حكومة السودان / ضد / مريم نور الدين يحي
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / صلاح الدين شبيكة -قاضي المحكمة العليا -رئيساً
سعادة السيد/ د حسن محمد علوب -قاضي المحكمة العليا- عضواً
سعادة السيد/ محمد الفضل شوقي -قاضي المحكمة العليا بالإنابة -عضواً
حكومة السودان / ضد / مريم نور الدين يحي
م ع / م ك / 124 / 73
المبادئ:
قانون العقوبات – الاستفزاز الشديد المفاجئ – الظروف المحيطة بالفعل المنشئ للاستفزاز – المادة 249 ( أ )
حاولت المتهمة بناء سور من القش ( صريف ) يفصل ارض والدتها عن ارض الجيران وتسببت هذه المحاولة في نشوب اختلافات بينها واسرة المجني عليه ( الجيران ) فصل شيخ الحلة في النزاع ووضع حدود ظاهرة لكل طرق شرعت المتهمة في بناء سور من القش علي تلك الحدود ولكن المجني عليه حاول إزالة السور ضربت المتهمة المجني عليه بآلة صلبة عدة ضربات فوق رأسه آدت إلي وفاته
تصرف المرحوم يشكل استفزازا خطيرا ومفاجئا للمتهمة في تلك الظروف خاصة عندما عمل على تكسير السور الذي تعبت في بنائه إذ أنه كفيل يجعل الشخص العادي يفقد السيطرة علي تملك أعصابه
الحكم:
التاريخ : 12 / 11 / 1973
المتهمة مريم نور الدين يحي تمت محاكمتها أمام محكمة كبري جلست في كاس التابعة لمركز زالنجي برئاسة السيد إبراهيم محمد حمدان وقد أصدرت المحكمة قرارها في 17 مارس 1973 وهو يقضي بإدانتها تحت المادة 251 من قانون العقوبات وبالحكم عليها بالإعدام شنقا حتى الموت
تقدمت السجينة باسترحام تلتمس فيه تخفيف العقوبة استنادا إلي ظروفها العائلية
الوقائع غلتي تثبتها البينات والتي لا يتطرق لها شك معقول هي بالاختصار أن المتهمة حضرت في شهر يونيو 1972 لزيارة والدتها العمياء في قرية دبس وحاولت أن تقوم ببعض التنظيمات في المنزل خلال تواجدها ومن بينها بناء سور من القش للمنزل يفصل ارض والدتها من ارض الجيران وتسببت هذه المحاولة في نشوب اختلافات بينها واسرة المجني عليه التي كانت تسكن جوار والدتها تدخل الوسطاء لتحديد ارض كل من الطرفين ووصل الأمر للشيخ الذي حضر ووضع حدوداً ظاهرة لكل طرف وشرعت المتهمة في بناء السور من القش وفي يوم 23 يناير 73 وبينما المتهمة تعمل في تشييد السور نشب الخلاف بخصوص الحدود مرة أخرى وحذر المجني عليه المتهمة من الخروج عن الحدود المتفق عليها وفجأة توجه المجني عليه نحو المتهمة ولم يكن هنالك أحد سواهما في المكان وسمعت زوجة المجني عليه صوت التحام وضربات فأطلت برأسها من داخل قطيعتها ورأت المتهمة وهي تهوي بقطعة صلبة علي راس المجني عليه وصل آخرون ورأوا الدماء تنزل من راس المجني عليه وسألوه فاخبرهم بأن المتهمة هي التي ضربته ورقد المجني عليه في منزله يعاني من الأذى الذي أصيب به في رأسه وتدهورت حالته حتى توفي مساء ذاك اليوم نتيجة النزيف الداخلي الذي حدث له والذي كشف عنه تشريح الجثة وأصرت المتهمة علي الإنكار وبأنها لم تضرب المجني عليه
النقطة الأساسية موضع النزاع هي النقطة الخاصة بواقعة الضرب لقد وجدت المحكمة في أقوال زوجة المجني عليه ( شاهدة الاتهام الثالثة ) مؤيدة بأقوال المجني عليه التي أدلى بها لبعض الشهود وهو متوقع للموت وما يثبت بأن الذي ضرب المجني عليه التي أدلي بها لبعض الشهود وهو متوقع للموت ما يثبت بأن الذي ضرب المجني عليه تلك الضربات الخطيرة في الرأس هو المتهمة ولا أحد غيرها
أقوال شاهدة الاتهام الثالثة واضحة ومستقيمة ومتناسقة تماما مع القرائن والملابسات فإذا أضفنا لذلك العبارات التي أدلي بها المجني عليه لبعض الشهود وهو في حالة توقع للموت أكد فيها أن التي ضربته هي المتهمة أصبحت هذه النقطة مثبتة ثبوتاً لا يتطرق له الشك المعقول هذه الأقوال التي أدلي بها المجني عليه تعتبر بينة مقبولة تماما ويعتمد عليها كل الاعتماد حسب المنشور الجنائي رقم 14 المؤرخ 15 / 6 / 25
هذا من ناحية ومن ناحية أخري فإن هذه البينات علي اقل تقدير تقلب عبء الإثبات وتنقله من كاهل الاتهام إلي كاهل المتهمة لتتحمله هي وتحاول تفنيد تلك الأدلة وتقديم ما يثبت عكسها أو علي الأقل يزعزعها فهل فعلت المتهمة شيئا من ذلك ؟ لقد اكتفت المتهمة بمجرد الإنكار ولم تحاول قط ان تثبت أن أحدا غيرها هو الذي أصاب المتهم بتلك الضربات القاتلة أو تبرر كيف يمكن أن يصاب المتهم بذلك الأذى في الرأس بدون أن تكون هي التي سببته نتيجة لذلك الصدام المفاجئ الذي حدث بينهما في ذلك اليوم
نخرج من هذا بان الحقيقة الأولى وهي إن المتهمة ضربت المجني عليه بضعة ضربات بآلة صلبة فوق رأئسه تعتبر مثبته أما الحقيقة الثانية وهي عن رابطة السببية بين تلك الضربات وواقعة الوفاة فان الشهادة الطبية لا تترك شكا في أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة لتلك الضربات التي أصيب بها المجني عليه في رأسه وقد يثور جدل عن أن المجني عليه بعدم إسراعه للمستشفي قد ساهم في تسبيب تلك النتيجة ولكن الشرح رقم (2) الوارد تحت المادة 246 من قانون العقوبات يقفل كل باب للتمادي في مثل هذه المناقشة ولا يترك فرصة للمتهمة للتذرع بمثل هذا العذر
بقيت النقطة الثالثة والخاصة بالقصد الإجرامي لقد ضربت المتهمة بقطعة صلبة المتهم علي أم رأسه ضربات عدة ولا يمكن أن يستغرب الشخص العادي وفاة شخص توجه له مثل هذه الضربات بمثل تلك الآلة في مثل ذلك المكان من الجسم بل أن بقاء المتهم واستمرار حياته يكون أدعي للاستغراب وهذا يقودنا لان نقرر بان المتهمة كانت تعلم كأمر مرجح بأن تصرفها الإجرامي ذلك سيؤدي لوفاة المجني عليه
هذه العناصر الثلاثة تثبت مبدئيا جريمة القتل العمد ضد المتهمة وقد استعرضت المحكمة علي عجل بنود المادة 249 عقوبات ولم تجد من بينها ما ينطبق علي ظروف الحادث ولكننا بقليل من التمعن نستطيع أن نري مجالا لتبيق اعتبارات الاستفزاز المفاجئ والخطير كما هي واردة في الفترة الأولى من تلك المادة
القرائن والملابسات كما توصلنا غليها تثبت لنا أن المتهمة قامت بمجهود في صباح يوم ذلك الحادث أحضرت مواد البناء وشرعت في إشادة السور الذي أضاع الكثير من وقتها في السعي لبنائه وفي المنازعات التي ثارت حوله وفجأة تثور المنازعات مرة أخرى ولا تقف في حد الكلام والجدل كما كان في الماضي بل يخرج لها المجني عليه وهو رحل طاعن في السن بالنسبة إليها ويصطدم بها ويصل فجأة غلي حد إزالة ما عملت في تشييده أليس في هذا استفزاز مفاجئ وخطير ومثير للمشاعر الملتهبة الحادة التي تخرج الشخص العادي عن أطواره ؟ أن واقعة تكسير السور وإزالة القش الذي وضعته المتهمة ذكرته المتهمة بنفسها وهنالك ما يشير ألي حدوثها كما يستخلص من شهادة المتحري في المحكمة الذي ذكر أنه وجد ( الصريف مشلعا ) وهذه الحقيقة تؤيدها شهادة شاهد الاتهام الرابع حيث وجد القش مبعثرا والمتهمة تقوم برفعه
أن هذه الواقعة تشكل استفزاز غير متوقع بالنسبة للمتهمة في تلك الظروف إذ أن الشيء الطبيعي كان ان يسارع المجني عليه أو زوجته لشيخ الحلة ليحضر ويري بنفسه ويعمل كما عمل في الماضي لإرجاع المتهمة إلى الحدود التي رسمها لها أن كانت حقا قد تجاوزتها أما أن يفرض المجني عليه سيطرته دون وجه حق ويسعي وهو رجل عاقل ومفروض أن يكون متزنا غلي المتهمة وهي تقف أمامه علي أي حال كامرأة مستضعفة ويعمل علي إزالة ما تعبت في تشييده فان ذلك بلا شك يشكل في نظر الشخص العادي استفزازا مفاجئا وخطيرا وكافيا لان يفقد الشخص معه القوة علي تمالك أعصابه
لقد ارتكبت المتهمة جريمتها تحت تأثير هذا الاستفزاز وبناء عليه وبموجب الفقرة (1) من المادة 249 من قانون العقوبات تنخفض جريمتها إلي مستوي القتل الجنائي ولذا نعدل أدانتها لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات
أما العقوبة فان ظروف المتهمة العائلية التي أشارت لها المحكمة تستلزم الراف وبناء عليها نري أن تكون عشر سنوات سجن ابتداء من يوم 23 يناير 1973

