محاكمة: آدم عيسى علي
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد / عبد العزيز الرشيــد قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / محمـد إبراهيم محمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / عبدالله الفاضل عيسـى قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محجـوب الأمين الفكي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / عبد الله العوض محمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
محاكمة: آدم عيسى علي
م ع/غ إ/إعدام /20/2003م
القانون الجنائي لسنة 1991م – جريمة الحرابـة - المادة (167) من القانون
المبدأ:
الركن المادي في جريمة الحرابة الخروج لقطع الطريق أو إرهاب العامة وينظر للقصد وقت الخروج لأن القصد اللاحق يغير من وصف الجريمة
الحكــم
القاضي: عبد العزيز الرشيد
التاريخ: 14/3/2003م
أدانت محكمة جنايات نيالا المتهمين (1) آدم عيسى علي (2) ضحية سليمان مهل أدانتهما تحت المواد (130) و (139) و (175) من القانون الجنائي 1991م والمادتين (26) و (42) من قانون الأسلحة والذخيرة وحكمت عليهما تحت المادة 130(2) (بعد تنازل أولياء الدم) بالدية الكاملة وقدرها ثلاثة ملايين ديناراً تدفع لأولياء دم المرحوم سعيد عبد الله مطر بالتضامن والانفراد وبالسجن لمدة عشر سنوات لكل منهما وتحت المادة (139) بتعويض المصاب الزين عبد الله مطر المبلغ الذي نهب منه وقدره ستة وعشرون ألف جنيه نقداً ودية ناقصة قدرها خمسة وسبعون ألف دينار بالتضامن والانفراد وبالعدم السجن لمدة عام على أن تسري عقوبات السجن بالتتابع وتحصل الدية بالطريق المدني وتحت المادة (157) بالسجن ثلاث سنوات لكل واحد منهما بالتتابع وتحت المادتين (26) و (42) أسلحة بالإعدام شنقاً حتى الموت إعمالاً لمنشور رئيس الجمهورية رقم 175 باعتبار دارفور منطقة منزوعة السلاح
كما أدنت المتهم عبد الكريم جبارة بموجب المادة (107) من القانون الجنائي 1991م وحكمت عليه بالسجن لمدة خمس سنوات اعتباراً من 16/6/2001م وقـد أيدت محكمـة استئناف ولاية جنـوب دارفور هذا الحكم بقرارها رقم 195/2001م بتاريخ 2/12/2001م وبعثت إلينا بالأوراق للتأييد
خلاصة الوقائع بتاريخ 3/10/2000م وعندما كان المجني عليهم عائدين من سوق نيالا إلى قريتهم مهاجرية وعند الكيلو 18 إلى الجنوب من طريق زلط (نيالا-كاس) ظهر لهم المتهمان الأول والثاني راكبين على ظهر جملين وسألا المجنى عليهم عن وجهتهم وقبيلتهم ثم انصرفا وظهرا مرة أخرى وكلاهما مشهر سلاحه (بندقية كلاش) وطلبا من المجنى عليهم تسليمهما الجمال وما معهما من أموال وأمتعة وعندما رفضوا ذلك أطلقا النار عليهم وأصيب المجني عليه سعيد عبد الله مطر بطلقه في رأسه أودت بحياته في الحال وأصيب كل من الزين عبد الله وعثمان حبيب بطلقة في رجله اليمنى وسببتا لهما أذاً بالغاً وتمكن المتهمان من أخذ الجمال والمال والأمتعة ووليا هاربين وأبلغ الشرطة المدعو آدم خبورة وبتتبع أثر الجناة بفريق سليمان جمعون وفريق المدعو عيسى عبد الكريم تم القبض عليهما كما تم القبض على من آواهما وهما عيسى عبد الكريم والهادي أحمد وصدر في مواجهة بقية المتهمين الحكم آنف الذكر
أيضاً تقدم إلينا الأستاذ أحمد عبد الله عبد الرحمن محمد المحامي نيابة عن المحكوم عليهم بهذا الطلب لفحص تلك الأحكام وقد جاء بطلبه ما يمكن إيجازه فيما يلي:
1- اعتمد قرار الإدانة على شهادة المجني عليهم وعلى تعرفهم للجناة من خلال طابور الشخصية الذي صاحبته كثير من الأخطاء الإجرائية القانونية فقد عرض المتهمين على المجني عليهم عند القبض عليهم وهذا ما يجعله غير صالح كدليل لتأسيس الإدانة
2- إفادات شهود الاتهام حول وصف الجناة جاءت مضطربة ومختلفة مما يجعلها مشكوكاً فيها وتشكل شبهة وفق لنص المادة (65) من قانون الإثبات والشبهة يجب أن تفسر لصالح المتهم
3- المحكوم عليهم لم يكونوا بمسرح الجريمة ووجودهم كان بمنطقة تبعد عن مسرح الجريمة بأربعين كيلو متراً والحادث كان يوم الثلاثاء 3/10/2000م والمتهمون نزلوا ضيوفاً بطريق الشيخ جمعون في يوم الحادث قبل منتصف النهار حتى تم القبض عليهم وهذا ما أكده شهود الدفاع فكيف يكونان قد ارتكبا الجريمة؟؟
4- لم يتم ضبط أي أسلحـة لدى المتهمين حتى يحاكما تحـت المادة (26) و (42) من قانون الأسلحة وأخيراً يطالب بإلغاء الإدانة والعقوبة
بمراجعتي لسائر الأوراق تحت المادتين (181) و (188) إجراءات جنائية أجد أن الوقائع تشير إلى ارتكاب المتهمين الأول والثاني لجريمة الحرابة المنصوص عليها بالمادة (167) من القانون الجنائي1991م مستخدمين الأسلحة النارية بقصد القتل والأذى ونهب الأموال وقد شكل فعلهما هذا أكثر من جريمة حسبما تضمنته ورقة الاتهام
لقد أكد ثلاثة من شهود الاتهام وهم الزين عبد الله مطر وعثمان حبيب وعلي أحمد البشير أكدوا أن المتهم الأول والثاني قد اعترضا طريقهم عند عودتهم من سوق نيالا على بعد 18 كيلو من شارع الزلط وطلب منهم تسليم أموالهم وأمتعتهم وجمالهم التي يركبونها ولما رفضوا تسليمها أطلقا عليهم أعيرة نارية من أسلحتهم الكلاش التي كانوا يحملونها وأصابا المجني عليه سعيد بطلقة في رأسه أودت بحياته في الحال وأصيب كل من الزين عبد الله وعثمان حبيب بطلقة في رجله اليمنى سببت لكل منهما أذى جسيماً وأخذا الجمال وأمتعة المجني عليهم ووليا هاربين
وما ذكره مقدم الطلب غير صحيح ولا يتفق مع ما هو مدون بمحضر التحقيق والمحاكمة فقد ذكر شهود الاتهام أنهم تعرفوا على الجانيين لأنهما لم يكونا ملثمين ولأنهم تحدثوا معهم كثيراً قبل أن يشهروا أسلحتهما وإن الرؤية كانت واضحة ولم يختلفوا أو يضطربوا في وصفهم بما يخل بشهادتهم
لقد أخطأت محكمة الموضوع بتجاوزها لهذه الجريمة بعد أن توافرت لديها عناصرها ورأت أن نص المادة (23) إثبات لا يسمح بقبول شهادة المجني عليهم لأنها شهادة مدعي لنفسه
وقد أيدتها في ذلك أيضاً محكمة الاستئناف دون سند مقبول
إن المجني عليهم عندما يكونون أكثر من واحد كما في هذه الجريمة فإن شهادتهم بالنظرة الدقيقة لا تكون شهادة مدعين لأنفسهم من كل وجه بل تكون شهادة كل واحد منهم للآخر طالما لم تكن شهادته منصبة حول نفسه أما إذا كان المجني عليه فرداً واحداً فإن شهادته لا يمكن قبولها لأنه سيكون قطعاً قد شهد لنفسه هذا ما قرره جمهور الفقهاء وأيدته السوابق القضائية ولا تعارض بينه وبين نص المادة (23) إثبات كما قد يتبادر للبعض من ظاهر النص
أما الاتهام تحت المواد الأخرى فأرى أنه يندرج تحت هذه الجريمة إعمالاً لنص المادة (40) من القانون الجنائي أما بالنسبة لإدانة المتهم عبد الكريم سبارة تحت المادة (107) من القانون الجنائي1991م فأرى أنها قد جاءت صحيحة ويجب تأييدها فقد أثبت شهود الاتهام تستره على الجناة بما لا يدع مجالاً للشك وتم العثور على أحد البنادق بالقرب من مكان وجودهم وعليه أرى أن نؤيد إدانة المتهم عبد الكريم وأن نؤيد العقوبة وأن نلغي الإدانة والأحكام التي أصدرتها محكمة الموضوع بشأن المدانين الأول والثاني وأن يظلا بالحبس لحين إعادة محاكمتهما على ضوء ما جاء بهذه المذكرة
القاضي: عبد الله الفاضل عيسى
التاريخ: 6/5/2003م
عفواً أخي عبد العزيز اسمح لي أن أبدي رأياً آخر:
صحيح أن البينة الكافية الموضوعية لإدانة المتهمين واردة لكني لا أكيف فعل المتهمين (المدانين) حرابة لأنهما لم يخرجا لقطع الطريق وقطعا ليس لإرهاب العامة فهما في مسيرهما وجدا المجني عليهم أمامهما وسارا معهما بعض الوقت ثم أخرجا سلاحهما لطمعهما في الجمال واكتفيا أخيراً بالأمتعة دون الجمال فهذه سرقة وسرقة مشددة بالتالي هي نهب أما حيازة السلاح دون ترخيص فنعم وعقوبتها الإعدام نعم – تعزيراً وهذا يستتبع أخذ موافقة رأس الدولة أما وأن الأمر لا يشكل حرابةً بل هو نهب فلأن خروج الجاني بقصد مصاحب ينعقد عند الخروج شرط لقيام جريمة الحرابة وقد اشترط المشرع لإحدى صورتي الحرابة قطع الطريق وقطع الطريق لا يكون إلا بالخروج إليه داخل أو خارج العمران مع الوضع في الاعتبار طبعاً تعذر الغوث فبدونه أيضاً لا تتحقق الحرابة
قال الشهيد عودة رحمه الله على ص 638 من التشريع الجنائي ح2 (وجريمة الحرابة وإن سميت بالسرقة الكبرى إلا أنها لا تتفق تمام الاتفاق مع السرقة فالسرقة أخذ المال خفية والحرابة هي (الخروج) لأخذ المال على سبيل المغالبة وركن الحرابة هو الخروج لأخذ المال سواء أخذ المال أو لم يؤخذ ) على ذلك فالأمـر يتوقف على قصد الجاني وقت خروجه لا ما تحقق بعد خروجه فإن خـرج بقصـد المال ولم يتحقق أخذ المال فإنه بالحـد الأدنـى قطع الطريق وقد خرج أصلاً قاصداً قطع الطريق ليأخذ المال
يقول الشهيد على ذات الصفحة الأولى وإذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخاف السبيل ولم يأخذ مالاً ولم يقتل أحداً والثانية إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخذ المال وقتل في هذه الحالات الأربع يعتبر الشخص محارباً ما دام قد خرج بقصد أخذ المال على سبيل المغالبة ) وهنا يؤكد الشهيد عودة على الخروج كركن أساسي ومصاحب للخروج بقصد أخذ المال مغالبة وهذا واضح ارتباط الخروج بالقصد منه وقت الخروج ويؤكد صاحب الفقه على المذاهب الأربعة على الخروج إلى الطريق العام حيث قال ص 909 من ح5 (اتفق الأئمة على أن من خرج في الطريق العام وأشهر السلاح مخيفاً لعابر السبيل خارج المضر )
وقال صاحب الفقه الإسلامي وأدلته ح6 ص 129 (ركنه: هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع المرور )
ومن هذا يتضح أيضاً أن الخروج مصحوب بقصد الجاني منه وهو أخذ المال ولتطبق ذلك لابد من بينة تثبت هذا القصد ولا يفترض القصد بل يثبت بكل وسائل الإثبات على ذلك وبالرجوع للوقائع المعطاة فإن الثابت أن الجناة والمجني عليهم إنما كانوا رفقة جمعهم الطريق وليس من بينة تقول أن الجناة قد علموا مسبقاً بحركة المجني عليهم وخرجوا إليهم (قطعاً لطريقهم) بقصد أخذ أموالهم
فلا جدال في قيام جريمة السرقة والقتل وحيازة السلاح بدون ترخيص وهذه كلها جرائم تعزيرية لأن السرقة مع استعمال القوة الجنائية نهبْ والقتل بقصد الحصول على المال إن لم يكن في حال الخروج المصحوب بذات القصد فإنه يظل قتلاً عمداً وراجع تعريف الحرابة في (الفقه الإسلامي وأدلته ج6 ص 129) فالحرابة إذا هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة) فالقصد هنا مصاحب للخروج هو قصد المال أما إذا كان الخروج بَدْءً لارتكاب جريمة ضد النفس فهي ليست حرابة لعدم قيام قصد تحقق الخروج (الحصول على المال)
على هدى من هذا كله فإنني أستميح مولانا/ عبد العزيز الرشيد عذراً أن يكون ما ذهبت إليه مخالفاً لما ذهب إليه – وأرى أن نؤيد قضاء محكمة أول درجة المدعوم بقرار محكمة ثاني درجة ومخاطبة رئيس الجمهورية بشأن الإعدام تعزيراً
القاضي: عبد الله العوض محمد
التاريخ: 28/5/2003م
أوافق على ما انتهى إليه مولانا/ عبد الله الفاضل
القاضي: محجوب الأمين الفكي
التاريخ: 1/6/2003م
أوافق زميلي عبد الله الفاضل فيما ذهب إليه أنه لا بد أن يكون الخروج على المارة بقصد أخذ المال علـى سبيل المغالبة ولا بد أن يصاحب القصد ذلك وبالتالي يجب أن يثبت هذا القصد ابتداء على النحو الذي تفضل الأخ عبد الله الفاضل في إبانته
القاضي: محمد إبراهيم محمد
التاريخ: 2/6/2003م
ما زلت عند رأيي أن هذه الوقائع تشكل جريمة حرابة – وأؤيد رأي مولانا عبد العزيز الرشيد
الأمر النهائي:
1- تأييد الحكم الصادر من محكمة الموضوع:
2- مخاطبة السيد رئيس الجمهورية بشأن عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت تعزيراً
عبد العزيز الرشيد
قاضي المحكمة العليا
رئيس الدائرة
18/6/2003م

