حكومة السودان ضد الطيب موسى بادي
(المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد هنرى رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان ضد الطيب موسى بادي
م ع/ م ك/ 107/73
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية – الاعتراف المدون طبقا لشروط المادة 119 إجراءات
قانون العقوبات – تكرار الاستفزاز الشديد والمفاجئ – المادة 249 (أ)
قانون الإثبات – الاعتراف القضائي – قبول كل الاعتراف – لا يعني تصديق كل جزيئاته – سلطة المحكمة التقديرية في وزنه
1) قبول الاعتراف بصفة عامة لا يعني تصديق كل جزئياته وللمحكمة سلطة تقديرية في إعطاء الوزن والأهمية لبعض الأجزاء دون غيرها
2) عند تعدد اعترافات المتهم يستحق الاعتراف القضائي الأول الوزن الأكبر لمجيئه بعد وقوع الحادث بوقت قصير فالوقائع تكون حية والمؤثرات الخارجية بعيدة عن ذهن المتهم
3) الاعتراف القضائي المدون طبقا لشروط المادة 119 من قانون الإجراءات الجنائية يجب أخذه في البينة كنص الفقرة الخامسة من تلك المادة
4) تكرار الاستفزاز الشديد والمفاجئ يعد تصعيدا له و إذكاء لناره مما يبرر تطبيق المادة 249 (1) عقوبات
المحامون :
قدال فالح محمد ابوعاقلة عن المتهم
الحكم:
30ر8ر1973 :
المحكمة الكبرى التي جلست في المناقل برئاسة السيد احمد محمد عثمان أدانت المتهم الطيب موسى بادي تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقا حتى الموت وذلك بتاريخ 14 مايو 1973
الوقائع الجوهرية كما تثبتها البينات الطفيفة التي قدمت للمحكمة باختصار أن المتهم الطيب موسى بادى في صباح اليوم الثامن من فبراير 1973 التقى بالمجني عليه نور الله بابكر عكاشة في إحدى طرقات "جبرونة" بالمناقل وانهال عليه ضربا في رأسه بعكاز كان يحمله حتى رماه أرضا وقد سلم المتهم نفسه للبوليس وقام البوليس بنقل المجني عليه للمستشفى حيث توفى بعد ساعات من الحادث و أدلى المتهم باعتراف في نفس اليوم تم تسجيله قضائيا بيومية التحري و أوضح فيه أنه والمجني عليه وآخرين اجتمعوا ذات ليلة قبل الحادث وشربوا حتى سكروا وان المجني عليه التقى به بعد تلك الليلة واخبره انه في تلك الليلة وبينما هم سكارى قام بالاتصال به جنسيا وواصل المتهم روايته في الاعتراف القضائي و أوضح بانه انصرف لمنزله بعد سماع تلك القصة وقال المتهم انه في اليوم التالي وبينما كان يحمل الخضار واللحمة لمنزله التقى بالمجني عليه مرة ثانية وكرر المجني عليه الإشارة لذلك الاتصال الجنسي فما كان منه الا أن انهال على المجني عليه ضربا بالعكاز هذا الاعتراف القضائي كرره المتهم أمام قاضي التحقيق ثم أمام المحكمة بعد أن أضاف أخرى تفيد بأن المجني عليه بخلاف الاستفزاز حاول اخذ نقود من المتهم قسرا ثم حاول أيضا ضربه لم يكن هنالك أي شهود عيان لواقعة ضرب المتهم للمجني عليه التي آدت لوفاة الأخير ولم يجد المتهم شهودا ليؤيدوا ما ذكره من أن المجني عليه تحدث معه جهارا وابلغه انه (أي المجني عليه ) قد اتصل به جنسيا عقب تلك الليلة التي اجتمعوا فيها على كؤوس الشراب
تقدم المتهم بطعن عن طريق النقض بواسطة محاميه يقوم على الأسس التالية :
1) أن المحكمة لم تطبق القاعدة التي تلزمها بان تقبل اعتراف المتهم كله ترفضه كله بل لجأت إلى تقسيم الاعتراف الذي أدلى به المتهم فأخذت منه ما يضر بموقفه ورفضت ما يفيده
2) أن المحكمة أعطت وزنا اكبر للاعتراف المسجل بيومية التحري والقانون يمنع قبول أي جزء من يومية التحري كبينة ضد المتهم وكان يجب على المحكمة أن تعول اكثر على الأقوال التي أدلى بها المتهم أمامها
3) الشهادة الطبية بالنسبة لأسباب وفاة المجني عليه غير قاطعة لأنها بنيت على المعاينة الخارجية وليس على التشريح وهنالك شك في أسباب الوفاة اذ ربما تكون نتيجة لأمراض داخلية يجب إعطاء المتهم فائدة هذا الشك
4) الضرب الذي وجهه المتهم للمجني عليه بالعكاز كان المقصود منه تعطيل المجني عليه وليس قتله وقد أخطأت المحكمة عندما توصلت إلى أن المتهم كان يقصد قتل المجني عليه
5) لقد كان المجني عليه هو الذي اعترض طريق المتهم وهو البادئ بالتحرش وبالهجوم ولذا فان المتهم عند ضربه للمجني عليه قد كان في حالة دفاع عن النفس
6) العبارات التي ثبت أن المجني عليه قد وجهها للمتهم تشكل استفزازا خطيرا وقد تزايد هذا الاستفزاز في اليوم التالي من المجني عليه مما اضطر المتهم إلى أن يوجه إليه تلك الضربات وهذا الظرف يستلزم تخفيض جريمة المتهم
7) الموقف الذي نشأ بين المتهم والمجني عليه موقف مشاجرة حادة ومفاجئة وهذا أيضا يستلزم تخفيض درجة جريمة المتهم
8) حالة المتهم وظروفه الخاصة تستدعي تخفيض العقوبة إلى أدنى حد للقاعدة التي أشار إليها السيد المحامي عن عدم جواز تجزئة الاعتراف القضائي وضرورة قبوله بكل حذافيره أو رفضه كله نحيل السيد المحامي إلى كتاب فبسون عن الإثبات (الطبعة التاسعة الصحيفة 271) حيث يقول :
“ The wole confession must in general be taken even though containing matters of credit to the different parts; where, however, a caution had been given and a three hours interrogation followed, Channel J admitted the first part when the caution was fresh , but not the latter parts”
Phipsn on Evidence, 9th ed p 271
أي " أن الاعتراف بأكمله يجب بصفة عامة قبوله بالرغم عن انه يحوي أقوالا مفيدة للمتهم ولكن المحلفين يمكن أن يعطوا أوزانا مختلفة للأجزاء المختلفة
وعلى أية حال قد حدث من القاضي تشانيل انه بعد تحذي المتهم وتوجيه الاستيضاحات له لمدة 3 ساعات قبل الجزء الأول من الاعتراف عندما كان التحذير لا يزال أثره قويا في ذهن المتهم ورفض قبول الأجزاء الأخيرة "
أن قبول الاعتراف بشكل عام لا يعني بالضرورة تصديق كل جزيئاته والمحكمة بعد قبول الاعتراف لها سلطة تقديرية مطلقة في إعطاء كل الوزن والأهمية لبعض الأجزاء وعدم إعطاء أي وزن أو التفات للأجزاء التي تشير الدلائل إلى أن المتهم حشرها لتبرير أفعاله
أما الدفع الذي أثاره محامي الدفاع لعدم قبول الاعتراف المدون في يومية التحري فمردود عليه بأن ذلك الاعتراف قد دون بمقتضى أحكام المادة 119 من قانون الإجراءات الجنائية فمتى استوفت شروط تلك المادة يجب أخذ الاعتراف في البينة حسب منطوق الفقرة الخامسة من المادة المشار إليها
أن هذا الاعتراف القضائي الأول هو الذي يستحق عادة الوزن الأكبر لأنه يجئ بعد وقوع الحادث بوقت قصير والوقائع لا تزال حية تنبض في ذهن المتهم والتأثيرات الخارجية لا تزال بعيدة عنه
أما عن النقطة الخاصة بالشهادة الطبية فأننا نختلف تماما مع السيد المحامي بخصوصها ونرى انها قاطعة وتؤكد أن سبب الوفاة هو النزيف الداخلي الناتج من الكسر الذي أصاب جمجمة المجني عليه في ذلك اليوم
والنقاط الأخرى التي أوردها السيد المحامي سنتعرض لها عند مناقشتها للقرارات التي توصلت لها المحكمة
لقد وجدت المحكمة ونحن نتفق معها في هذا أن المتهم باعترافه قد ضرب المجني عليه عدة مرات في رأسه بالعصا التي كان يحملها وان وصف الضربات وطريقة توجيهها والأثر الذي تركه في الأماكن الخطيرة من جسم المجني عليه يستدل منه علم المتهم بأن وفاة المجني عليه ستكون نتيجة مرجحة وليس مجرد محتملة لتلك الضربات وأن رابطة السببية بين الضربات وواقعة الوفاة متصلة اتصالا وثيقا لا يتحمل الأخذ والرد وذلك حسب الشهادة الطبية وعلى ضوء القرائن المستقاة من وفاة المجني عليه بعد ساعات قليلة من ضرب المتهم له هذه القرارات تقودنا إلى أن جريمة المتهم في المكان الأول هي جريمة قتل عمد ما لم تتدخل في المكان الثاني إحدى بنود المادة 249 من قانون العقوبات لتخفيض درجتها
ومن تجل مناقشة بنود المادة 249 من قانون العقوبات نقرر بداية أن اساس مناقشتنا لها سيكون الاعتراف القضائي الذي أدلى به المتهم بعد الحادث مباشرة والمسجل بيومية التحري هذا الاعتراف هو البينة الأساسية التي توفرت لنا لتوضيح الوقائع من البداية للنهاية وهو بكونه أول بيان يدلي به المتهم وحسب قربه من وقت الحادث وقد جاء في وقت كان فيه المتهم خاليا من التأثيرات الخارجية يعتبر مستحقاً للوزن الأكبر بين الأقوال الأخرى التي أدلى بها المتهم بعد ذلك
هذا الاعتراف يعطينا الحقائق الأساسية ويصور لنا الهيكل العام للوقائع منذ بدايتها الى حين وقوع الضربات التي أودت بحياة المجني عليه وحسب القاعدة الخاصة بقبول الاعتراف القضائي الأول ولا نحاول أن نرفض جزءاً من أجزائه ما لم ترد بينة تفوقه في الوزن وتحتم علينا إغفال الأجزاء التي لا تتفق مع تلك البينة
المتهم ذكر أن المجني عليه أكد له أنه قد اتصل به جنسيا في ليلة سابقة وهما في حالة سكر والشهود الذين استمعت لهم المحكمة لم ينفوا هذا الحادث وانما نفوا استماعهم له ولم ترد أي بينة تشير إلى أن المتهم قد اختلق هذا الجزء من الرواية بل الدلائل تشير إلى صدقه فقد كانت هناك فعلا ليلة سكر صاخبة جمعت بين المتهم والمجني عليه وقد كانت هناك أيضاً مقابلة بين المتهم والمجني عليه في يوم تلا تلك الليلة وقص علينا المتهم أنه انصرف لمنزله وفي اليوم التالي توجه للسوق واشترى متطلباته من الخضر واللحم هذه الواقعة التي وردت أدلة تؤكدها تستحق التوقف عندها وهي تعتبر كقرينة تثبت عدم سبق الإصرار إذ لا يعقل أن يذهب شخص للسوق لشراء لحمة و خضاره ولوازم بيته وهو عازم على إزهاق روح شخص آخر سيسعى لملاقاته في طريق عودته للبيت
هذه الواقعة تؤيد لنا إن مقابلة المتهم للمجني عليه صبيحة يوم الحادث كانت مصادفة بعد هذا ليس هنالك قط ما يدفعنا لعدم متابعة رواية المتهم وقبول ما ذكره عن حدوث تجدد للاستفزاز استفزازاً خطيراً حسب كل المقاييس ويدفع الشخص العادي لأن يفقد سيطرته على أعصابه لأن فيه جرحا لرجولة وكرامة المتهم وقد كان المتهم بحق حليما ومتزنا عندما تغلب على ذلك الاستفزاز في اليوم الأول ولم ينسق له ولكن من الطبيعي أن يظل متأثراً بما قاله له المجني عليه حتى اليوم التالي وحتى ساعة لقائهما وأن اي إشارة أو تلميح من المجني عليه لموضوع البارحة تعتبر كافية جدا لتجديد الاستفزاز بل وتصعيده وإزكاء نيرانه وهنالك انهال المتهم ضربا على المجني عليه بالعصي الوحيدة التي كان يحملها
هذه الوقائع المستخلصة من الاعتراف القضائي الأول للمتهم والتي وردت بينات أخرى غير مباشرة تؤيد أجزاء منها تستلم اعتبار التصرف الإجرامي الذي بدر من المتهم كتصرف منبعث من حالة استفزاز مفاجئ وخطير كالذي تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات وبالتالي يصبح لزاما تخفيض درجة جريمة المتهم الى القتل الجنائي وليس العمد وبناء عليه نعدل إدانة المتهم إلى إدانة تحت المادة 253 من قانون العقوبات
والعقوبة أيضا نأخذ في الاعتبار عند تقديرها نوع ومدى هذا الاستفزاز الخطير الذي وجهه المجني عليه للمتهم وقد كان في غنى عنه وهو في حد ذاته لينم عن طبيعة المجني عليه المستهترة
ونأخذ أيضا في الاعتبار ما ورد بأقوال شهود الأخلاق الذين قدمهم المتهم واثبتوا حسن سيرته واستقامته وطيب معشره
ونأخذ أيضا في2 الاعتبار بياض صفحة سوابقه
وعلى ضوء ذلك نخفض عقوبته إلى أربعة عشر سنة سجنا ابتداء من الثامن من فبراير 1973

