إبراهيم محمود //ضد// مسبك الخرطوم المركزي
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / أحمد البشير عبد الهادي قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد / محي الدين سيد طاهر قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد / عباس خليفة محمد قاضي المحكمة العليا عضوا
الأطراف :
إبراهيم محمود طاعن
// ضد //
مسبك الخرطوم المركزي مطعون ضده
النمرة م ع/ط م/824/1999م
قانون براءات الاختراع لسنة 1971م – الاختراعات التي يخترعها الموظف لصالح مخدمه يوجب المكافأة وليس التعويض عند الاستعمال – المادة 10 من القانون
استعمال المخدم لاختراع الموظف لا يعد تعدياً أو انتهاكاً لحقوق الموظف المخترع المادية والأدبية وبالتالي لا يعد فعلا غير مشروع يوجب التعويض لأن المخدم هو الذي أتاح للموظف الحصول على البيانات أو سمح له باستخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرفه بحكم وظيفته للوصول إلي الاختراع
قانون براءات الاختراع في المادة 10 من نظم حق المخترع الموظف في أن ينال جزاءه عن ثمرات جهده بأن خوله حق تقاضي مكافأة مالية يراعى في تقديرها مقدار المرتب وأهمية الاختراع الذي منحت عنه البراءة
المحامون :
الأستاذ / محمد الحاج محمود عن الطاعن
المحامي العام عن المطعون ضده
الحكـــــم
في 4/7/1991 رفع الطاعن الدعوى المدنية موضوع هذا الطعن في مواجهة المطعون ضده أمام محكمة المديرية بالخرطوم تأسيساً على أنه مالك براءة الاختراع بالرقم 376 وأن المطعون ضده قد استعمل الابتكار – الذي توصل إليه في أعماله الصناعية دون ترخيص من قبله ودون مراعاة لحقوقه المادية والأدبية لذلك فإنه يلتمس الحكم بتعويض قدره عشرة ملايين جنيهاً واحتياطياً الزام المطعون ضده بأن يدفع له سبعة ملايين جنيه على سبيل المكافأة على اختراعه
أنكر المطعون ضده دعوى الطاعن بحجة أن ما قام به الأخير يدخل في صميم واجباته المهنية أو الوظيفية ولا يستحق عليه تعويضاً استناداً إلي المادة (24) من قانون براءات الاختراع لسنة 1971م
وبعد الاستماع إلي الطرفين أصدرت محكمة الموضوع حكمها بشطب الدعوى ركوناً إلي الدفع الذي أثاره المطعون ضده علاوة على موافقة الطاعن الضمنية على استعمال البراءة تسقط حقه في التمسك بمنع استعمالها خاصة وأن الاختراع قد أصبح متاحاً للعامة مما لا يتيح أي فرصة للحماية
ألغت محكمة الاستئناف بالخرطوم هذا الحكم نتيجة الاستئناف الذي قدمه الطاعن أمامها بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى مجدداً وفق توجيهات محددة أهمها الاستيثاق عن طريق الخبرة الفنية عما إذا كان اختراع الطاعن معمولا به لدي المطعون ضده وأن الأخير يستعمل بالفعل الخلطة التي ابتكرها الطاعن وما هي المدة التي ظل المطعون ضده خلالها يستعمل الخلطة المذكورة توطئة لتقدير التعويض تعويلا على عنصر الاستعمال ومداه إلا أن محكمة الموضوع قد أعادت تأكيد قناعتها السابقة بأن دعوى الطاعن لا أساس لها وأن الخلطة المستعملة لدي المطعون ضده ليست هي الخلطة التي ابتدعها الطاعن , ولقد وجد هذا الحكم حظه من التأييد أمام محكمة الاستئناف المختصة استناداً على حقيقة أن الاستعمال السابق على تسجيل البراءة مما يتطلبه واجب الطاعن المهني في تطوير العمل بالمسبك أما الاستعمال التالي على التسجيل فإنه مما يستحق عليه الطاعن التعويض الذي يطالب به لولا استحالة ذلك بناء على واقعة عدم استعمال الابتكار وفقاً لما جاء في بينة الخبير
ضد هذا الحكم جاء الطعن بالنقض الذي تتلخص أهم أسبابه في أن التوجيه السابق الصادر من محكمة الاستئناف قد انصب حول كيفية تقدير التعويض المستحق بعد الاستماع إلي خبير في هذا الخصوص إلا أن الخبيرين الذين استمعت إليهما محكمة الموضوع والذين تلقيا إفادتهما من المطعون ضده قد أكدا على عدم استعمال الاختراع من وقت توجيه الإنذار بعدم الاستعمال وحتى رفع الدعوى في حين أنهما لم يكونا موجودين في هذا التاريخ بينما أكد الفنيون المباشرون للعمل داخل المسبك أنهم يطبقون خلطة الطاعن
أعلن المطعون ضده للرد عليه عن طريق النائب العام الذي أودع رده مؤكداً صحة الحكم المطعون فيه من حيث استناده إلي بينة الخبير ولا يجوز للطاعن أن يقدح في شهادته كما أن الطعن لم يكشف عن وجه مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون كما هو مطلوب وفق المادة (207) من قانون الإجراءات المدنية
إن هذا النزاع واضح المعالم وجنوح الدفاع الذي أثاره المطعون ضده والذى كان يجب تأطيره وفقاً له قد تشعب وانحرف مساره بسبب تسرب إصلاح (الاستعمال) إليه والذي يبدو أن محكمة الموضوع لم تستوعب المقصود منه استيعاباً كافيا , لأن دفاع المطعون ضده يتضمن في أحشائه اعترافاً بالاستعمال صحبه دفاع موضوعي بأن ذلك ما يقتضيه واجب الطاعن الوظيفي بوصفه عاملا لدى المطعون ضده وإلا فما جدوى إثارة مثل هذا الدفع في ظل عدم استعمال الابتكار لذلك فإن الافتراض المنسجم مع المنطق هو أن المطعون ضده قد استعمل الاختراع تعويلاً على أن من حق المخدم أن يستخدم الاختراعات التي يبتكرها المستخدم وإلا لاتخذ دفاع المطعون ضده منحى آخر وهو عدم حاجته لهذا الابتكار وبالتالي عدم استعماله الأمر الذي يسبغ على عدم الاستعمال أهمية خاصة في هذا السياق مع الإبقاء على السؤال المشروع والجائز عن جدوى الابتكار الذي لا يخدم غرضاً للمخدم فلا يستعمله وذلك لأن مثل هذا السؤال – المتعلق بواقعة الاستعمال من عدمه لا يشكل أي عنصر ذي أهمية في حسم مقطع النزاع بين الطرفين الذي يدور حول حق المطعون ضده في استعمال الابتكار باعتباره عملاً مشروعاً بحكم العلاقة التي تربط بين الطرفين والتي جعل منها القانون طرفاً لنفي أية مسئولية ناشئة عن هذا الاستعمال , لذلك فإن كل الجهد الذي بذلته المحكمتان الأدنى درجة لتأكيد أو نفي الاستعمال لم يكن له ما يبرره وبالقدر نفسه فإنه لا سند لما ذهبت إليه محكمة الاستئناف من محاولة التفريق بين الاستعمال السابق على تسجيل الاختراع وبالتالي عليه حتى ولو جاءت في معرض وضع المعيار للتعويض قائم على مدى هذا الاستعمال والوقت الذي استغرقه لأن التعويض أصلا لا يقوم إلا على الاستعمال غير المشروع المستند إلي التحدي وانتهاك حقوق الطاعن المادية والأدبية وهو أمر غير متصور في مثل هذه الحالة بالنظر إلي العلاقة الوظيفية التي تربط طرفي النزاع كما تقدم
وعلى أساس التكييف الصحيح لدفاع المطعون ضده والذي لا علاقة له بالاستعمال من عدمه بتلك الصورة التي أضفتها عليه المحكمتان الأدنى درجة والذي يفهم منه أن الاستعمال بغرض ثبوته لا يترتب عليه أية مسئولية ينشأ عنها أي تعويض ناهيك عن امتناع المطالبة به وفي حالة عدم الاستعمال فإن السؤال المشروع يتعلق بمدى صحة الدفع الذي أثاره المطعون ضده في القانون
ولقد جاءت الإشارة إلي المادة (24) من براءات الاختراع لسنة 1971م باعتبار أنها هي التي تنظم مثل هذه العلاقة بين صاحب البراءة ومخدمه ومن يمعن النظر في مفرداتها وصياغتها ينبئ بجلاء أن هذه المادة تعالج حالة أخرى لا صلة لها بكيفية تنظيم تلك العلاقة حيث تكلفت هذه المادة ببيان حق من كان يستقبل مضمون البراءة قبل أن يشرع صاحب البراءة في تسجيلها باسمه فكفل له القانون حق الاستمرار الاستغلال رغم صدور البراءة أما النص المنطبق فهو المادة (10) من نفس القانون التي تنظم الاختراعات الناشئة عن تكليف أو التي يخترعها موظف حسبما يقول عنوان المادة والتي تقرأ على النحو التالي :-
(1) مع مراعاة القانون الخاص بالعقود التي تنص على تكليف بالقيام بعمل معين , وبعقود الاستخدام , وما لم توجد أحكام تعاقدية مخالفة , يكون الحق في البراءة في اختراع ناشئ عن تنفيذ العقد للشخص الذي أصدر التكليف بالعمل أو للمخدم)
(2) يطبق الحكم السابق إذا كان خلواً من النص على تكليف الموظف ببذل جهد في الابتكار , ولكن يثبت أن الموظف قد توصل إلي اختراعه بالرجوع إلي البيانات أو باستخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرفه بحكم وظيفته
وإذا جاز لنا التجاوز عن المعنى الذي يثيره في الذهن عبارة (الاختراعات التي يخترعها الموظف) بحيث يتسنى لنا صرفها أو حملها على معنى آخر لا يقود إلي نسبة الحق فيها إلي المخدم أو المنشأة التي يعمل فيها ذلك الموظف , بالادعاء بأن الصفة الوظيفية وحدها لا تكفي لربط ابتكار الموظف بصاحب العمل فإننا لا نستطيع حمل عبارة المخدم على غير معناها الوارد في النص بحيث يكون المعنى متسقاً تماماً مع أن الحق في البراءة يكون للمخدم إلا إذا كان هناك ثمة عقد خاص ينظم ويحكم قيام الموظف المعني بالعمل محل البراءة يسمح بأن تكون البراءة خالصة له وذلك على الرغم من أن مطلق وصف الموظف يصدق على الطاعن
ولما كان مناط منح التعويض الذي يطالب به عن الطاعن هو التعدي على حقه في البراءة واستغلاله من الغير دون موافقته فإن المطعون ضده أما بوصفه مخدماً للطاعن أو كونه الجهة التي أتاحت له الحصول على البيانات أو سمحت له باستخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرفه بحكم وظيفته لا يكون مرتكباً أي فعل مخالف للقانون إذا عمد إلى استعمال مكونات البراءة باعتبار أن القانون قد أضاف إليه الحق في الاختراع بموجب الفقرتين (1) و(2) من المادة (10) من القانون ما يجعل مطالبة الطاعن بالتعويض بلا أساس
ولكن ولما كان القانون ومن خلال المادة (10) نفسها قد نظم حق الموظف المخترع في أن ينال جزاءه عن ثمرات جهده بأن خوله حق تقاضي مكافأة مالية يراعى في تقديرها مقدار المرتب وأهمية الاختراع الذي منحت عنه البراءة , على أن تحدد المكافأة عن طريق المحكمة في حالة عدم وجود اتفاق بين الطرفين مع ملاحظة أن هذه الميزة في استيفاء المكافأة لا يجوز المساس بها أو الاتفاق على إنقاصها عن طريق التعاقد (الفقرتان (3و4))
ولما كانت دعوى الطاعن قد اشتملت على المطالبة بالمكافأة كطلب احتياطي فأنه ليس من مقتضيات الدفاع الذي تمسك به المطعون ضده حرمان الطاعن من المكافأة المشار إليها حتى ولو كان من شأنها رفض طلب التعويض الأمر الذي يجعل الحكم المطعون فيه الصادر بشطب الدعوى بكاملها دون تفريق بين الطلبين الأصلي والاحتياطي حكماً مخالفاً للقانون واجبا إلغاءه خاصة وأن الحكم المضمن في المادة (10) قد اكتسب بعدا دولياً له مدلوله باعتماد الحكم نفسه عن طريق استعمال المصطلحات نفسها من قبل الجامعة العربية من خلال القانون النموذجي للدول العربية في شأن الاختراعات حيث تعتبر المادة (10) من القانون المذكور ترديداً حرفياً لما ورد بالمادة (10) من قانون براءات الاختراع لسنة 1971م
لكل ما تقدم ولما كان حق الطاعن في أن يستوفي مكافأة حسب المعايير الواردة بالفقرة (3) من المادة (10) من القانون ثابتاً وغير قابل للإنكار وجاء طلبه بشأنها صريحاً في عريضة الدعوى فإن الرأي هو مقبول هذا الطعن في موضوعه ونقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر في مقدار المكافأة التي يستحقها الطاعن على أن تتبع الرسوم النسبية على الطلب الاحتياطي النتيجة النهائية للحكم في ذلك الطلب
القاضي : محي الدين سيد طاهر
التاريخ : 18/2/2000م
القاضي عباس خليفة القاضي أحمد البشير الهادي
التاريخ : 25/3/2000م التاريخ 28/3/2000م

