حكومة السودان ضد موقا كجور
(المحكمة العليا )
القضاة :
سعادة السيد مهدي الفحل نائب رئيس المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا بالإنابة عضوا
سعادة السيد حسن على احمد قاضي المحكمة العليا بالإنابة عضوا
حكومة السودان ضد موقا كجور
م ع/ م ك/129/73
المبادئ:
· قانون العقوبات – الاستفزاز المتراكم – ضرورة صلته بالاستفزاز الذي أدى للحادث – المادة 249 (1)
· قانون الإثبات – القصد الجنائي – يستشف من الأقوال والفعال المصاحبة للحادث
· قانون العقوبات – الاستفزاز الشديد والمفاجئ – أخذ عرف المنطقة في الاعتبار عند تقديره – المادة 249 (1)
1) القصد الجنائي أمر معنوي يستشف من الأقوال والأفعال التي تصاحب الفعل
2) لتحديد ما إذا كان الفعل المشكو منه يشكل استفزازا شديدا ومفاجئا على المحكمة أن تأخذ في الاعتبار المقاييس المحلية كعرف أهل المنطقة
3) لا يستفيد المتهم من الاستفزاز المتراكم الا إذا كان هنالك فعل استفزازي ولو لم يرق إلى درجة الشدة والمفاجأة المطلوبة قد أفضى للحادث حتى يمكن أن يقال انه كان قاصمة الظهر
الحكم:
30/9/1973:
القاضي حسن على احمد
هذه اجراءات محكمة كبرى انعقدت بتوريت بتاريخ 11ر6ر1973 برئاسة القاضي جون اونجي قاضي الدرجة الأولى لحاكمة المتهم موقا كجور تحت المادة 251 من قانون العقوبات لقد وجدت المحكمة الكبرى المتهم مذنبا تحت المادة 251 من القانون المذكور ووقعت عليه عقوبة الإعدام شنقا حتى الموت بتاريخ 12ر6ر73
الحقائق بإيجاز تتلخص في الآتي :
للمتهم إبنة في السابعة عشرة من عمرها غرر بها رجل يدعى "لوبيتي" جاء حديثاً من يوغندا وهربت معه وهو يمت بصلة القربى للمتوفى الذي ساعد لوبيتي هذا في التغرير بتلك الفتاة للهروب معه من منزل والدها المتهم
حسب العرف السائد في المنطقة فان مثل هذا الهروب بالفتاة يعتبر خطوة أولى نحو معرفة رغبة الفتى والفتاة في الزواج من بعضهما وحسب العرف السائد أيضا فإن على الفتى " لوبيتي" أن يدفع لوالد الفتاة تعويضا ماليا وفعلا بعد عشرين يوما من تاريخ واقعة الهروب دفع " لوبيت" ثلاثة جنيهات كتعويض لوالد الفتاة المتهم وقد قبل هذا المتهم هذا التعويض عن طيب خاطر
بعد خمسة أيام من تاريخ دفع التعويض للمتهم أي في يوم الحادث كان المتهم والمتوفى وآخرون يجلسون أمام راكوبة يحتسون المريسة في أثناء ذلك تكلم المدعو " لون قيد تو" وهو شقيق المتهم مع ابن أخيه شاهد الاتهام الرابع وهو ابن المتهم في موضوع هروب أخته مع "لوبيتي" وعنفه في مهاجمته للوبيتي وعزي ذلك إلى أنه لم يكن يعرف أن " لوبيتي" قد دفع التعويض لأبيه المتهم
سمع المتهم الذي كان يجلس بالقرب منهما مع انداده هذه المحادثة وجاء نحوهما ليشترك في المناقشة ولكن ابنه عنفه وطلب منه الا يتدخل في الأمور التي تخص الفتيان انسحب المتهم على أثر ذلك ودخل القطية وأخذ حربة وجاء وطعن بها المتوفى الذي كان يجلس في مجلس الفتيان وهو المجلس الذي كان يضم ابن القتيل وأخاه وآخرين بعد أن طعن المتوفى أخرج الحربة من صدره ورمى بها نحو المتهم وأصابته بجرح في فخذه الأيسر وبعدها اسلم روحه لبارئها
رغم أن جثة المتوفى لم تعرض على أي طبيب أو شفخانة لمعرفة سبب الوفاة حيث أنه تم دفنه بعد موته بعد الحادث مباشرة الا انه ثابت أن المجني عليه مات بعد الحادث مباشرة نتيجة لطعن المتهم له بالحربة على صدره ثبت ذلك مرتين من اعتراف المتهم نفسه إذا أنه قد ذكر للمتحري عند استجوابه له في المرتين في المرة الأولى دون استجواب المتهم على الصفحة التاسعة من يومية التحري وفي المرة الثانية دون على الصفحة الثامنة عشر من يومية التحري ذكر المتهم أن المجني عليه مات بعد أن طعنه بالحربة مباشرة وبعد أن أخرجها الأخير من بطنه وقذف بها المتهم لتصيبه في فخذه واعتراف المتهم هذا بينة مقبولة بعد أن قرأه المتحري وهو على اليمين أمام المحكمة (منشور المحاكم الجنائية نمرة 7) بعض شهود الاتهام أيضا ذكروا عند استجوابهم بواسطة المتحري أن المجني عليه توفى بعد الطعن مباشرة منهم على سبيل المثال شاهد الاتهام الثاني (جوزيف نونو) على الصفحة 19 من يومية التحري
لقد أدانت المحكمة الكبرى المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات بموجب البينات التي اعتقدت في صحتها وبعد تمحيصنا لتلك البينات نوافق المحكمة الكبرى في قرارها بإدانة المتهم تحت المادة المذكورة
لكيما يكون المتهم مرتكبا جريمة القتل العمد يجب أن يكون الفعل الذي سبب الموت قد ارتكب بينة إحداث الموت أو إذا كان مرتكب الفعل عالما بأن الموت نتيجة راجحة لا مجرد نتيجة محتملة لفعله أو لأي ضرر جسماني كان مقصودا إحداثه بذلك الفعل وإلا يكون ذلك الفعل قد ارتكب عند استعمال حق الدفاع الشرعي استعمالا مشروعا ولا يكون هنالك أي من الاستثناءات المنصوص عنها في المادة 249 من قانون العقوبات والتي تخفف القتل العمد إلى القتل الجنائي
القصد الجنائي أو نية إحداث الموت أمر معنوي يصعب الاطلاع عليه ولكنه يمكن أن يستشف من الأفعال والأقوال التي تصاحب الفعل وفي قضيتنا هذه لا نجد كبير عناء في الوصول إلى وجود نية لدى المتهم لإحداث موت المتوفى حيث أن المتهم ذكر عند استجوابه بواسطة قاضي الإحالة انه فعلا قصد قتل المتوفى لأنه ساعد المدعو " لوبيتي" للهروب بابنته ولأنه منعه من أن يعطيه الدجاجة التي جرى العرف بدفعها بعد التعويض
واذا تركنا جانبا اعتراف المتهم بوجود نية مبيتة لديه لقتل المتوفى وامعنا النظر في أفعال هذا المتهم نجد أنه قد سدد للمجني عليه طعنة نجلاء من حربته على صدره وأن تلك الطعنة قد أودت بحياته في الحال وبذلك يكون موته قد جاء نتيجة راجحة لفعل المتهم ذاك لان مسألة ما إذا كان الموت نتيجة راجحة للفعل أو الضرر الجسماني أو نتيجة محتملة فقط مسألة تتعلق بالوقائع ومتروك تقديرها للرجل العادي رغم أن الفارق بينهما من الدقة بمكان ومتروك تقدير ذلك للمحكمة فإن كانت نجاة المجني عليه من الموت تثير دهشة الرجل العادي واستغرابه يقال أن الموت كان نتيجة راجحة للفعل أما إذا كان تخلف الموت ولم يثر دهشته فيقال أن الموت كان نتيجة محتملة فقط ولما كان موضع الأذى في مكان حساس جدا من جسم المجني عليه وهو الصدر ولما كان السلاح الذي استعمل في الطعن هو الحربة المقذوفة نحو صدر المتوفي من مكان قريب جدا من مكان جلوسه بين أترابه فان نجاة المجني عليه من الموت لابد أن تثير دهشة الرجل العادي واستغرابه بدليل أن الموت حدث بعد الطعنة مباشرة وعليه فان المتهم كان يعلم أو يجب أن يعلم أن الموت سيكون نتيجة راجحة لفعله ذلك
المتهم في مجمل أقواله يحاول أن يلقي في روعنا أنه كان واقعا تحت استفزاز شديد افقده السيطرة على نفسه عندما طعن المتوفى بحربته وتسبب في موته أن مسألة ما إذا كان الاستفزاز شديدا ومفاجئا بدرجة تكفي لعدم اعتبار الفعل قتلا عمدا مسألة وقائع ومن البينات الواردة أمامنا لا نجد أثرا لاستفزاز شديد مفاجئ وذلك للأسباب الاتية :
أولا : لقد ذكر المتهم بانه طعن المتوفى لأنه ساعد المدعو "لوبيتي" للهروب بابنته شاهد الاتهام الرابع ( ابن المتهم) افاد بانه لم يكن يعلم بأن المتوفى قد حرض "لوبيتي" للهروب بأخته ولكن شاهدي الاتهام الثاني "جوزيف نونو" والخامس "جوزيف أوبودو" أفادا بأنهما علما بأن المتوفى قد حرض أو ساعد "لوبيتي" للهروب بابنة المتهم ولكنهما لم يذكرا كيف أو من أين استقيا علمهما ذلك واذا سلمنا جدلا بأن المتوفى فعلا قد قام بتحريض أو مساعدة "لوبيتي" للهروب بابنة المتهم فان هذا لا يشكل استفزازا شديدا ويجعله يطعن المتوفى ويسبب موته لأن هذا التحريض قد حدث من قبل خمسة وعشرين يوما حسب ما جاء في إفادة المتهم (شاهد الاتهام الرابع) وهو بذلك لم يكن مفاجئا وهو أيضا لم يكن استفزازا شديدا لأن هروب الفتى مع الفتاة هو عرف سائد في ذلك المجتمع وهو توطئة لقيام علاقة زوجية بين الفتى والفتاة وان هذا الهروب يعقبه حسب عرفهم دفع الفتى تعويضا لوالد الفتاة وقد استجاب " لوبيتي" لدواعي ذلك العرف ودفع للمتهم ثلاثة جنهيات من قبل خمسة أيام من تاريخ الحادث وقد قبلها المتهم عن طيب خاطر وعليه يجب الا يترك ذلك الحادث أثرا في نفس المتهم بعد أن روعيت مقتضيات العرف دعك من أن يترك في نفسه استفزازا شديدا
ثانيا : لقد ذكر المتهم أيضا أن مما أحنقه على المتوفى هو منعه للمدعو " لوبيتي" أن يعطيه دجاجة زعم المتهم أن العرف أيضا جرى بدفعها له بعد التعويض لم يثبت أن هنالك عرفا يقضي بذلك واذا وجد مثل هذا العرف لم يثبت المتهم أن المتوفى فعلا قد قام بمنع " لوبيتي" من إعطائه الدجاجة كما لم يثبت أن المتهم أصلا قد طلب دجاجة من " لوبيتي" وأنه امتنع عن إعطائها له واذا ثبت لدينا أن هناك عرفا يقضي بأن يعطي "لوبيتي" الدجاجة للمتهم بعد التعويض وأن المتوفى فعلا قد منع لوبيتي من دفعها للمتهم فان هذا لا يشكل استفزازا شديدا مفاجئا يفقد السيطرة على نفسه للدرجة التي تجعله يطعن المتوفى ويسبب موته إذ أن الرجل العادي في مثل وضع وعقلية المتهم مهما كان ضعيف الإرادة وغير قادر على كبح جماح نفسه لا يستفزه مثل هذا الحدث ذلك الاستفزاز الشديد ولأنه على حسب ما جاء في أقوال المتهم أن واقعة منع المتوفى "لوبيتي" إعطاء الدجاجة للمتهم قد تم قبل أيام من وقت الحادث وهذا ينفي عنصر المفاجأة
ثالثا : لقد ذكر المتهم أيضا انهم عندما كانوا يعملون في النفير وقبل أن يحضروا لمكان المريسة في يوم الحادث أن المتوفى قال له " أنت رجل كبير ولا تستطيع أن تفعل شيئا " لم يورد المتهم أي بينة لاثبات هذا الزعم وحتى إذا صح ذلك فانه أيضا لا يشكل استفزازا شديدا لأن الرجل العادي في انفعالاته وهدوئه لا يثيره مثل هذا القول وبما أن فترة كافية من الوقت اثر ذلك القول تسمح بأن يفرخ فيها غضب المتهم أن كان فعلا قد اغضب قد مضت فان عنصر المفاجأة أيضا قد انتفى
واذا اعتبرنا أن كل الاستفزازات التي ذكرها المتهم قد صدرت فعلا من المتوفى فهل هي كافية في مجموعها لان تكون " accumulated or repeated provocation" وبالتالي لأن تستفز المتهم ذلك الاستفزاز الشديد المفاجئ للدرجة التي يفقد معها السيطرة على زمام أمره ويقدم على قتل المتوفى ؟ لا أرى ذلك لأنه في الوقت الذي طعن المتهم المتوفى وسبب موته لم يبدر أو يصدر من الأخير أي فعل أو قول يمكن أن يقال انه كان قاصمة الظهر لأن المتوفى كان جالسا ضمن انداده يحتسي المريسة وان المتهم جاء من مجلس آخر ليشترك فيما كان يدور بين ابنه وأخيه من نقاش في موضوع "لوبيتي" وأنه بعد أن طلب منه ابنه الا يتدخل في أمور الشباب وعندما كان المتوفى لاهيا عنه تسلل المتهم داخل القطية واحضر حربة صوبها نحو صدر المتوفى الذي لم ينبس ببنت شفة فيما كان يخوض فيه المتهم وابنه واخوه وعليه لا يمكن أن يقال أن الاستفزازات المتكررة على فرض حدوثها قد أخرجت المتهم عن طوره و أفقدته السيطرة على نفسه لأنه يجب أن يكون هنالك استفزازا ولو لم يرق إلى درجة الشدة والمفاجأة المطلوبة قد سبق حادث الطعن بالحربة وهذا ما لم يحدث
لقد جاء التعليق التالي في كتاب
Gour, Penal Law of India ( 7th ed 1961) p 1417:-
“ It has been sometimes said that, if a person had time to reflect, he could not avail himself of the exception (under the Sudan Penal Code s 249(1) A person may suffer from provocation so grave that he may brood over it , but may refrain from acting He may, again, suffer a provocation which may completely throw him off his balance”
هذا التعليق ووفق عليه وطبق في قضية حكومة السودان ضد قديم رجب على (1962) مجلة الأحكام القضائية ص 127 ومنه يتضح انه يجب أن يتعرض المتهم لاستفزاز ما قبيل وقوع الحادث بالإضافة إلى الاستفزاز أو الاستفزازات السابقة حتى تكون في مجموعها قد تفاعلت لتخرج المتهم عن طوره للدرجة التي تفقده السيطرة على أفعاله وهذا الذي اثبتناه تؤيده السابقة القضائية في قضية حكومة السودان ضد آدم صالح تبن (1962) مجلة الأحكام القضائية ص 730 حيث جاء فيها ما يلي :-
“When it is said that provocation must be sudden, it is not implied that it should have all immediately preceded the homicide in point of time, for a person may be inflamed by repeated or continuous provocation to a state of mind such that the provocation immediately preceding the act is only the last straw In such a case the gravity of the provocation must be measured by what preceded it and not merely by what it amounted to in itself “
على ضوء ما أسلفناه نقرر أن المتهم لم يكن واقعا تحت تأثير استفزاز شديد ومفاجئ عندما طعن المتوفى بالحربة على صدره وسبب موته في الحال وعليه نؤيد إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات كما نؤيد العقوبة الصادرة ضده بالإعدام شنقا حتى الموت
30ر9ر1973 :
القاضي مهدي الفحل :
أوافق
30ر9ر1973 :
القاضي عمر بخيت العوض :
أوافق

