محاكمة: فيصل مأمون دفع الله وآخرين
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد / محمـد أبوبكـر محمـود قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ دبدرية عبد المنعم حسونة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد سعيد بابكر خوجلي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / سليمان محمــد شايب قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / عثمان الصديق أحمــد قاضي المحكمة العليا عضواً
محاكمة: فيصل مأمون دفع الله وآخرين
م ع/ط ج/285/2003م
مراجعة/20/2003م
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – جواز الصلح في الحق الخاص – المادة 36(1) من القانون
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – الإذن في فتح الدعوى الجنائية – المادة 35(1) من القانون
المبدأ:
1- لا يجوز قبول الصلح في دعوى ضد الحق العام لأن ما يتصالح عليه هو الحق الخاص
2- وكيل الخصومة لا يملك حق الصلح وكذا فإن الوكيل بالصلح لا يملك المرافعة في الدعوى الجنائية
3- إذا حركت الدعوى الجنائية بدون أحذ الإذن الواجب من الجهة المختصة مخالفة بذلك نص المادة 35(ب) أولاُ من قانون الإجراءات الجنائية فإن الدعوى تكون باطلة وبطلان الدعوى يبطل الصلح الذي تم فيها
ملحوظة المحرر:
المادة 36(1) تتضمن حق صاحب الحق في التنازل عن الدعوى المؤسسة على الحق الخاص أما صاحب الحق الخاص في دعوى بالحق العام فإنه يتنازل عن حقه الخاص المستند إلى الحق العام بالتالي فإنه يتنازل عن حقه الخاص ولا يترتب على ذلك شطب الدعوى العامة
الحكــم
القاضي: محمد سعيد بابكر خوجلي
التاريخ: 15/5/2003م
في الدعوى الجنائية بالبلاغ 5533/2001م بتاريخ 21/5/2001م شرطة جبل الأولياء الكلاكلة والبلاغ 2705/2001م بتاريخ 21/5/2001م شرطة جبل الأولياء وجهت النيابة تهمة للمتهمين تحت المادة 178 جنائي وأحالت محضر التحري إلى محكمة جنايات النصر من الدرجة الأولى التي نظرت الدعوى الجنائية إيجازياً تحت الرقم إ/56/2001م إذ قررت شطب الدعوى الجنائية تحت المادة (178) جنائي 1991م لتنازل المدعى حيث حضر في الجلسة المحددة لنظر الدعوى جميع المتهمين ومحامي الدفاع والمدعى ومحامي الاتهام حيث تنازل ممثل الاتهام عن الدعوى الجنائية وطلب شطب الدعوى وتسليم المعروضات للمتهمين وذلك في جلسة 3/1/2002م بحضرة المدعى الذي لم يعترض على طلب الأستاذ محامي الاتهام بالتنازل عن الدعوى وتسليم المعروضات فحصت محكمة الاستئناف الخرطوم الإجراءات فأصدرت الحكم رقم أ س ج/297/2002م بإلغاء القرار بشطب الدعوى الجنائية وأمرت بإعادة السير في الدعوى
تقدم الأستاذ محامي المتهمين بطلب لنقض الحكم أ س ج/197/2002م ينقم على الحكم مخالفة المادة (185) إجراءات جنائية والمادة 36(1) من ذات القانون
كما طعن في الحكم بمخالفة المادة 5(ح) من قانون الإثبات وطلب إلغاء الحكم
أصدرت المحكمة العليا موضوع طلب المراجعة رقم م ع/ط ج/285/2002م بتأييد الحكم المطعون فيه وشطب الطلب بتاريخ 14/11/2002م
تقدم الأستاذ طارق أحمد بدر والأستاذة مسعودة عوض بطلب لمراجعة الحكم القاعدة الأساسية في قانون الإجراءات الجنائية 1991م أن أحكام المحكمة العليا نهائية وقد أجازت المادة 88(أ)(1) من قانون الإجراءات الجنائية تعديل 1998م لسعادة رئيس القضاء تشكيل دائرة من قضاة المحكمة العليا لمراجعة أي حكم صدر منها إذا انطوى على مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية أو القانون تطبيقاً وتفسيراً لمراجعة الحكم الصادر من المحكمة العليا يجب أن ينطوي الحكم على مخالفة لحكم شرعي قطعي الثبوت والدلالة بالقرآن الكريم أو السنة المطهرة حيث أن الأصول الشرعية للأحكام هي القرآن الكريم أو السنة أو الإجماع وهي الأصول التي أجمع عليها فقهاء علم الأصول أنظر كتاب الأصول للإمام السرحسي ويجب على طالب المراجعة بيان الحكم الشرعي القطعي الثبوت والدلالة بالقرآن الكريم أو السنة أو الإجماع إذ أن آراء واجتهادات الفقهاء في المذاهب غير المجمع عليها لا تعتبر حكماً شرعياً يوجب مراجعة الحكم وفق مقتضى نص المادة 188(أ)(1) من قانون الإجراءات الجنائية تعديل 1998م
أرى أن موجبات المادة 188(أ)(1) من قانون الإجراءات الجنائية قد توفرت بما يوجب قبول الطلب
من الناحية الموضوعية وفيما يتعلق بمخالفة الحكم لأحكام الشريعة الإسلامية وبما رمى به طالب المراجعة فلا خلاف في أن الصلح حكم شرعي ثابت بنص قطعي الثبوت والدلالة من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع متى توفرت شروط صحته الشرعية وهو عند الفقهاء عقد يتوصل به إلى الإصلاح بين المختلفين وقد تناول الفقهاء أنواعه فقد يقع الصلح على الإقرار وقد يقع على الإنكار وهو جائز كما ذكرنا بين الناس بشروطه الشرعية فلا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً من حيث محل الصلح أنظر رسالة سيدنا عمر بن الخطاب إلى إبي موسى الأشعري فالصلح عند الفقهاء عقد يترتب عليه رفع الخصومة فإن جرى على النفي فهو هبة أو براءة وإن جرى على غيره فبيع أو إجارة ويجب النظر في أسبابه وشروطه من حيث الصيغة وهو يصح بأي صيغة كانت ولفظ ومن حيث الشروط وجود العاقد أنظر في الشروط كتاب الغاية القصوى في دراية الفتوى للإمام البيضاوي الجزء الأول صفحة 519 وقد يكون الصلح على الإسقاط وهو جائز مطلقاً وقد يكون على عوض والصلح جائز إلا إذا أدى لحرام (القوانين الفقهية لابن جزي صفحة )286 ومن أهم شروط عقد الصلح شرطان الأول أن يكون المصالح عنه من حقوق المصالح العاقد فإذا كان المصالح عنه حقاً من حقوق الله أو الحق العام فالصلح باطل جاء في مجلة الأحكام العدلية الجزء الرابع صفحة (11) علي حيدر إذا تقدم أحد لصاحب الحائط المائل للانهدام على الطريق العام حسب الأصول ثم تصالح مع صاحب الحائط فلا يصح الصلح المادة (938) مجلة الأحكام العدلية أما إذا كان المصالح عنه ليس بحق للمصالح فلا يصح وكذلك إذا أحدث شيئاً مضراً في الطريق العام فادعى عليه آخر بطلب رفعه حسب صلاحيته ثم تصالح مع المدعى عليه كان الصلح الواقع باطلاً (درر الحكام الجزء الرابع صفحة 12) ومن ثم فلا يجوز الصلح في جرائم الحق العام كما يشترط لصحة الصلح أن يكون موضوع الصلح أي المصالح عنه حقاً خاصاً بالمصالح لذلك يشترط لانعقاد الصلح الإيجاب والقبول والعاقد وقد يكون العاقد أصيلاً وقد يكون وكيلاً بالصلح لا وكيلاً بالتقاضي فقط فالوكالة بالخصومة فيها العموم والتحقيق وليس لوكيل الخصومة عقد الصلح أو الإجراء دون توكيل صريح بالإبراء أو الصلح انظر كتاب رد المختار على الدر المختار (ما شبه ابن عابدين) ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية الجزء الثالث فالوكالة بالخصومة لا تفيد الوكالة بالقبض أو الإبراء أو الصلح إن النيابة العامة وهي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى الجنائية وفق أحكام قانون الإجراءات الجنائية وتملك حق تمثيل الإدعاء بمقتضى نص المادة 136(1) فإنها لا تملك سلطة إقامة الوكلاء بالخصومة في دعوى بالحق الخاص كما لا يجوز لأي ممثل قانوني أقامته النيابة لإبراء أو عقد الصلح حيث أن وكيل الخصومة كما ذكرنا لا يملك حق الصلح وكذا فإن الوكيل بالصلح لا يمكنه المرافعة في الدعوى الجنائية وليس في نص المادة 136(2) من قانون الإجراءات الجنائية 1991م يفيد سلطة النيابة في تعيين الوكلاء بالخصومة أو الصلح في الحقوق الخاصة لذلك فإن الشخص الذي أقامته النيابة ممثلاً قانونياً عن باقي المدعين لا يملك سلطة الصلح والقبض المصالح عليه فمثل هذا الصلح يقع باطلاً ولا أثر له برفع النزاع وقطع الخصومة هذا من جانب ومن آخر فالثابت أن الدعوى الجنائية حركت دون أخذ الأذن الواجب بنص المادة 35(ب) أولاً من قانون الإجراءات الجنائية 1991م فالمتهم الأول والثاني هما من طائفة الموظفين بالدولة يشغل واحد منهما وظيفة ضابط إداري وكانت بسبب أداء الواجب الرسمي أو أثناء ذلك الأمر الذي كان يوجب أخذ الأذن من الجهة المختصة مخالفة بذلك نص المادة 135(ب) أولاً من قانون الإجراءات الجنائية فإن إلغاء جميع الإجراءات هو الجزاء القانوني لمخالفته المادة135(ب) أولاً من قانون الإجراءات الجنائية وذلك ببطلان الدعوى الجنائية إن بطلان الدعوى الجنائية يترتب عليه بطلان الصلح فقد ذهب الفقهاء إلى عدم جواز الصلح في الدعوى الباطلة إن بطلان الدعوى يترتب عليه بطلان الصلح أنظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام المجلد الرابع صفحة (8) هذا من ناحية ومن أخرى فإن وكالة المحامي عن الخصم وكالة بالتقاضي وقد تكون مقيدة وما لم ينص صراحة على الصلح والقبض فإن المحامي ليس له القبض أو الصلح ذلك أن الوكالة بالخصومة ليست من الوكالة العامة إن الوكيل بالخصومة ليس له عقد الصلح أو الإبراء بسبب أن الصلح والإبراء ليست من قبيل الخصومة أنظر كتاب (رد المختار على الدر المختار) كما أن الوكالة بالخصومة لا تفيد سلطة القبض أو الصلح عن المدعى محضر الإجراءات لا يكشف أن محكمة الموضوع قد استوثقت من تمثيل الأستاذ المحامي الذي صالح لجماعة المدعين وكان واجب المحكمة الاستيثاق من ذلك الأمر الذي يترتب عليه بطلان الصلح لعدم الصفة خاصة وأن الوكيل بالخصومة كما تناولنا لا يملك الصلح حتى إذا ثبتت وكالته لجميع المدعين وعلى المحكمة مراعاة ذلك مستقبلاً ومن جانب النيابة فرغم الخطأ بفتح الدعوى الجنائية بدون إذن فقد حالف عدم التوفيق النيابة في التكييف القانوني للوقائع وعاملت الإجراءات بنوع من عدم الاكتراث والدقة والاهتمام كما نرى أن محكمة الموضوع لم تتريث في قبول الصلح حيث أن موضوع الدعوى يمس الحق العام وإن أخطأت النيابة التهمة ونحسب أن محكمة الموضوع قد اعتقدت إنها ملزمة لا سيما وأن التهمة جاءت خطأ بالتهمة التي صاغتها النيابة وعليه ولما كان قضاء المحكمة العليا الموقرة لم يستند لهذه الأسباب مجتمعة فإننا نرى قبول الطلب وإصدار حكم يقضي ببطلان جميع الإجراءات من مرحلة فتح الدعوى الجنائية وتقرير بطلان الصلح وعلى النيابة إتباع ما نصت عليه أحكام قانون الإجراءات الجنائية 1991م
القاضي: د بدرية عبد المنعم حسونة
التاريخ: 20/5/2003م
أوافق
القاضي: محمد أبوبكر محمود
التاريخ: 22/5/2003م
أوافق
القاضي: سليمان محمد شايب
التاريخ: 27/5/2003م
بعد الإطلاع والمراجعة ومع احترامي للأخ صاحب الرأي الأول إلا أنني أجد نفسي اختلف معه في قراراه الذي توصل إليه وأرى أن نذهب إلى تأييد القرار الذي أصدرته المحكمة العليا وهو القرار رقم / م ع/ط ج/ 285/2002م الصادر بتاريخ 4/11/2002م وأن نقرر رفض طلب المراجعة وذلك لأننا لو أخذنا بما ذهب إليه الأخ صاحب الرأي الأول في قراره فسوف يستفيد المتهمان الأول والثاني وهما موظفان عموميان (ضابطان إداريان) من إقراره الذي ذهب إليه لأن هذه الجريمة تمس الحق العام والنظام العام والمصلحة العامة ولا يجوز فيها الصلح البتة كما أنهما لا يستحقان المبالغ المعروضات التي ردت إليهما لأنها تخص التجار حسب الإفادات المذكورة بأوراق الدعوى الجنائية والتي جاء فيها بأنها قد دفعت إليهما من قبل التجار وأنهما قاما بتحصيلها منهم لإعطائهم أماكن مميزة بسوق (6) التابع لمحلية النصر فإنني أرى أن المناسب أن لا نذهب إلى بطلان جميع الإجراءات بدءً من مرحلة فتح الدعوى الجنائية وإخـلاء سبيل المتهمين هكذا ليستفيدا من هـذا القـرار وبالتالي من المبالغ التي ردت إلـى المتهمين وهـم لا يستحقونها وأنـه من المعلـوم وحسب نص المادة (206) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م لا يكـون الخطأ في قبول البينة أو وجـود عيب شكلي في الإجـراءات سبباً في إلغاء أي تدبير قضائـي إذا كان فـي جوهره سليماً ولم يترتب عليه إضرار مقدر بأي من الخصوم بل من الواضح أن المصلحة العامة والنظام العام سوف يتضرران ضرراً بليغاً جداً لو ذهبنا إلى الأخذ برأي الأخ صاحب الرأي الأول وقررنا بطلان جميع الإجراءات منذ مرحلة فتح الدعوى الجنائية وحتى المرحلة التي وصلت إليها في نهايتها وأن المستفيد الأول والأخير هم المتهمون وبلا أدنى سبب معقول ولكل ما ذكرته ومراعاة للمصلحة العامة والنظام العام وتطبيقاً لنص المادة (206) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م المشار إليها آنفاً أكرر قولي بأن نذهب إلى تأييد قضاء المحكمة العليا ورفض طلب المراجعة لأن حكم المحكمة العليا المذكور لم ينطو على أي مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية أو القانون والله المستعان وعليه التكلان
القاضي: عثمان الصديق أحمد
التاريخ: 1/6/2003م
أوافق على النتيجة التي وصل إليها رأي الأغلبية وإنْ كنت أخالفهم في الأسباب التي استندوا عليها وأرى أن محكمة الموضوع أصدرت قرارها وفقاً للقانون فإن كان الصلح جاء على لسان محامي الشاكي إلا أنه في حضور الشاكي وبلسان محاميه فالصلح وقع صحيحاً والإجراء الشكلي لا يشكل سبباً لبطلان الدعوى
الأمر النهائي:
1- قبول الطلب
2- بطلان ما تم من إجراءات على أن يراعى إتباع ما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م المادة 135(ب)
محمد أبو بكر محمود
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
2/6/2003م

