علي نصر الدين //ضد// الفاضل حسن فرج
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ جون أونقي كاسيبا قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
علي نصر الدين الطاعن
//ضد//
الفاضل حسن فرج المطعون ضدها
النمرة: م ع /ط م/139/1991م
المبادئ:
إجراءات مدنية – حجية الحكم – من شروطها – أن تكون المحكمة التي أصدرته مختصة
إجراءات مدنية – المسائل المتعلقة بالاختصاص – عدم جواز إثارتها بعد صدور الحكم
1- إن الحجية لا تتحقق لأي حكم ما لم تكن المحكمة التي أصدرته مختصة والاختصاص هنا هو الاختصاص النوعي والقيمي دون الاختصاص المحلي
2- لا سند للتفريق بين الاختصاص القيمي والنوعي (الموضوعي) أصلاً في القانون السوداني وإن ما استقر عليه القضاء هو أن المسائل المتعلقة بالاختصاص من الأمور التي يلزم التمسك بها في المرحلة الابتدائية وإن عدم التمسك به يعد تنازلاً وعليه لا يجوز إثارة الدفع بعد صدور الحكم
المحامون:
الأستاذ/ مصطفى محمد أبو إدريس عن الطاعن
الحكــــم
القاضي: زكي عبد الرحمن
التاريخ: 29/1/1992م
هذه العريضة تقدم بها الأستاذ مصطفى محمد أبو إدريس المحامي نيابة عن موكل المدعى في الدعوى المدنية رقم 112/89 أرقو الجزئية يطعن بها في الحكم الصادر بالأغلبية بتاريخ 11/12/1990م من محكمة استئناف المديرية الشمالية في أس م/78/90 بشطب الاستئناف إيجازياً مما أيد ضمناً الحكم الصادر من المحكمة الجزئية في الدعوى المشار إليها فيما تقدم بشطب الدعوى
وتتحصل الوقائع الجوهرية في أن مقدم العريضة أقام الدعوى المشار إليها في مراجعة المواطن حسن محمد فرح جبرة تأسيساً على أنه (أي المدعي) هو المالك المسجل للقطعة 39 حوض 3 قسم 6 السليم البالغ مساحتها10 فدان وبها شتول نخيل وأنه تم الاتفاق بينه وبين المدعي عليه أن يجلب الأخير وابوراً على الأرض وأن تقوم بناء على ذلك شراكة بينهما في النخيل بالمناصفة وأستطرد مقدم العريضة بالقول بأن الاتفاقية ظلت سارية حتى الموسم الشتوي لذلك العام حيث منعه المدعى عليه السقي بالوابور وتعدى على نصف القطعة وقام بزراعتها وبناء على ذلك طلب مقدم العريضة إعلان حقه في القطعة محل النزاع وإزالة التعدي والحكم له بتعويض مقداره 5 ألف جنيه مع فسخ الاتفاق الخاص بالوابور والنخيل
في الرد على الدعوى دفع المدعي عليه بأن هناك اتفاقاً مكتوباً (أودعه) يقضي بالشراكة مناصفة في الأرض والوابور وأن حكماً صدر بذلك ونفذ من محكمة الأرياف بأرقو وأنه استلم النخيل والأرض وتبين من الدفاع أم المدعى عليه هو مجرد وكيل لأبنه الفاضل
كان تعقيب المدعى (مقدم العريضة) على الدفاع هو أنه يصر على دعواه وأنه سوف يقوم بإثباتها عن طريق الشهود
أمرت المحكمة بضم أوراق الدعوى رقم 9/88 محكمة أرياف أرقو للمحضر
( وهي الدعوى التي أشار إليها وكيل المدعى عليه في دفاعه) ثم صاغت نقاط النزاع حيث شملت ما إذا كان الاتفاق على شراكة في الوابور والنخيل وحسب (كما إدعى مقدم العريضة) أم شمل الأرض أيضاً ( كما إدعى المدعى عليه ) وواقعة التعدي وواقعة صدور حكم من محكمة مختصة بطبيعة الاتفاق وتنفيذ الاتفاق على ذلك الفهم وأخيراً موضوع الحق في التعويض
عند سماع الدعوى أصر وكيل مقدم العريضة على أن الاتفاق اقتصر على الشراكة في النخيل والوابور ولكنه أقر في ذات الوقت بصدور حكم إلا أنه أضاف أن القاضي المقيم قام بإلغائه ومع ذلك أقر بالأمر الصادر من محكمة الأرياف بإيقاف موكله من الزراعة ومن الوابور
أما فيما يتعلق بمستند الدفاع ( أي عقد الشراكة ) فإن وكيل مقدم العريضة ذكر في مرحلة المناقشة ما يلي : " في مستند مرفق في القضية دي لكن مزور "
أما شهود الإدعاء فقد وافق منهم الشاهد عياد نصر الدين على ما ذكره الوكيل (ص 16 من المحضر) أما الشاهد فاروق على إبراهيم فقد أقر بأنه أحد شهود مستند الدفاع وأنه فعلاً قام بالتوقيع عليه (ص 18 من المحضر)
وبعد سماع أدلة المدعى عليه أيضاً أصدرت المحكمة حكمها بشطب الدعوى تأسيساً على ما يأتي:-
(أ) إن المدعى فشل في إثبات أن الاتفاق اقتصر على الشراكة في الوابور والنخيل وفي مقابل ذلك أثبت المدعى بمستند أن الاتفاق امتد إلى الشراكة في الأرض ولم يتعد طعن المدعى عليه في المستند قوله بأنه مزور بينما أثبتت الأدلة صحة المستند
(ب) لم يثبت المدعى التعدي الذي ادعاه إذ الثابت أن المدعى عليه دخل الأرض بناء على حكم من محكمة أرياف أرقو تم تنفيذه برضاء المدعى وقد حاز ذلك الحكم الحجية نظراً إلى أن شروطها قد توفرت له
(ج) بعدم ثبوت التعدي يسقط الحق في التعويض المطالب به
لم يقبل مقدم العريضة بهذا الحكم فطعن فيه أمام محكمة الاستئناف إلا أنها شطبت الاستئناف على ما نوهنا به من قبل فقد قام قرارها على ثبوت الاتفاق وفق ما دفع به المدعى عليه وعلى أن حكم محكمة أرياف أرقو فعلاً حاز على الحجية وفي هذا قام قرار الأغلبية على القياس على الأحكام الصادرة في كل من قضية أحمد إسماعيل أحمد ضد مهدي عبد الحميد ( مجــلة الأحكام القضائية لسـنة 1976م ص 86) وقضية عبد الملك أحمد البرير ضد هاشم محمد أحمد البرير (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1980م ص 250) أما الرأي المخالف في الحكم فقد بني على أن حكم محكمة الأرياف لم يحز على الحجية نظراً إلى أن تلك المحكمة ليست مختصة نوعياً في النزاع وإن ما يمكن التجاوز عنه هو عدم الاختصاص القيمي
يطعن مقدم الطلب في هذا الحكم إذ ينعي عليه بما يلي:-
(أ) بدأت محكمة الموضوع في الفصل في النزاع بناء على ما قدم من أدلة ولكنها سرعان ما دلفت إلى موضوع حجية الأمر المقضي به بينما الحجية تمنع مناقشة ما سبق التقرير فيه
(ب) رجحت المحكمة شهادة أحد شهود الإدعاء وأطرحت بقية الأدلة
) طعن وكيل المدعى (مقدم العريضة ) بأن مستند الدفاع مزور ومع ذلك لم تقم المحكمة بالتحقيق في الأمر كما ينبغي قانوناً
(د) حكم محكمة أرياف أرقو الذي اعتمدت عليه المحكمة وخلافاً لما انتهى إليه قرارها حكم لا يتمتع بالحجية نظراً إلى أن شرط الاختصاص لا يتوفر له بسبب أن تلك المحكمة لا ينعقد لها الاختصاص في " الدعاوى المتعلقة بملكية أو حيازة أموال عقارية الخ " وقياس محكمة الاستئناف على سابقة أحمد إسماعيل أحمد ضد مهدي عبد الحميد قياس مع الفارق لأن تلك السابقة تتعلق بالاختصاص القيمي بينما الاختصاص في هذا النزاع يتعلق بالنوع وهو ما استقر عليه الفقه والقضاء على أنه من مسائل النظام العام التي يجوز للخصوم التنازل عنها وتقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها وفي هذا إشارة محامي مقدم العريضة إلى حكم المحكمة العليا في قضية ريا عبد اللطيف ضد بديعة سليمان حسن المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1972م ص 71
أما فيما يتعلق بالحكم في قضية عبد الملك البرير ضد هاشم محمد أحمد البرير الذي استشهدت به محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه فإن محامي مقدم العريضة يرى أنه حكم يتعلق بالاختصاص المحلي وهو ما لايجوز القياس عليه أيضاً في تقدير المحامي الجليل
وتأسيساً على الأسباب المشار إليها يطلب محامي مقدم العريضة نقض الحكم المطعون فيه
وحيث أنه من الثابت أن محامي مقدم العريضة أعلن بالحكم المطعون فيه في 30/12/1990م وتقدم بهذه العريضة في 14/1/1991م فإن العريضة تكون مقدمة خلال الميعاد المقرر قانوناً للطعن وعليه تكون مقبولة شكلاً
أما من الناحية الموضوعية فإن الطعن بكافة أوجهه مردود عليه بأنه لما كان سبب الدعوى هو التعدي فإن دفع المسئولية عن ذلك يتحقق بمجرد إثبات المدعى عليه لسند شرعي لوجوده في الأرض محل النزاع ولا حاجة في ذ لك إلى إثبات أن حكم محكمة أرياف أرقو قد حاز على حجية بل يكفي فيه إثبات ما دفع به المدعى عليه من أن هناك اتفاقاً يقضي له بنصف القطعة المملوكة لمقدم العريضة وإن كان لحكم محكمة الأرياف أثر في هذا فإنما يكون ذلك لأغراض إثبات شرعية حيازة المدعى عليه الأرض محل النزاع (حتى إذا كانت تلك المحكمة غير مختصة ) دون أن يمتد أثر الحكم إلى نقل ملكية نصف الأرض للمدعى عليه
وبالنظر إلى الأدلة المقدمة فإنه يبين أن ما انتهت إليه عقيدة محكمة الموضوع من أن المدعى عليه أثبت ما دفع به من اتفاق في هذا الشأن حكم محمول على أدلة كافية ولا يعدو ما ينعي به عليه مقدم العريضة أن يكون جدلاً حول تقدير الأدلة لا مسوغ له مما استقر عليه قضاء هذه المحكمة
إنه صحيح أن الحجية لا تتحقق لأي حكم ما لم تكن المحكمة التي أصدرته مختصة والاختصاص هنا هو الاختصاص النوعي والقيمي دون الاختصاص المحلي ولا سند في هذا الشأن للتفريق بين الاختصاص القيمي والنوعي (الموضوعي) أصلاً في القانون السوداني إذ لا أثر فيه لما هو معمول به في القانون المصري أو غيره من النظم القانونية الأخرى وخلافاً لما هو معمول به أيضاً في القانون المصري فإن ما استقر عليه القضاء عندنا هو المسائل المتعلقة بالاختصاص من الأمور التي يلزم التمسك بها في المرحلة الابتدائية بحيث لا تجوز إثارتها بعد صدور الحكم وهذا ما قضت به هذه المحكمة في قضية أحمد إسماعيل أحمد ضد مهدي عبد الحميد (م ع/ط م/14/76) التي استندت إليها محكمة الاستئناف بحق في حكمها المطعون فيه إذ يعد قبوله الاختصاص تنازلاً عن أي دفع بشأنه وتأسيساً على ذلك فإنه يلزم أيضاً التمسك بالحجية في مرحلة الدعوى الابتدائية أيضاً وإلا أعتبر عدم التمسك تنازلاً ( علي إبراهيم /ضد/ حاج عبد الله إبراهيم نشرة الأحكام الشهرية الأخيرة لسنة 1983م ص 49) ويترتب على ذلك بمفهوم المخالفة أن يدفع من يعترض على الحجية في تلك الحجة في تلك المرحلة أيضاً
وبالنظر إلى ما تم في هذا النزاع فإن ما يبين هو أن المدعى عليه دفع بحجية حكم محكمة أرياف أرقو إلا أن مقدم العريضة ورغم أن هذه المسألة كانت من نقاط النزاع لم يقدم من جانبه أية حجة مما أثارها في محكمة الاستئناف ويسعى إلى إثارتها أمامنا الآن ولهذا فإنه يمتنع عليه أن يثير الأمر الآن فلو أن مقدم العريضة كان قد أثار حجية في هذا الشأن لأمكن أن يتصدى لها المدعى عليه في حينه ولأمكن لمحكمة الموضوع ذاتها أن تقرر في الأمر بناء على ما يقدمه طرفا الخصومة وما تقوم به من تلقاء نفسها من تحقيق حول ما إذا كانت محكمة الأرياف مختصة فيما تصدت له من نزاع وما إذا كان النزاع أصلاً حول الملكية أم لا؟
على أن موضوع اختصاص محكمة الأرياف وحجية ما أصدرته من حكم لم يكن منتجاً أصلاً للفصل في النزاع كما سبق أن قلت إذ أن الدفع عن الدعوى (وقد كانت متعلقة بالتعدي) لم يكن في حاجة إلى حجية الحكم الذي دخل به المدعى عليه في الأرض محل النزاع بل كان يكفي فيه إثبات الشرعية المبدئية لذلك الدخول وهي ما أثبته المدعى عليه بأدلة مباشرة مما يعد معه حكم محكمة الموضوع في شأن الحجية تزيداً لا مبرر له
ولعله يلزم التنبيه أيضاً إلى أنه وطالما لم يحرص المدعى عليه على إقامة دعوى فرعية يؤكد من خلالها ما قررته له محكمة أرياف أرقو من حق على نصف القطعة رقم 39 حوض 3 قسم 6 السليم محل النزاع فإنه ليس في حكم محكمة الموضوع المطعون فيه ما يكفل له حق الملكية في تلك الأرض ويبقى أن يتدبر المدعى عليه أمره في هذا الشان بمعزل عن الحكم المطعون فيه
أما النعي بأن محكمة الموضوع لم تحقق فيما ذكره وكيل مقدم العريضة في معرض تقديم أدلته عن أن مستند الدفاع مزور فإنه نعي لا محل له إذ أن الطعن بالتزوير لا يرد على هذا النحو العرضي العام وإنما يلزم فيه أن يكون مباشراً وواضحاً بحيث يتضح ما إذا كان الطعن يتعلق بالتحرير أم التوقيع ثم أنه وبصرف النظر عن صرامة إجراءات التحقيق فقد ثبت صحة المستند بشهادة واحد من شهود الإدعاء أنفسهم مما أغنى عن أي تحقيق رسمي في الطعن حتى بفرض سلامة الأسلوب الذي قدم به
خلاصة القول إذن أن حكم محكمة الموضوع بشطب الدعوى لعدم ثبوت واقعة التعدي المدعى بها حكم سليم في نتيجته وبذلك فإن حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه وفيما قضي به من تأييد الحكم لا يكون مشوباً بأية مخالفة للقانون في تطبيقه أو تأويله مما يتعين معه شطب عريضة الطعن إيجازياً
القاضي: جون أونقي كاسيبا :
التاريخ: 4/2/1992م
أوافــق
القاضي: محمد عبد الرحيم علي
التاريخ: 11/2/1992م
أوافــق

