة الداخلية شهد بأنه كلف بإجراء مراجعة عن وجود فرق في الصرافات الآلية الثلاثة (بزيانوس/حجار/سيقا) وشهد بأنه قام بالمراجعة (من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف الآلي وتمت مراجعة كل الأشرطة المتاحة) ص 72/73 (الفروقات عبارة عـن نقدية ناقصـة فعلاً من الرصيـد المفترض من واقع كشوفات الحساب الخاص بكل صراف) ص 72 قال الشاهد واقعة مهمـة).

 

(أنا لمن كلفت بالمراجعة طلبت التقارير الخاصة بتغذية الصراف وأشرطة الجرنال مفقودة) ص 76 (تقارير التغذية ما موجودة) ص 76 (أنا عرفت الفرق من كشف الحساب الموجود في كل صراف) ص 81.

 

(كشف الحساب لكل صراف يتم استخراجه من النظام المحاسبي في أجهزة الكمبيوتر) ص81 (النظام المحاسبي ممكن يكون فيهو خلل) ص 81 وقال الشاهد (الجرنال تظهر فيهو في بعض التغذيات إدخال مبالغ أعلى من المستلمة للإدخال وبذلك يظهر الفارق بالزيادة بينما تكون الزيادة وهمية وغير حقيقية) ص 83 هذه الإفادة تنسف تقرير هذا الشاهد من أساسه فإذا كانت الصرافات الآلية تظهر في بعض الحالات المبالغ المدخلة فيها أكبر من الرقم الحقيقي بإقرار الشاهد وتكون هذه الزيادات وهمية وغير حقيقية فهذا الذي يجعل الفرق بالنقصان حقيقياً والفرق بالزيادة افتراضياً؟؟ منطق الشاهد هنا يعني أنه حيث يخطئ الصراف الآلي ويظهر المبلغ الذي أودعه المتهمون فيه أكبر من المبلغ الحقيقي لا تكون الزيادة هنا غير حقيقية أما إذا كان الخطأ عكسياً بأن يظهر الصراف المبلغ أقل مما أودع فيه حقيقة فسيكون المبلغ الناقص حقيقياً . الحقيقة هنا أن الزيادة والنقصان معاً ناجمان عن خلل تقني في الآلة ليس ناجمين عن فعل المتهمين كما في التقرير وذهبت محكمة الموضوع ببساطة لأن الزيادة والنقصان افتراضيان وليسا حقيقين . إضافة إلى أن واقعة فقدان بعض أشرطة الجرنال يجعل التقرير لا قيمة له إذ إن العجز قد يجد تفسيراً وتبريراً في الجزء المفقود من (ذاكرة النظام) وهو أشرطة الجرنال المفقودة لذلك فإن النتائج التي انتهى إليها تقرير المراجعة المبني على (أشرطة جرنال غير كاملة) بإقرار المراجع هو تقرير لا يعطي صورة منصفة عن مراكز المتهمين وعن واقعة العجز المدعاة ويجعل هذه الواقعة محلاً للشك في صحتها فلماذا أخفى جزء من ذاكرة النظام ؟ وأين ذهبت الأشرطة المفقودة ؟ وكيف يستطيع الشاهد الجزم بأنها غير مؤثرة على النتائج التي توصل إليها وهي نتائج مبنية على معلومات ناقصة لم يطلع عليه ، خصوصاً أن الشاهد يقر بما يلي (قمنا بالمراجعة من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف) فإذا كان المصدر الذي استقيت منه المعلومات ناقصاً ومبتوراً فذلك هو حال المعلومات المستقاة منه نفسها وهذا النقص يهدر أي قيمة إثباتيه يمكن إضفاؤها على تقرير المراجعة المذكور وعلى نتائجه فما بني على النقص ناقص.     

 

شاهد الاتهام الأخير أهم ما ورد في شهادته هو تأكيده على وجود فروقات في فرع آخر لبنك الخرطوم فرع المحطة الوسطى وهو أمر يؤكد أن الخلل خلل تقني شامل للبنك.

 

قضية الدفاع جاءت منطقية وواضحة المعالم ابتداءً من أقوال المتهمين الذين أنكروا التهم الموجهة إليهم ودفعوا بوضوح منذ الوهلة الأولى بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي ببنك الخرطوم تسبب في كثير من المشاكل للبنك والعملاء وظهور فروقات زيادة ونقصاناً ودفعت المتهمة الثانية بأنها أبغلت المسؤولين بالوقائع المتعلقة بهذا الخلل التي وصلت إلى علمها ودفع بقية المتهمين بذات الدفع عـدا الأول الذي نفى علاقته بعمليات الصراف الآلي مطلقاً ، شطبت المحكمة التهمة ضد المتهم الأول ووجهت اتهاماً للمتهمين الباقين تحت المادتين 21/177/2 ق ج لسنة 1991م ورد المتهمون بالإنكار وقدموا قضية دفاع متماسكة أيدت الدفوع التي تمسكوا بها ، الشاهد الأول للدفاع مواطن عادي عميل للبنك شهد بأنه ذات مرة ذهب إلى الصراف الآلي (مصانع حجار) تابع للبنك الشاكي أراد صرف ألف جنيه حسب طلبه فأخرج له الصراف ستمائة جنيه فقط بعد اكتمال العملية ، وأبلغ مسؤولي البنك ولاحقهم لاسترداد الفرق وهذه واقعة تؤكد وجود الخلل التقني الذي دفع به المتهمون المسؤولية عن أنفسهم وأنه حقيقة واقعة وليس متوهماً أو مختلقاً ، الشاهد الثاني للدفاع كان مقرراً للجنة التحقيق الإداري في المخالفات المنسوبة للمتهمين شهد بأن المتهمة الثانية في التحقيق الإداري تقدمت بصور رسائل بريد الكتروني يوضح أن هناك بعض الإشكالات في الصرافات الآلية للبنك ، حيث تظهر تلك الرسائل الإلكترونية أن الصراف الآلي يظهر مبالغ في خانة القرش وهي خانة غير موجودة أصلاً والإيميل الثاني مرسل إلى مفوض الشاكي والشاهد (جبارة) شاهد الاتهام وهو إيميل يتحدث عن زيادة ونقصان في الصراف الآلي وهذه الإيميلات تؤكد أن المتهمة الثانية قامت بواجبها خير قيام مسبقاً بالتبليغ عن الخلل الفني ومظاهره في حينه وهذه الواقعة تؤكد أن التهمة لم تختلق قصة الخلل التقني كدفاع في المحاكمة بل هي حقيقة ماثلة في واقع البنك قبل وجود قضية ضد المتهمة الثانية وزملائها وأخطرت المتهمة المسؤولين لتحميلهم مسؤوليتهم في معالجة الخلل ، ولعل هذه الواقعة توضح سبب إصرار (المفوض) (معتصم) والشاهد جبارة على نفي قصة (الخلل الفني) عن العجز ، فإزالة هذا الخلل مسؤولية الشاهدين وليست مسؤولية المتهمين ذلك أن معالجة الخلل في النظام (الخاص بالصراف الآلي) أمر يدخل في نطاق مسؤولية الإدارة العليا للبنك وليس صغار موظفيه ، شاهد الدفاع الثاني وضح جوانب الخلل الفني (التقني) والإداري ببنك الخرطوم بقوله (الوضع بتاع بنك الخرطوم للمفاتيح بتاعت الصراف الآلي ما صحيح) ص 127(الشفرة موحدة لكل الصرافات في بنك الخرطوم) ص 127 وهذه الواقعة الأخيرة تكشف عن وجود ثغرة أمنية في النظام الخاص ببنك الخرطوم ذلك أن الشفرة الموحدة لكل أجهزة الصراف الآلي التابعة للبنك خطأ فادح يستحيل مع وجوده  تحميل المسؤولية عن استخدام الشفرة لشخص واحد أو شخصين في فرع معين وهي متاحة لجميع الموظفين العاملين مع أجهـزة الصـراف الآلي في الفروع الأخرى للبنك بسبب كونها شفرة واحدة وليست متعددة ، لذلك يمكن استخدامها بواسطة حامل المفتاح في غياب مسؤول الشفرة مثلاً ، فالشفرة ليست متعددة بتعدد الأجهـزة.

 

شاهد الدفاع الثالث (أحمد محمد رشاد) خبير في مجال العمل في الصرافات الآلية من واقع خبرته شهد بأن المراجعة التي قام بها شاهد الاتهام (معتز) قليل الخبرة حسب إقرار الشاهد معتز نفسه التي اعتمد فيها على شريط الجرنال فقط ليست صحيحة حيث قال الشاهد (أحمد) (إذا راجعت شريط الجرنال فقط المراجعة ما صحيحة). وشرح ذلك بأنه (يجب مراجعة النقود الواردة من الخزنة ومراجعة الحركات عن طريق شريط الجرنال (ذاكرة الصراف الآلي) الذي يظهر أي زول صرف ورقم بطاقته والبنك الذي تتبع له والمبلغ والعملية (ناجحة) ولا (فاشلة) والزمن وأيضاً (تراجع حسابات العميل وترجع إلى التسويات لمراجعتها وهي التي ترسلها الشركة الماسكة للخدمات المصرفية للبنوك) ، راجع أقوال الشاهد ص 132 محضر المحاكمة . وأكد الشاهد إمكانية حدوث الخلل التقني (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني) والمقصود بالزيادة والنقصان وجود الفروقات بمعنى آخر ليس كل عجز يظهر في الصراف الآلي ناجماً قطعياً ودون أدنى ظن من الشك من فعل بشري.

 

وهذا هو السؤال محل البحث في هذه المحاكمة وهو السؤال الذي لم توفق محكمة الموضوع في وضعه في إطاره الصحيح وفي الإجابة عليه ذلك أن قضية الاتهام في مجملها بنيت على الافتراضات والاستنتاجات والظنون والتفسيرات الأحادية الجانب والاعتقادات ، ولم تبن على الوقائع الثابتة والأدلة الدامغة مباشرة أو ظرفية ولم تبن على إقرار أيٍ من المتهمين بأي تهمة نسبت إليه ، وهذا يتضح من أقوال (المفوض) الذي جمع بين صفتي (المفوض) و(الشاهد) معد التقرير الذي بنى عليه الاتهام وبقية شهود الاتهام فلم ينسب أيُُّ منهم للمتهمين فعلاً محدداً أو امتناعاً محدداً يربط أياً منهم بالنتيجة (غير الثابتة) التي خلص إليها تقرير المفوض ومن بعده تقرير المراجعة (وجود فروقات) ربطاً محكماً لا فكاك منه ، بل قدم الاتهام افتراضات مفادها أن المتهمين دون غيرهم هم المسؤولون عن العجز أو الفروقات التي أظهرتها ذاكرة الصراف الآلي لبنك الخرطوم في الصرافات المحددة في هذا البلاغ وهي افتراضات تحاكي جبلاً من الرمال ينهار مع أول نسمة تعبر به ، مثلاً قول شاهد الدفاع الخبير (أحمد عمر رشاد) (ممكن القروش تطلع بره الزول ما شالها رجعت الماكينة جوه ، الحركة تسجل بأنها ناجحة لكن الزول يكون ما صرفها والقروش ما بترجع نفس الأدراج ترجع حتى ثانية درج مخصص للرواجع) ص 233 ومثل قول الشاهد نفسه (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني أو زول دخل قروش خطأ) . ومجرد وجود مثل هذا الاحتمال الذي ذكره الشاهد يكفي لتبرئة ساحة المتهمين ، لأن المطلوب منهم إثباته ليس هو إثبات براءتهم فوق مرحلة الشك المعقول بل مجرد إثارة ظل من شك معقول حول الواقعة المنسوبة إليهم وعندما نتحدث عن عهدة موجودة في ذاكرة صراف آلي (آلة صماء) فهذا يختلف عن الصورة القديمة التقليدية للخزنة الحديدية التي تكون تحت السيطرة الكاملة للمدير أو الصراف ومجرد جردها ومطابقة النقد فيها مع مستندات الصرف التقليدية يكفي لإثبات مسؤولية الصراف أو المدير عن أي عجز في العهدة التي تقع تحت سيطرته وهيمنته الشخصية المباشرة والكاملة والفعلية لكن السؤال هل الصراف الآلي تحت سيطرة المتهمين الفعلية الكاملة مثل الخزنة التقليدية ؟. والإجابة بالنفي طبعاً لأن ذاكرة الصراف الآلي يتحكم فيها نظام تشغيل إلكتروني ليس للمتهمين سيطرة عليه ولو كان الاتهام الموجه إليهم ناجماً عن مراجعة خزنة تقليدية تحت سيطرتهم الشخصية الفعلية لكان الحال اختلف لأن العجز يكون حينها حقيقياً فعلاً وليس افتراضياً كما هو الحال بالنسبة للعجز موضوع الاتهام المستقى من مراجعة ذاكرة الصراف الآلي وهي خزانة افتراضية وليست حقيقية ولم تتم مراجعتها حسب الطريقة الصحيحة التي حددها شاهد الدفاع الخبير وبالتالي لم تتوفر وقائع مادية ثابتة تؤكد وجود عجز حقيقي في خزانة حقيقية ونقود حقيقية في سيطرة أحد أو كل المتهمين وبالتالي انتفى عنصر الائتمان على المال وهو عنصر مادي يثبت بالوقائع المادية الحقيقية وليس الافتراضية وقد جاء القول الفصل في هذه القضية على لسان شاهد الدفاع (صلاح الدين عثمان الماحي) وهو خبير في المراجعة الداخلية ومصرفي عمل بالبنك الشاكي ثلاثين عاماً فقد ذكر الشاهد وقائع مهمة مؤيدة لدفاع المتهمين حيث قال (في شهر 12/2010م بدأ مشروع شراء الكهرباء بواسطة الصراف الآلي والخدمة دي لمن اتنفذت حصلت مشكلة فروقات الصرافات الآلية نتيجة لتنفيذ الخدمة الجديدة ، واستدعونا وجينا لوحدة تسوية الصراف الآلي لمراجعة الفروقات ووجدنا أن هناك عملاء أبلغوا وحدة المحول أنهم صرفوا مبالغ وحساباتهم لم تتأثر بها ، بمعنى أن الشخص استلم كاش وحسابه ما تم الخصم منه ولمن مشينا المراجعة لقينا أن الحساب تأثر في البداية لكن محور بنك الخرطوم عكس القيد تأثر الحساب. واتناقشنا في المسألة دي ووجدنا أن المسألة دي تأثرت بالخدمة الجديدة (التايمر بتاع الكهرباء) وأضاف الشاهد (بنك السودان أرسل منشوراً لكل البنوك عشان يسترد من العملاء المبالغ الصرفوها كاش وأعادها الصراف إلى حساباتهم) ص 140/141.

 

وقال (مراجعة الجرنال فقط لا تكفي للوصول إذا كان هناك فرق أم لا، لابد أن هناك جرداً فعلياً) ص 142.

 

هذه الإفادات ومنشور بنك السودان يؤكدان أن هناك خللاً فنياً تقنياً في الصراف الآلي ومحوله لدى بنك الخرطوم وهو الذي تسبب في إرباك حسابات العملاء والبنك إلى الحد الذي أوجب تدخل بنك السودان ، وبالتالي فإن هذا الخلل نجم عنه فروقات بالزيادة أو النقصان لهذا البنك في الصرافات الآلية المختلفة ولم ينجـم ذلك الخلل عن فعل بشري للمتهمين ولا يجوز بأي حال انتقاء ثلاثة موظفين من أحد الفـروع وتحميلهم وزر خلل تقني في نظام آلي ليس لديهم تحكم من أي نوع عليه ولا يوجد ما يربط أياً منهـم وظيفياً بهذا الخلل التقنـي وسبب حدوثه وسبب عدم معالجته ، وقد قال الشاهد (صلاح الدين عثمان الماحـي) بوضوح (خدمة الكهرباء كانت لعملاء بنك الخرطوم) ص 144.

 

(المشكلة أثرت على الصرافات الآلية وهذه مشكلة (التايمر) ص 144 (الطريقة التي تم إعداد مستند اتهام 10/أ بها لا تعطي الفروقات الصحيحة) ص 147.   

شهود الدفاع الخامس والسادس والأخير شهدوا بوجود مشاكل في الصرافات الآلية لبنك الخرطوم يعلمهم الشخص بذلك من واقع تجربتهم والشاهد الأخير استلم مبلغاً زائداً من صراف آلي هو أحد الصرافات موضوع الاتهام التي وجد بها عجز نتيجة لخلل تقني في الصراف وأعاد الشاهد المبلغ للبنك وتلك قرينة على وجود الخلل التقني وعلى تسبب الخلل التقني في عجز للبنك لأن الواقعة تشير إلى إمكانية حصول بعض الأشخاص على أموال زائدة من الصراف - لم يدركوا الزيادة أو لم يعيدوا المال رغم علمهم بالزيادة - وبالتالي فإن المسؤولية عن العجز ليست مسؤولية المتهمين كما أراد الاتهام تصويرها . لقد لخص شاهد الدفاع (أحمد عمر رشاد) الأمر بجملة قصيرة (الصراف فيهو مشاكل فنية كثيرة) واتفق الشاهد مع الخبير حول الطريقة الصحيحة لتقرير وجود فروقات (لعمل مراجعة مبالغ تم سحبها لإيجاد فرق معين ينفي مراجعة التغذية الخارجية (الخزينة الرئيسية) ومطابقتها مع الحركات الموجودة في شريط الجرنال في الماكينة حركة للعمليات الناجحة بالإضافة لمراجعة ملفات تسوية بنك السودان التي ترد في اليوم التالي بطاقات البنوك الأخرى ، سوى هذه الطريقة لا تكون دقيقة) ص 133.

 

لقد انبنى حكم محكمة أول درجة وحكم محكمة الاستئناف المؤيد له المطعون فيهما على أن المتهمين أهملوا إهمالاً فاحشاً موجباً لمساءلتهم بموجب المادتين (22) و177(2) ق ج لسنة 1991م ، لكن تقرير وجود الإهمال الفاحش لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديد السبب المباشر في الفروقات في ذاكرة الصراف الآلي غير المكتملة التي استقيت منها استنتاجاً مسألة العجز ونسبت إلى المتهمين ، فلا يمكن للمحكمة أن تتجاهل أن التقرير الذي حدد وجود العجز هو تقرير تم استقاء معلوماته من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف الآلي وليس تقريراً نجم عن جرد بشري لخزانة نقود حقيقية ، هذا من جهة ، من جهة أخرى كانت أوراق (الجرنال) (ذاكرة الصراف الآلي) ناقصة بشهادة من قام بإعداد تقرير المراجعة فكيف يمكن تجاهل أثر هذا النقصان في مصدر المعلومات على قيمة تلك المعلومات التي تدعي لنفسها الكمال والدقة وهي ناقصة في أهم شروط مصداقيتها وهي المعلومات ، فالمعلومات الناقصة لا يمكن أن يبنى عليها تحليل صحيح ونتائج صحيحة ، من جهة ثالثة فإن (الصراف الآلي) ليس خزينة تحت سيطرة المتهمين الحقيقية ولا الافتراضية ، فالمتهمون ليسوا متحكمين في النقود الموجودة في الصراف سحباً وإيداعاً وإن كان بعضهم يقوم بالتغذية ، فهذا ليس تحكماً كاملاً ، لأن التغذية نفسها يتعامل معها الصراف آلياً وتصبح في ذاكرته عملية افتراضية قابلة للتأثر بأخطاء النظام الآلي للصراف الآلي، والمتهمون ليسوا متحكمين في ذلك النظام وبالتالي لا يمكن افتراض إهمالهم استناداً على معلومات ناقصة مستقاة من الصراف الآلي ، وطالما أن محكمة الاستئناف ومحكمة الموضوع اتفقتا على عدم وجود بينة مباشرة تؤكد وجود اتفاق جنائي بين المتهمين وعدم وجود بينة مباشرة تؤكد تحويلهم أي مبلغ لمنفعتهم الشخصية وطالما أن الإهمال المنسوب إليهم كان الاستناد في تقريره مبنياً على معلومات مأخوذة من ذاكرة آلة ثبت أنها ارتكبت أخطاء كثيرة وأن هناك خللاً تقنياً ثابتاً فيها وأن المعلومات المستقاة نفسها ناقصة بعدم توفر أجزاء من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف المعني ، فإن الاتهام يسبح في بحر متلاطم من الظنون والشكوك ودائرة الاتهام تتسع لتشمل آخرين لم تشملهم رغم ثبوت إهمالهم يقيناً وليس ظناً كما ورد في مذكرة الرأي الأول بمحكمة الاستئناف الذي ورد فيه إقرار بوجود خلل في عمل الصرافات الآلية ووجود خلل وتقاعس في نظام المراقبة والمراجعة لدى إدارة البنك وأن رؤساء المتهمين في الفروع أو رئاسة البنك كانوا يعلمون بصورة أو أخرى بوجود خلل في عمل الصرافات ، هذا الواقع كان يوجب تبرئة ساحة المتهمين وليس إدانتهم ، أما القرينة التي اعتمدت عليها محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف والتي مفادها القول أن الخلل في الصرافات الآلية توقف بعد إيقاف المتهمين عن العمل هي قرينة غير صحيحة وغير ثابتة وهو تقرير لنتيجة بغير سند ، فهل قدم الاتهام إحصائية علمية دقيقة تدعم الاستنتاج الذي قدمه ؟ وهل المتهمون مسولون ومثلاً عن الخلل التقني الذي وصفه الخبير الذي نجم عن تغيير النظام بعد إدخال سداد الكهرباء عبر الصراف الآلي ؟ ، هل هناك إحصائية تفيد عدم وجود لأي حالة صرف لمبالغ زائدة أو ناقصة بالصرافات الآلية قبل وبعد إيقاف المتهمين ؟ ليس بالمحضر شيء من ذلك والنتيجة أن ذلك قول مرسل بلا سند لا يمكن اعتماده دليلاً للإدانة في محاكمة بتهمة خطيرة ماسة بالشرف والأمانة ، هب أن ذلك القول صحيح فهل هي قرينة ضد المتهمين ؟ لا أظن ذلك ، لأن جرائم القتل والسرقة وخيانة الأمانة وغيرها متصلة المحاكمات فيها منذ فجر التاريخ ولم تتوقف الجرائم عن الوقوع.

 

ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن تجيب عليه أحكام المحاكم الأدنى ، هل ثبت يقيناً أن المبالغ المدعى أنها تشكل عجزاً والمستقاة من ذاكرة الصرافات الآلية (الجرنال) كانت نتيجة هيمنة وسيطرة وأمانة المتهمين دون سواهم ؟ أم أن شيئاً من ذلك لم يثبت ؟ أم أن تلك الأموال كانت خاضعة لنظام آلي ليس للمتهمين سيطرة عليه أو تحكم فيه ؟ الواضح من قضية الاتهام أن أياً من المتهمين لم يكن صرافاً ولم يكن مؤتمناً بصورة شخصية مباشرة على أموال حقيقية (نقود) تحت هيمنته وسيطرته وتحكمه زيادة ونقصاناً ومنحاً ومنعاً كان دورهم ينتهي بإدخال نقود إلى صراف آلي يباشر تحكمه عليها وعلى الصرف فيها منذ تلك اللحظة وليس للمتهمين منفردين أو مجتمعين أي سيطرة على تلك العمليات ، وبما أن العجز المدعى هو عجز افتراضي مدعى حدوثه استناداً على ذاكرة افتراضية آلية لآلة الصراف الآلي فلا تقوم مسؤولية من أي نوع للمتهمين بشأنه إلا إذا ثبت بوجه قاطع لا يقبل الشك أنهم استلموا أموالاً ولم يقوموا بإدخالها بالصراف مطلقاً أو أدخلوها ناقصة أو سحبوها كلياً أو جزئياً بدون وجه حق ، فهل أثبت الاتهام شيئاً من ذلك ؟ الإجابة (بالنفي) فالاتهام لا يقوم على ادعاء شيء من ذلك ، بل على مجرد وجود عجز مفترض في جهاز الصراف الآلي مستقى من الآلة نفسها ولا تستطيع هذه الآلة أن تشهد ضد المتهمين إلا إذا كانت المعلومات الواردة منها موثوقاً بها بدرجة عالية وهو ما لا يتوافر لصرافات بنك الخرطوم حسب محضر المحاكمة فالأخطاء كثيرة ومتعددة من جهة ، ومن جهة أخرى ثبت بإفادة المراجع الشاهد أن بعض أجزاء ذاكرة الصراف الآلي مفقودة وبالتالي فإن المعلومات المستمدة من (الجرنال) غير صحيحة وغير مكتملة . بناءً على ما تقدم فإن تقرير إهمال المتهمين المؤدي إلى تسبيب العجز المدعى وقوعه أمر غير ثابت فوق مرحلة الشك المعقول . وبالتالي ينهار الاتهام من أساسه ، لذلك أرى إلغاء الإدانة والعقوبة وإخلاء سبيل المتهمين الثلاثة بالبراءة فوراً ونهائياً.

                                                                                                                                                 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير      

التاريخ: 3/1/2017م                        

إن الثابت أن الحكم الصادر من هذه الدائرة لإعادة النظر كان قد قضى بشطب الطعنيْن ؛ لتفويت ميعاد الطعن قد ثبت أن الطعنيْن كانا قد قدما خلال القيد الزمني المحدد قانوناً فألغت دائرة المراجعة الحكم الصادر وأعادت لنا الأوراق بإعادة النظر في الحكم من جديد.

 

الآن وبعد الاطلاع على رأي الزميل في الرأي الأول ، واستناداً لما ورد في إفادات الشهود ؛ التي أفادت بوجود أعطال في أجهزة الصراف الآلي ؛ الأمر الذي أحاط قضية الاتهام بظلال كثيفة من الشك ؛ مما يجعلني أتفق مع الرأي الأول أسباباً ونتيجةً.

 

القاضي: هاشم عمر عبد الله محمد      

التاريخ: 5/1/2017م                        

ما ورد من تفصيلات لما حواه محضر القضية لدى محكمة أول درجة من وقائع وبينات يجعلني أشك شكاً كثيفاً في أن ما نُسب لهؤلاء المحكوم عليهم الثلاثة من تهمة يكون صحيحاً.

وأرى - بالتالي- أنه من المناسب القول - وباطمئنان أن الاتهام قد فشل في القيام بالعبء المنوط به وهو إثبات هذه التهمة ضدهم بما لا يدع مجالاً للشك المعقول.

 

أنتهي للموافقة على إلغاء قضاء محكمة أول درجة المؤيد بقضاء محكمة الاستئناف: بإدانة وعقوبة المحكوم عليهم الثلاثة. 

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء إدانة وعقوبة المتهمين الثلاثة.

2- يخطرون بواسطة محامييهم بهذا.

 

هاشم عمر عبد الله محمد

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

   5/1/2017م

▸ حكومة السودان //ضد// آ. ي. أ. أ .ا (م ع/غ إ/مؤبد/54/2017م ) فوق حكومة السودان //ضد// إ. م. ح. م م ع/م ك أ/أ س ج/إعدام/23/2016م (مراجعة/204/2017م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2017
  4. حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

 

القضاة:

سعادة السيد / هاشم عمر عبدالله محمـد

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / يحـي فضل محمـد فضل

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين

م ع/ط ج/750/2014م

 

 

 

الحكــم

 

القاضي: يحي فضل محمد فضل

التاريخ: 18/12/2016م

 

دائرة المراجعة بالمحكمة العليا أعادت إلينا الدعوى بعد إلغاء حكم المحكمة العليا بالرقم م ع/ط ج/750/2014م والتي شطبت الطعن شكلاً لتقديمه بعد فوات المدة القانونية حيث قررت دائرة المراجعة إعادة الأوراق للفصل في الطعن من حيث الموضوع.

من حيث الموضوع فالوقائع أن محكمة الخرطوم أدانت المتهمين إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م. و ي. ع. ص. تحت المواد 22/177/2 من القانون الجنائي وأوقعت العقوبات بالسجن لمدد متفاوتة وقضت بتعويض للشاكي مبلغ 280ر342 جنيه بالتضامن والإنفراد أيدت محكمة الاستئناف الخرطوم هذا الحكم بموجب مذكرتها غ إ/2014م.

ومن ثم كان هذا الطعن الذي تقدم به الأستاذ/ تاج السر بابكر سعيد نيابة عن المدانة إ. ا. م. كما تقدم الأستاذ/ سرالختم بشير الطيب عن المدانين ع. ص. وي. ع. ا. - بطعن آخر.

بالاطلاع على سائر أوراق الدعوى الجنائية لا نجد كبير عناء في تقرير براءة المتهمين الأربعة مما نسب إليهم من اتهام بموجب المادتين 22 و177(2) ق ج لسنة 1991م لوجود شكوك كثيفة تحيط بالأدلة من جهة لعدم ولعدم ثبوت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام بحق أياً منهم فوق مرحلة الشك المعقول من جهة أخرى ، الوقائع الجوهرية التي اطمأن إليها وجدان هذه المحكمة تتلخص في أن الشاكي (بنك الخرطوم) بواسطة مفوضه (معتصم متوكل عبدالله) تقدم بتاريخ 17/4/2012م بعريضة إلى نيابة المصارف مفيداً بوجود عجز نقدي أظهرته ماكينات الصراف الآلي التابعة له في ثلاثة مناطق هي (مصنع سيقا) (مصنع حجار) (مصنع بزيانوس) والعجز مقداره 530ر348 جنيهاً ( ثلاثمائة وثمانية وأربعون ألفاً وخمسمائة وثلاثون جنيهاً) وطلب البنك فتح بلاغ ضد أربعـة مـن موظفيـه هـم : ع. ح. ح. و إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م.     و ي. ع. ص.

 

تحت المادتين (21) و177(2) ق ج لسنة 1991م على أساس أنهم المسؤولون عن تغذية الصرافات المذكورة وبالتالي مسؤولون عن العجز ، اكتملت التحريات وأحيل المتهمون للمحاكمة أمام محكمة الخرطوم التجارية العامة التي سمعت الدعوى التي لم تشتمل على بينة مباشرة ضد المتهمين ومن جانبهم لاذ المتهمون في كل مراحل الدعوى الجنائية بالإنكار التام للتهمة دافعين بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي لبنك الخرطوم هو المتسبب في وجود فروقات بالزيادة والنقصان وأنهم أبلغوا الجهات المسؤولة بالبنك عن ذلك الخلل ومظاهره قبل البلاغ في مناسبات مختلفة ، قضية الاتهام تمثلت في إفادة المتحري الذي قدم تلخيصاً للوقائع وقدم مستندات الاتهام وهي:

 

1- تقرير مراجعة محدودة للفرع المعني.

2- صورة من مجلس تحقيق في مواجهة التهمة الثابتة.

3- تقرير بنك السودان.

4- مستند دفاع بخصوص زيادة حدثت في حساب أحد العملاء خطأ.

5- مستند دفاع (1) تذكير مراقب الفروع.

6- المسمى الوظيفي لمدير الفرع.

 

شاهد الاتهام (المفوض) والشاهد الأول جزء من منظومة البنك الإدارية المسؤول عن أي خلل تقني أو إداري ، لذلك استماتا في رفض تقرير وجود مثل هذا الخلل مع أنها عملياً اعترافاً بالوقائع المؤكدة لوجود الخلل ، فالشاهد مفوض البنك أفاد أنه قام بإعداد مستند اتهام 10/أ/ب/ج في 2011م وهو التقرير الذي حدد الفروقات الموجودة في الصرافات بالمبلغ الذي فتح به البلاغ وتم تشكيل لجنة تحقيق بعد ذلك بناء على تقريره ومن ثم البلاغ وطلب المفوض إنابة عن البنك رد مبلغ (180ر342) دون أن يوضح سبب العدول عن المبلغ الأول (350ر348) حسب العريضة ، أفاد المفوض (أنا ما راجعت خزينة الفرع) ص 33 وهذا يؤكد أن الأمر لا يتعلق بعجز حقيقي بالعهدة الحقيقية للمتهمين ، بل هو عجز افتراضي استناداً على معلومات مستقاة من آلة صماء أشارت وقائع كثيرة كما نسبت إلى أنها أخطاء متكررة فيما يتعلق بالزيادة والنقصان أو العجز والفروقات . وهذه الآلة البكماء يجب أن تكون بينتها في مرتبة أقل من مرتبة بينة الكلب البوليسي (الحي) وهي بينة مرفوضة في محاكمنا لأسباب ترجع لعدم قدرة الكلب على الشهادة وهو ما ينطبق على الصراف الآلي ، وترجع لعدم الوثوق ببينة الحيوان وعدم كفاءة المدرب لتفسير تصرف الكلب على النحو أو ذاك ، وهنا يوجد ما يستدعي عدم الوثوق ببينة الصراف الآلي (الجماد) لوجود بينات على وجود خلل فيه في الصرافات موضوع الاتهام . وعدم الثقة في تفسيرات الخبراء الذين حللوا معلومات مستقاة من الصراف الآلي ويؤكد المفوض نفسه صحة الدفع الذي لاذ به المتهمون (النظام الجديد في بداية تطبيقه كان هناك خطأ في مسار القيود) ص 35 (الوضع الخطأ كان الخصم على حساب العميل والإضافة إلى  حسابات أخرى) ص 30 ثم يعود إلى موضع الدفاع عن الذات فيقول (لا يوجد خلل فني وإنما نقصان نقدية) ووظيفة المفوض هي أنه مشرف على وحدة التسويات لإدارة الصراف الآلي وهذه الوحدة من مسؤولياتها استلام تقارير من الفروع بعمليات الشحن ومراجعتها وهو يقول (ليس لدينا أجهزة لمعرفة الموجود في الصرافات ومعرفة النقد الموجود فيه) ص 31 وهذا الإقرار وهذه الواقعة تبين بجلاء أن (العجز المنسوب للمتهمين هو عجز افتراضي وليس عجزاً حقيقياً) لأن معد التقرير يقر بأنه لم يراجع (الخزينة) وليس لديه إمكانية معرفة المال الموجود في الصرافات الآلية وبالتالي لا يمكن للشاهد الجزم بوجود عجز حقيقي في النقد الذي يقع في دائرة مسؤولية المتهمين ، وكل ما لديه هو افتراض مبني على قراءة بيانات آلة الصراف الآلي فقط حسب ذاكراتها المسماة الجرنال وهو افتراض لا يطمئن إليه وجدان المحكمة ولا يمكن تأسيس إدانة في جريمة خطيرة ماسة بشرف وحرية ومال المتهمين عليه ، إذ إن الإدانة تترتب عليها آثار مدمرة إنسانياً ومهنياً عليهم. ويقر الشاهد المفوض بوجود الخلل التقني الذي ذكره المتهمون بقوله (حصل أن عميلاً صرف مبالغ بصراف أداهو مبالغ أكثر وعرفنا ذلك ببلاغ من العميل ، عرفنا أن ذلك حدث فعلاً بعد رفعه لمدير إدارة الصراف الآلي لتحليله). ص 31 ، فهل يمكن مع واقعة كهذه الحديث عن عجز وفروقات سببها المتهمون دون سواهم ؟ هل يمكن نفي وجود الخلل التقني المؤثر على صحة البيانات الافتراضية الصادرة عن هذه الآلة ؟ هل يمكن إضفاء قدسية على بيانات هذه الآلة ؟ والمفوض نفسه يقول (عشان أعرف المبلغ الطلع ودخل الصراف أراجع المستند والنقدية والقيود وشريط الحركة اليومية في الإضافة) ص 33 ويقول ( أنا ما اختصاصي أراجع نقدية الصراف الآلي) ص 32 وهـذا القول يوضح الخلل التقني في التقرير مستند الاتهام (10) الذي بينه شهود الدفاع وهو أنه تم إعداده بطريقـة غير صحيحة تجعل نتائجه غير صحيحة ، فإقرار المفوض أنه غير مختص بمراجعة نقدية الصراف الآلي يجعل تقريره ومراجعته لا قيمة لهما لصدورهما عن جهة غير مختصة وغير مؤهلة وفـي موقع آخر سنبين من وجهة نظر الخبراء الخلل في التقرير.

وخلافاً لما ذهبت إليه محكمة الموضوع في تسبيب حكمها من قول بأن المتهمين لم يخطروا رؤساءهم بالخلل التقني فإن المفوض قال: (المتهم الرابع قام باتصال بي وأخطرني أن هناك فرقاً في النظام أن الرصيد بالإضافة وليس بالنقصان وذلك بعد تطبيق النظام الجديد في مايو 2010م لوجود مشكلة إدارة الشبكة بها) ص 35 فهل يمكن بعد هذه الإفادة الواضحة نفي وجود خلل تقني في الصرافات الآلية للبنك المعني؟. أو ليس تقرير محكمة الموضوع ضد ما هو ثابت في الأدلة هنا؟.

 

الشاهد الأول للاتهام (جبارة) مدير التجزئة المصرفية وحدة الصراف الآلي عمله هو الإشراف على الصرافات الآلية شهد بما ما يلي ( المبالغ التي يفترض إعادتها إلى الصراف أحياناً تتطابق وأحيناً لا تتطابق مما يعني أن هناك خللاً في الميزان أعطى مؤشراً أن هناك مبالغ مفقودة) ص 51 ، (بعد إيقاف المتهمين تأتي بأن خللاً حصل) ص 53 وهذا القول الأخير قول مرسل وملقي على عواهنه ولا يثبت شيئاً بحق المتهمين لأن الخلل موضوع المحاكمة هو الخلل الذي حدث قبل اتهامهم وليس بعده ، فقط يؤكد قول الشاهد أن التهمة افتراضية مثلها مثل العجز الافتراضي . ويقر الشاهد بأن المتهمين أبلغوا عن الخلل التقني فيقول (حصل وصلت معلومة أن الرصيد لا يتطابق مع النقد الفي الصراف وأنا قلت ليهو التزم بمسار الكاش بتاعك أما الناحية التقنية ستعالجها الجهات المسؤولة) ص 57. 

وقال الشاهد (الخطأ وارد في الصراف) (أنا ما راجعت الفروقات بنفسي) ص 63 وذهب الشاهد أبعد من ذلك في شأن الخلل التقني فقال (في 2010م نحن انتقلنا من نظام إلى آخر وعند التنفيذ الفعلي هناك بعض الحسابات تأثرت خطأ بالإضافة أو الخصم وكل حسابات البنك تأثرت بذلك أو معظمها) ص 69، والسؤال لماذا لا يشمل التأثر المذكور الناجم عن خلل تقني بسبب انتقال البنك من إلى آخر ، لماذا لا يشمل العجز الافتراضي الذي استقاه التقرير موضوع الاتهام من ذاكرة الصرافات الآلية نفسها ؟ لماذا يكون ذلك تأثراً وهذا خيانة أمانة ؟. على الرغم من أن الشواهـد تدل كلها على أن السبب واحد في الحالتين ، فتأثر الحسابات في البنك بالخصم والإضافة يعني وجود فروقات بالعجز والإضافة في الصرافات بطريق اللزوم العقلي ويعني أن تلك الفروقات ناجمة عن خلل النظام الآلي وليس عـن سلوك البشر الذين ليس لهم سلطة عليه وأعنـي بذلك (المتهمين) فهـم ليسـوا مشغلين للصراف الآلي وليسوا على علاقة بالنظام الآلـي له الغريب أن الشاهد نفسه يعـود فيقول بإصرار بعـد تلك الإفادة الواضحـة المؤكـدة لوجود الخلل التقنـي (ليس هناك خطأ تقني) ص 70.

شاهد الاتهام الثالث (معتز سعيد) يتبع للمراجعة الداخلية شهد بأنه كلف بإجراء مراجعة عن وجود فرق في الصرافات الآلية الثلاثة (بزيانوس/حجار/سيقا) وشهد بأنه قام بالمراجعة (من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف الآلي وتمت مراجعة كل الأشرطة المتاحة) ص 72/73 (الفروقات عبارة عـن نقدية ناقصـة فعلاً من الرصيـد المفترض من واقع كشوفات الحساب الخاص بكل صراف) ص 72 قال الشاهد واقعة مهمـة).

 

(أنا لمن كلفت بالمراجعة طلبت التقارير الخاصة بتغذية الصراف وأشرطة الجرنال مفقودة) ص 76 (تقارير التغذية ما موجودة) ص 76 (أنا عرفت الفرق من كشف الحساب الموجود في كل صراف) ص 81.

 

(كشف الحساب لكل صراف يتم استخراجه من النظام المحاسبي في أجهزة الكمبيوتر) ص81 (النظام المحاسبي ممكن يكون فيهو خلل) ص 81 وقال الشاهد (الجرنال تظهر فيهو في بعض التغذيات إدخال مبالغ أعلى من المستلمة للإدخال وبذلك يظهر الفارق بالزيادة بينما تكون الزيادة وهمية وغير حقيقية) ص 83 هذه الإفادة تنسف تقرير هذا الشاهد من أساسه فإذا كانت الصرافات الآلية تظهر في بعض الحالات المبالغ المدخلة فيها أكبر من الرقم الحقيقي بإقرار الشاهد وتكون هذه الزيادات وهمية وغير حقيقية فهذا الذي يجعل الفرق بالنقصان حقيقياً والفرق بالزيادة افتراضياً؟؟ منطق الشاهد هنا يعني أنه حيث يخطئ الصراف الآلي ويظهر المبلغ الذي أودعه المتهمون فيه أكبر من المبلغ الحقيقي لا تكون الزيادة هنا غير حقيقية أما إذا كان الخطأ عكسياً بأن يظهر الصراف المبلغ أقل مما أودع فيه حقيقة فسيكون المبلغ الناقص حقيقياً . الحقيقة هنا أن الزيادة والنقصان معاً ناجمان عن خلل تقني في الآلة ليس ناجمين عن فعل المتهمين كما في التقرير وذهبت محكمة الموضوع ببساطة لأن الزيادة والنقصان افتراضيان وليسا حقيقين . إضافة إلى أن واقعة فقدان بعض أشرطة الجرنال يجعل التقرير لا قيمة له إذ إن العجز قد يجد تفسيراً وتبريراً في الجزء المفقود من (ذاكرة النظام) وهو أشرطة الجرنال المفقودة لذلك فإن النتائج التي انتهى إليها تقرير المراجعة المبني على (أشرطة جرنال غير كاملة) بإقرار المراجع هو تقرير لا يعطي صورة منصفة عن مراكز المتهمين وعن واقعة العجز المدعاة ويجعل هذه الواقعة محلاً للشك في صحتها فلماذا أخفى جزء من ذاكرة النظام ؟ وأين ذهبت الأشرطة المفقودة ؟ وكيف يستطيع الشاهد الجزم بأنها غير مؤثرة على النتائج التي توصل إليها وهي نتائج مبنية على معلومات ناقصة لم يطلع عليه ، خصوصاً أن الشاهد يقر بما يلي (قمنا بالمراجعة من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف) فإذا كان المصدر الذي استقيت منه المعلومات ناقصاً ومبتوراً فذلك هو حال المعلومات المستقاة منه نفسها وهذا النقص يهدر أي قيمة إثباتيه يمكن إضفاؤها على تقرير المراجعة المذكور وعلى نتائجه فما بني على النقص ناقص.     

 

شاهد الاتهام الأخير أهم ما ورد في شهادته هو تأكيده على وجود فروقات في فرع آخر لبنك الخرطوم فرع المحطة الوسطى وهو أمر يؤكد أن الخلل خلل تقني شامل للبنك.

 

قضية الدفاع جاءت منطقية وواضحة المعالم ابتداءً من أقوال المتهمين الذين أنكروا التهم الموجهة إليهم ودفعوا بوضوح منذ الوهلة الأولى بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي ببنك الخرطوم تسبب في كثير من المشاكل للبنك والعملاء وظهور فروقات زيادة ونقصاناً ودفعت المتهمة الثانية بأنها أبغلت المسؤولين بالوقائع المتعلقة بهذا الخلل التي وصلت إلى علمها ودفع بقية المتهمين بذات الدفع عـدا الأول الذي نفى علاقته بعمليات الصراف الآلي مطلقاً ، شطبت المحكمة التهمة ضد المتهم الأول ووجهت اتهاماً للمتهمين الباقين تحت المادتين 21/177/2 ق ج لسنة 1991م ورد المتهمون بالإنكار وقدموا قضية دفاع متماسكة أيدت الدفوع التي تمسكوا بها ، الشاهد الأول للدفاع مواطن عادي عميل للبنك شهد بأنه ذات مرة ذهب إلى الصراف الآلي (مصانع حجار) تابع للبنك الشاكي أراد صرف ألف جنيه حسب طلبه فأخرج له الصراف ستمائة جنيه فقط بعد اكتمال العملية ، وأبلغ مسؤولي البنك ولاحقهم لاسترداد الفرق وهذه واقعة تؤكد وجود الخلل التقني الذي دفع به المتهمون المسؤولية عن أنفسهم وأنه حقيقة واقعة وليس متوهماً أو مختلقاً ، الشاهد الثاني للدفاع كان مقرراً للجنة التحقيق الإداري في المخالفات المنسوبة للمتهمين شهد بأن المتهمة الثانية في التحقيق الإداري تقدمت بصور رسائل بريد الكتروني يوضح أن هناك بعض الإشكالات في الصرافات الآلية للبنك ، حيث تظهر تلك الرسائل الإلكترونية أن الصراف الآلي يظهر مبالغ في خانة القرش وهي خانة غير موجودة أصلاً والإيميل الثاني مرسل إلى مفوض الشاكي والشاهد (جبارة) شاهد الاتهام وهو إيميل يتحدث عن زيادة ونقصان في الصراف الآلي وهذه الإيميلات تؤكد أن المتهمة الثانية قامت بواجبها خير قيام مسبقاً بالتبليغ عن الخلل الفني ومظاهره في حينه وهذه الواقعة تؤكد أن التهمة لم تختلق قصة الخلل التقني كدفاع في المحاكمة بل هي حقيقة ماثلة في واقع البنك قبل وجود قضية ضد المتهمة الثانية وزملائها وأخطرت المتهمة المسؤولين لتحميلهم مسؤوليتهم في معالجة الخلل ، ولعل هذه الواقعة توضح سبب إصرار (المفوض) (معتصم) والشاهد جبارة على نفي قصة (الخلل الفني) عن العجز ، فإزالة هذا الخلل مسؤولية الشاهدين وليست مسؤولية المتهمين ذلك أن معالجة الخلل في النظام (الخاص بالصراف الآلي) أمر يدخل في نطاق مسؤولية الإدارة العليا للبنك وليس صغار موظفيه ، شاهد الدفاع الثاني وضح جوانب الخلل الفني (التقني) والإداري ببنك الخرطوم بقوله (الوضع بتاع بنك الخرطوم للمفاتيح بتاعت الصراف الآلي ما صحيح) ص 127(الشفرة موحدة لكل الصرافات في بنك الخرطوم) ص 127 وهذه الواقعة الأخيرة تكشف عن وجود ثغرة أمنية في النظام الخاص ببنك الخرطوم ذلك أن الشفرة الموحدة لكل أجهزة الصراف الآلي التابعة للبنك خطأ فادح يستحيل مع وجوده  تحميل المسؤولية عن استخدام الشفرة لشخص واحد أو شخصين في فرع معين وهي متاحة لجميع الموظفين العاملين مع أجهـزة الصـراف الآلي في الفروع الأخرى للبنك بسبب كونها شفرة واحدة وليست متعددة ، لذلك يمكن استخدامها بواسطة حامل المفتاح في غياب مسؤول الشفرة مثلاً ، فالشفرة ليست متعددة بتعدد الأجهـزة.

 

شاهد الدفاع الثالث (أحمد محمد رشاد) خبير في مجال العمل في الصرافات الآلية من واقع خبرته شهد بأن المراجعة التي قام بها شاهد الاتهام (معتز) قليل الخبرة حسب إقرار الشاهد معتز نفسه التي اعتمد فيها على شريط الجرنال فقط ليست صحيحة حيث قال الشاهد (أحمد) (إذا راجعت شريط الجرنال فقط المراجعة ما صحيحة). وشرح ذلك بأنه (يجب مراجعة النقود الواردة من الخزنة ومراجعة الحركات عن طريق شريط الجرنال (ذاكرة الصراف الآلي) الذي يظهر أي زول صرف ورقم بطاقته والبنك الذي تتبع له والمبلغ والعملية (ناجحة) ولا (فاشلة) والزمن وأيضاً (تراجع حسابات العميل وترجع إلى التسويات لمراجعتها وهي التي ترسلها الشركة الماسكة للخدمات المصرفية للبنوك) ، راجع أقوال الشاهد ص 132 محضر المحاكمة . وأكد الشاهد إمكانية حدوث الخلل التقني (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني) والمقصود بالزيادة والنقصان وجود الفروقات بمعنى آخر ليس كل عجز يظهر في الصراف الآلي ناجماً قطعياً ودون أدنى ظن من الشك من فعل بشري.

 

وهذا هو السؤال محل البحث في هذه المحاكمة وهو السؤال الذي لم توفق محكمة الموضوع في وضعه في إطاره الصحيح وفي الإجابة عليه ذلك أن قضية الاتهام في مجملها بنيت على الافتراضات والاستنتاجات والظنون والتفسيرات الأحادية الجانب والاعتقادات ، ولم تبن على الوقائع الثابتة والأدلة الدامغة مباشرة أو ظرفية ولم تبن على إقرار أيٍ من المتهمين بأي تهمة نسبت إليه ، وهذا يتضح من أقوال (المفوض) الذي جمع بين صفتي (المفوض) و(الشاهد) معد التقرير الذي بنى عليه الاتهام وبقية شهود الاتهام فلم ينسب أيُُّ منهم للمتهمين فعلاً محدداً أو امتناعاً محدداً يربط أياً منهم بالنتيجة (غير الثابتة) التي خلص إليها تقرير المفوض ومن بعده تقرير المراجعة (وجود فروقات) ربطاً محكماً لا فكاك منه ، بل قدم الاتهام افتراضات مفادها أن المتهمين دون غيرهم هم المسؤولون عن العجز أو الفروقات التي أظهرتها ذاكرة الصراف الآلي لبنك الخرطوم في الصرافات المحددة في هذا البلاغ وهي افتراضات تحاكي جبلاً من الرمال ينهار مع أول نسمة تعبر به ، مثلاً قول شاهد الدفاع الخبير (أحمد عمر رشاد) (ممكن القروش تطلع بره الزول ما شالها رجعت الماكينة جوه ، الحركة تسجل بأنها ناجحة لكن الزول يكون ما صرفها والقروش ما بترجع نفس الأدراج ترجع حتى ثانية درج مخصص للرواجع) ص 233 ومثل قول الشاهد نفسه (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني أو زول دخل قروش خطأ) . ومجرد وجود مثل هذا الاحتمال الذي ذكره الشاهد يكفي لتبرئة ساحة المتهمين ، لأن المطلوب منهم إثباته ليس هو إثبات براءتهم فوق مرحلة الشك المعقول بل مجرد إثارة ظل من شك معقول حول الواقعة المنسوبة إليهم وعندما نتحدث عن عهدة موجودة في ذاكرة صراف آلي (آلة صماء) فهذا يختلف عن الصورة القديمة التقليدية للخزنة الحديدية التي تكون تحت السيطرة الكاملة للمدير أو الصراف ومجرد جردها ومطابقة النقد فيها مع مستندات الصرف التقليدية يكفي لإثبات مسؤولية الصراف أو المدير عن أي عجز في العهدة التي تقع تحت سيطرته وهيمنته الشخصية المباشرة والكاملة والفعلية لكن السؤال هل الصراف الآلي تحت سيطرة المتهمين الفعلية الكاملة مثل الخزنة التقليدية ؟. والإجابة بالنفي طبعاً لأن ذاكرة الصراف الآلي يتحكم فيها نظام تشغيل إلكتروني ليس للمتهمين سيطرة عليه ولو كان الاتهام الموجه إليهم ناجماً عن مراجعة خزنة تقليدية تحت سيطرتهم الشخصية الفعلية لكان الحال اختلف لأن العجز يكون حينها حقيقياً فعلاً وليس افتراضياً كما هو الحال بالنسبة للعجز موضوع الاتهام المستقى من مراجعة ذاكرة الصراف الآلي وهي خزانة افتراضية وليست حقيقية ولم تتم مراجعتها حسب الطريقة الصحيحة التي حددها شاهد الدفاع الخبير وبالتالي لم تتوفر وقائع مادية ثابتة تؤكد وجود عجز حقيقي في خزانة حقيقية ونقود حقيقية في سيطرة أحد أو كل المتهمين وبالتالي انتفى عنصر الائتمان على المال وهو عنصر مادي يثبت بالوقائع المادية الحقيقية وليس الافتراضية وقد جاء القول الفصل في هذه القضية على لسان شاهد الدفاع (صلاح الدين عثمان الماحي) وهو خبير في المراجعة الداخلية ومصرفي عمل بالبنك الشاكي ثلاثين عاماً فقد ذكر الشاهد وقائع مهمة مؤيدة لدفاع المتهمين حيث قال (في شهر 12/2010م بدأ مشروع شراء الكهرباء بواسطة الصراف الآلي والخدمة دي لمن اتنفذت حصلت مشكلة فروقات الصرافات الآلية نتيجة لتنفيذ الخدمة الجديدة ، واستدعونا وجينا لوحدة تسوية الصراف الآلي لمراجعة الفروقات ووجدنا أن هناك عملاء أبلغوا وحدة المحول أنهم صرفوا مبالغ وحساباتهم لم تتأثر بها ، بمعنى أن الشخص استلم كاش وحسابه ما تم الخصم منه ولمن مشينا المراجعة لقينا أن الحساب تأثر في البداية لكن محور بنك الخرطوم عكس القيد تأثر الحساب. واتناقشنا في المسألة دي ووجدنا أن المسألة دي تأثرت بالخدمة الجديدة (التايمر بتاع الكهرباء) وأضاف الشاهد (بنك السودان أرسل منشوراً لكل البنوك عشان يسترد من العملاء المبالغ الصرفوها كاش وأعادها الصراف إلى حساباتهم) ص 140/141.

 

وقال (مراجعة الجرنال فقط لا تكفي للوصول إذا كان هناك فرق أم لا، لابد أن هناك جرداً فعلياً) ص 142.

 

هذه الإفادات ومنشور بنك السودان يؤكدان أن هناك خللاً فنياً تقنياً في الصراف الآلي ومحوله لدى بنك الخرطوم وهو الذي تسبب في إرباك حسابات العملاء والبنك إلى الحد الذي أوجب تدخل بنك السودان ، وبالتالي فإن هذا الخلل نجم عنه فروقات بالزيادة أو النقصان لهذا البنك في الصرافات الآلية المختلفة ولم ينجـم ذلك الخلل عن فعل بشري للمتهمين ولا يجوز بأي حال انتقاء ثلاثة موظفين من أحد الفـروع وتحميلهم وزر خلل تقني في نظام آلي ليس لديهم تحكم من أي نوع عليه ولا يوجد ما يربط أياً منهـم وظيفياً بهذا الخلل التقنـي وسبب حدوثه وسبب عدم معالجته ، وقد قال الشاهد (صلاح الدين عثمان الماحـي) بوضوح (خدمة الكهرباء كانت لعملاء بنك الخرطوم) ص 144.

 

(المشكلة أثرت على الصرافات الآلية وهذه مشكلة (التايمر) ص 144 (الطريقة التي تم إعداد مستند اتهام 10/أ بها لا تعطي الفروقات الصحيحة) ص 147.   

شهود الدفاع الخامس والسادس والأخير شهدوا بوجود مشاكل في الصرافات الآلية لبنك الخرطوم يعلمهم الشخص بذلك من واقع تجربتهم والشاهد الأخير استلم مبلغاً زائداً من صراف آلي هو أحد الصرافات موضوع الاتهام التي وجد بها عجز نتيجة لخلل تقني في الصراف وأعاد الشاهد المبلغ للبنك وتلك قرينة على وجود الخلل التقني وعلى تسبب الخلل التقني في عجز للبنك لأن الواقعة تشير إلى إمكانية حصول بعض الأشخاص على أموال زائدة من الصراف - لم يدركوا الزيادة أو لم يعيدوا المال رغم علمهم بالزيادة - وبالتالي فإن المسؤولية عن العجز ليست مسؤولية المتهمين كما أراد الاتهام تصويرها . لقد لخص شاهد الدفاع (أحمد عمر رشاد) الأمر بجملة قصيرة (الصراف فيهو مشاكل فنية كثيرة) واتفق الشاهد مع الخبير حول الطريقة الصحيحة لتقرير وجود فروقات (لعمل مراجعة مبالغ تم سحبها لإيجاد فرق معين ينفي مراجعة التغذية الخارجية (الخزينة الرئيسية) ومطابقتها مع الحركات الموجودة في شريط الجرنال في الماكينة حركة للعمليات الناجحة بالإضافة لمراجعة ملفات تسوية بنك السودان التي ترد في اليوم التالي بطاقات البنوك الأخرى ، سوى هذه الطريقة لا تكون دقيقة) ص 133.

 

لقد انبنى حكم محكمة أول درجة وحكم محكمة الاستئناف المؤيد له المطعون فيهما على أن المتهمين أهملوا إهمالاً فاحشاً موجباً لمساءلتهم بموجب المادتين (22) و177(2) ق ج لسنة 1991م ، لكن تقرير وجود الإهمال الفاحش لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديد السبب المباشر في الفروقات في ذاكرة الصراف الآلي غير المكتملة التي استقيت منها استنتاجاً مسألة العجز ونسبت إلى المتهمين ، فلا يمكن للمحكمة أن تتجاهل أن التقرير الذي حدد وجود العجز هو تقرير تم استقاء معلوماته من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف الآلي وليس تقريراً نجم عن جرد بشري لخزانة نقود حقيقية ، هذا من جهة ، من جهة أخرى كانت أوراق (الجرنال) (ذاكرة الصراف الآلي) ناقصة بشهادة من قام بإعداد تقرير المراجعة فكيف يمكن تجاهل أثر هذا النقصان في مصدر المعلومات على قيمة تلك المعلومات التي تدعي لنفسها الكمال والدقة وهي ناقصة في أهم شروط مصداقيتها وهي المعلومات ، فالمعلومات الناقصة لا يمكن أن يبنى عليها تحليل صحيح ونتائج صحيحة ، من جهة ثالثة فإن (الصراف الآلي) ليس خزينة تحت سيطرة المتهمين الحقيقية ولا الافتراضية ، فالمتهمون ليسوا متحكمين في النقود الموجودة في الصراف سحباً وإيداعاً وإن كان بعضهم يقوم بالتغذية ، فهذا ليس تحكماً كاملاً ، لأن التغذية نفسها يتعامل معها الصراف آلياً وتصبح في ذاكرته عملية افتراضية قابلة للتأثر بأخطاء النظام الآلي للصراف الآلي، والمتهمون ليسوا متحكمين في ذلك النظام وبالتالي لا يمكن افتراض إهمالهم استناداً على معلومات ناقصة مستقاة من الصراف الآلي ، وطالما أن محكمة الاستئناف ومحكمة الموضوع اتفقتا على عدم وجود بينة مباشرة تؤكد وجود اتفاق جنائي بين المتهمين وعدم وجود بينة مباشرة تؤكد تحويلهم أي مبلغ لمنفعتهم الشخصية وطالما أن الإهمال المنسوب إليهم كان الاستناد في تقريره مبنياً على معلومات مأخوذة من ذاكرة آلة ثبت أنها ارتكبت أخطاء كثيرة وأن هناك خللاً تقنياً ثابتاً فيها وأن المعلومات المستقاة نفسها ناقصة بعدم توفر أجزاء من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف المعني ، فإن الاتهام يسبح في بحر متلاطم من الظنون والشكوك ودائرة الاتهام تتسع لتشمل آخرين لم تشملهم رغم ثبوت إهمالهم يقيناً وليس ظناً كما ورد في مذكرة الرأي الأول بمحكمة الاستئناف الذي ورد فيه إقرار بوجود خلل في عمل الصرافات الآلية ووجود خلل وتقاعس في نظام المراقبة والمراجعة لدى إدارة البنك وأن رؤساء المتهمين في الفروع أو رئاسة البنك كانوا يعلمون بصورة أو أخرى بوجود خلل في عمل الصرافات ، هذا الواقع كان يوجب تبرئة ساحة المتهمين وليس إدانتهم ، أما القرينة التي اعتمدت عليها محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف والتي مفادها القول أن الخلل في الصرافات الآلية توقف بعد إيقاف المتهمين عن العمل هي قرينة غير صحيحة وغير ثابتة وهو تقرير لنتيجة بغير سند ، فهل قدم الاتهام إحصائية علمية دقيقة تدعم الاستنتاج الذي قدمه ؟ وهل المتهمون مسولون ومثلاً عن الخلل التقني الذي وصفه الخبير الذي نجم عن تغيير النظام بعد إدخال سداد الكهرباء عبر الصراف الآلي ؟ ، هل هناك إحصائية تفيد عدم وجود لأي حالة صرف لمبالغ زائدة أو ناقصة بالصرافات الآلية قبل وبعد إيقاف المتهمين ؟ ليس بالمحضر شيء من ذلك والنتيجة أن ذلك قول مرسل بلا سند لا يمكن اعتماده دليلاً للإدانة في محاكمة بتهمة خطيرة ماسة بالشرف والأمانة ، هب أن ذلك القول صحيح فهل هي قرينة ضد المتهمين ؟ لا أظن ذلك ، لأن جرائم القتل والسرقة وخيانة الأمانة وغيرها متصلة المحاكمات فيها منذ فجر التاريخ ولم تتوقف الجرائم عن الوقوع.

 

ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن تجيب عليه أحكام المحاكم الأدنى ، هل ثبت يقيناً أن المبالغ المدعى أنها تشكل عجزاً والمستقاة من ذاكرة الصرافات الآلية (الجرنال) كانت نتيجة هيمنة وسيطرة وأمانة المتهمين دون سواهم ؟ أم أن شيئاً من ذلك لم يثبت ؟ أم أن تلك الأموال كانت خاضعة لنظام آلي ليس للمتهمين سيطرة عليه أو تحكم فيه ؟ الواضح من قضية الاتهام أن أياً من المتهمين لم يكن صرافاً ولم يكن مؤتمناً بصورة شخصية مباشرة على أموال حقيقية (نقود) تحت هيمنته وسيطرته وتحكمه زيادة ونقصاناً ومنحاً ومنعاً كان دورهم ينتهي بإدخال نقود إلى صراف آلي يباشر تحكمه عليها وعلى الصرف فيها منذ تلك اللحظة وليس للمتهمين منفردين أو مجتمعين أي سيطرة على تلك العمليات ، وبما أن العجز المدعى هو عجز افتراضي مدعى حدوثه استناداً على ذاكرة افتراضية آلية لآلة الصراف الآلي فلا تقوم مسؤولية من أي نوع للمتهمين بشأنه إلا إذا ثبت بوجه قاطع لا يقبل الشك أنهم استلموا أموالاً ولم يقوموا بإدخالها بالصراف مطلقاً أو أدخلوها ناقصة أو سحبوها كلياً أو جزئياً بدون وجه حق ، فهل أثبت الاتهام شيئاً من ذلك ؟ الإجابة (بالنفي) فالاتهام لا يقوم على ادعاء شيء من ذلك ، بل على مجرد وجود عجز مفترض في جهاز الصراف الآلي مستقى من الآلة نفسها ولا تستطيع هذه الآلة أن تشهد ضد المتهمين إلا إذا كانت المعلومات الواردة منها موثوقاً بها بدرجة عالية وهو ما لا يتوافر لصرافات بنك الخرطوم حسب محضر المحاكمة فالأخطاء كثيرة ومتعددة من جهة ، ومن جهة أخرى ثبت بإفادة المراجع الشاهد أن بعض أجزاء ذاكرة الصراف الآلي مفقودة وبالتالي فإن المعلومات المستمدة من (الجرنال) غير صحيحة وغير مكتملة . بناءً على ما تقدم فإن تقرير إهمال المتهمين المؤدي إلى تسبيب العجز المدعى وقوعه أمر غير ثابت فوق مرحلة الشك المعقول . وبالتالي ينهار الاتهام من أساسه ، لذلك أرى إلغاء الإدانة والعقوبة وإخلاء سبيل المتهمين الثلاثة بالبراءة فوراً ونهائياً.

                                                                                                                                                 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير      

التاريخ: 3/1/2017م                        

إن الثابت أن الحكم الصادر من هذه الدائرة لإعادة النظر كان قد قضى بشطب الطعنيْن ؛ لتفويت ميعاد الطعن قد ثبت أن الطعنيْن كانا قد قدما خلال القيد الزمني المحدد قانوناً فألغت دائرة المراجعة الحكم الصادر وأعادت لنا الأوراق بإعادة النظر في الحكم من جديد.

 

الآن وبعد الاطلاع على رأي الزميل في الرأي الأول ، واستناداً لما ورد في إفادات الشهود ؛ التي أفادت بوجود أعطال في أجهزة الصراف الآلي ؛ الأمر الذي أحاط قضية الاتهام بظلال كثيفة من الشك ؛ مما يجعلني أتفق مع الرأي الأول أسباباً ونتيجةً.

 

القاضي: هاشم عمر عبد الله محمد      

التاريخ: 5/1/2017م                        

ما ورد من تفصيلات لما حواه محضر القضية لدى محكمة أول درجة من وقائع وبينات يجعلني أشك شكاً كثيفاً في أن ما نُسب لهؤلاء المحكوم عليهم الثلاثة من تهمة يكون صحيحاً.

وأرى - بالتالي- أنه من المناسب القول - وباطمئنان أن الاتهام قد فشل في القيام بالعبء المنوط به وهو إثبات هذه التهمة ضدهم بما لا يدع مجالاً للشك المعقول.

 

أنتهي للموافقة على إلغاء قضاء محكمة أول درجة المؤيد بقضاء محكمة الاستئناف: بإدانة وعقوبة المحكوم عليهم الثلاثة. 

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء إدانة وعقوبة المتهمين الثلاثة.

2- يخطرون بواسطة محامييهم بهذا.

 

هاشم عمر عبد الله محمد

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

   5/1/2017م

▸ حكومة السودان //ضد// آ. ي. أ. أ .ا (م ع/غ إ/مؤبد/54/2017م ) فوق حكومة السودان //ضد// إ. م. ح. م م ع/م ك أ/أ س ج/إعدام/23/2016م (مراجعة/204/2017م ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2017
  4. حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين (م ع/ط ج/750/2014م)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة القومية العليا

 

القضاة:

سعادة السيد / هاشم عمر عبدالله محمـد

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد / يحـي فضل محمـد فضل

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد// إ. ا. م. وآخرين

م ع/ط ج/750/2014م

 

 

 

الحكــم

 

القاضي: يحي فضل محمد فضل

التاريخ: 18/12/2016م

 

دائرة المراجعة بالمحكمة العليا أعادت إلينا الدعوى بعد إلغاء حكم المحكمة العليا بالرقم م ع/ط ج/750/2014م والتي شطبت الطعن شكلاً لتقديمه بعد فوات المدة القانونية حيث قررت دائرة المراجعة إعادة الأوراق للفصل في الطعن من حيث الموضوع.

من حيث الموضوع فالوقائع أن محكمة الخرطوم أدانت المتهمين إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م. و ي. ع. ص. تحت المواد 22/177/2 من القانون الجنائي وأوقعت العقوبات بالسجن لمدد متفاوتة وقضت بتعويض للشاكي مبلغ 280ر342 جنيه بالتضامن والإنفراد أيدت محكمة الاستئناف الخرطوم هذا الحكم بموجب مذكرتها غ إ/2014م.

ومن ثم كان هذا الطعن الذي تقدم به الأستاذ/ تاج السر بابكر سعيد نيابة عن المدانة إ. ا. م. كما تقدم الأستاذ/ سرالختم بشير الطيب عن المدانين ع. ص. وي. ع. ا. - بطعن آخر.

بالاطلاع على سائر أوراق الدعوى الجنائية لا نجد كبير عناء في تقرير براءة المتهمين الأربعة مما نسب إليهم من اتهام بموجب المادتين 22 و177(2) ق ج لسنة 1991م لوجود شكوك كثيفة تحيط بالأدلة من جهة لعدم ولعدم ثبوت ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام بحق أياً منهم فوق مرحلة الشك المعقول من جهة أخرى ، الوقائع الجوهرية التي اطمأن إليها وجدان هذه المحكمة تتلخص في أن الشاكي (بنك الخرطوم) بواسطة مفوضه (معتصم متوكل عبدالله) تقدم بتاريخ 17/4/2012م بعريضة إلى نيابة المصارف مفيداً بوجود عجز نقدي أظهرته ماكينات الصراف الآلي التابعة له في ثلاثة مناطق هي (مصنع سيقا) (مصنع حجار) (مصنع بزيانوس) والعجز مقداره 530ر348 جنيهاً ( ثلاثمائة وثمانية وأربعون ألفاً وخمسمائة وثلاثون جنيهاً) وطلب البنك فتح بلاغ ضد أربعـة مـن موظفيـه هـم : ع. ح. ح. و إ. ا. م. س. و ي. ع. ا. م.     و ي. ع. ص.

 

تحت المادتين (21) و177(2) ق ج لسنة 1991م على أساس أنهم المسؤولون عن تغذية الصرافات المذكورة وبالتالي مسؤولون عن العجز ، اكتملت التحريات وأحيل المتهمون للمحاكمة أمام محكمة الخرطوم التجارية العامة التي سمعت الدعوى التي لم تشتمل على بينة مباشرة ضد المتهمين ومن جانبهم لاذ المتهمون في كل مراحل الدعوى الجنائية بالإنكار التام للتهمة دافعين بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي لبنك الخرطوم هو المتسبب في وجود فروقات بالزيادة والنقصان وأنهم أبلغوا الجهات المسؤولة بالبنك عن ذلك الخلل ومظاهره قبل البلاغ في مناسبات مختلفة ، قضية الاتهام تمثلت في إفادة المتحري الذي قدم تلخيصاً للوقائع وقدم مستندات الاتهام وهي:

 

1- تقرير مراجعة محدودة للفرع المعني.

2- صورة من مجلس تحقيق في مواجهة التهمة الثابتة.

3- تقرير بنك السودان.

4- مستند دفاع بخصوص زيادة حدثت في حساب أحد العملاء خطأ.

5- مستند دفاع (1) تذكير مراقب الفروع.

6- المسمى الوظيفي لمدير الفرع.

 

شاهد الاتهام (المفوض) والشاهد الأول جزء من منظومة البنك الإدارية المسؤول عن أي خلل تقني أو إداري ، لذلك استماتا في رفض تقرير وجود مثل هذا الخلل مع أنها عملياً اعترافاً بالوقائع المؤكدة لوجود الخلل ، فالشاهد مفوض البنك أفاد أنه قام بإعداد مستند اتهام 10/أ/ب/ج في 2011م وهو التقرير الذي حدد الفروقات الموجودة في الصرافات بالمبلغ الذي فتح به البلاغ وتم تشكيل لجنة تحقيق بعد ذلك بناء على تقريره ومن ثم البلاغ وطلب المفوض إنابة عن البنك رد مبلغ (180ر342) دون أن يوضح سبب العدول عن المبلغ الأول (350ر348) حسب العريضة ، أفاد المفوض (أنا ما راجعت خزينة الفرع) ص 33 وهذا يؤكد أن الأمر لا يتعلق بعجز حقيقي بالعهدة الحقيقية للمتهمين ، بل هو عجز افتراضي استناداً على معلومات مستقاة من آلة صماء أشارت وقائع كثيرة كما نسبت إلى أنها أخطاء متكررة فيما يتعلق بالزيادة والنقصان أو العجز والفروقات . وهذه الآلة البكماء يجب أن تكون بينتها في مرتبة أقل من مرتبة بينة الكلب البوليسي (الحي) وهي بينة مرفوضة في محاكمنا لأسباب ترجع لعدم قدرة الكلب على الشهادة وهو ما ينطبق على الصراف الآلي ، وترجع لعدم الوثوق ببينة الحيوان وعدم كفاءة المدرب لتفسير تصرف الكلب على النحو أو ذاك ، وهنا يوجد ما يستدعي عدم الوثوق ببينة الصراف الآلي (الجماد) لوجود بينات على وجود خلل فيه في الصرافات موضوع الاتهام . وعدم الثقة في تفسيرات الخبراء الذين حللوا معلومات مستقاة من الصراف الآلي ويؤكد المفوض نفسه صحة الدفع الذي لاذ به المتهمون (النظام الجديد في بداية تطبيقه كان هناك خطأ في مسار القيود) ص 35 (الوضع الخطأ كان الخصم على حساب العميل والإضافة إلى  حسابات أخرى) ص 30 ثم يعود إلى موضع الدفاع عن الذات فيقول (لا يوجد خلل فني وإنما نقصان نقدية) ووظيفة المفوض هي أنه مشرف على وحدة التسويات لإدارة الصراف الآلي وهذه الوحدة من مسؤولياتها استلام تقارير من الفروع بعمليات الشحن ومراجعتها وهو يقول (ليس لدينا أجهزة لمعرفة الموجود في الصرافات ومعرفة النقد الموجود فيه) ص 31 وهذا الإقرار وهذه الواقعة تبين بجلاء أن (العجز المنسوب للمتهمين هو عجز افتراضي وليس عجزاً حقيقياً) لأن معد التقرير يقر بأنه لم يراجع (الخزينة) وليس لديه إمكانية معرفة المال الموجود في الصرافات الآلية وبالتالي لا يمكن للشاهد الجزم بوجود عجز حقيقي في النقد الذي يقع في دائرة مسؤولية المتهمين ، وكل ما لديه هو افتراض مبني على قراءة بيانات آلة الصراف الآلي فقط حسب ذاكراتها المسماة الجرنال وهو افتراض لا يطمئن إليه وجدان المحكمة ولا يمكن تأسيس إدانة في جريمة خطيرة ماسة بشرف وحرية ومال المتهمين عليه ، إذ إن الإدانة تترتب عليها آثار مدمرة إنسانياً ومهنياً عليهم. ويقر الشاهد المفوض بوجود الخلل التقني الذي ذكره المتهمون بقوله (حصل أن عميلاً صرف مبالغ بصراف أداهو مبالغ أكثر وعرفنا ذلك ببلاغ من العميل ، عرفنا أن ذلك حدث فعلاً بعد رفعه لمدير إدارة الصراف الآلي لتحليله). ص 31 ، فهل يمكن مع واقعة كهذه الحديث عن عجز وفروقات سببها المتهمون دون سواهم ؟ هل يمكن نفي وجود الخلل التقني المؤثر على صحة البيانات الافتراضية الصادرة عن هذه الآلة ؟ هل يمكن إضفاء قدسية على بيانات هذه الآلة ؟ والمفوض نفسه يقول (عشان أعرف المبلغ الطلع ودخل الصراف أراجع المستند والنقدية والقيود وشريط الحركة اليومية في الإضافة) ص 33 ويقول ( أنا ما اختصاصي أراجع نقدية الصراف الآلي) ص 32 وهـذا القول يوضح الخلل التقني في التقرير مستند الاتهام (10) الذي بينه شهود الدفاع وهو أنه تم إعداده بطريقـة غير صحيحة تجعل نتائجه غير صحيحة ، فإقرار المفوض أنه غير مختص بمراجعة نقدية الصراف الآلي يجعل تقريره ومراجعته لا قيمة لهما لصدورهما عن جهة غير مختصة وغير مؤهلة وفـي موقع آخر سنبين من وجهة نظر الخبراء الخلل في التقرير.

وخلافاً لما ذهبت إليه محكمة الموضوع في تسبيب حكمها من قول بأن المتهمين لم يخطروا رؤساءهم بالخلل التقني فإن المفوض قال: (المتهم الرابع قام باتصال بي وأخطرني أن هناك فرقاً في النظام أن الرصيد بالإضافة وليس بالنقصان وذلك بعد تطبيق النظام الجديد في مايو 2010م لوجود مشكلة إدارة الشبكة بها) ص 35 فهل يمكن بعد هذه الإفادة الواضحة نفي وجود خلل تقني في الصرافات الآلية للبنك المعني؟. أو ليس تقرير محكمة الموضوع ضد ما هو ثابت في الأدلة هنا؟.

 

الشاهد الأول للاتهام (جبارة) مدير التجزئة المصرفية وحدة الصراف الآلي عمله هو الإشراف على الصرافات الآلية شهد بما ما يلي ( المبالغ التي يفترض إعادتها إلى الصراف أحياناً تتطابق وأحيناً لا تتطابق مما يعني أن هناك خللاً في الميزان أعطى مؤشراً أن هناك مبالغ مفقودة) ص 51 ، (بعد إيقاف المتهمين تأتي بأن خللاً حصل) ص 53 وهذا القول الأخير قول مرسل وملقي على عواهنه ولا يثبت شيئاً بحق المتهمين لأن الخلل موضوع المحاكمة هو الخلل الذي حدث قبل اتهامهم وليس بعده ، فقط يؤكد قول الشاهد أن التهمة افتراضية مثلها مثل العجز الافتراضي . ويقر الشاهد بأن المتهمين أبلغوا عن الخلل التقني فيقول (حصل وصلت معلومة أن الرصيد لا يتطابق مع النقد الفي الصراف وأنا قلت ليهو التزم بمسار الكاش بتاعك أما الناحية التقنية ستعالجها الجهات المسؤولة) ص 57. 

وقال الشاهد (الخطأ وارد في الصراف) (أنا ما راجعت الفروقات بنفسي) ص 63 وذهب الشاهد أبعد من ذلك في شأن الخلل التقني فقال (في 2010م نحن انتقلنا من نظام إلى آخر وعند التنفيذ الفعلي هناك بعض الحسابات تأثرت خطأ بالإضافة أو الخصم وكل حسابات البنك تأثرت بذلك أو معظمها) ص 69، والسؤال لماذا لا يشمل التأثر المذكور الناجم عن خلل تقني بسبب انتقال البنك من إلى آخر ، لماذا لا يشمل العجز الافتراضي الذي استقاه التقرير موضوع الاتهام من ذاكرة الصرافات الآلية نفسها ؟ لماذا يكون ذلك تأثراً وهذا خيانة أمانة ؟. على الرغم من أن الشواهـد تدل كلها على أن السبب واحد في الحالتين ، فتأثر الحسابات في البنك بالخصم والإضافة يعني وجود فروقات بالعجز والإضافة في الصرافات بطريق اللزوم العقلي ويعني أن تلك الفروقات ناجمة عن خلل النظام الآلي وليس عـن سلوك البشر الذين ليس لهم سلطة عليه وأعنـي بذلك (المتهمين) فهـم ليسـوا مشغلين للصراف الآلي وليسوا على علاقة بالنظام الآلـي له الغريب أن الشاهد نفسه يعـود فيقول بإصرار بعـد تلك الإفادة الواضحـة المؤكـدة لوجود الخلل التقنـي (ليس هناك خطأ تقني) ص 70.

شاهد الاتهام الثالث (معتز سعيد) يتبع للمراجعة الداخلية شهد بأنه كلف بإجراء مراجعة عن وجود فرق في الصرافات الآلية الثلاثة (بزيانوس/حجار/سيقا) وشهد بأنه قام بالمراجعة (من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف الآلي وتمت مراجعة كل الأشرطة المتاحة) ص 72/73 (الفروقات عبارة عـن نقدية ناقصـة فعلاً من الرصيـد المفترض من واقع كشوفات الحساب الخاص بكل صراف) ص 72 قال الشاهد واقعة مهمـة).

 

(أنا لمن كلفت بالمراجعة طلبت التقارير الخاصة بتغذية الصراف وأشرطة الجرنال مفقودة) ص 76 (تقارير التغذية ما موجودة) ص 76 (أنا عرفت الفرق من كشف الحساب الموجود في كل صراف) ص 81.

 

(كشف الحساب لكل صراف يتم استخراجه من النظام المحاسبي في أجهزة الكمبيوتر) ص81 (النظام المحاسبي ممكن يكون فيهو خلل) ص 81 وقال الشاهد (الجرنال تظهر فيهو في بعض التغذيات إدخال مبالغ أعلى من المستلمة للإدخال وبذلك يظهر الفارق بالزيادة بينما تكون الزيادة وهمية وغير حقيقية) ص 83 هذه الإفادة تنسف تقرير هذا الشاهد من أساسه فإذا كانت الصرافات الآلية تظهر في بعض الحالات المبالغ المدخلة فيها أكبر من الرقم الحقيقي بإقرار الشاهد وتكون هذه الزيادات وهمية وغير حقيقية فهذا الذي يجعل الفرق بالنقصان حقيقياً والفرق بالزيادة افتراضياً؟؟ منطق الشاهد هنا يعني أنه حيث يخطئ الصراف الآلي ويظهر المبلغ الذي أودعه المتهمون فيه أكبر من المبلغ الحقيقي لا تكون الزيادة هنا غير حقيقية أما إذا كان الخطأ عكسياً بأن يظهر الصراف المبلغ أقل مما أودع فيه حقيقة فسيكون المبلغ الناقص حقيقياً . الحقيقة هنا أن الزيادة والنقصان معاً ناجمان عن خلل تقني في الآلة ليس ناجمين عن فعل المتهمين كما في التقرير وذهبت محكمة الموضوع ببساطة لأن الزيادة والنقصان افتراضيان وليسا حقيقين . إضافة إلى أن واقعة فقدان بعض أشرطة الجرنال يجعل التقرير لا قيمة له إذ إن العجز قد يجد تفسيراً وتبريراً في الجزء المفقود من (ذاكرة النظام) وهو أشرطة الجرنال المفقودة لذلك فإن النتائج التي انتهى إليها تقرير المراجعة المبني على (أشرطة جرنال غير كاملة) بإقرار المراجع هو تقرير لا يعطي صورة منصفة عن مراكز المتهمين وعن واقعة العجز المدعاة ويجعل هذه الواقعة محلاً للشك في صحتها فلماذا أخفى جزء من ذاكرة النظام ؟ وأين ذهبت الأشرطة المفقودة ؟ وكيف يستطيع الشاهد الجزم بأنها غير مؤثرة على النتائج التي توصل إليها وهي نتائج مبنية على معلومات ناقصة لم يطلع عليه ، خصوصاً أن الشاهد يقر بما يلي (قمنا بالمراجعة من واقع أشرطة الجرنال المستخرجة من الصراف) فإذا كان المصدر الذي استقيت منه المعلومات ناقصاً ومبتوراً فذلك هو حال المعلومات المستقاة منه نفسها وهذا النقص يهدر أي قيمة إثباتيه يمكن إضفاؤها على تقرير المراجعة المذكور وعلى نتائجه فما بني على النقص ناقص.     

 

شاهد الاتهام الأخير أهم ما ورد في شهادته هو تأكيده على وجود فروقات في فرع آخر لبنك الخرطوم فرع المحطة الوسطى وهو أمر يؤكد أن الخلل خلل تقني شامل للبنك.

 

قضية الدفاع جاءت منطقية وواضحة المعالم ابتداءً من أقوال المتهمين الذين أنكروا التهم الموجهة إليهم ودفعوا بوضوح منذ الوهلة الأولى بوجود خلل تقني في أجهزة الصراف الآلي ببنك الخرطوم تسبب في كثير من المشاكل للبنك والعملاء وظهور فروقات زيادة ونقصاناً ودفعت المتهمة الثانية بأنها أبغلت المسؤولين بالوقائع المتعلقة بهذا الخلل التي وصلت إلى علمها ودفع بقية المتهمين بذات الدفع عـدا الأول الذي نفى علاقته بعمليات الصراف الآلي مطلقاً ، شطبت المحكمة التهمة ضد المتهم الأول ووجهت اتهاماً للمتهمين الباقين تحت المادتين 21/177/2 ق ج لسنة 1991م ورد المتهمون بالإنكار وقدموا قضية دفاع متماسكة أيدت الدفوع التي تمسكوا بها ، الشاهد الأول للدفاع مواطن عادي عميل للبنك شهد بأنه ذات مرة ذهب إلى الصراف الآلي (مصانع حجار) تابع للبنك الشاكي أراد صرف ألف جنيه حسب طلبه فأخرج له الصراف ستمائة جنيه فقط بعد اكتمال العملية ، وأبلغ مسؤولي البنك ولاحقهم لاسترداد الفرق وهذه واقعة تؤكد وجود الخلل التقني الذي دفع به المتهمون المسؤولية عن أنفسهم وأنه حقيقة واقعة وليس متوهماً أو مختلقاً ، الشاهد الثاني للدفاع كان مقرراً للجنة التحقيق الإداري في المخالفات المنسوبة للمتهمين شهد بأن المتهمة الثانية في التحقيق الإداري تقدمت بصور رسائل بريد الكتروني يوضح أن هناك بعض الإشكالات في الصرافات الآلية للبنك ، حيث تظهر تلك الرسائل الإلكترونية أن الصراف الآلي يظهر مبالغ في خانة القرش وهي خانة غير موجودة أصلاً والإيميل الثاني مرسل إلى مفوض الشاكي والشاهد (جبارة) شاهد الاتهام وهو إيميل يتحدث عن زيادة ونقصان في الصراف الآلي وهذه الإيميلات تؤكد أن المتهمة الثانية قامت بواجبها خير قيام مسبقاً بالتبليغ عن الخلل الفني ومظاهره في حينه وهذه الواقعة تؤكد أن التهمة لم تختلق قصة الخلل التقني كدفاع في المحاكمة بل هي حقيقة ماثلة في واقع البنك قبل وجود قضية ضد المتهمة الثانية وزملائها وأخطرت المتهمة المسؤولين لتحميلهم مسؤوليتهم في معالجة الخلل ، ولعل هذه الواقعة توضح سبب إصرار (المفوض) (معتصم) والشاهد جبارة على نفي قصة (الخلل الفني) عن العجز ، فإزالة هذا الخلل مسؤولية الشاهدين وليست مسؤولية المتهمين ذلك أن معالجة الخلل في النظام (الخاص بالصراف الآلي) أمر يدخل في نطاق مسؤولية الإدارة العليا للبنك وليس صغار موظفيه ، شاهد الدفاع الثاني وضح جوانب الخلل الفني (التقني) والإداري ببنك الخرطوم بقوله (الوضع بتاع بنك الخرطوم للمفاتيح بتاعت الصراف الآلي ما صحيح) ص 127(الشفرة موحدة لكل الصرافات في بنك الخرطوم) ص 127 وهذه الواقعة الأخيرة تكشف عن وجود ثغرة أمنية في النظام الخاص ببنك الخرطوم ذلك أن الشفرة الموحدة لكل أجهزة الصراف الآلي التابعة للبنك خطأ فادح يستحيل مع وجوده  تحميل المسؤولية عن استخدام الشفرة لشخص واحد أو شخصين في فرع معين وهي متاحة لجميع الموظفين العاملين مع أجهـزة الصـراف الآلي في الفروع الأخرى للبنك بسبب كونها شفرة واحدة وليست متعددة ، لذلك يمكن استخدامها بواسطة حامل المفتاح في غياب مسؤول الشفرة مثلاً ، فالشفرة ليست متعددة بتعدد الأجهـزة.

 

شاهد الدفاع الثالث (أحمد محمد رشاد) خبير في مجال العمل في الصرافات الآلية من واقع خبرته شهد بأن المراجعة التي قام بها شاهد الاتهام (معتز) قليل الخبرة حسب إقرار الشاهد معتز نفسه التي اعتمد فيها على شريط الجرنال فقط ليست صحيحة حيث قال الشاهد (أحمد) (إذا راجعت شريط الجرنال فقط المراجعة ما صحيحة). وشرح ذلك بأنه (يجب مراجعة النقود الواردة من الخزنة ومراجعة الحركات عن طريق شريط الجرنال (ذاكرة الصراف الآلي) الذي يظهر أي زول صرف ورقم بطاقته والبنك الذي تتبع له والمبلغ والعملية (ناجحة) ولا (فاشلة) والزمن وأيضاً (تراجع حسابات العميل وترجع إلى التسويات لمراجعتها وهي التي ترسلها الشركة الماسكة للخدمات المصرفية للبنوك) ، راجع أقوال الشاهد ص 132 محضر المحاكمة . وأكد الشاهد إمكانية حدوث الخلل التقني (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني) والمقصود بالزيادة والنقصان وجود الفروقات بمعنى آخر ليس كل عجز يظهر في الصراف الآلي ناجماً قطعياً ودون أدنى ظن من الشك من فعل بشري.

 

وهذا هو السؤال محل البحث في هذه المحاكمة وهو السؤال الذي لم توفق محكمة الموضوع في وضعه في إطاره الصحيح وفي الإجابة عليه ذلك أن قضية الاتهام في مجملها بنيت على الافتراضات والاستنتاجات والظنون والتفسيرات الأحادية الجانب والاعتقادات ، ولم تبن على الوقائع الثابتة والأدلة الدامغة مباشرة أو ظرفية ولم تبن على إقرار أيٍ من المتهمين بأي تهمة نسبت إليه ، وهذا يتضح من أقوال (المفوض) الذي جمع بين صفتي (المفوض) و(الشاهد) معد التقرير الذي بنى عليه الاتهام وبقية شهود الاتهام فلم ينسب أيُُّ منهم للمتهمين فعلاً محدداً أو امتناعاً محدداً يربط أياً منهم بالنتيجة (غير الثابتة) التي خلص إليها تقرير المفوض ومن بعده تقرير المراجعة (وجود فروقات) ربطاً محكماً لا فكاك منه ، بل قدم الاتهام افتراضات مفادها أن المتهمين دون غيرهم هم المسؤولون عن العجز أو الفروقات التي أظهرتها ذاكرة الصراف الآلي لبنك الخرطوم في الصرافات المحددة في هذا البلاغ وهي افتراضات تحاكي جبلاً من الرمال ينهار مع أول نسمة تعبر به ، مثلاً قول شاهد الدفاع الخبير (أحمد عمر رشاد) (ممكن القروش تطلع بره الزول ما شالها رجعت الماكينة جوه ، الحركة تسجل بأنها ناجحة لكن الزول يكون ما صرفها والقروش ما بترجع نفس الأدراج ترجع حتى ثانية درج مخصص للرواجع) ص 233 ومثل قول الشاهد نفسه (الصراف الآلي ممكن يديك زيادة ونقصان لو في خلل فني أو زول دخل قروش خطأ) . ومجرد وجود مثل هذا الاحتمال الذي ذكره الشاهد يكفي لتبرئة ساحة المتهمين ، لأن المطلوب منهم إثباته ليس هو إثبات براءتهم فوق مرحلة الشك المعقول بل مجرد إثارة ظل من شك معقول حول الواقعة المنسوبة إليهم وعندما نتحدث عن عهدة موجودة في ذاكرة صراف آلي (آلة صماء) فهذا يختلف عن الصورة القديمة التقليدية للخزنة الحديدية التي تكون تحت السيطرة الكاملة للمدير أو الصراف ومجرد جردها ومطابقة النقد فيها مع مستندات الصرف التقليدية يكفي لإثبات مسؤولية الصراف أو المدير عن أي عجز في العهدة التي تقع تحت سيطرته وهيمنته الشخصية المباشرة والكاملة والفعلية لكن السؤال هل الصراف الآلي تحت سيطرة المتهمين الفعلية الكاملة مثل الخزنة التقليدية ؟. والإجابة بالنفي طبعاً لأن ذاكرة الصراف الآلي يتحكم فيها نظام تشغيل إلكتروني ليس للمتهمين سيطرة عليه ولو كان الاتهام الموجه إليهم ناجماً عن مراجعة خزنة تقليدية تحت سيطرتهم الشخصية الفعلية لكان الحال اختلف لأن العجز يكون حينها حقيقياً فعلاً وليس افتراضياً كما هو الحال بالنسبة للعجز موضوع الاتهام المستقى من مراجعة ذاكرة الصراف الآلي وهي خزانة افتراضية وليست حقيقية ولم تتم مراجعتها حسب الطريقة الصحيحة التي حددها شاهد الدفاع الخبير وبالتالي لم تتوفر وقائع مادية ثابتة تؤكد وجود عجز حقيقي في خزانة حقيقية ونقود حقيقية في سيطرة أحد أو كل المتهمين وبالتالي انتفى عنصر الائتمان على المال وهو عنصر مادي يثبت بالوقائع المادية الحقيقية وليس الافتراضية وقد جاء القول الفصل في هذه القضية على لسان شاهد الدفاع (صلاح الدين عثمان الماحي) وهو خبير في المراجعة الداخلية ومصرفي عمل بالبنك الشاكي ثلاثين عاماً فقد ذكر الشاهد وقائع مهمة مؤيدة لدفاع المتهمين حيث قال (في شهر 12/2010م بدأ مشروع شراء الكهرباء بواسطة الصراف الآلي والخدمة دي لمن اتنفذت حصلت مشكلة فروقات الصرافات الآلية نتيجة لتنفيذ الخدمة الجديدة ، واستدعونا وجينا لوحدة تسوية الصراف الآلي لمراجعة الفروقات ووجدنا أن هناك عملاء أبلغوا وحدة المحول أنهم صرفوا مبالغ وحساباتهم لم تتأثر بها ، بمعنى أن الشخص استلم كاش وحسابه ما تم الخصم منه ولمن مشينا المراجعة لقينا أن الحساب تأثر في البداية لكن محور بنك الخرطوم عكس القيد تأثر الحساب. واتناقشنا في المسألة دي ووجدنا أن المسألة دي تأثرت بالخدمة الجديدة (التايمر بتاع الكهرباء) وأضاف الشاهد (بنك السودان أرسل منشوراً لكل البنوك عشان يسترد من العملاء المبالغ الصرفوها كاش وأعادها الصراف إلى حساباتهم) ص 140/141.

 

وقال (مراجعة الجرنال فقط لا تكفي للوصول إذا كان هناك فرق أم لا، لابد أن هناك جرداً فعلياً) ص 142.

 

هذه الإفادات ومنشور بنك السودان يؤكدان أن هناك خللاً فنياً تقنياً في الصراف الآلي ومحوله لدى بنك الخرطوم وهو الذي تسبب في إرباك حسابات العملاء والبنك إلى الحد الذي أوجب تدخل بنك السودان ، وبالتالي فإن هذا الخلل نجم عنه فروقات بالزيادة أو النقصان لهذا البنك في الصرافات الآلية المختلفة ولم ينجـم ذلك الخلل عن فعل بشري للمتهمين ولا يجوز بأي حال انتقاء ثلاثة موظفين من أحد الفـروع وتحميلهم وزر خلل تقني في نظام آلي ليس لديهم تحكم من أي نوع عليه ولا يوجد ما يربط أياً منهـم وظيفياً بهذا الخلل التقنـي وسبب حدوثه وسبب عدم معالجته ، وقد قال الشاهد (صلاح الدين عثمان الماحـي) بوضوح (خدمة الكهرباء كانت لعملاء بنك الخرطوم) ص 144.

 

(المشكلة أثرت على الصرافات الآلية وهذه مشكلة (التايمر) ص 144 (الطريقة التي تم إعداد مستند اتهام 10/أ بها لا تعطي الفروقات الصحيحة) ص 147.   

شهود الدفاع الخامس والسادس والأخير شهدوا بوجود مشاكل في الصرافات الآلية لبنك الخرطوم يعلمهم الشخص بذلك من واقع تجربتهم والشاهد الأخير استلم مبلغاً زائداً من صراف آلي هو أحد الصرافات موضوع الاتهام التي وجد بها عجز نتيجة لخلل تقني في الصراف وأعاد الشاهد المبلغ للبنك وتلك قرينة على وجود الخلل التقني وعلى تسبب الخلل التقني في عجز للبنك لأن الواقعة تشير إلى إمكانية حصول بعض الأشخاص على أموال زائدة من الصراف - لم يدركوا الزيادة أو لم يعيدوا المال رغم علمهم بالزيادة - وبالتالي فإن المسؤولية عن العجز ليست مسؤولية المتهمين كما أراد الاتهام تصويرها . لقد لخص شاهد الدفاع (أحمد عمر رشاد) الأمر بجملة قصيرة (الصراف فيهو مشاكل فنية كثيرة) واتفق الشاهد مع الخبير حول الطريقة الصحيحة لتقرير وجود فروقات (لعمل مراجعة مبالغ تم سحبها لإيجاد فرق معين ينفي مراجعة التغذية الخارجية (الخزينة الرئيسية) ومطابقتها مع الحركات الموجودة في شريط الجرنال في الماكينة حركة للعمليات الناجحة بالإضافة لمراجعة ملفات تسوية بنك السودان التي ترد في اليوم التالي بطاقات البنوك الأخرى ، سوى هذه الطريقة لا تكون دقيقة) ص 133.

 

لقد انبنى حكم محكمة أول درجة وحكم محكمة الاستئناف المؤيد له المطعون فيهما على أن المتهمين أهملوا إهمالاً فاحشاً موجباً لمساءلتهم بموجب المادتين (22) و177(2) ق ج لسنة 1991م ، لكن تقرير وجود الإهمال الفاحش لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديد السبب المباشر في الفروقات في ذاكرة الصراف الآلي غير المكتملة التي استقيت منها استنتاجاً مسألة العجز ونسبت إلى المتهمين ، فلا يمكن للمحكمة أن تتجاهل أن التقرير الذي حدد وجود العجز هو تقرير تم استقاء معلوماته من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف الآلي وليس تقريراً نجم عن جرد بشري لخزانة نقود حقيقية ، هذا من جهة ، من جهة أخرى كانت أوراق (الجرنال) (ذاكرة الصراف الآلي) ناقصة بشهادة من قام بإعداد تقرير المراجعة فكيف يمكن تجاهل أثر هذا النقصان في مصدر المعلومات على قيمة تلك المعلومات التي تدعي لنفسها الكمال والدقة وهي ناقصة في أهم شروط مصداقيتها وهي المعلومات ، فالمعلومات الناقصة لا يمكن أن يبنى عليها تحليل صحيح ونتائج صحيحة ، من جهة ثالثة فإن (الصراف الآلي) ليس خزينة تحت سيطرة المتهمين الحقيقية ولا الافتراضية ، فالمتهمون ليسوا متحكمين في النقود الموجودة في الصراف سحباً وإيداعاً وإن كان بعضهم يقوم بالتغذية ، فهذا ليس تحكماً كاملاً ، لأن التغذية نفسها يتعامل معها الصراف آلياً وتصبح في ذاكرته عملية افتراضية قابلة للتأثر بأخطاء النظام الآلي للصراف الآلي، والمتهمون ليسوا متحكمين في ذلك النظام وبالتالي لا يمكن افتراض إهمالهم استناداً على معلومات ناقصة مستقاة من الصراف الآلي ، وطالما أن محكمة الاستئناف ومحكمة الموضوع اتفقتا على عدم وجود بينة مباشرة تؤكد وجود اتفاق جنائي بين المتهمين وعدم وجود بينة مباشرة تؤكد تحويلهم أي مبلغ لمنفعتهم الشخصية وطالما أن الإهمال المنسوب إليهم كان الاستناد في تقريره مبنياً على معلومات مأخوذة من ذاكرة آلة ثبت أنها ارتكبت أخطاء كثيرة وأن هناك خللاً تقنياً ثابتاً فيها وأن المعلومات المستقاة نفسها ناقصة بعدم توفر أجزاء من (الجرنال) أي ذاكرة الصراف المعني ، فإن الاتهام يسبح في بحر متلاطم من الظنون والشكوك ودائرة الاتهام تتسع لتشمل آخرين لم تشملهم رغم ثبوت إهمالهم يقيناً وليس ظناً كما ورد في مذكرة الرأي الأول بمحكمة الاستئناف الذي ورد فيه إقرار بوجود خلل في عمل الصرافات الآلية ووجود خلل وتقاعس في نظام المراقبة والمراجعة لدى إدارة البنك وأن رؤساء المتهمين في الفروع أو رئاسة البنك كانوا يعلمون بصورة أو أخرى بوجود خلل في عمل الصرافات ، هذا الواقع كان يوجب تبرئة ساحة المتهمين وليس إدانتهم ، أما القرينة التي اعتمدت عليها محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف والتي مفادها القول أن الخلل في الصرافات الآلية توقف بعد إيقاف المتهمين عن العمل هي قرينة غير صحيحة وغير ثابتة وهو تقرير لنتيجة بغير سند ، فهل قدم الاتهام إحصائية علمية دقيقة تدعم الاستنتاج الذي قدمه ؟ وهل المتهمون مسولون ومثلاً عن الخلل التقني الذي وصفه الخبير الذي نجم عن تغيير النظام بعد إدخال سداد الكهرباء عبر الصراف الآلي ؟ ، هل هناك إحصائية تفيد عدم وجود لأي حالة صرف لمبالغ زائدة أو ناقصة بالصرافات الآلية قبل وبعد إيقاف المتهمين ؟ ليس بالمحضر شيء من ذلك والنتيجة أن ذلك قول مرسل بلا سند لا يمكن اعتماده دليلاً للإدانة في محاكمة بتهمة خطيرة ماسة بالشرف والأمانة ، هب أن ذلك القول صحيح فهل هي قرينة ضد المتهمين ؟ لا أظن ذلك ، لأن جرائم القتل والسرقة وخيانة الأمانة وغيرها متصلة المحاكمات فيها منذ فجر التاريخ ولم تتوقف الجرائم عن الوقوع.

 

ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن تجيب عليه أحكام المحاكم الأدنى ، هل ثبت يقيناً أن المبالغ المدعى أنها تشكل عجزاً والمستقاة من ذاكرة الصرافات الآلية (الجرنال) كانت نتيجة هيمنة وسيطرة وأمانة المتهمين دون سواهم ؟ أم أن شيئاً من ذلك لم يثبت ؟ أم أن تلك الأموال كانت خاضعة لنظام آلي ليس للمتهمين سيطرة عليه أو تحكم فيه ؟ الواضح من قضية الاتهام أن أياً من المتهمين لم يكن صرافاً ولم يكن مؤتمناً بصورة شخصية مباشرة على أموال حقيقية (نقود) تحت هيمنته وسيطرته وتحكمه زيادة ونقصاناً ومنحاً ومنعاً كان دورهم ينتهي بإدخال نقود إلى صراف آلي يباشر تحكمه عليها وعلى الصرف فيها منذ تلك اللحظة وليس للمتهمين منفردين أو مجتمعين أي سيطرة على تلك العمليات ، وبما أن العجز المدعى هو عجز افتراضي مدعى حدوثه استناداً على ذاكرة افتراضية آلية لآلة الصراف الآلي فلا تقوم مسؤولية من أي نوع للمتهمين بشأنه إلا إذا ثبت بوجه قاطع لا يقبل الشك أنهم استلموا أموالاً ولم يقوموا بإدخالها بالصراف مطلقاً أو أدخلوها ناقصة أو سحبوها كلياً أو جزئياً بدون وجه حق ، فهل أثبت الاتهام شيئاً من ذلك ؟ الإجابة (بالنفي) فالاتهام لا يقوم على ادعاء شيء من ذلك ، بل على مجرد وجود عجز مفترض في جهاز الصراف الآلي مستقى من الآلة نفسها ولا تستطيع هذه الآلة أن تشهد ضد المتهمين إلا إذا كانت المعلومات الواردة منها موثوقاً بها بدرجة عالية وهو ما لا يتوافر لصرافات بنك الخرطوم حسب محضر المحاكمة فالأخطاء كثيرة ومتعددة من جهة ، ومن جهة أخرى ثبت بإفادة المراجع الشاهد أن بعض أجزاء ذاكرة الصراف الآلي مفقودة وبالتالي فإن المعلومات المستمدة من (الجرنال) غير صحيحة وغير مكتملة . بناءً على ما تقدم فإن تقرير إهمال المتهمين المؤدي إلى تسبيب العجز المدعى وقوعه أمر غير ثابت فوق مرحلة الشك المعقول . وبالتالي ينهار الاتهام من أساسه ، لذلك أرى إلغاء الإدانة والعقوبة وإخلاء سبيل المتهمين الثلاثة بالبراءة فوراً ونهائياً.

                                                                                                                                                 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير      

التاريخ: 3/1/2017م                        

إن الثابت أن الحكم الصادر من هذه الدائرة لإعادة النظر كان قد قضى بشطب الطعنيْن ؛ لتفويت ميعاد الطعن قد ثبت أن الطعنيْن كانا قد قدما خلال القيد الزمني المحدد قانوناً فألغت دائرة المراجعة الحكم الصادر وأعادت لنا الأوراق بإعادة النظر في الحكم من جديد.

 

الآن وبعد الاطلاع على رأي الزميل في الرأي الأول ، واستناداً لما ورد في إفادات الشهود ؛ التي أفادت بوجود أعطال في أجهزة الصراف الآلي ؛ الأمر الذي أحاط قضية الاتهام بظلال كثيفة من الشك ؛ مما يجعلني أتفق مع الرأي الأول أسباباً ونتيجةً.

 

القاضي: هاشم عمر عبد الله محمد      

التاريخ: 5/1/2017م                        

ما ورد من تفصيلات لما حواه محضر القضية لدى محكمة أول درجة من وقائع وبينات يجعلني أشك شكاً كثيفاً في أن ما نُسب لهؤلاء المحكوم عليهم الثلاثة من تهمة يكون صحيحاً.

وأرى - بالتالي- أنه من المناسب القول - وباطمئنان أن الاتهام قد فشل في القيام بالعبء المنوط به وهو إثبات هذه التهمة ضدهم بما لا يدع مجالاً للشك المعقول.

 

أنتهي للموافقة على إلغاء قضاء محكمة أول درجة المؤيد بقضاء محكمة الاستئناف: بإدانة وعقوبة المحكوم عليهم الثلاثة. 

 

الأمر النهائي:

1- إلغاء إدانة وعقوبة المتهمين الثلاثة.

2- يخطرون بواسطة محامييهم بهذا.

 

هاشم عمر عبد الله محمد

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

   5/1/2017م

▸ حكومة السودان //ضد// آ. ي. أ. أ .ا (م ع/غ إ/مؤبد/54/2017م ) فوق حكومة السودان //ضد// إ. م. ح. م م ع/م ك أ/أ س ج/إعدام/23/2016م (مراجعة/204/2017م ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©