محكمة استئناف ولاية الخرطومزين العابدين محمد أحمد /ضد/ أعمال التوسل للتجارة والإنتاج
محكمة استئناف ولاية الخرطوم
القضاة :
سعادة السيد / محي الدين سيد طاهر قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سعادة السيد / بدرية عبدالمنعم حسونة قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سعادة السيد / أحمد أبوزيد قاضي محكمة الاستئناف عضواً
الأطراف :
زين العابدين محمد أحمد المستأنف
ضد
أعمال التوسل للتجارة والإنتاج المستأنف ضده
النمرة : م أ / أ س م / 2485 /1993م
المبادئ:
إجراءات مدنية - إجراءات تحفظية - لا تملك المحكمة المدنية سلطة وقف الشيك
لا يخول القانون المحكمة المدنية سلطة اتخاذ أي إجراء بشأن الشيك من حيث الوفاء أو الرفض أو الإيقاف كإجراء تحفظي ذلك أن هذا الإجراء يسلب الورقة التجارية كل قيمة أسبغها عليها القانون ويعد هذا الإجراء مخالف للقانون
ملحوظة المحرر :
تم تأييد هذا الحكم بقرار المحكمة العليا رقم 798 / 1994م
الحكـــــم
القاضي : أحمد أبوزيد :
التاريخ : 20 / 4 / 1994م
هذا طلب استئناف مقدم من الأستاذ / محمد صالح محمد طاعناً في صحة قرار السيد / قاضي جزئي الخرطوم بحري - حيث صدر القرار بوقف صرف الشيك 416850 - مسحوب على البنك الإسلامي لغرب السودان بالخرطوم - بمبلغ " أربعة مليون "
قدم الاستئناف في ميعاده - وقبل شكلاً تم تبادل المذكرات بين المستأنف والمستأنف ضده
تتلخص الوقائع بأنه تقدم الأستاذ / محمد محمد الحسن أبو شامه بطلب لإيقاف صرف الشيك 416850 مسحوب على البنك الإسلامي من حساب أعمال التوسل للتجارة والإنتاج لحين ألفصل في الدعوى ورد الأستاذ محمد صالح على الطلب ثم أصدرت محكمة الموضوع قرارها بوقف الشيك المذكور لحين ألفصل في الدعوى على أساس أن الشيك جزء من عريضة الدعوى الأفضل الفقرة (6)
ضد هذا القرار تقدم محامي المستأنف محمد صالح محمد بالطعن وجاء في طلبه أن الشيك يعتبر كمبيالة وفق نص م 76 من قانون الكمبيالات لسنة 1917م وأن الشيك في حد ذاته يعتبر بينة على وجود التزام بمبلغه في ذمة محرر الشيك لصالح المسحوب له وتقدم محامي المستأنف ضده أن الشيك تم تحريره كضمان للاتفاق المبرم بين الطرفين " المستأنف والمستأنف ضده " في عملية تصدير ضأن وجاء في الاتفاق أن لا يتم تقديم الشيك إلا بعد المحاسبة ومن ثم فإن الشيك جزء من الدعوى المدنية
وفي هذا الصدد أري أن أوضح الآتي :
1 - إن الشيك 416850 - موضوع النزاع - تم تحريره بواسطة المستأنف ضده وهو لا ينكر ذلك ويضيف بأن الشيك عبارة عن ضمان لتنفيذ الاتفاق أما الزعم الذي ادعاه المستأنف ضده بأن هنالك اتفاقاً حول عدم تقديم الشيك إلا بعد المحاسبة - إدعاء غير مقترن بأي بينة
والبينة الظاهرة والقرينة المتوفرة - هي أن الشيك وفاء لالتزام ويحكم علاقة التزامات بين الطرفين ومن ثم كان على من يدعي خلاف الظاهر إقامة البينة على ذلك وفق قاعدة البينة على من ادعى والادعاء صادر من المدعي عليه المستأنف ضده ( راجع م 4 إثبات )
2 - إن المشرع أراد أن يجعل أي التزام مدني مقابله شيك ( صك مصرفي ) محكوم فيما يتعلق بارتداد الشيك أو وقفه بالقانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية ( راجع المادة 179 / ج )
ومناقشة أركان الجريمة من وجود الالتزام أو الوفاء به نجد ذلك من عناصر المادة 179 من القانون الجنائي يتم أمام المحكمة الجنائية والتداخل بين القوانين أمر طبيعي - واعتقاد السيد / القاضي الجزئي بأن المحكمة الجنائية لا تحلل عناصر المادة وتتأكد من وجود الالتزام والعلاقة بين الطرفين اعتقاد وفهم خاطيء لطبيعة العمل القانوني إذ أن هنالك مسائل قانونية كثيرة مشتركة بين القوانين والمعاملات المختلفة وبالنظر لقواعد تفسير القوانين والمحكوم بقانون تفسير القوانين لسنة 1974م نجد أن الغرض من التشريع والهدف منه يوضع في الاعتبار عند التفسير واضح أن المشرع جعل للشيك المصرفي حماية جنائية في حالة الارتداد أو الوقف
وبالنسبة للوقف نجد أن المحاكم المدنية في هذه الأيام أصبحت تقوم بهذا الدور نيابة عن الأطراف دون أن تعي المحكمة المدنية أن وقف الشيك يعتبر جريمة في حد ذاتها ومن ثم كان على المحاكم المدنية أن تنأي بنفسها عن إيقاف الشيكات وهنالك من الإجراءات التحفظية وسائل أخري لضمان حقوق الأطراف وليس من بينها وقف الشيكات لأن مقابل الشيك أو عدمه هي ضمن عناصر م 179 من القانون الجنائي ويمكن مناقشة ذلك في المحكمة الجنائية كما أوضحت
3 - لقد سبق لهذه الدائرة ( محكمة الاستئناف في أ س م / 321 / 94 أن أصدرت قرارها بأن وقف الشيكات من المحكمة المدنية بناء على طلب أحد طرفي الخصوم يشكل مخالفا قانونية واضحة للمادة 179 من القانون الجنائي لسنة 1991م وإن هذا التصرف من المحكمة المدنية يجرد القانون الجنائي في نص المادة 179 جنائي من معناه والغرض منه في حماية الشيك وجاء في حكم محكمة الاستئناف أ س م / 321/1994م غير منشورة على أن التشريع الجنائي الذي وضع الحماية القانونية للشيك قصد من ذلك إعادة الثقة والقوة المالية لإبراء ذمة الشيك الذي هو مال في كل العالم وليس وريقة الهدف منها التلاعب وأكل حقوق الناس بالباطل - وصيانة الحقوق تقتضي أن يخضع كل نزاع لدائرة اختصاصه من حيث المحل والموضوع
ومن ثم فإنه كان على المستأنف ضده إن رأي أن الشيك الصادر منه لا مقابل له وليس وفاء لالتزام أن يتقدم بهذا الدفع أمام المحكمة الجنائية المختصة بنظر موضوع الشيك وسببه إن ارتد الشيك لعدم رصيد أو لوقفة بمسوغ يراه صحيحاً
وعليه فالرأي عندي أن محكمة الموضوع خالفت تفسير وتطبيق القانون بأن أصدرت أمرها بوقف الشيكات دون أن تعي أن وقف الشيكات يعتبر جريمة مستقلة وأن ألفرصة متاحة للطرف الذي يدعي عدم وجود مسوغ قانوني لمقابل الشيكات أن يلجأ للمحكمة الجنائية متقدماً بدفعه ودفاعه وأري إن وافقني زملائي الكرام أن يصدر الأمر بإلغاء قرار محكمة بحري الجزئية بوقف الشيك 416850 ويسلم للمستأنف ليتخذ ما يراه
القاضي : محي الدين سيد طاهر:
التاريخ : 23/4/1994م
أوافق ولا أملك إلا أن أكرر وأردد ما أبديته في مناسبة سابقة قريبة جاءت الإشارة إليها في مذكرة الرأي الأول وذلك عبر الاستئناف ( أ س م / 321 / 1993م - صالح أحمد العبيد ضد بنك الغرب الإسلامي 26/3/1994م ) والذي لا أجد غضاضة في نقل ما احتواه من رأي بصورة حرفية مع بعض التصرف الذي يقتضيه المقام متعلقاً بصفة الأطراف وذلك على النحو التالي :
لولا القدر من التسامح غير المرغوب فيه والذي تعامل به المحاكم الدنيا مثل هذه الطلبات لما تجرأ احد على أن يرفع طلباً كالذي تقدم به محاميا المستأنف وتبدو جوانب الخطأ ألفادح في الاستجابة لمثل هذا الطلب ومن ثم إيقاف شيكات مسحوبة على المصارف ومستوفية لكافة الشروط الشكلية والموضوعية في ظاهرها ( إن كان للمحكمة أصلاً حق التمعن فيها ) في الآتي :
أولاً : الشيك كورقة تجارية ذات وظيفة اقتصادية خطيرة تشتمل على أطراف ثلاثة هي محرر الشيك والمستفيد والمسحوب عليه وهو البنك لذلك لا يجوز للمحكمة وهي طرف أجنبي عن الورقة أن تصدر بشأنها أمراً يؤثر في تداولها أو يسلبها قيمتها المتمثلة في الوفاء بمجرد الإطلاع ولا أدري من أين استقت المحاكم سلطة إيقاف الشيكات بمجرد أن محرريها قد رفعوا دعاوى بشأنها لا يطلبون من خلالها حمل الطرف الآخر على الوفاء بمبلغ الشيك تنفيذاً لالتزامه العرفي بقدر ما يطالبون بإنفاذ الالتزام الأصلي مع إيقاف الشيك مع أن الالتزام الأصلي لا يشكل سوي مقابل الشيك
ثانياً : على الرغم من أن ملف الدعوى لم يرفق إلا أن من الواضح أن سبب الدعوى هو مقابل الشيك موضوع الخلاف الأمر الذي يكشف بجلاء أن المستأنف ضدها ترمي إلي التخلص من التزامها فهي قد رفعت الدعوى لإلزام الطرف الآخر بالوفاء بالتزامه وبنفس القدر تسعي للتنصل من التزامها العرفي بموجب الشيك وهو أمر غير جائز قانوناً إذ أن الخيارين المتاحين لها هما :
1 - إلزام المستأنف بالوفاء بالتزامه الذي قام عليه الالتزام العرفي ( الشيك ) وهو في هذه الحالة يعتمد على تعجيله للمقابل المتمثل في الشيك
2 - العدول عن السبب القائم على الالتزام الأصلي الذي نشأ عنه الالتزام العرفي ومن ثم التربص بالطرف الآخر إلي حين تقديمه الشيك للوفاء والتمسك في ذلك الوقت بدفعه الذي يثيره حول الشيك سواء بعدم وجود المقابل أو أنه شيك ضمان إلي أي وجه آخر من أوجه الدفوع ولكن المستأنف ضده آثر التشبث بالسببين في غير ما طائل محاولاً التحلل من الالتزامين أو دفع الطرف الآخر إلي الوفاء بالتزامه وفق الدعوى الأصلية ( الالتزام الأصلي ) مع تمكينه من التنصل من التزامه الناشيء عن تحرير الشيك
ثالثاً : وإذا كان لنا أن نبدي قدراً من التسامح والمرونة ونفسر طلب المستأنف ضدها بإيقاف الشيك بما يعني أن المطلوب هو الإيقاف مؤقتاً بمخالفة ينجلي أمر استحقاق قيمته قانوناً فإن هذا الإجراء فوق أنه يسلب الورقة التجارية كل قيمة أسبغها عليها القانون فانه أيضاً يصطدم بسعي المستأنف ضدها إلي إقامة دعواها الأصلية مطالبة بالمقابل كما تقدم الحديث وهذا هو خيارها الباقي في ظل عدم قدرتها على إقامة دعوى للمطالبة بإيقاف الشيك وطالما أنها غير قادرة على إيقاف الشيك عبر دعوى مباشرة فإنها بالضرورة لا تستطيع إيقافه عبر دعوى أخري مختلفة السبب
رابعاً : وبغض النظر عما تقدم من نظر اتضح من خلاله جلياً مدي وهن الأساس الذي يقوم عليه طلب إيقاف الشيك ومن أهم جوانبه عدم قدرة المحكمة عليه وافتقادها للصلاحية بوصفها ليست طرفاً في الورقة يخولها القانون حق اتخاذ أي إجراء بشأنه من حيث الوفاء أو الرفض أو الإيقاف إلا أن إجراء في غاية البساطة كان يقيها ما تكبدته من مشاق للوصول إلي قرارها المستأنف هو أن ترد المستأنف ضدها على أعقابها بلباقة قائلة له ( هلا تكرمت بإيقاف شيكك بنفسك ) وهذا الإجراء في متناول يدها لا يكلفها عناء تقديم أي طلب ومتابعته بالأسانيد ولا يكبدها أي مشاق كما هو حالها مع المحكمة فوق أنه أسرع وأنجع إذا كانت المستأنف ضدها قد استأنست في نفسها القدرة على الاقتناع بوجود أسباب تبرر إيقاف الشيك كما هو مطلوب قانوناً ولكنها عزفت عن ولوج هذا الطريق السهل الممهد لأسباب تعلمها قد تتعلق بمدي توفر السبب الكافي لإيقاف الشيك فرأت بدلاً عن ذلك أن تمتطي ظهر المحكمة لتنوب عنها في اتخاذ الإجراء المقصود وللأسف فإن بعض المحاكم قد درجت على الاستجابة لمثل هذه الطلبات دون أن تعي خطورة الإجراء غير القانوني الذي تتخذه ولا أستطيع القول بأنها لا تدري أن إيقاف الشيك بلا مبرر معقول يعد جريمة يعاقب عليها القانون وهو الأمر الأساسي الذي يتحاشاه محررو هذه الشيكات ومقدموا طلبات إيقافها مستندين إلي ظهر المحكمة هذه المحكمة التي لا يلجأ إليها الخصوم إلا إذا أعياهم الأمر أما إذا كان الأمر في نفسه في مقدورهم ومن ضمن صلاحياتهم دون اللجوء إلي المحكمة وكانوا اقدر على إتيانه بالسرعة المطلوبة من المحكمة نفسها فلا أري سبباً يدعوهم إلي استنفارها لتنوب عنهم في اتخاذ إجراء هو بكل المقاييس ليس قانونياً ولا سند له ناهيك من أن يكون في نفسه منطوياً على مخالفا قانونية يفترض من المحاكم ألا تتورط فيها
لكل ذلك فإنني أتفق مع زميلي في الرأي الأول على إلغاء قرار محكمة الموضوع موضوع الاستئناف بإيقاف الشيك المعني ومن ثم شطب طلب الحجز التحفظي
القاضي : بدريه عبد المنعم حسونة :
التاريخ : 24 / 4 / 1994م
أوافــق

