حكومة السودان / ضد /
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ إمام البدري علي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ حسين عوض أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محي الدين سيد طاهر قاضي المحكمة العليا عضواً
م ع/ ف ج/ 658/1994م
المبادئ:
قانون جنائي - جريمة النهب - شمول النهب لجريمة السرقة - المادة 175 من القانون الجنائي لسنة 1991م
قانون جنائي - تعدد الجرائم وأثره في العقوبة - المادة 40/1 من القانون الجنائي لسنة 1991م
قانون جنائي - جريمة النهب - عقوبة جريمة النهب - المادة 175(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م
1 - جريمة النهب تتضمن جريمة السرقة طبقاً لمبدأ تحديد الجريمة بوصفها الأضيق والاعتداد يكون دائماً للحركة الجنائية النهائية المقصودة
2 - عند ارتكاب جريمة النهب تعتبر جريمة واحدة ويعاقب عليها وحدها فقط حتى ولو انطوت على عناصر جريمة أخري كالسرقة لأن الأخيرة من لوازم الأولي ولا يجوز هنا الاستعانة بالمادة 40/1
3 - توقيع العقوبة المنصوص عليها في الفقرة (2) من المادة 175 جنائي يلجأ إليها في حالة تعذر تطبيق الحد وللأسباب العديدة المعروفة التي من شأنها إسقاط الحد
الحكـــــم
القاضي : محي الدين سيد طاهر :
التاريـخ :21/12/1994م
في 5/ 6/ 1994م أدانت المحكمة الجنائية العامة بالدمازين كلاً من و تحت المادتين 21/ 174 175 من القانون الجنائي لسنة 1991م وأصدرت عليهما عقوبة بالسجن لمدة اربعة سنوات والغرامة عشرة ألف وبالعدم السجن لمدة عام آخر تحت المادة 174 والسجن لمدة ثلاث سنوات تحت المادة 175 على أن تسري عقوبات السجن بالتتابع أما المدان الثالث أبو القاسم صديق الخضر فقد أدين تحت المادة ( 181) وحوكم بالسجن لمدة خمس سنوات وفي حالة دفع الغرامة يدفع منها مبلغ (14) ألف جنيها كتعويض للشاكي الذي تعرض منزله للنهب من قبل المدانين الأول والثاني ومساعدهما الثالث في التصرف في جهاز فيديو تم استعادته في حينه
وعندما رفـع المدانـون الثلاثة استئناف لـدي محكمـة استئناف الولايـة الوسطي ( سابقاً ) أيدت الحكم موضوع الطعن فيما عدا استبدال عقوبة المدان الثالث بالإيداع بإحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية نظراً لصغر سنه وعدم جواز إيقاع عقوبة بالسجن عليه طبقاً للمادة 33/3 من القانون الجنائي لسنه 1991م
في طلبه الحالي يلخص محامي المدان الأول متوكل جلال أسبابه في اعتراء إجراءات فتح البلاغ شوائب من شأنها زرع الشكوك في صحة تلك الإجراءات حيث تم القبض على المتهمين والتحري معهم من قبل سلطات الأمـن وهـي جهة غير مختصة قانوناً ً
أما من حيث الموضوع فإن البينات التي اعتمدت عليها المحكمة لم تكن كافية ويعتريها كثير من الضعف من حيث عدم صحة الركون إلى أقوال شاهدة الاتهام الثانية التي تعمل في منزل الشاكي وافتقار قضية الاتهام إلى أية إدانة أخرى أو قرائن تعزز أقوالها علاوة على الخطأ في توقيع عقوبات تحت المادتين 174/ 175 من القانون الجنائي
في رأيي أن ما يثيره الطلب حول صحة الإجراءات وكذلك عدم كفاية الأدلة إن هي إلا محاولة غير موفقه للطعن في الحكم الذي أصدرته محكمة الموضوع حيث أن الحادث قد وقع في يوم 14/ 4/ 1994م وتم فتح البلاغ كما يشير التحري في نفس اليوم وكان المتهمون الثلاثة عندئذ في حراسة الأمن لأسباب متعلقة بادعائهم بأنهم من القوات النظامية وأخري تتعلق بكيفية وظروف القبض عليهم حيث طاردهم ضابط الأمن ومن معه بعربتهم حتى تم القبض عليهم وبغض النظر عما تم بشأنهم داخل مباني الأمن فإن التحري قد بدأ معهم عن طريق الشرطة في نفس اليوم كما تشير يومية التحري ولما كان من الجائز بل الواجب قانوناً أن يكون للشخص العادي القبض وبدون أمر على أي شخص يرتكب في حضوره أي فعل يشكل جريمة كما يجوز القبض فيها بدون أمر ( كما هو حال المتهمين الثلاثة ) أو وجد في ظروف قد تدعو إلى الريبة أو وجد في حوزته ممتلكات يشتبه في أنها مال مسروق الخ فإنه لا ينبغي الاحتجاج بأن القبض قد تم من قبل أشخاص لا صلاحية لهم في ذلك
لأن القبض قد تم أثناء محاولة المتهمين الفرار وقد القي أحدهم بالساطور المستخدم في التهديـد بعيـداً مما يجعل الشخص العادي عوضاً عن ضابط الأمـن من تتبعهم وإلقاء القبض عليهـم أما الاستجـواب فقد تـم لادعائهـم بانتسابهم إلى القوات النظامية وإفادتهم بأرقامهم العسكرية حسبما يشير الخطاب المؤرخ فـي 19/ 4/ 1994م الموجه من رئس شرطة الدمازين إلى قائد الفرقة الرابعة مشاة لنفس الجهة
أما الإدانة فقد جاءت محمولة على أدلة كافية تتمثل في تصرف شاهدة الاتهام الثانية التي تعمل مع الشاكي والتي تم تهديدها بالساطور بعد تحاور معها دام وقتا طويلاً حول ظروف عمل وعودة الشاكي وزوجته من العمل مما يوفر لها قدراً كبيراً من معوقات التعرف على المتهمين الذين قاموا بتهديدها وربطها ثم التجول داخل الغرفة وأخيرا الفرار بما تيسر من ممتلكات إلا أن استنجادها بالجيران قد مكن هؤلاء وغيرهم من الشهود من القبض على المتهمين أثناء هروبهم بعد وقت وجيز لم يمكنهم من التخلص من الساطور المستخدم وإن كان قد تسني لهم التخلص من الفيديو بحيث أخذه المتهم الثالث بدراجته إلى مكان آخر ولما كان الفيديو هو نفس الفيديو الذي أخذ من منزل الشاكي فكيف تكون البينات قاصرة عن ربط المتهمين بالحادث إن المتهم الثالث قد أقر حتى النهاية بأن الفيديو قد تم تقييمه للمتهم الرابع الذي شطب البلاغ في مواجهته في مرحلة سابقة بأمر من المتهم الأول وتحت التهديد وأنه تسلمه من شاهد الاتهام " الرشيد " الذي كان يساعد في القبض عليهم ومطاردتهم وهذا افتراء لا يتسق مع المنطق فالواضح أن المتهم الثالث وهو الذي بادر بجس النبض والتأكد من إمكانية الدخول في منزل الشاكي والوقت المناسب لذلك قد تمكن من الإفلات بالفيديو عن طريق استخدام دراجته التي استجلب الشهود للتدليل على أنه كان ذاهباً إلى ناحية أخرى إلا أنه لم يستطع إنكار أخذه الفيديو المسروق إلى المتهم الرابع لوضعه لديه كأمانة وهذا الجهاز لم يسرق في وقت سابق أو تاريخ آخر حتى يمكن للمتهمين الادعاء بعدم تورطهم في سرقته لذلك فإن البينات المتوفرة تأخذ بخناق المتهمين الثلاثة وإن كانت المحكمة قد اكتفت بتوجيه الاتهام للمتهم الثالث تحت المادة (181) استلام المال المسروق رغم أدائه دوراً في المشروع بأكمله كشريك منذ البداية حيث مهد الطريق لدخول الآخرين للمنزل بعد التأكد من خلوه إلا من الخادمة شاهدة الاتهام الثانية ولما كانت الإدانة قائمة على بينات كافية مستقاة بصورة مستقلة لا علاقة لها بما تم من استجواب داخل أروقة الأمن العام ولا بما أدلي به المتهمون من اعترافات هناك تراجعوا عنها أمام المحكمة فإن كافة أوجه النعي على الحكم بوهن البينات وعدم كفايتها لا محل لها وإذا كان للمتهمين مآخذ أخرى تتعلـق بتعذيبهم أو محاولة اغتصابهم فلهم مطلق الحرية في اتخاذ ما يرون من إجراءات قانونية ضد مرتكبي هـذه الأفعال وإن كانت التقاريـر الطبية الصادرة في هذا الصدد بناء على توجيه المحكمة قد جاءت سالبة في غير صالح المتهمين
أما عن العقوبة فقد تابعت محكمة الاستئناف محكمة الموضوع في خطئها الواضح عندما أدانت المتهمين الأول والثاني بموجب المادتين 174/175 من القانون بذريعة أن هناك جريمتين متميزتين هي جريمة السرقة وجريمة النهب رغم أن كل ما ساقته من أسانيد لا يسعف هذا النظر إذ قبل أن تتوصل محكمة الاستئناف إلى طبيعة العقوبة الواجبة التطبيق كان عليها أن تقف على وصف الجريمة المرتكبة لأن المادة 40 من القانون التي استشهدت بها لا تنطبق على الحالة المعروضة فهي تستلزم أن تكون هناك أكثر من جريمة مما يستدعي توقيع العقوبة الأشد ولكن إذا عدنا للوقائع التي تشكل فعل التجريم لوجدنا أنها مفصلة على جريمة انتهت كما رأت محكمة الاستئناف نفسها لذا لا مجال بعد ذلك للحديث عن تعدد الجرائم لأن من الطبيعي أن تشتمل بعض الجرائم ذات الطبيعة الجسيمة جرائم أخرى أقل جسامة فالقتل قد ينطوي على إلحاق أذى كما ينطوي النهب على السرقة وطبقاً لمبدأ تحديد الجريمة بوصفها الأضيق فإن الاعتداد يكون دائما للحركة الجنائية النهائية المقصودة وإذا كان من الضروري أن يتضمن النهب جريمة سرقة فكيف يسوغ معاقبة الجاني عن كليهما ولماذا لم تعمد المحكمة مسايرة لمنطقها إلى معاقبة المتهمين عن ربط الشاهدة وحجزها حجزاً غير مشروع " أن المتهمين قد ارتكبوا جريمة واحدة هي جريمة النهب لذلك يجب معاقبتهما عليها حتى ولو انطوت على عناصر جريمة أخرى هي السرقة لأن الأخيرة من لوازم الأولي إذ لا يقوم النهب إلا إذا كانت هناك سرقة لذلك فإن الاستعانة بالمادة 40/1 جاءت في غير محلها مما لا يدع مجالاً للحديث عن العقوبة الأشد ولو جارينا محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف في مذهبها لجاز توقيع عقوبة قطع اليد عن السرقة الحدية وعقوبة السجن عن النهب أو السرقة العادية
إن الخلط ناشئ عن إجازة المشرع في الفقرة (2) من المادة (175 ) توقيع عقوبة أخرى خلاف عقوبة النهب وهو أمر غير متصور عمليا وبنفس القدر فإن استعمال عبارة ( السرقة الحدية ) في الفقرة (1) لم يكن سليماً إذا كان المقصود به هو معاقبة الجاني تحت المادة (175) حتى ولو كانت السرقة حدية غير أن التفسير المنطقي هو أن المادة (175) تطبق عندما يتعذر تطبيق الحد وللأسباب العديدة المعروفة التي من شأنها إسقاط الحد
ومن قبيل الخطأ الذي وقعت فيه محكمة الاستئناف أن تعتمد في معيارها في تحديد الجريمة الأشد بمجموع مدة السجن عن جريمة السرقة والنهب رغم أن المشرع قد يعني في ذلك نهج تحديد الحد الأقصى فقط مما لا يستقيم معه أن يكون المعيار المذكور طريقاً صالحاً لتحديد عقوبة الجريمة الأشد لأن مهمة المحكمة أن توقع عقوبات بالسجن لمدة عشر سنوات والعبرة بالمبدأ وليس بالواقع
بذلك ولما كان خطا إدانة المتهمين الأول والثاني تحت المادة (174) في ظل إدانتهما تحت المادة (175) ذات الوصف المنطبق على فعلهما بادياً فإن الرأي بموافقة الزميلين المحترمين هو إلغاء الإدانة والعقوبة تحت المادة 174 مع تأييد الإدانة تحت المادة (175) من القانون الجنائي لسنة 1991م وكذلك تأييد العقوبة لمناسبتها رغم ما تنطوي عليه من مفارقة تتمثل فيما تنص عليه المادة من عقوبة أخف من عقوبة السرقة في وقت تشكل فيه ظرفاً مشدداً لهذه الأخيرة
ولما كانت المادة (175) لا تسمح بتوقيع أية عقوبة بالغرامة يمكن تعويض الشاكي من متحصلها ولما كانت سلطاتنا تحت المادة (175) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م لا تخولنا حق إصدار أمر جديد بتعويض الشاكي حيث لا تشير الفقرة (د) منها إلى إلغاء الأمر الفرعي أو تعديله فإذا ألغيت عقوبة الغرامة فلا سبيل إلى تعديل الأمر بتعويض الشاكي مباشرة لتجاوز هذا الإجراء حدود التعديل وبالمقابل فإن سلطاتنا تحت المادة (188) لا تجيز ذلك لما ينطوي عليه من خلق مركز جديد للشاكي لمنحه تعويضاً مختلفا عما صدر به الحكم الابتدائي لذلك أري أن يكون أمر تعويض الشاكي متروكاً للمحكمة المدنية
القاضي : إمـام البـدري علي :
التاريـخ : 9/ 1/1995م
أوافــق
القاضي : حسين عوض أبو القاسم :
التاريـخ : 26/ 1/1995م
أوافــق

