حكومة السودان ضد ابراهيم محمد على
(المحكمة العليا)
القضاة :
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان ضد ابراهيم محمد على
المبادئ:
قانون العقوبات – الاستفزاز المتراكم – امتداد للاستفزاز الذي أدى للحادث – المادة 249(1)
قانون العقوبات – الإثارة الفجائية العنيفة – العبرة ليست بالموقف وتفاصيله ولكن العبرة بالمشاعر التي يولدها الموقف والظروف المحيطة به – المادة 249 (1)
1) العبرة في الإثارة الفجائية العنيفة ليست بنوع الموقف أو تفاصيله ولكن العبرة بالمشاعر التي يولدها الموقف والمشهد المحيط به في نفس المتهم وبتكاتف الظروف الكافية لجعل الشخص العادي يفقد توازنه وقدرته على ضبط أعصابه
2) ابداء المشاعر العاطفية الصريحة نحو زوجة المتهم على مشهد من الناس يعتبر خروجا على التقاليد المتعارفة وأمرا مثيرا لأي شخص عادي بحكم نخوته وغيرته نحو زوجته
3) الاستفزازات السابقة للحادث تولد ما يسمى بالاستفزازات المتراكمة وهي التي تجعل المتهم في حالة غليان قابل للانفجار لدى أدنى استفزاز يمسه من اشخص الذي تسبب في ذلك التراكم
المحامون :
محمود عز الدين عن المتهم
الحكم:
12ر7ر1973:
المتهم ابراهيم محمد على جرت محاكمته أمام محكمة كبرى جلست في بار برئاسة السيد يوسف عثمان بشير ومن بعده السيد أحمد محمد حسن أبو الناس وقد أصدرت المحكمة قرارها برئاسة القاضي الأخير يوم 27/3/1973 وهو يقضي بإدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات وبإعدامه شنقاً حتى الموت
يطعن السجين في الحكم عن طريق النقض على أساس أن المحكمة برفضها تطبيق الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات على حالته قد خالفت القانون
الحقائق الجوهرية بإيجاز كما تثبتها البينات هي أن المتهم وهو في العقد الخامس كان متزوجا من امرأة صغيرة وكان يزورها المجني عليه في المنزل وهو شاب صغير وقد حذر المتهم زوجته من زيارات المجني عليه الذي تربطه بها صلة قرابة وفي يوم الحادث كانت الزوجة تغني وتصفق في منزل به حفلة فرح مع نساء أخريات وكان الناس كثيرون ووقف المتهم مع آخرين يستمع للغناء ورأى المجني عليه يدخل حلبة الغناء ويضع يده فوق راس الزوجة وهو في حالة هياج عاطفي وتحمس ووضع المجني عليه يده الأخرى على سكينه تعبيراً عن انفعاله واندفع النسوة ومن بينهن زوجة المتهم يمسكون بالسكين لئلا يستلها وكان المشهد ينم عن المشاعر التي أراد المجني عليه إظهارها نحو زوجة المتهم ومقدار تعلقه بها وتفضيلها على كل الحاضرات وأنه مستعد أن يفديها بالدماء
وهنا اندفع المتهم فجأة وأغمد سكينه في صدر المجني عليه وتسببت تلك الطعنة في وفاة المجني عليه
والبينات تثبت واقعة الطعن المعترف بها وتثبت علاقة السببية بين الطعنة والوفاة وقد ناقشت المحكمة الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 من قانون العقوبات بإسهاب ولم تجد من بينها ما يمكن أن تطبقه على حالة المتهم وخرجت من ذلك بأن الإدانة الصحيحة للمتهم هي تحت المادة 251 من قانون العقوبات
أننا نتفق مع المحكمة في أن اعتبارات المشاجرة المفاجئة واعتبارات حق الدفاع الشرعي عن النفس لا محل لهما في هذا الحادث ولكننا نرى أن المحكمة لم تصب بعدم منحها للمتهم فائدة الاستثناء الخاص بالاستثارة العنيفة والمفاجئة
لقد رأت المحكمة أن :
وضع المجني عليه ليده في رأس زوجة المتهم والحركات التي قام بها أمام ذلك الجمع من لناس لإظهار إعجابه وهيامه بزوجة المتهم يعد أمراً لا يدعو للإثارة العنيفة حسب القواعد الأخلاقية في تلك البيئة التي وقع فيها الحادث
2-المتهم كان يعلم من قبل عن تعلق المجني عليه بزوجته وبدرت منه عبارات أكثر إثارة من الموقف الأخير ولم يثر المتهم نتيجة لها هذا يجعل التصرف الأخير الذي بدر من المجني عليه غير فجائي وغير غريب بالنسبة للمتهم
3-الحالات التي يستحق فيها الزوج المعاملة على أساس الاستفزاز المفاجئ والعنيف هي الحالات التي يجد فيها الزوجة في موقف تلبس مع المجني عليها ولا غير ذلك
ونحن نرد على هذا الرأي الأخير أولا بأنه لا أساس له في القانون ولا في السوابق وقد درجت المحاكم على منح فائدة الاستثناء النابع من الإثارة المفاجئة لأزواج في مواقف مختلفة غير المواقف التي يجدون فيها زوجاتهم في حالات التلبس والعبرة هنا ليس هي بنوع الموقف أو تفاصيله ولكن العبرة بالمشاعر التي يولها الموقف والمشهد المحيط به في نفس المتهم وهل الظروف بشكل عام تتكاتف لتجعلنا نشعر بنها كافية لتفقد الشخص العادي توازنه وضبط أعصابه ؟ هذه هو المعيار كما يصفه راتنلال بوضوح في صفحة 766 من كتابه قانون الجرائم بالطبعة الواحدة والعشرين
أما عن الحركات التي بدرت من المجني عليه في يوم الحادث خلال حفلة الغناء فلقد شهد شاهد بأنها غير طبيعية وتعتبر خروجا عن التقاليد المتعارفة وجاء الوصف العام لتلك التصرفات بأنها إبداء صريح لمشاعر عنيفة نحو زوجة المتهم الأمر الذي يعتبر حسب المعايير المتعارفة مثيراً لأي شخص عادي ومهتاج لنخوته وغيرته نحو زوجته وقد بدأ من المتهم ما يؤكد تعلقه بها في مناسبات سابقة وقد وصل في إحدى تلك المناسبات حد التعبير الصريح عن كراهيته لزوجها المتهم وانه يقف حائلاً بينهما وقد رأت المحكمة في هذه الوقائع ما يجعل الحادث الأخر الذي أرتكبه المجني عليه مع الزوجة حادثاً عاديا لا ينطبق عليه وصف الإثارة المفاجئة أو العنيفة ولكن العكس هو الصحيح إذ أن تلك التصرفات السابقة تولد ما يسمى بالاستفزازات المتراكمة والتي تجعل المتهم في حالة غليان قابل للانفجار لدى أدنى شرارة تمسه من الشخص الذي تسبب في ذلك الترام وهذا هو ما حدث تماماً بالنسبة للمتهم فقد تكرر تحدي المجني عليه وتردده على زوجته وازدياده اقترابا منها وقد اصبح المتهم بلا شك في حالة حساسية شديدة من ناحية المجني عليه وعندما شاهده يتجاوز حدود الستر ويصل إلى درجة العلانية والمجاهرة أمام ذلك الجمع الحاشد بحبه وإعجابه بزوجته اندلعت الشرارة التي أوقدت نار غيرته وأعمت بصيرته ودفعته عن عدم وعي لإغماد سكينه في صدر المجني عليه أن راتنلال في شرحه لموضوع الإثارة المفاجئة بالصفحة 766 وما يليها من كتابه قانون الجريمة بالطبعة الحادية والعشرين يصف هذه الحالة أبلغ وصف ويجعلنا نقرر بلا شك منح المتهم فائدة الفقرة الأولي من المادة 249 من قانون العقوبات وبالتالي نخفض جريمته إلى درجة القتل الجنائي ونعدل إدانته لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات
أما بالنسبة للعقوبة فأن هذه الاستثارة الحادة والعميقة التي بدرت من المجني عليه نحو المتهم تتدخل بلا شك أيضا لتخفيف ما يستحقه المتهم من عقاب ولكننا نلاحظ من الناحية الأخرى أنه مجرم سبق له أن مارس القتل من قبل وصفحة سوابقه تتحدث عن ذلك ولابد من التشديد في هذه الجريمة المماثلة الثانية التي يرتكبها وبموازنة هذين الاعتبارين نرى تعديل عقوبته لتكون السجن المؤبد ابتداء من 29ر4ر71

