حكومة السودان ضد طه كريم الدين
حكومة السودان ضد طه كريم الدين
نمرة القضية: م ع/ط ج/ 1/1982م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 1982
المبادئ:
• قواعد عامة – الحكم بالتعويض الذي تصدره المحكمة الجنائية من دواعي العدالة الناجزة
• قانون جنائي – ضرورة موافقة الشاكي والمحكمة على الصلح في الجريمة تحت المادة 362 (ب) عقوبات
• اجراءات جنائية – امكانية الحصول على قيمة الشيك بالطريق المدني أو الجنائي – اختيار أحد الطرق لا يعد تنازلاً عن الآخر
3- على المحكمة الجنائية أن تحكم بتعويض الشاكي قيمة الشيك أو تعويضه عن الضرر الناجم عن فعل يلحق بالجسم أو المال لما تقتضيه دواعي العدالة الناجزة ويقتضيه توفير الوقت والجهد إذا تاكد لدى المحكمة أن ما تحكم من تعويض مستحق عن اصابة الضرر من الجريمة ومتى ما رأت أن هذا التعويض يدخل في حدود ما يمكن الرجوع به على المتهم في دعوى مدنية
2- أن الصلح في الجريمة تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات لا يتم إلا بموافقة الشاكي الصريحة فضلاً عن موافقة القاضي المختص لمحاكمة الجريمة
1- إن حق الشاكي في الحصول على قيمة الشيك حق يحميه القانون المدني والقانون الجنائي على حد سواء عند الاخلال بالتعهد لمقابلة قيمة الشيك ذلك أن ارتداد الشيك يمكن أن يشكل جريمة جنائية كما يمكن أن يكون سبباً لدعوى مدنية في ذات الوقت وللقاضي الحق أن ينهج الطريقين في وقت واحد كما يجوز له أن يختار أي الطريقين واختيار أي منهما لا يعتبر تنازلاً عن الطريق الآخر
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ عمر بخيت العوض نائب رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد/ محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ حسن علي أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد طه كريم الدين
م ع/ط ج/ 1/1982م
المحامون / علي محمود حسنين وسعد ياجي
الحكم
التاريخ 15/3/1982م
القاضي / حسن علي أحمد
هذا طلب للفحص تقدم به في أوانه المحاميان على محمود حسين وسعد ياجي نيابة عن الشاكي ضد قرار المحكمة الكبرى القاضي بشطب البلاغ الذي أقامه الشاكي ضد المتهم طه كريم الدين والذي أيدته محكمة الاستئناف
الوقائع فيه هذه القضية تتلخص في أنه بتاريخ 22/3/1979م أبلغ الشاكي محمد أحمد عبد الحليم – أن المتهم طه كريم الدين قد اشترى منه بهائم بمبلغ 20496 جنيهاً وحرر له بهذا المبلغ الشيك نمرة 439369 ليصرف في 21/3/1979 وعند تقديم الشيك للبنك ارتد الشيك لعدم وجود رصيد يغطيه وبعد فتح بلاغ واثناء السير في التحري فيه قام الشاكي برفع دعوى مدنية رقم 908 /79 بنفس قيمة الشيك موضوع البلاغ بعد إقامة الدعوى المدنية اتفق الطرفان أن يصدر حكم رضائي وفق الشروط الآتية :
يقوم المدعي عليه – المتهم – بسداد المبلغ وهو 20496 جنيهاً بأقساط على النحو الآتي :-
أ- مبلغ 5000 جنيهاً في 2/9/1979م
ب- يدفع باقي المبلغ على أقسام شهرية بواقع 3000 جنيهاً
ج- يتحصل المدعي عليه رسوم القضية
د- لا أمر بالفوائد
ج- على المدعي – الشاكي – وقف القضية حتى يتم شطبها
لم يف المتهم بهذه الشروط مما حدا بالشاكي بتنفيذ الحكم الرضائي وحصل فقط حتى الآن على 3000 جنيهاً
طلب الشاكي مواصلة قضيته ولخص الاتهام وباشرت المحكمة الكبرى التي انعقدت بمحكمة امدرمان الجنوبية في 12/6/1979م اجراءات محاكمة المتهم وبرأت ساحة المتهم
جاء في تسبيب المحكمة الكبرى لقرار البراءة أنه كان على المتهم أن يصدر البهائم للمملكة العربية السعودية ولما لم يصدر المتهم البهائم الغى الاعتماد ومضت المحكمة الكبرى تسأل نفسها هل يعتبر ما جاء في الحكم الرضاي في الدعوى المدنية رقم 908 /79 في الفقرة الرابعة منه تنازلاً عن البلاغ ؟
أجابت المحكمة الكبرى أن ما جاء في الحكم الرضائي والذي قبله الشاكي والمتهم واستلم الشاكي جزءاً منه يعتبر تنازلاً وصلحاً في البلاغ الجنائي واضافت المحكمة الكبرى أنه لا يمكن أن تحكم بقيمة الشيك المقدم بموجبه البلاغ لأنها لو فعلت ذلك حسب زعمها تكون قد حكمت على المتهم بمبلغ يزيد عن قيمة الشيك الحقيقية ومضت المحكمة الكبرى تخطرنا قائلة أن قيمة الشيك هي 20496 جنيهاً زائداً 3000 جنيهاً استلمها الشاكي في الحكم الرضائي وإذا حكمت المحكمة بقيمة الشيك كاملة وهي 20496 جنيهاً وهناك حكم رضائي بنفس المبلغ وفي نفس الموضوع وبين نفس الأطراف نكون قد أعطينا الشاكي 40992 جنيهاً أي يكون قد استلم قيمة الشيك مرتين كما أن الشاكي أقر بالحكم الرضائي واستلام جزء منه فالمادة 362(ب) من قانون العقوبات تقبل الصلح طبقاً للمادة 286 من قانون الإجراءات الجنائية
أما محكمة الاستئناف فقد بدأت قرارها بتلخيص الأسباب التي اعتمدت عليها المحكمة الكبرى في براءة المتهم وذكرت أن المحكمة الكبرى قد سببت قرارها أن المتهم عندما حرر ذلك الشيك كان يريد تصدير البهائم للسعودية يعتبر تنازلاً وصلحاً في البلاغ الجنائي ومضت المحكمة الكبرى تقول أنه لا يمكن لهذه المحكمة أن تحكم بقيمة الشيك المقدم بموجبه البلاغ لأننا نكون قد حكمنا على المتهم بمبلغ يزيد على قيمة الشيك الحقيقية وهي 204996 جنيهاً زائداً 3000 جنيه استلمها الشاكي في الحكم الرضائي وإذا حكمت هذه المحكمة بقيمة الشيك كاملة وهي 20496 جنيهاً وهناك حكم رضائي بنفس المبلغ وفي نفس الموضوع وبين نفس الأطراف تكون قد اعطينا الشاكي مبلغ 40992 جنيهاً أي يكون قد استلم مبلغ الشيك مرتين ومضت المحكمة تقول أن المادة 362(ب) من قانون العقوبات تقبل الصلح طبقاً للمادة 286 من قانون الإجراءات الجنائية وعليه فقد ارتأت المحكمة الكبرى أن الشاكي قد تصالح مع المتهم في هذا البلاغ وأمرت بشطب البلاغ
أيدت محكمة الاستئناف قرار المحكمة الكبرى القاضي بشطب البلاغ وجاء تسبيبها لذلك على النحو التالي :-
"في رأينا أن الأستاذين المحترمين قد قصدا اللجوء للمحكمة الجنائية على سبيل التمكين من خلاص الدين وكان الشاكي قد سلك في البداية طريق المحكمة المدنية ودخل مع المتهم في تسويات وتنازلات وعندما اكتشف أن الطريق المدني لا يفيده كثيراً عادة مرة ثانية لطريق المحكمة الجنائية – والمحكمة الجنائية ترفض أن تكون أداة لخلاص ديون الناس
ضد هذا القرار تقدم المحاميان على محمود حسنين وسعد ياجي يطلب الفحص هذا نيابة عن الشاكي وأوردا فيه دفعاً قيماً ألخصه في الآتي :-
1- أقام الشاكي دعوى جنائية ضد المتهم تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات وذلك لأنه حرر له شيكاً بمبلغ 20496 جنيهاً ارتد لعدم الرصيد
2- قبل الفصل في البلاغ الجنائي أقام الشاكي أيضاً دعوى مدنية ضد المتهم بنفس الشيك هذه الحقيقة هي نفس الحقيقة التي توصلت إليها المحكمة الكبرى إذ جاء في صدر قرارها ما يلي:-
"بعد فتح البلاغ واثناء السير في البلاغ قام الشاكي برفع دعوى مدنية بالنمرة 908 /79 بنفس قيمة الشيك موضوع البلاغ وفي نفس الواقعة التي بموجبها فتح البلاغ
وهذا يخالف ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف إذا جاء في تسبيبها :-
"إن الشاكي قد سلك في البداية طريق المحكمة المدنية وعندما اكتشف أن الطريق المدني لا يفيده كثيراً عاد مرة ثانية لطريق المحكمة الجنائية"
3- صدر حكم رضائي في الدعوى المدنية وقد تم الاتفاق على أنه إذا تم الوفاء بالحكم المدني الرضائي فإن الشاكي يتعهد بشطب البلاغ الجنائي بالتنازل باعتبار أن الجريمة يمكن التنازل عنها
4- لما لم يوف المتهم بالحكم الرضائي وامتنع عن السداد استمر الشاكي في مواصلة بلاغه الجنائي
5- لقد خالفت المحكمة الكبرى ومن بعدها محكمة الاستئناف القانون فيما توصلنا إليه من قرار وبالتالي نلتمس الغاء الحكم الصادر وإدانة المتهم تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات للاسباب أدناه
(أ) إن تحرير شيك بدون رصيد جريمة يعاقب عليها القانون والمحكمة تدين وتعاقب على ذلك الفعل سواء حكمت بمبلغ الشيك كغرامة أو على سبيل التعويض أو لم تفعل وقيمة الشيك حق مدني للشاكي وفقاً لأحكام قانون الأوراق المالية ويمكن اقامت دعوى مدنية بسبب الشيك أمام المحكمة المدنية وليس في القانون مطلقا ما يشير إلى أن الدعوى المدنية تحجب الدعوى الجنائية أو أن ذات العكس صحيح فارتداد الشيك يمكن أن يشكل جريمة جنائية ويمكن في ذات الوقت أن يكون سبباً لدعوى مدنية ويجوز للشاكي أن يسلك السبيلين في آن واحد وإذا اختار الشاكي سبيلاً منهما فإن ذلك لا يمكن قانوناً أن يعتبر تنازلاً عن السبيل الآخر – فالسبيل المدني يعيد الحق لصاحبه أما السبيل الجنائي فإنه يعاقب باسم المجتمع بالسجن أو الغرامة أو العقوبتين معاً تأكيداً لفعالية الشيك كمستند مالي مضمون قابل للتعامل والتداول
(ب) لقد جاء في الحكم الرضائي أنه إذا سدد المتهم المبلغ الصادر به الحكم بشطب البلاغ وهذا الالتزام من الشاكي معلق على السداد فإن لم يتم السداد سقط الالتزام
(ج) جاء في حكم المحكمة الكبرى أن الظروف التي أحاطت بالمتهم جعلته في وضع لا يستطيع معه سداد قيمة الشيك وهذا يثبت حسن النية والمحكمة الكبرى قد هدمت المادة 362 (ب) من أساسها لقد اشترى المتهم من الشاكي بهائم بقيمة الشيك فسواء غرقت أو أبيدت أو صودرت تلك البهائم فإن التزام المتهم بالوفاء بالشيك قائم إن الشيك مستند مالي قابل للتداول وبالتالي ينبغي أن تكون له حرمته ولا حاجة لنا لأن نقول أن المتهم والذي استلم البهائم من الشاكي لم يفقد تلك البهائم ولكن المحافظ كما يدعي قد استولى عليها وباعها بأقل من السعر الذي كان يطمع فيه المتهم والمبالغ التي استلمها المتهم من عائد ذلك البيع لم يقم بدفعها للشاكي وبالتالي يكون قد استولى على البهائم وعلى عائدها قليلاً كان أم كثيرا الأمر الذي يدحض ادعاء حسن النية
إن تحرير المتهم للشيك وارتداد هذا الشيك من المسحوب عليه لعدم وجود رصيد كاف له مع علم محرر الشيك بذلك يشكل مخالفة للمادة 362 (ب) من قانون العقوبات وأن توفر حسن النية أو عدم توفره ليس وارداً في هذه المادة ولذا فإن اعتماد المحكمة الكبرى في شطب البلاغ على توفر حسن النية المزعوم لدى المتهم ليس ما يبرره إن الشيك قد حرره المتهم للشاكي مقابل بهائم قام باستلامها جميعاً ولذا فإن حق الشاكي في الحصول على قيمة الشيك حق يحميه القانون المدني والقانون الجنائي على حد سواء عند الاخلال بالتعهد بمقابلة قيمة الشيك فارتداد الشيك يمكن أن يشكل جريمة جنائية ويمكن في ذات الوقت أن يكون سبباً لدعوى مدنية ويجوز للشاكي أن ينهج الطريقين في وقت واحد كما يجوز له أن يختار طريقاً دون الآخر واختيار أي من الطريقين لا يعتبر تنازلاً عن الطريق الآخر
إن الشيك مستند مالي مضمون قابل للتداول وقد أحاط القانون الجنائي عدم الوفاء بسياج من العقوبات الصارمة حماية له من العبث به ولكيلا يكون مدخلاً للمحتالين لأكل أموال الناس بالباطل
جاء في حكم المحكمة الكبرى أنها لا يمكن أن تحكم للشاكي بقيمة الشيك مرتين بسبب أن هنالك حكماً مدنياً ورضائياً بمبلغ الشيك ترى من طلب منها أن تحكم للشاكي بقيمة الشيك مرتين أن المحكمة الكبرى بعد أن تستمع للبينات ستعرف بالضرورة المبلغ الذي دفع من قيمة الشيك وستحكم إن رأت أن تعوض الشاكي بالمبلغ المتبقى في ذمة الشاكي وليس هنالك ما يدعوها للحكم للشاكي مرتين أنها بهذا المنطلق المعوق لم تحكم له مرتين ولا مرة واحدة ولا نصف مرة بل تركته يلهث وراء أمواله
كذلك جاء في حكم المحكمة الكبرى أن ما جاء في الحكم الرضائي والذي قبله الشاكي والمتهم واستلم الشاكي جزءاً منه يعتبر تنازلاً وصلحاً في البلاغ الجنائي
لا يجمل بالمحكمة الجنائية أن تستقرئ وجود الصلح من جملة ممارسات الأطراف في القضية الجنائية بل أن الصلح حق للشاكي يمارسه بكامل حريته وله أن يشترط لتحققه ما يرى من شروط لا يتم إلا بعد الوفاء بها بل أن الصلح في بعض الجرائم القابلة للصلح لا يكون إلا بموافقة قاض مختص بمحاكمة المتهم عن الجريمة والجريمة موضوع هذا البلاغ هي من النوع الأخير
المادة 286 من قانون الإجراءات الجنائية نظمت كيفية الصلح في الجرائم التي يجوز فيها الصلح الفقرة (1) من هذه المادة نصت على أن الجرائم المعاقب عليها بمقتضى مواد قانون العقوبات المبينة في الخانتين الأولى والثانية من الجدول
الآتي يجوز الصلح فيها من قبل الأشخاص المذكورين في الخانة الثالثة من الجدول المذكور وذلك مع مراعاة الأحكام الوارد ذكرها بعد من هذه المادة
جريمة إعطاء شيك بدون رصيد تحت المادة 362 (ب) تقع في الجدول الثاني والشخص الذي يجوز له الصلح فيها وفق الخانة الثالثة من الجدول هو الذي حرر الشيك لصالحه أي الشاكي في هذه القضية وفق الفقرة الرابعة من المادة المذكورة فإن الجرائم المذكورة في القسم الثاني من الجدول المذكور يجوز فيها الصلح قبل إدانة المتهم أمام محكمة قاض أو إحالته إلى المحاكمة ولكن ذلك لا يكون إلا بموافقة قاض مختص بمحاكمة المتهم في الجريمة
ومعنى ذلك أن الصلح في الجريمة تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات لا يتم الا بموافقة الشاكي الصريحة وموافقة قاض مختص بمحاكمة الجريمة إن الشاكي شرط قبول الصلح في الحكم المدني الرضائي بسداد كل قيمة الشيك ولم يحصل أن وافق قاضي مختص على الصلح ومناط ضرورة موافقة القاضي على الصلح لأن هذه الجريمة يتعلق بها حق للمجتمع لا يملك الشاكي أن يتنازل عنه
فكما هو واضح فإن الصلح المدعى به معيب من جميع جوانبه ولا يصلح أن يؤسس عليه شطب بلاغ في جريمة خطيرة كهذه
أما محكمة الاستئناف فقد بنت قرارها بتأييد شطب البلاغ على مبدأ في ظاهره الرحمة وفي داخله العذاب وهم مبدأ أن المحكمة الجنائية ترفض أن تكون أداة لخلاص ديون الناس – أيمكن أن نعمل هذا المبدأ لتنكر به على الناس حقوقهم أو أن ندع بموجبه للمتهم سبيلاً للإفلات من العقاب العادل
من قال أن المحكمة الجنائية لا تملك وسيلة لتحصيل أموال الناس التي ترتكب بشأنها الجريمة كما في الشيك مثلاً أو تكون مستحقة نتيجة للجريمة كتسبيب الإصابات التي تعوض بالمال فالمادة 77 (أ) من قانون العقوبات تجوز للمحكمة التي تدين المتهم – سواء وقعت أم لم توقع عليه عقوبة – أن تأمره بأن يدفع لكل من أصابه ضرر من الجريمة تعويضاً متى رأت أن هذا التعويض يدخل في حدود ما يمكن الرجوع به على المتهم في دعوى مدنية والمادة 311 (أ) (ب) من قانون الإجراءات الجنائية تنص على الآتي :-
"عندما تفرض محكمة جنائية الغرامة بمقتضى أي قانون نافذ المفعول يجوز لها أن تأمر عند اصدار الحكم بأن يخصص جميع ما يتحصل من الغرامة أو أي جزء منها للتعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة وذلك عندما ترى المحكمة أنه يمكن الحصول على تعويض بدعوى مدنية"
هذه نصوص واضحة الدلالة على أن المحكمة الجنائية تملك من الصلاحية ما يخولها أن تتحصل للشاكي على أمواله التي ارتكبت الجريمة بشأنها أو تعويضه عن الضرر الذي لحق به نتيجة لفعل المتهم المجرم
وأرى أن دواعي العدالة الناجزة تقتضي من المحكمة الجنائية أن تكون دائماً مستعدة ومتحمسة لتطبيق هذه النصوص لما في ذلك من توفير لوقت وجهد الشاكي والمحكمة المدنية على حد سواء
اعلم أنه قد جاء في السابقة القضائية حكومة السودان ضد لويس ميخائيل داؤد – مجلة الاحكام القضائية 1970م ص 450 جاء فيها أن ليس الغرض من التشريع الجديد تحت المادة 362 (ب) من قانون العقوبات هو جعل المحاكم الجنائية أداة لتحصيل قيمة الشيكات وإنما الغرض وضع الثقة للأوراق المالية لضمان صرفها عند تقديمها لدى المسحوب عليه وذلك بمعاقبة محررها أن ردت دون صرف لتعذر الرصيد الكافي لمقابلتها – المحاكم المدنية هي التي تملك الصلاحية في الفصل
قضية حكومة السودان ضد فاروق محمد أحمد – مجلة الاحكام القضائية لسنة 1970 ص 480 ناقضت القضية السابقة فيما يتعلق بالشيكات فقد جاء في حكم محكمة الاستئناف أنه في حالة الادانة تحت المادة 362(ب) والمادة 362(ج) من قانون العقوبات الخاصة بإعادة شيك من البنك لعدم وجود رصيد يغطي الشيك – يجب على المحكمة تعويض الشاكي باسترداد قيمة الشيك خاصة عندما يكون واضحاً أنه مستحق لتلك القيمة إذا ما رفع قضية مدنية تحت المادة 77(أ) من قانون العقوبات بالإضافة إلى أي عقوبة أخرى
هذا الحكم يتمشى مع ما ذهب إليه في أن تعويض الشاكي قيمة الشيك أو تعويضه على الضرر الناجم عن فعل يلحق بالجسم أو المال تقتضيه دواعي العدالة الناجزة ويقتضيه توفير الوقت والجهد مما يوجب على المحكمة الجنائية دائماً وأبداً أن تحكم به إذا تأكد لديها أن ما تحكم به من تعويض مستحق عن إصابة الضرر من الجريمة ومتى ما رأت أن هذا التعويض يدخل في حدود ما يمكن الرجوع به على المتهم في دعوى مدنية
وعليه أرى أن نلغي أحكام المحاكم الدنيا ونوجه بإعادة النظر بغرض إدانته تحت المادة 362(ب) من قانون العقوبات وتوقيع العقوبة المناسبة مع تعويض الشاكي ما يستحقه من قيمة الشيك بعد استجواب المتهم والشاكي للتثبت من المبلغ المتبقى
1/5/1982م
القاضي / محمد الفضل شوقي
أوافق
3/5/1982م
القاضي / عمر بخيت العوض :-
رأي مخالف
يؤسفني الاختلاف مع رأي أغلبية الدائرة لأنني أرى أن الشاكي والمتهم تصالحا على تسوية النزاع بينهما والتنازل بموجب ذلك البلاغ الجنائي وفقاً لما صدر في الدعوى المدنية رقم 908 /1979 محكمة المديرية أم درمان وفيها إشارة واضحة على تعهد المدعي (الشاكي) بشطب البلاغ إذا دفع المبلغ وقد صدر الحكم بناء على ذلك
واضح أن صلحاً قد تم ولا مجال للطعن فيه لأنه صدر في اجراءات قضائية ولا ينكر الاطراف حدوثه ولكن الشاكي يدعي أنه صلح مشروط بدفع كل المبلغ محل القضية وهذا يعني من وجه آخر أن تظل القضية الجنائية معلقة حتى انتهاء سداد كل المبلغ
هذا الشرط لا يمكن الاعتداد به لانه يجعل المحكمة الكبرى مقيدة بالفصل في القضية في الوقت الذي يحدده الأطراف وهذا لا يقول به أحد وبالتالي يعتبر هذا الشرط لا قيمة له لنفاذ الصلح بالنسبة للمحكمة الكبرى التي تنظر البلاغ الجنائي والتي تقرر هي متى تفصل في البلاغ وتنتهي المحاكمة والقول بغير ذلك يجعل الأطراف هم أصحاب الحق في تسيير الخصومة الجنائية ويكون لهم اليد الطولى بأمر المحكمة بالسير أو التوقف لحين تمام سداد المبلغ عليه في القضية المدنية
وبما أن الصلح قد وقع وتم الاتفاق على حفظ البلاغ الجنائي فإن الأمر بعد ذلك يصبح من اختصاص المحكمة الكبرى من حيث قبول الصلح أو رفضه لأن المادة 362/ب من قانون العقوبات وبعد صدور قرار الاحالة وعرض الأمر على المحكمة الكبرى لا يجوز فيها الصلح إلا بموافقة تلك المحكمة
وبما أنا المتهم قد دفع بحصول الصلح والموافقة على شطب البلاغ الجنائي مع الشرط الوارد به فإن المحكمة الكبرى رأت أنها في هذه القضية هي قبول الصلح لأن عدم الوفاء بقيمة الشيك كان سبب صدور أمر من المحافظ يحظر التصدير وبالتالي لم يستطع المتهم الاستفادة من الاعتمادات المالية المفتوحة مقابل تصدير الماشية وبذلك فإن عمل الدولة لصالح المجتمع أو وقع المتهم في مخالفة ومحاكمته عليها بعد حصول الصلح تدل على أن تدخل الدولة لصالح المجتمع بحظر التصدير كأنه عمل ضار من هنا كانت قناعة المحكمة بالموافقة على الصلح وشطب القضية لأن هذا يعطي الاعتبار الكافي للصالح العام
كذلك أجد نفسي مخالفاً لرأي الأغلبية حتى إذا وافقنا على إعادة المحاكمة وذلك بشأن التعويض لأن التعويض أمام المحاكم الجنائية شرطه أن يكون داخلاً في حدود ما يمكن الرجوع به على المتهم في دعوى مدنية فإذا طلب الشاكي بهذا التعويض في دعوى مدنية وصدر الحكم به فكيف يجوز للمحكمة الجنائية أن تأمر ثانية بالتعويض تحت المادة 77/أ
هذا أمر غير جائز ولا يعتبر تطبيقاً سليماً للقانون لأن المحكمة الجنائية صاحبة اختصاص جنائي واختصاصها المدني تحت المادة 77/أ من قانون العقوبات أمر استثنائي ولا يمارس إلا في حدود ضيقة تقتضيها العدالة لعدم تكرار الاجراءات وفي هذه القضية لا وجه مطلقاً لمحكمة الجنايات او المحكمة الكبرى أن تصدر أمراً بالتعويض تحت المادة 77/أ من قانون العقوبات ما دام الشاكي قد حصل على حكم مدني باستحقاقه وشرع في تنفيذه وعليه إذا قدر للمحكمة الكبرى أن تعيد المحاكمة فإن الواجب عليها في هذه القضية أن لا تأمر بأي تعويض حتى لا تعقد الأمور بوجود حكمين في نفس الموضوع بعد أن تولت المحاكم المدنية صاحبة الاختصاص الأساسي الأمر وأصدرت حكمها وشرعت في تنفيذه
وأخيراً فإنني اختلف مع أغلبية الدائرة في قبول الطلب شكلاً لأن قرار محكمة الاستئناف قد صدر في 6/12/1981م حيث أن الرأي الأول في 5/12/ 1981م والرأي الثاني في 5/12/1981م والرأي الثالث في 6/12/1981م وعليه يكون قد مضى أكثر من ثلاث شهور على صدور قرار محكمة الاستئناف وبالتالي لا يجوز لنا بموجب المادة 257/4 من قانون الإجراءات الجنائية التعرض لقرار محكمة الاستئناف وكان يتعين علينا شطب الطلب شكلاً منذ البداية

