حكومة السودان ضد
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / بابكر زين العابدين قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / مأمون عبد العزيز حمور قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / أرو الشريف أرو قاضي المحكمة العليا عضواً
م ع / ق ج / 811/ 1995م
المبادئ:
القانون الجنائي لسنة 1991م - ارتداد الشيك علي بياض بعد ملئه بوساطة حامله وتقديمه للمصرف - المادة 179 من القانون الجنائي لسنة 1991م
1 - شطب الاتهام قبل توجيه التهمة للمتهم لا يشكل مانعاً لإعادة المحاكمة إلا أن قرار البراءة يكون بعد توجيه التهمة والاستماع إلي رد المتهم عنها ودفاعه حولها ويشكل ذلك مانعاً من إعادة المحاكمة إلا إذا أمرت بها جهة مختصة
2 - إذا أعطى الساحب صكاً مصرفياً على بياض وموقعاً عليه لشخص مفوضاً إياه تكملة تدوين البيانات من تاريخ ومبلغ ومستفيد وتقديمه للمصرف فإن الساحب يكون مسئولاً جنائياً بموجب المادة 179 من القانون الجنائي لسنة 1991م في حالة ارتداد الشيك إذا كان الارتداد لسبب من الأسباب الواردة في ذات المادة
ملحوظة المحرر :
في قضية عبد الرحمن عبد الله محمد علـى م ع / ق ج /287/ 1992م المجلــة ( 1992م ) صفحة 149 لم يكن الساحب قد فوض حامل الصك علي بياض لملء البيانات أو تقديمه للمصرف بل تسلم منه تعهداً مكتوباً بأن لا يفعل شيئاً من ذلك
الحكـــم
القاضي : مأمون عبد العزيز حمور
التاريـخ : 6 / 12 / 1995م
هذا طلب فحص تقدم به الأستاذ / بشير حامد المستشار القانوني لبنك الخرطوم يلتمس منا فحص القرار الصادر من محكمة استئناف ولاية القضارف بتاريخ 27 /6 / 1995م والقاضي بتأييد قضاء محكمة الموضوع والقاضي بشطب الاتهام تحت المادة (179 ) ق ج لسنة 1991م في مواجهة المتهم ناعياً علي ذلك القرار أنه قد جانبها فيه التوفيق والصواب عندما خلصت إلى أن الشيك موضوع المحاكمة شيك ضمان ولم يكن بمقابل أو وفاء لالتزام وأن الشيك عند تسليمه للشاكي لم يدون به مبلغ معين كما أن المبلغ المحدد في الشيك يعكس صوره من التعامل بالربا وأن محكمة الاستئناف قد خالفت قضاء المحكمة العليا في سابقة حكومة السودان // ضد// بالنمرة : م ع / ف ج /1002/93 ( غير منشورة والتى تتماثل وقائعها مع وقائع المحاكمة موضوع هذا الطلب ملتمساً منا إصدار أمر بإلغاء قــراري محكمتي الاستئناف والموضوع لمخالفتهما للقانون وتفسيره
باستقرائي المتأني لمحضر إجراءات هذه المحاكمة والحكم الصادر فيها وقرار محكمة استئناف ولاية القضارف المؤيد له وصحيفة الطعــن وما تضمنته من نص يلزمني أن أقرر أن الخصومة الجنائية تعرض أمام المحكمة العليا بطريقين لا ثالث لهما
(أ ) الطعن طبقاً للمادة (183 ) أج
(ب) الفحص طبقاً للمادة (188) أج
وهنالك فارق بين الطعن وطلب الفحص فالأول يتمسك به من ذكر القانون بأن ذلك الحق طبقاً لمقتضيات المادة (183) أج عند استيفائه لكل الضوابط القانونية الشكلية منها والموضوعية فالسلطة الاستئنافية المعنية تتولى النظر في كل النقاط التي أثارها الطعن وتتصدى للفصل فيها
أما سلطة الفحص فهي ليست حقاً لأي طرف أو شخص وإنما هي سلطة تمارسها المحكمة المختصة من تلقاء نفسها بناء علي السلطة المخولة لها بالتدخل في أي مرحله كانت عليها الدعوى الجنائية طبقاً للمـادة (188) أج حيث لا قيد ولا حظر عليها في أمر النقاط التي تتولى النظر والفصل فيها حتي وإن لم تكن قد أثيرت في الطلب المقدم لممارسة دواعي سلطة الفحص ولعل الحكمة في ذلك لا تحتاج إلي تبيان فهي سلطه يراد بها التأكد من سلامة تطبيق القانون وتحقيق العدالة ومراميها
فالمسألة المعروضة أمامنا تتلخص وقائعها كما أبان لنا المحضر في أن المتهم قد دخل في علاقة تعاقديه مع بنك الخرطوم تقضي ببيع (320) جوال ذره لموسم (93 – 1994م) عن طريق ( بيع السلم ) مستند اتهام 3 ) حيث أشار العقد علي أن يسلم المتهم للمشتري الشاكي / بنك الخرطوم الكمية في موعد أقصاه 31 / 3 / 1994م في المكان المحــدد بالعقد كما التزم الطــــرف الثاني ( المتهم ) حسب الفقرة (5) من العقد بتقديم الضمان المتفق عليه حيث قدم الشيك رقم (0809368) علي بياض كما نص العقد على أنه وفي حالة إخلال الطرف الثاني بأي بند من بنود العقد أو فشل في تسليم المبيع أو جزء منه يحق للطرف الأول إنهاء العقد ومطالبة الطرف الثاني بسداد قيمة المبيع وقت المطالبة كما يحق للطرف الأول تنفيذ الضمان
واضح من هذه الوقائع أن الشيك رقم (0809368) موضوع الاتهام جاء وليد عقد بيع السلم (مستند اتهام 3 ) وأن المتهم قد أخل بالتزامه صحيح أن المعاملة التي تمت تحت صيغة بيع السلم هي معاملة مدنية وأن الشاكي قد أخل بالتزامه وعلى صحة ادعائه بأن الشيك قدم ضماناً فإن العقد المبرم بين الشاكي والمتهم يخول للشاكي تنفيذ الضمان وبالتالي قدم الشاكي الشيك بعد أن كتب القيمة وقت للمطالبة إلا أن الشيك ارتد لعدم كفاية الرصيد الأمر الذي حدا به أن يحرك البلاغ موضوع المحاكمة
وحسب التعريف القانوني للشيك فهو (أمر مكتوب بدفع مبلغ محدد من النقود صادر من ساحب يحمل توقيعه موجهٍ بصورة قاطعه دون تعليق علي شرط موجهٍ إلي مسحوب عليه معين لصالح الساحب نفسه أو لصالح مستفيد آخر) وقد قدم الشيك للمسحوب عليه لصرف قيمته إلا أن الشيك ارتد بالرغم من أن الشيك المذكور قد توفرت له الشروط الشكلية والموضوعية التي تجعل منه شيكاً يخضع للتجريم وبالتالي تتناوله المادة (179) ق ج
فهل توفرت حقاً عناصر المادة (179) ق جأي جريمة إعطاء صك مردود) والتي تنص على ثلاثة عناصر هي :
1 - إعطاء شيك مصرفي بمعني إصداره ودفعه إلي التداول
2 - أن يكون ذلك وفاءً لالتزام أو بمقابل
3 - أن يرده المسحوب عليه لأي من الأسباب الواردة بالمادة (179) ق ج ومنها عدم وجود حساب للساحب لدي المسحوب عليه
ثم بعد ذلك يبت في كافة الدفوع التي أثارها مقدم الطلب فمعن النظر فيها لنبين هل هي من الدفوع المنتجة والمناهضة للالتزام المصرفي الناشئ عن تحرير الشيك والتي ساقها الأستاذ محامي الطاعن والتي لم تتعرض لها محكمة الاستئناف ولم تمسها إلا مساً رقيقاً الأمر الذي يجعلنا نختلف معها ومن جميع الوجوه فيما توصلت إليه من حيث الأسباب والنتيجة
فالثابت أن المتهم حرر شيك سلمه للشاكي علي بياض كضمان لتسليمه عــدد ( 320 ) جوال ذره في موعد أقصاه 31/3 /1994م ووقع عقداً مع الشاكي وبالتالي قام الشاكي بكتابة المبلغ بقيمة الجوالات عند التسليم وقدم الشيك إلا أنه ارتد بالتالي فإن الدفع الذي نثبت به المتهم في محاولة توضيح طبيعة الشيك على حد تعبيره ( شيك ضمان وليس وسيله للأداء إلا أنني أجد نفسي علي خلاف مع وجهة النظر هذه ومن ثم لا أتفق أيضاً مع ما توصلت إليه محكمة الاستئناف من قرار لأن المتهم فشل في إثبات أن هــــذا الشيك قد تم الإتفاق علي عــــدم تقديمه للبنك والاحتفاظ به كشيك تذكره
والذي يمثل نوعاً من الشيكات يعطيه المدين للدائن مساوياً لقيمة الدين ( كأداة ضمان) ويكون هناك إتفاق واضح بعدم تقديمه للسحب أما الشيك موضوع المحاكمة فقد أعطي كأداة للوفاء في حالة فشل المدين في الوفاء بالتزامه الأصلي وهذا هو عين ما تطلبته المادة (179) والتي اشترطت وجـــود المقابل كأساس لنشؤ المسألة الجنائية
فالسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بطبيعة هذا المقابل ومداه وهل يكفي فيه أن يكون مجزياً بذاتهأو أن يكون مشروعاً وغير مخالف للنظام العام ؟
فالثابت أن هناك التزاماً تعاقدياً هو التزام مشروع بعقد بيع سلم ومشروعيته يستمدها من كون أنه صيغة من بيوع السلم وهي إحدى الصيغ التي نادي بها المشرع الإسلامي عند أسلمة البنوك
فعليه واستناداً علي ما تقدم أرى إذا وافق الزملاء أن نقرر الآتي :
1 - يلغي قرار محكمة الاستئناف المؤيد لقرار محكمة الموضوع
2 - تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الإجراءات في مواجهة المتهم تحت طائلة المـادة (179) ق ج
القاضي : أرو الشـــــــــريف أرو
التاريـخ : 1/12/ 1995م
أوافق
القاضي : بابكر زين العابدين
التاريـخ :
أوافق وأضيف الأتي :
1 - لم تشطب محكمة أول درجه في واقع الأمر الاتهام وإنما أصدرت قراراً ببراءة المتهم وهنالك فرق بين شطب الاتهام أو الدعوي وقرار البراءة حيث أن شطب الاتهام أو الدعوي يكون قبل توجيه التهمة ولا يشكل مانعاً من إعادة المحاكمة مع أن قرار البراءة يكون بعد توجيه التهمة والاستماع إلي رد المتهم عنها ودفاعه حولها ويشكل مانعاً من إعادة المحاكمة إلا إذا أمرت بها جهة مختصة
2 - هنالك فرق كبير بين وقائع قضية عبدالرحمن عبدالله المنشورة علي صفحة 941 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1992م ووقائع هذه القضية ففي قضية عبدالرحمن عبدالله أعطي المتهم فيها الشاكي صكاً مصرفياً علي بياض بعد أن وقعه ولكن إشترط عليه عدم تكملة تدوين البينات فيه من تاريخ ومبلغ ومستفيد منه وعدم تقديمه للمصرف وعدم تظهيره وقد وافق الشاكي فيها علي ذلك أما في هذه القضية فقد أعطي المتهم فيها الشاكي صكاً مصرفياً موقعاً عليه وفوضه في تكملة تدوين البينات فيه من تاريخ ومبلغ ومستفيد وتقديمه للمصرف وهذه الوقائع لم تكن ثابتة ببينة الاتهام فحسب ولكن المتهم نفسه يقر بها بالإضافة إلـي الفرق في الوقائع فهنالك فرق آخر في تكييف الوقائع فتكييف الوقائع في قضية عبد الرحمن عبد الله هو أن الإعطاء لم يكن بنية التخلي عن الصك موضوع الاتهام فيها والدفع به للتعامل وإنما كان بنية الاحتفاظ به أما الإعطاء في هذه القضية لم يكن مصحوباً بتفويض تكملة تدوين البينات فحسب وإنما كان بنية التعامل به - التقديم للمصرف - في الميعاد المتفق عليه فالإعطاء بنية التخلي عن الحيازة والدفع بالصك للتعامل هو الإعطاء الذي يقصده القانون أما الإعطاء لغير ذلك الغرض مثل الإعطاء من أجل الحفظ فلا يشكل عنصر الإعطاء الذي يرمي إليه القانون
3 - تكلمت المحاكم الدُّني عن المقابل والإلتزام صحيح أن المقابل أو الإلتزام عنصر من عناصر جريمة الصك المرتد ولكن أخطأت في فهم المقابل أو الإلتزام فذكرت محكمة أول درجه بأن الشاكي قد خالف مقتضي عقد السلم بالزياده التي زادها علي المبلغ الذي دفعه للمتهم ودخل في الحرام لأنه إذا تعذر تسليم المبيع عنه حلول الأجل بسبب إنقطاع وجوده بعارض طاريء فلا يستحق أكثر من المبلغ الذي دفعه ولكن هل تعذر تسليم المبيع بعذر طاريء أو بعارض طاريء ؟ وماهو ذلك العارض الطاريء ؟ وما هو الإثبات عليه ؟ وهل قدم في محكمة أول درجة ؟ ثم رجعت محكمة أول درجة في مكان آخر من حيثيات حكمها وذكرت بأن قانون المعاملات قد كفل للشاكي حماية حقه وخيره بين استلام المبيع أو فسخ العقد وإعادة رأس المال التعويض إذا كان له مقتضى أفلم تنص الفقرة السادسة من عقد السلم علي أنه يحق للشاكي إذا أخل المتهم بالعقد أو فشل في تسليم المبيع أن يطالبه الشاكي بالقيمة في وقت المطالبة مع مصاريف التقاضي وتنفيذ الضمان وإذا كان العقد ينص علي ذلك فكيف يصح القول بأن الشاكي قد خالف عقد السلم عندما حدد القيمة في يوم التسليم ؟ تسليم محكمة أول درجه بإمكانية استحقاق الشاكي للتعويض فإذا كان الشاكي يستحق التعويض فكيف يحسب التعويض إلا يحسب علي أساس الثمن في يوم التسليم ؟ وهل الشاكي طالب بأكثر من ذلك ؟
وإذا لم يطالب بأكثر من ذلك فكيف يكون قد دخل في الحرام أو تكون العملية كما ذكرت محكمة الاستئناف عملية ربوية ؟ شخص أخل بعقده فكيف يحسب عليه التعويض ؟
لقد دخلت المحاكم الدُّنــي في أشياء لم يثرها المتهم ومع ذلك لم تتوفق في الحديث عنها فالمسأله في غاية البساطة وهي أن المتهم أعطي الشاكي صكاً مصرفياً بعد أن وقع عليه وفوّضه في أن يضع عليه المبلغ والتاريخ عندما يحل الأجل المتفق عليه وقد قام الشاكي في الأجل المحدد بتدوين البينات وقدم الصك للمصرف فأرتد لعدم وجود رصيد ولا ينكر المتهم هذه الوقائع ولم يقدم دفاعا ًمفيداً يدحض الوقائع التي تشكل عناصر جريمة الصك المرتد من إعطاء وفاء لإلتزام أو بمقابل ومن إرتداد الصك لعدم وجود رصيد كاف في الحساب

