حسين الفكي البشير //ضد// الزاكي الزين وآخرين
المحكمة العليا
دائرة المراجعـة
الدائرة :
سعادة السيد/ عبيــــد حـــاج علــي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمـد محمود أبو قصيصـــة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ الطيــب أحمـــد محمـــد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ حســين عوض أبو القاســـم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ أحمد البشـير محمد الهـــادي قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
حسين الفكي البشير طاعن
// ضد //
الزاكي الزين وآخرين مطعون ضدهـم
( م ع/ط م/256/1996م )
مراجعـــة 50/1998م
المبادئ:
قانون المعاملات المدنية - الأراضي الحكومية التي سبق التصرف فيها عن طريق الحكومة - الاختصاص في النزاع فيها
قانون المعاملات المدنية - الأراضي الحكومية التي لم تتدخل فيها الحكومة بأي صورة من الصور - الاختصاص في النزاع فيها
1- الأراضي الحكومية غير المسجلة والتي اعتبرت بنص المادة 559(1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وكأنها سجلت في اسم الحكومة :
(أ ) إذا تدخلت فيها الدولة بصورة من الصور وعلي مستوي من مستوياتها المختلفة واتخذت بشأنها تدبيراً ما كالمنح أو التخصيص أو التخطيط أو الحجز الخ مما يندرج تحت المواد 561 - 566 (شاملة) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م لا تختص في النزاع بشأنها المحكمة الجزئية إنما يكون الطعن فيه إداريا إلي نهاية السلم الإداري ثم يكون الاختصاص من بعد ذلك للمحكمة الإدارية وهذا ما قضت به المحكمة العليا في : م ع/ط م/280/1997م عثمان محمد أحمد حماد وآخرون /ضد/ محمد أحمد سليمان
(ب) فإذا لم تتدخل فيها الدولة بأية صورة من الصور بل تركتها لمواطنيها يستغلونها بسلام وإلي حين فإن أي نزاع بشأنها تختص به المحكمة الجزئية أو الجنائية بحسب الحال
2- في أي نزاع بين المواطنين بشأن أي أرض حكومية غير مسجلة تعتبر الحكومة طرفاً مناسباً فحسب وعلي المحكمة العمل بموجب صلاحياتها الاختيارية الواردة في المادة 95 إجراءات مدنية والأمر بضم الحكومة إذا ما رأت ذلك ضرورياً بالنظر إلي حجم النزاع وأطرافه وطبيعة الأرض ونوعها وأي مهدد أمني قد يعترض سبيل تنفيذ أي حكم قد يصدر منها ويمكنها استصحاب المادة 34 إجراءات مدنية بإخطار الحكومة
ملحوظة المحرر :
في م ع/ط م/301/1992م صالح سليمان رحمه //ضد// فتح الرحمن عثمان (غير منشورة)
قضت المحكمة العليا بأن ضم الدولة في الدعوى عملاً بأحكام المادة 559 (1) معاملات مدنية يكون في حال وجود نزاع في ملكية الرقبة ولا علاقة للدولة بالنزاع في حق الانتفاع لأنه حق فرعي وغير أصيل ولا يمت لملكية العين أو الرقبة بصلة
المحامون :
الأستاذ/ منير مصطفي عقارب عـن الطاعن
الأساتذة/ عوض عبد النبي وآمال حسين الزين عن المطعون ضدهم
الحكم:
صرحت هذه الدعوى في محكمــــة شنـــدي الجزئيــــة بولاية نهر النيل تحــــت الرقـــم ق م/266/92 بتاريخ 9/8 /1992م (تاريخ دفع الرسوم) في مواجهة المدعي عليهم علي أساس أن المدعين يحوزون الأرض غير المسجلة الحكومية الواقعة بمنطقة مشروع قندتو الزراعي بجهة الحوش والبالغ مساحتها 65/12 فداناً وهي تقع قصاد السواقي 11 و 12 و 13 الحوش ويحدها من جهة الشمال الحواشة 19 كروده ومن الجنوب الحواشة 20 كروده ومن جهة الغرب أرض المدعي عليهم ومن الشرق أرض العجب الزين - وحيازة المدعين لهذه الأرض حيازة هادئة وعلنية ومستمرة وبسبب صحيح في مفهوم إحياء الموات منذ عام 1957م وفي نوفمبر 1991م اعترض المدعي عليهم حيازة المدعين بالشكاوي تارة ومعارضة زراعتهم ولذلك يطالبون في عريضة الدعوى أن تصدر المحكمة أمراَ بمنع المدعي عليهم من التعرض للأرض موضوع النزاع وإعلان حقهم بالانتفاع بها بالإضافة إلي الرسوم والأتعاب
كان المدعي عليهم في هذه الدعوى أربعة أشخاص ثم قُدِم طلب لضم 22 شخصاً كمدعي عليهم في الدعوى إلا أن المحكمة رفضت ذلك وفي مرحلة لاحقة قيدت دعوى فرعية في مواجهة المدعين أصلياً علي أساس أن المدعين فرعياً يحوزون أرض النزاع منذ عشرات السنين وينتفعون بها وهي أرض موات وتعدي عليها المدعي عليهم فرعياً برفع الشكاوي والدعاوى في نهاية عام 1991م ويطالبون بتقرير الحق لهم وحمايته من تعدي المدعي عليهم فرعياً كما يطالبون بالرسوم والأتعاب وبعد الرد حددت المحكمة الإقرارات ونقاط النزاع وسمعت الدعوى وبتاريخ 3/6/1995م صدر الحكم بثبوت حيازة المدعين لأرض النزاع كما صدر أمر بمنع المدعي عليهم من التعرض لها
قضت محكمة استئناف ولاية نهر النيل بقرارها أ س م/197/95 بتاريخ 1/4/1996م بشطب استئناف المدعي عليهم إيجازياً وكذلك المحكمة العليا بقرارها م ع/ط م/259/96 بتاريخ 4/10/1997م
تقدم لهذه المحكمة الأستاذ منير مصطفي عقارب المحامي ونيابة عن المدعي عليهم بطلب لمراجعة حكم المحكمة العليا وبني أسبابه علي الآتي :
1- خالفت المحكمة العليا السابقة القضائية عثمان محمد أحمد حماد وآخرين بالرقم م ع/ط م/280/97 - والتي تقرر أن الاختصاص ينعقد للأجهزة الإدارية لنظر النزاعات في الأراضي غير المسجلة ولهذا السبب وحده يطالب بإلغاء حكم المحكمة العليا وحكم محكمة الاستئناف وحكم المحكمة الابتدائية واستبداله بقرار يتم فيه شطب الدعوى لعدم الاختصاص
تم تصريح طلب المراجعة وأتيحت الفرصة للمراجع ضدهم للرد عليه وجاء ردهم بوساطة محاميهما عوض عبد البين بابكر وآمال حسين الزين بأن القياس علي السابقة سالفة الذكر لم يكن في محله لأن المنازعة في هذه الدعوى بين مواطنين عاديين ولم يصدر بشأن هذه الأرض أي تدبير أو قرار من الجهات الإدارية المعنية بالأمر ولهذا يطالبان بشطب طلب المراجعة
وهذه فرصة لاستجلاء بعض الغموض الذي صاحب السابقة 280/97 ولتبيان مدي انطباقها ولتوضيح مسائل الاختصاص والمسائل الأخرى المتعلقة بإدخال وتدخل الخصوم في النزاع وهي فرصة أيضاً للتعرض للمنازعات حول الأراضي الحكومية غير المسجلة وما ينتج عنها من مصادمات دموية خطيرة يروح ضحيتها بعض الأبرياء أحياناً [أما الأراضي المسجلة فأمرها واضح إذ الاحتكام فيها لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها لعام 1925م] بقيت الأراضي غير المسجلة والتي اعتبرت بنص المادة 559(1) من قانون المعاملات المدنية لعام 1984م وكأنها سجلت في اسم الحكومة وان كل نصوص قانون تسوية الأراضي وتسجيلها قد اتبعت بشأنها
ينقسم هذا النوع من الأراضي إلى قسمين :
1- قسم تدخلت فيه الدولة بصورة من الصور وعلي مستوي من مستوياتها المختلفــة واتخـــذت بشأنــــه تدبيراً ما كالمنح أو التخصيص أو التخطيط - أو الحجز والقابلية للتخطيط - الخ مما يندرج تحت المواد 561 إلي 566 من قانون المعاملات المدنية لعام 1984م
2- وقسم لم تتدخل فيه الدولة بأية صورة من الصور بل تركته لمواطنيها يستغلونه بسلام وإلي حين سابقة المحكمة العليا : عثمان محمد أحمد حماد وآخرين - رقم 280/97 تقع في نطاق القسم الأول لأن الدولة - ممثلة في اللجنة الشعبية ومجلس المحلية قد تدخلت ومنحتها للطاعن (المدعي عليه) فلجأ المدعي للمحكمة الجزئية طاعناً في صحة ذلك التخصيص فجاءت السابقة 280/97 لتقول له أن المحكمة الجزئية غير مختصة بنظر ذلك النزاع وكان عليه أن يطعن في القرار إداريا إلي نهاية السلم الإداري ثم يكون الاختصاص من بعد ذلك للمحكمة الإدارية وبما أن مسائل الاختصاص من الأمور العامة فإن ما اتخذ من إجراءات وقع باطلاً وكان لا بد من إلغائه وهذا ما نصت عليه المادة 567 (المعدلة) من قانون المعاملات المدنية لعام 1984م
أما القضية التي نحن بصددها الآن فإنها تقع تحت القسم الثاني لأن الدولة لم تتخذ بشأنها أي تدبير بشأن الأرض المتنازع عليها وفي هذه الحالة فإن مسألة الاختصاص لا تُثار أصلاً لأن المحكمة الجزئية (والجنائية في الحالات المناسبة) مختصة بنظرها فعلاً ولكن قد يثور أمر آخر وهو مسألة إدخال أو تدخل الدولة في مثل هذا النزاع
تنص المادة 93 من قانون الإجراءات المدنية 1983م علي الآتي :
" 1- يجوز لكل ذي مصلحة أن يطلب من المحكمة أن يتدخل في الدعوى منضماً لأحد الخصوم
2- يكون التدخل بطلب يقدم إلي المحكمة ويعلن للخصوم
3- لا يقبل التدخل بعد قفل باب المرافعة الختامية في الدعوى "
والمادة 95 من نفس القانون تعطي المحكمة الحق بإدخال أي شخص كمدعي عليه في الدعوى إذا كان ضمه ضرورياً للفصل في الدعوى فصلاً عادلاً أو لإنهاء الخصومة
وهنا يثور سؤالان :
1- هل كان ضم الحكومة لهذا النزاع ضرورياً للفصل في الدعوى فصلاً عادلاً أو لإنهاء الخصومة ؟
2- إذا كانت الإجابة بنعم : هل عدم ضم الحكومة لهذه الإجراءات يبطلها ؟
تعرض القاضي العالم رمضان علي محمد في كتابه القيم " قواعد التقاضي المدني في قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م " إلي هذا الموضوع علي صفحة 165 إلي صفحة 170 وقسم الطرف المراد ضمه للدعوى إلي قسمين :
طرف ضروري Necessary Party
وطرف مناسب Proper Party
ويقول الكاتب العالم أن " الطرف الضروري أو الطرف بالضرورة هو الشخص الذي يجب ضمه في الدعوى لكي تستقيم الدعوى ولا يمكن إصدار حكم صحيح في الدعوى دون أن يكون طرفاً فيها " واستشهد بعدد من السوابق القديمة ونوافقه الرأي ولكن السوابق التي ساقها تتحدث كلها عن أراضي مسجلة في اسم حكومة السودان - ولا يمكن تعديل السجل دون ضم الحكومة للدعوى خاصة وأن النزاع كان متعلقاً بالملكية وتعديل السجل وعليه فإن حكومة السودان لم تكن طرفاً مناسباً بل كانت طرفاً ضرورياً
أما الطرف المناسب فعرفه بأنه " الطرف الذي يمكن ضمه لوجود مصلحة له في الدعوى إلا أنه لا يتحتم ضمه ذلك لأن الدعوى تكون مكتملة الأركان صالحة للحكم فيها دون ضمه"
في قضيتنا هذه لم تكن الحكومة طرفاً ضرورياً لأن النزاع لا يتعلق بالملكية وتعديل السجل بل يتعلق بالحيازة والمنفعة وأي حكم يصدر فيها لا يلزم الحكومة بل تنحصر الزاميته بين طرفيه وخلفهما
ورب كريم يحيلنا إلي المادة 559(5) من قانون المعاملات المدنية والتي تقرأ :
"عندما تكون الدولة مالكة للعين تكون صاحبة مصلحة في أي نزاع بشأن المنفعة وطرفاً فيها"
فهل يعني هذا النص أن الدولة طرف ضروري في مثل هذا النزاع وأنه علي المحاكم أن تضمها في أي نزاع حول المنفعة بأي أرض حكومية غير مسجلة ؟ لا نري أن المشرع هدف إلي ذلك لعدة أسباب منها:
1- الحكومة طرف في مثل هذا النزاع نعم ولكنها طرف مناسب وحسب لأن الدعوى بين الطرفين تكون مكتملة وصالحة للحكم دون ضم الحكومة طالما انحصر النزاع في المنفعة ولم يتعداه إلي الملكية
2- كثير من هذه النزاعات صغير في حجمه وفي قيمته ولا يتصور أن يكون المشرع قد قصد ضم الحكومة في كل نزاع من هذا النوع ذلك لأن حضور ممثل الحكومة لجلسات المحكمة قد يستغرق زمناً طويلاً والسودان قطر مترامي الأطراف وهذا يستوجب أسفارا طويلة ونفقات كبيرة بلا ضرورة طالما أن الحكم لا يلزمها وطالما أنها تستطيع التصرف في أرضها متي شاءت
3- إن ضم الحكومة وإعلانها سيلزمها بنتيجة الحكم فإذا تذكرنا أن معظم هذه الأحكام سيكون غيابياً لتخلف ممثل الحكومة لوضح لنا أنه ليس من مصلحتها دائماً أن تضم إلي الدعوى
4- قصد المشرع ترك الأمر لتقدير المحكمة لتأمر بضم الحكومة إن رأت أن وجودها ضروري بالنظر إلي مساحة الأرض وموقعها وقيمتها واحتمال تدخل الحكومة عاجلاً أم أجلاً لاستثمارها أو تخصيصها أو تخطيطها أو لدواعي الأمن والتنمية وهذا القصد ظاهر من صياغة المادة 93 ويتضح بصورة جلية في نص المادة 59 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م والتي تعطي المحكمة صلاحيات واسعة في هذا الخصوص
5- لما تقدم يمكن أن يفهم نص المادة 559(5) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م علي أن الحكومة طرف مناسب فقط يصار إليه عند الضرورة أو أنها يجب أن تضم للدعوى أن كان الفصل في حق الانتفاع يقود إلي إدخال ذلك الحق في السجل كما في التسويات الاستثنائية
ولكن ماذا لو كان ضم الحكومة ضرورياً وفات ذلك علي المحكمة بتدبير من الأطراف أو بغير تدبير فهلا تحوطت المحاكم لمثل هذه الاحتمالات ؟ والرأي عندنا أن تستعمل المحاكم صلاحياتها الاختيارية تحت المادة (95) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م كلما قدرت أن ذلك ضروري بالنظر إلي حجم النزاع وأطرافه وطبيعة الأرض ونوعها وأي مهدد أمني قد يعترض سبيل تنفيذ حكمها وقد تستصحب المحكمة المادة 34 من قانون الإجراءات المدنية لعام 1983م التي تستوجب إخطار المالك الشريك بإقامة الدعوى وهنا نص المشرع صراحة علي الاكتفاء بإخطار الحكومة بإقامة الدعوى وعندئذ تقوم المحكمة بإدخالها إذا طلبت التدخل
بالنظر إلي كل ما تقدم فإننا نقرر أن هذه الدعوى لا تقع في نطاق سابقة عثمان محمد أحمد حماد وآخرين - رقم 280/97 وبالتالي لا تثير مسألة الاختصاص ولذلك فإنها تقع ضمن سلطات المحكمة الجزئية وبما أن الحكومة لم تقتض في الدعوى فإن الحكم ملزم للطرفين وخلفهما فقط ولا يتعداهما لإلزام الحكومة بمنطوقه وبما أن الحكم المطعون فيه قد صادف هذا النظر وبما أن الخطأ في تحديد الخصوم (إن وجد) لا يكون سبباً لإلغاء الحكم كمنطوق المادة 182 من قانون الإجراءات وبما أنه وفي كل الحالات فأنه لا يتوفر سبب لمراجعة الحكم وفقاً لنص المادة 215 من قانون الإجراءات عليه يتعين رفض هذا الطلب برسومه
عبيد حاج علي
رئيس القضاء
رئيس الدائرة الدستورية
11/8/1998م
محمد محمود أبوقصيصة حسين عوض أبو القاسم
أحمد البشير محمد الهادي الطيب أحمد محمد

