آمنة النعيم علي وأخرى ضد نجم الدين عبد العزيز
آمنة النعيم علي وأخرى ضد نجم الدين عبد العزيز
نمرة القضية: م ع/ط م/319/2000م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2000
المبادئ:
· قانون إيجار المباني لسنة 1991م– التنازل عـن الإيجار – الإيجار من الباطن – الفرق بينهما – المادة 15(1) (أ ) من القانون قانون إيجار المباني لسنة 1991م – الإخلاء – للإيجار من الباطن – الأساس القانوني المادة 11(1) (ي) من القانون
1- التنازل عن الإيجار اتفاق يقصد به نقل حقوق والتزامات المستأجر الناشئة عن عقد الإيجار إلى المتنازل إليه أما الإيجار من الباطن فهو عقد يلتزم بمقتضاه المستأجر الأصلي أن يمكن شخصاً ثالثاً ( المستأجر من الباطن ) من الانتفاع بهذا العقار مدة معينة لقاء أجر معلوم
2- العلاقة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لا تعدو أن تكون مجرد ترخيص لشغل العقار والانتفاع به لذلك فإن وفاء المستأجر من الباطن بالتزاماته بموجب عقد الإيجار من الباطن في ظل وقوع إخلال بعقد الإيجار الأصلي لا يحميه ولا يعفيه من مغبة هذا الإخلال ونتائجه وإذا كان ثمة ضرر حاق به فإن رجوعه يكون للمستأجر الأصلي
الحكم:
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ أحمـد البشير محمد الهادي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيدة/ دبدريه عبد المنعم حسونة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد /محي الدين سيد طاهــر قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف:
آمنة النعيم علي وأخرى الطاعنتان
// ضد //
نجم الدين عبد العزيز المطعون ضده
النمرة م ع/ط م/319/2000م
الحكـــم
القاضي: محي الدين سيد طاهر
التاريخ : 14/6/2000م
أقامت الطاعنتان الدعوى المدنية 1202/1998م – أمام محكمة الخرطوم الجزئية في مواجهة المطعون ضده وأخرين تأسيساً على أن المدعى عليه الأول يستأجر ثلاثة دكاكين بالعقار المملوك للطاعنتين باجرة شهرية قدرها 1050 جنيهاً وأنه استخداماً للترخيص الممنوح له بالتأجير من الباطن قام بتأجير الدكاكين الثلاثة المذكورة للمدعى عليهم الثاني والثالث والرابع والأخير هو المطعون ضده في هذا الطعن وأن المدعى عليهم الثاني والثالث والرابع والأخير هو المطعون ضده قي هذا الطعن وأن المدعى عليهم الأربعة فشلوا في الوفاء باجرة شهري أبريل ومايو 1998م لذلك فإن الطاعنتين قد التمستا إخلاء المدعى عليهم الأربعة مع إلزامهم بدفع المتأخرات البالغ قدرها (2100) جنيه
أنكر المدعى عليه الأول المستأجر الأصلي الدعوى حيث دفع بسداد المتأخرات المطالب بها بينما ناهض المستأجرون من الباطن ومن بينهم المطعون ضده الدعوى بالوفاء بالأجرة إلى المستأجر الأصلي
وبعد الاستماع إلى طرفي النزاع أصدرت محكمة الموضوع حكمها بإخلاء المدعى عليهم جميعاً مع إلزامهم بمتأخرات الأجرة والرسـوم والأتعاب على سبيل التضامن والانفراد رفع المطعون ضده وهو المدعى عليه الرابع بوصفه مستأجراً من الباطن مأذونا له استئنافاً أمام محكمة استئناف الخرطوم طاعناً في صحة الحكم الصادر بإخلائه بدعوى أنه لا تربطه بالطاعنتين (المدعيتين) أية علاقة قانونية ولقد استجابت محكمة الاستئناف لطلبه فألغت الحكم المستأنف وأمرت بشطب الدعوى في مواجهة كل المستأجرين من الباطن مع إلزام المستأجر الأصلي بمتأخرات الأجرة وإلغاء الحكم الصادر بالإخلاء في مواجهته بحجة أنه كان يجب إقامة الدعوى منذ البداية ضد المستأجر الأصلي وحده
وضد هذا الحكم الاستئنافي جاء هذا الطعن بالنقض الذي تتلخص أهم أسبابه في خطأ مذهب الحكم المطعون فيه في حصر الخصومة في المستأجر الأصلي دون المستأجرين من الباطن لاستحالة تنفيذ أي حكم يصدر بالإخلاء بحق المستأجر الأصلي ضد المستأجرين من الباطن لأنهم لم يكونوا طرفاً في الدعوى كما أن الجزاء القانوني للإخلال بواجب أداء الأجرة هو الإخلاء
أعلن المطعون ضده بالطعن فأودع رده عليه مؤكداً صحة الحكم المستند إلى عدم وجود أية علاقة قانونية تربط المطعون ضده بالطاعنتين وعلى الرغم من أن هذا الطعن يثير مسألة قانونية محضه عن العلاقات الناشئة بين الأطراف الثلاثة القائمة على عقدي الإيجار الأصلي والإيجار من الباطن إلا أن هناك جوانب أخرى يجب الإشارة إليها بعضها متعلق بالوقائع وبعضها خاص بأسلوب وطريقة فصل محكمة الاستئناف في الطلب المرفوع إليها
أما من حيث الواقع فإن فشل المستأجر الأصلي في النهوض بالتزامه بدفع المتأخرات لم يعد محل جدل وقد اتفقت المحكمتان الأدنى درجة على ذلك ولقد أمنّ هو نفسه على ذلك بسكوته عن الطعن في الحكم الصادر في هذا الخصوص من المحكمتين معاً خاصة محكمة الموضوع التي لم يطعن في حكمها أمام محكمة الاستئناف الأمر الذي يقودنا مباشرة إلى الخطأ الذي ارتكبته هذه المحكمة حيث قضت بشطب الدعوى في مواجهة المستأجرين من الباطن وهم ثلاثة بينما لم يطعن في الحكم أمامها سوى واحد هو المطعون ضده في هذا الطعن وسكت الباقون بما فيهم المستأجر الأصلي عن الطعن فيه رغم أن الحكم الصادر بالإخلاء يؤثر على مصالحهم تأثيراً بالغاً لأن أقلهم ضـرراً وهـو المستأجر الأصلي ظل يدفع أجرة شهرية قدرها (1050) (ألف وخمسون) جنيه بينما يستوفي من المستأجرين من الباطـن أجرة قدرها ( 120000) لذلك كان من قبيل الخطأ الفادح أن تلغي محكمة الاستئناف حكماً لم يشأ ذو الشأن الطعن فيه وقد قادها هذا الخطأ إلى الوقوع في تناقض بين إذ أنها رغم ترتيبها لمسئولية المستأجر الأصلي عن المتأخرات بما اعتبرته إخلال بالتزامه بالوفاء بالأجرة إلا أنها لم تستطع أن ترتب على ذلك النتيجة القانونية والمنطقية وهى الإخلاء لعلمها بحقيقة أنه لا يشغل العقار بنفسه إنما يشغله المستأجرون من الباطن
وبعد فإن مقطع النزاع أصبح محصوراً في العلاقة القانونية التي تربط الأطراف الثلاثة المؤجر والمستأجر الأصلي والمستأجرين من الباطن أو بالأحرى المستأجر من الباطن المعني وهو المطعون ضده في هذا الطعن وبطبيعة الحال فإن أية محاولة لافراغ هذا الخلاف في إطاره وقالبه الأكثر قرباً للنظام القانوني القابل لاستيعابه يجب أن تصوب نحو أحكام التصرف في الإيجارة والذي لا يخرج بدوره عن كونه تنازلاً عن الإيجارة أو إيجاراً من الباطن ولما كان هناك خلط وعدم تمييز بينهما لدى الكثير من المتعاملين في إيجار العقارات بل أن هذا الخلط قد يقع فيه المشرع نفسه كما هو الحال مع بعض نصوص قوانين تقييد الإيجارات المتعاقبة وبعض أحكام قانون المعاملات المدنية فإن المقام يقتضي إيراد تعريف موجز ولكنه جامع يحدد عناصر وخصائص كل منهما يتجسد في أن التنازل أو النزول عن الإيجار اتفاق يقصد به نقل حقوق والتزامات المستأجر الناشئة عن عقد الإيجار إلى المتنازل إليه فهو بهذه المثابة يتضمن حوالة كاملة لعقد الإيجار يشتمل على عمليتين قانونيتين في وقت واحد حوالة حق بالنسبة إلى حقوق المستأجر وحوالة دين بالنسبة لالتزاماته , أما التأجير من الباطن فهـو عقد يلزم بمقتضاه المستأجر (الأصلي) الذي يستأجر العقار بموجب عقد إيجار سابق أن يمكن شخصاً ثالثاً ( المستأجر من الباطن ) من الانتفاع بهذا العقار مدة معينة لقاء أجر معلوم ومؤدى هذا التعريف أن التأجير من الباطن يترتب عليه نشوء عقد إيجار جديد طرفاه المستأجر الأصلي ويقوم في هذا الخصوص بدور المؤجر وشخص ثالث أجنبي عن الإيجار الأصلي يأخذ دور المستأجر في الإيجار الجديد ويسمى بالمستأجر من الباطن تمييزاً له عن المستأجر الأصلي
وبتمحيص العلاقة بين الأطراف المتنازعة على ضوء هذا المعيار للتمييز بين التنازل عن الإيجار والإيجار من الباطن فإن المستأجر الأصلي وبإبرامه عقود إيجار مستقلة مع المستأجرين من الباطن ووفق شروط مختلفة عن شروط العقد الأصلي الذي يربطه بالمؤجر من حيث المدة والأجرة الخ… يكون في مركز المستأجر بالنظر إلى علاقته مع المؤجر وفي مركز المؤجر بالنسبة إلى علاقته مع المستأجرين من الباطن لذلك فإن العلاقتين كلتيهما قائمتان ولكن على استقلال لأن من شأن التنازل أن يحرم المستأجر الأصلي من كل حقوقه ويعفيه من كل التزاماته التي كان يقررها عقد الإيجار ما لم يستمر في علاقته مع المؤجر ككفيل للمستأجر الجديد بينما المستأجر الأصلي في الحالة المعروضة ما زال ملتزماً بكافة بنود عقده مع المؤجر (الطاعنين) كما أن المستأجرين من الباطن ظلوا ملتزمين بالوفاء بشروط عقودهم نحو المستأجر الأصلي بل أن دفاعهم أصلاً قائم على هذا الوفاء الأمر الذي يسبغ على العلاقة وصف التأجير من الباطن أكثر مما يضفي عليها صفة التنازل عن الإيجار , ويترتب على ذلك ( أي على عقد الإيجار من الباطن ) أن يتحمل كل من المؤجر والمستأجر جميع الالتزامات التي ينشئها الإيجار عموماً على عاتق طرفيه فيلتزم المستأجر الأصلي بوصفه مؤجراً بتسليم العقار إلى المستأجر من الباطن وأن يتعهد بصيانته وأن يضمن له انتفاعاً هادئاً به كما ثبت للمستأجر الأصلي جميع حقوق المؤجر بما في ذلك الحق في تقاضي الأجرة المتفق عليها وبنفس القدر فإن المستأجر من الباطن يلتزم في مواجهة المؤجر له (المستأجر الأصلي) بجميع الالتزامات التي يفرضها عقد الإيجار على المستأجر بصفة عامة كالوفاء بالأجرة والمحافظة على العقار ورده عند إنتهاء مدة الإيجار
وإذا كان المستأجرون من الباطن يدفعون بعدم وجود علاقة تربطهم بالمؤجر الأصلي وأن وفاءهم بالأجرة إلى المستأجر الأصلي يبرئ ذمتهم ويرفع مسئوليتهم عن أي إخلال بالعقد وقع من جانب المستأجر الأصلي فإن السؤال المشروع هو ما حظ هذا الدفع من الصحة ؟
طبقاً للقواعد القانونية التي تنظم علاقة أطراف النزاع الثلاثة في ظل الاعتراف الضروري بأن النصوص القانونية المعنية الواردة بقوانين تقييد الإيجارات أو قانون المعاملات المدنية وكذلك بعض السوابق القضائية قد درجت على استخدام مصطلح التأجير من الباطن للدلالة على التنازل عن الإيجار واستعمال تعبير التنازل أو تحويل الإيجار للدلالة على التأجير من الباطن أو الإشارة إلى كليهما باعتبار أنهما يعبران عن شيء واحد ومع ذلك فإن تكييف علاقة المستأجرين من الباطن على أساس أنهم متنازل إليهم عوضاً عن كونهم مستأجرين من الباطن يفاقم من مسئولياتهم القانونية بحيث أصبح الوفاء بالأجرة مباشرة إلى المؤجر الأصلي من أهم التزاماتهم التي آلت إليهم بموجب عقد التنازل وهي نتيجة لا رغبة لهم فيها كما أنهم لا يقرونها مطلقاً بنفي مبدأ الالتزام نفسه بذريعة عدم وجود علاقة تربطهم بالمؤجر الأصلي لذلك وفي نطاق أحكام التأجير من الباطن فإن كافة قوانين تقييد الإيجارات منذ عام 1943م ما عدا قانوني عام 1982م-1991م قد جرت على حماية المستأجر من الباطن من مغبة أي أمر يصدر في مواجهة المستأجر الأصلي باسترداد الحيازة منه , أيا كان سبب هذا الاسترداد إلا أن المادتين 14/19/4 من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م تعبران عن المبدأ في أفضل صوره من حيث الصياغة إذ تقول المادة (14) ( أي أمر يصدر بالحيازة ضد المستأجر لأية مبان لا يؤثر في حق أي مستأجر من باطنه استؤجرت له تلك المباني أو أي جزء منها بوجه شرعي قبل الشروع في إجراءات استرداد الحيازة لا يكون سارياً على أي مستأجر من باطنه )
أما المادة 19/4 فتجري على النحو التالي :
( إذا انتهت مصلحة أي مستأجر في أية مبان نتيجة لصدور أمر بالحيازة أو لأي سبب آخر يعتبر المستأجر من الباطن الذي استأجر المباني أو أي جزء منها بطريقة مشروعة من المستأجر الأول مع مراعاة نصوص هذا القانون مستأجراً من المؤجر بنفس الشروط التي كان يرتبط بها المستأجر الأول فيما لو استمرت الإيجارة )
هذه الحماية التي يسبغها القانون على المستأجر من الباطن عند انتهاء الإيجار الأصلي على الرغم من تعارضها مع مذهب المطعون ضده المستأجر من باطنه بالا علاقة تربطه بالمؤجر لا يوجد لها تبرير مقبول عقلاً أو منطقاً لأنه يؤدي إلى خلق علاقة مباشرة بين المؤجر الأصلي والمستأجر من الباطن يحل فيها الأخير محل المستأجر الأصلي الذي انتهت مصلحته في حيازة العقار وهذا الحكم لا يتسق مع خصائص وطبيعة التأجير من الباطن بحيث تكون العلاقة بين طرفي عقد التأجير من الباطن ومع ذلك فإنه من الجائز حمل هذا الحكم عكس ما جرت به بعض السوابق القضائية من أن تعامل المؤجر الأصلي مع المستأجر من الباطن مباشرة وتسلمه للأجرة منه يعتبر قبولاً ضمنياً لإنهاء العقد مع المستأجر الأصلي :
1- إبراهيم العربي //ضد// حسن الحكيم – المجلة 1961م ص 124
2- فاطمة حبيب //ضد// السارة بنت فضل المجلة 1962م ص 64
3- المجلة 1975م ص 214
ولكن هذا المبدأ لم يرد إلا في معرض الاكتفاء بهذه الدلالات والمؤشرات بديلاً لموافقة المؤجر الكتابية على التنازل عـن الإيجار أو التأجير من الباطن ولا تصلح بطبيعتها لأن تسند حق المستأجر من الباطن في شغل العقار بعد استرداد الحيازة من المستأجر الأصلي الذي استمد حقه عن طريقه ويبدو أن مجافاة هذا الحكم للمنطق هو الذي أدى إلى نبذه حيث لم يضمن في أي قانون لاحق على قانون عام 1953 فما هو وضع المستأجر من الباطن في ظل القوانين السائدة اليوم؟
أما قانون إيجار المباني لسنة 1991م فقد خلا من أي نص يعالج هذه المسألة مما يدعو إلى الاستئناس بالقواعد العامة المضمنة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ولقد تناول هذا القانون في المادة 320 منه الآثار القانونية للتأجير من الباطن فنصت الفقرتان (4) و(5) منها على:
(4- إذا أجر المستأجر المأجور بإذن المؤجر فإن المستأجر الجديد يحل محل المستأجر الأول في جميع الحقوق والالتزامات المترتبة بمقتضى العقد الأول
5- إذا فسخ عقد الإيجار المبرم مع المستأجر الأول كان لمؤجره حق نقض العقد المبرم مع المستأجر الثاني واسترداد المأجور)
وبغض النظر عن استعمال المشرع لصيغة التأجير في عبارة (إذا أجر المستأجر) وما يثيره في الذهن من معنى محدد فإن الأثر القانوني المترتب على هذا التأجير من حلول المستأجر الجديد محل المستأجر الأول ليس من طبيعة التأجير من الباطن بقدر ما يتفق مع أحكام التنازل أو النزول عن الإيجار حسبما أشير إليه آنفاً من أصول تميز التصرفين وتبين حدود كل منهما ومن شأن الحكم المتضمن في الفقرة(4) أن يصبح المستأجر الأول أو الأصلي من غير صفة لأن حقوقه والتزاماته الناشئة عن عقد الإيجار تنتقل إلى المستأجر الجديد
وإذا كان من الجائز قبول هذا الحكم على مضض فإنه يتناقض تناقضاً حاداً مع ما جاء بالفقرة (5) من نفس المادة التي تجيز للمؤجر فسخ عقد المؤجر الثاني واسترداد المأجور منه إذا فسخ عقد الإيجار المبرم مع المستأجر الأول ووجه التناقض باد من حيث عدم وجود عقد إيجار أصلاً مع المستأجر الأول حتى يفسخ حيث استقرت العلاقة مع المستأجر الجديد بحلوله محل المستأجر الأول ولم يعد هناك علاقتان بل علاقة واحدة إذ أن هذا هو المفهوم بين نظرية الحلول أما إذا كان قصد المشرع قد اتجه نحو صيغة التأجير من الباطن فافرغها في قالب التنازل بحيث تكون هناك علاقتان مستقلتان بحيث يعتمد قيام الثانية على استمرار الأولى وتنتهي بانتهائها فإن هذا يتعارض مع مبدأ حلول مستأجر محل مستأجر آخر كما أن استعمال مصطلح (أجر- إجارة) يعني خلق علاقة قانونية مستقلة قوامها التمكن من العقار من جانب المستأجر الأول والأجرة والالتزامات الأخرى من جانب المستأجر الجديد ولكن هذا التخريج لا يستقيم مع النتيجة المترتبة وهى حلول المستأجر الجديد محل المستأجر الأول في جميع الحقوق والالتزامات بمقتضى العقد الأول ولكن هذا التعارض الظاهري والذي يبدو وكأنه محاولة للتوفيق أو الأخذ بطرف من كل من فكرتي التنازل والتأجير من الباطن يتبدد عند الإمعان في الأحكام الأخرى الواردة بنص المادة (320) من القانون إذ أنه وعلى الرغم من إجازة المشرع إعارة المأجور أو تمكين الغير من الانتفاع به مما قد ينسجم مع فكرة التنازل بصفة مؤقتة وتأجيره للغير بما يتسق مع فكرة التأجير من الباطن إلا أن هذه الإجارة وما يتفرع منها من حق المستأجر الأصلي في التصرف في العقار المستأجر مقيدة بضرورة الالتزام بقيود المنفعة التي كان يملكها المستأجر نوعاً وزمناً الأمر الذي يعني عدم اختلاف طبيعة المنفعة المحالة للمستأجر الجديد من حيث مدة العقد والأجرة والشروط الأخرى المضمنة في عقد الإيجار الأصلي لأن المشرع اقتداء بأحكام الشريعة الإسلامية لا يعترف للمستأجر بحق استغلال العقار المستأجر بما يخالف شروط العقد الأصلي فليس له أن يتفق على أجرة تزيد عن الأجرة المنصوص عليها في عقده مع المؤجر ولا أن يتجاوز مدة العقد الأصلي ومع ذلك فإذا كان جائزاً القبول بحق المؤجر في استرداد العقار عند نهاية مدة العقد الأصلي فإن المعضلة تتمثل في حق المؤجر في نقض العقد المبرم مع المستأجر الثاني عند فسخ عقد الإيجار الأصلي بغض النظر عما إذا كان هذا العقد موجوداً في الأساس فإن الحل يكمن في رأيي في الاستعانة بمبدأ عدم انقضاء مسئولية المستأجر الأول (الأصلي) بمجرد تحويل حقوقه والتزاماته للمستأجر الثاني والإبقاء عليه كفيلاً يضمن حسن تنفيذ عقد الإيجار ومثل هذا الشرط مما تحتمله الحوالة بحيث لا تبرأ ذمة المحيل بمجرد انتقال حقوقه والتزاماته إلى المحال عليه هذا من حيث المبدأ أما من الناحية الواقعية فإن وجود عقدين أحدهما بين المؤجر والمستأجر الأصلي والآخر بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن واختلاف وتباين شروطهما من حيث الأجرة ومدة العقد يحول دون تطبيق نظرية الحلول ويجعل الصيغة المنصوص عليها في المادة (320/4/5) أقرب انطباقاً على حالة التنازل عن الإيجار منه إلى التأجير من الباطن رغم ما ينطوي عليه حكم الفقرة(5) من تعارض مع فكرة التنازل علاوة على اتساع دائرة الفسخ وتنوع أسبابه طبقاً لقانون المعاملات المدنية الأمر الذي لا يتسق مع حقيقة أن حالات الفسخ تحت قانون إيجار المباني لسنة 1991م محصورة في أسباب محددة مما لا يسمح بالاستعانة بحكم المادة (320) من قانون المعاملات المدنية للفصل في نزاع محكوم بقانون إيجار المباني مما يؤدي في النهاية إلى تعزيز القناعة بأن حكم المادة (320) يتسم بشيء من الغموض الذي تتنازعه فكرتان مختلفتان حاول المشرع جمعها في نص واحد هما التنازل عن الإيجار أو تحويله إلى الغير والتأجير من الباطن لذلك فإن هذا الحكم لا يقدم حلاً مقبولاً لوضع المستأجر من الباطن عند انتهاء أو فسخ عقد الإيجار الأصلي بموجب حكم قضائي بإخلاء المستأجر الأصلي من العقار ذلك أننا محكومون بالقواعد القانونية والمصطلحات التي أوردها قانون إيجار المباني لسنة 1991م بوصفه قانوناً خاصاً يحكم مثل هذا النزاع وملتزمون كذلك بالمعاني القانونية التي تثيرها تلك المصطلحات في الذهن ولقد استخدم القانون المذكور عبارات التنازل عن المباني أو تأجيرها من الباطن أو التخلي عن حيازتها (المادة 15) وفي ظل هذا القانون فإن اختلاف شروط عقد الإيجار من الباطن من الشروط المنصوص عليها في العقد الأصلي جائز ومسموح به خلافاً لما تنص عليه المادة 320/3 من قانون المعاملات المدنية القابلة بدورها على التطبيق على الحالات الأخرى غير الخاضعة لأحكام قانون إيجار المباني لسنة 1991م لذلك فإنها ليست عاطلة عن العمل تماماً
وبعد فما هو الحل في ظل استبعاد حكم المادة (320) من قانون المعاملات وعلى ضوء ما تبين من هجر المشرع لقاعدة عدم تأثر المستأجر من الباطن بانتهاء عقد المستأجر الأصلي وفي هذا السياق فإن ما يدفع به المطعون ضده من انتفاء العلاقة العقدية مع الطاعنين غير مجد في هذا الخصوص لأن من شأنه قبول مثل هذا الدفع الإذعان لما قد يدعيه المستأجر من الباطن غير المصرح له بالاستئجار من الباطن من حق في البقاء بالعقار بمجرد أنه لا تربطه بالمؤجر أية رابطة بما يتيح له حق الاستناد إلى خطئه وهو في نفس الوقت سبب المطالبة بإخلائه ذلك أن العلاقة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لا تعدو أن تكون مجرد ترخيص له بشغل العقار والانتفاع به في حدود شروط عقد الإيجار من الباطن المبرم بين المستأجر الأصلي والمستأجر من الباطن ونهوض الأخير بالتزاماته بموجب ذلك العقد في ظل وقوع إخلال بالعقد الأصلي لا يحمي المستأجر من الباطن ولا يقيه من مغبة هذا الإخلال ونتائجه وإذا كان ثمة ضرر حاق به فإن رجوعه يكون على المستأجر الأصلي بل أن إمعان النظر في النصوص القانونية التي كانت تقتضي الحماية على المستأجر من الباطن عند استرداد الحيازة من المستأجر الأصلي يكشف أن الحالة مما تقع في دائرة نشوء علاقة مباشرة بين المؤجر والمستأجر من الباطن حيث أوردت آخر هذه النصوص وهى المادة 19/4 من قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953م عبارة (على شرط أن الأجرة التي يدفعها المستأجر من الباطن للمؤجر لا تقل عن الحد الأقصى لأجرة المباني) بما يعني أن هناك علاقة مباشرة بين المؤجر والمستأجر من الباطن لأن دفع الأجرة بواسطة هذا المستأجر يقتضي حسب السوابق القضائية انتهاء عقد الإيجار الأصلي بحيث أصبح المستأجر من الباطن مستأجراً من المؤجر مباشرة وقد يقول البعض أن دفع الأجرة من قبل المستأجر من الباطن للمؤجر ليس إلا نتيجة طبيعية لبقائه بالعقار بعد رحيل المستأجر الأصلي وأنه ليس هناك من سبيل لإعفائه من دفع الأجرة مما لا ينهض دليلاً على نشوء علاقة جديدة مباشرة بعيدة عن دائرة حقه في الحماية كمستأجر من الباطن لا يقيم علاقته مع المؤجر على أنقاض علاقة الأخير مع المستأجر الأصلي أي أن هذه الحماية مصدرها الإيجارة من الباطن وليست علاقة أخرى جديدة قوامها دفع الأجرة إلى المالك مباشرة حيث أن ذلك أمر طبيعي يفرضه عليه بقاؤه بالعقار ولكن هذا التكييف مردود من واقع عبارات النصوص المعنية حيث تقول المواد المعنية من قوانين تقييد الإيجارات 1943م -1947م 1953م بصريح العبارة (عندما تنتهي مصلحة أي مستأجر نتيجة لأمر بالحيازة أو لأي سبب آخر يعتبر من استأجر المباني أو أي جزء منها بطريقة مشروعة من المستأجر الأول مستأجراً من المؤجر بنفس الشروط التي ارتبط بها المستأجر الأول كما لو استمرت اتفاقية الإيجارة) ولو كانت الحماية مستمدة من عقد التأجير من الباطن وحده لما الزم المستأجر من الباطن بالشروط التي ارتبط بها المستأجر الأصلي ولما كان هناك داع لاستمرار اتفاقية الإيجارة الأولى لكان في وسعه التشبث بشروط الإيجارة من الباطن إذا كانت أفضل من شروط الإيجارة الأصلية من حيث المدة والأجرة الخ… مما يعني في النهاية أن حقـه في الحماية غير مستمـد من عقد التأجير من الباطن كما يبدو واضحاً من جهة أخرى أن الحماية المعنية إنما تسبغ على المستأجر من الباطن الذي لم يكن طرفاً في الدعوى ولم يختصمه المؤجـر رغم أن بقاءه بالعقار مستند إلى الترخيص بالتأجير من الباطن الصادر منه أما إذا كان طرفاً في الخصومة وهو الإجراء الذي يقتضيه حسن الترافع في مثل هذه الحالات مع توفر السبب القانوني بمقاضاته فإنه لا يتمتع بتلك الحماية
وحقيقة الأمر أن المستأجر من الباطن لا تربطه علاقة قانونية مباشرة بالمؤجر الأصلي سوى علاقة الترخيص بالتأجير من الباطن الممنوح للمستأجر الأصلي لذلك فإنه يستمد حقه في البقاء بالعقار من عقد الإيجار من الباطن المبرم مع المستأجر الأصلي وبقدر ما كان دفاع المطعون ضده صحيحاً في هذا الخصوص حيث دفع بعدم وجود ما يربطه بالمؤجر بقدر النتيجة التي رتبها على هذا الدفع خاطئة ليس فقط من جهة سهولة استخدام هذا الدفع نفسه كسلاح في مواجهته لإخلائه من العقار استناداً إلى انتفاء العلاقة التي تخوله البقاء بالعقار بما يعتبر معه متعدياً لا يسند وجوده به أي مبرر قانوني ولكن تعويلاً على أن حقه المستمد من عقد الإيجار من الباطن يدور وجوداً وعدماً مع بقاء هذا العقد ولما كان المستأجر الأصلي يستمد حقه في التأجير من الباطن من الاشتراطات التي نص عليها العقد الأصلي مع المؤجر فإن انقضاء هذا العقد الأخير بما يعنيه من سحب الحق في التأجير من الباطن يحتم انقضاء عقد الإيجارة من الباطن لأن محل ومضمون الإيجارة من الباطن يقع على حق المستأجر الأصلي في أن يؤجر العقار من باطنه وبانتهاء أو فسخ عقد الإيجار الأصلي لم يعد الحق في التأجير من الباطن موجوداً وإذا كانت الحالة المعروضة غير واضحة لسبب توهم المطعون ضده من أن نهوضه بواجبه في الوفاء بالأجرة للمستأجر الأصلي يعصمه من فسخ عقده أو إخلائه من العقار دون أن يتبع ذلك ببيان كيفية استمراره في شغل العقار والجهة التي سيكون مسئولاً أمامها في الوفاء بالتزاماته بعد انقضاء عقد الإيجار الأصلي فإن إنزال المبدأ المتقدم على حالة انتهاء عقد الإيجار الأصلي بانتهاء فترته الحكمية يعد خير مثال لضرورة انقضاء عقد الإيجار من الباطن تبعاً لذلك عندئذ لا يستطيع المستأجر من الباطن مناهضة حكم مقرر بقوة القانون معتمداً على نصوص عقد الإيجار من الباطن الذي لم تستوف مدته الفترة الحكمية المطلوبة لذلك فإن فسخ عقد المستأجر الأصلي يعني زوال الحق الممنوح له في تأجير العقار من الباطن مما يقتضي إخلاء المستأجر من الباطن تبعاً لفسخ الإيجار الأصلي
ولقد أقرت محكمة النقض المصرية في عديد من أحكامها هذا المنحى من بينها:
1- نقض مدني 862/143 لسنة 1977م مجموعة النقض 28/ص1278 والذي جاء فيه ( أنه يشترط لانتفاع المستأجر من الباطن بحق البقاء في العين أن يكون الإيجار من الباطن قد تم صحيحاً بصدور الإذن وفقاً لأحكام القانون وفي هذه الحالة الأخيرة تكون الإيجارة من الباطن نافذة في حق المؤجر فلا يملك الأخير التعرض للمستأجر من الباطن ما دامت الإجارة الأصلية قائمة)
2- نقض مدني مجموعة الأحكام بالنقض س28/ص1446 ( المستأجر الأصلي ليس إلا مأذوناً له في ممارسته الترخيص بالإيجار من الباطن وارتباط عقد الإيجار من الباطن بعقد الإيجار الأصلي وجوداً وعدماً يبتدي من حيث أن مدة الإيجار الأصلي هـي الحصول عليها فإذا كانت مدة الإيجارة من الباطن أطول من مدة الإيجارة الأصلية فإن الإيجارة من الباطن لا تنفذ في حق المؤجر الأصلي فيما زاد عن مدة الإيجارة الأصلية إلا إذا أقر الأخير الإجارة عن المدة الزائدة وما لم تصدر تلك الموافقة أٌعتبر المستأجر من الباطن إزاء المؤجر شاغلاً للعين بدون سند ويصح طرده دون حاجة إلى التنبيه عليه بالإخلاء)
3- نقض مدني 1054/48 الصادر في 12/6/1983م مدونة القانون المدني الجزء الأول الإيجار ص 1143 ( لما كانت الطاعنة قد أسست دفاعها لدي محكمة الموضوع بدرجتيها على أن وضع يدها على عين النزاع يرتكن إلى التأجير من الباطن من المستأجر الأصلي واستندت في ذلك إلى إيصالات استلام الأجرة مضافاً إليها 70% مقابل التأجير من الباطن وكان المقـرر أن الإيجار من الباطن ينقضي حتماً بانقضاء الإيجار الأصلي وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أن الطاعنة قد أقرت بمذكرتها أنها مستأجرة لعين النزاع من باطنه من المستأجر الأصلي المصرح له بالتأجير من الباطن وكان عقد المستأجر من الباطن ينقضي حتماً بانقضاء عقد المستأجر الأصلي الذي انقضى لوفاته وإن كان ذلك يضحى يد الطاعنة على عين النزاع يد غاصب يتعين رفعها وإذا كان ارتكان الطاعنة إلى كونها مستأجرة من الباطن إلى نص المادة 23 من القانون 52/1969م لا غناء فيه إذ بانقضاء العقد الأصلي ينقضي حتماً عقد التأجير من الباطن )
هذه النتيجة المنطقية التي تتسق مع طبيعة الدفاع الذي شرعه المطعون ضده في وجه الدعوى المقامة لإخلائه رغم أنه قد أثير لتحقيق آثار مختلفة تنسجم بدورها مع واقعة استقلال عقد الإيجار الأصلي عن عقد الإيجار من الباطن فطبقاً للعقد الأخير فإن المستأجر الأصلي الذي يعتبر مؤجراً بالنسبة للمستأجر من الباطن يلتزم بكافة الالتزامات التي يرتبها عقد الإيجار على المؤجر ومن بينها تمكين المستأجر من العين المستأجرة وضمان الانتفاع الهادئ ودفع تعرض الغير له ولما كان المستأجر الأصلي قد فشل في ذلك نتيجة إخفاقه في الوفاء بالأجرة المستحقة عليه مما خول المالك حق فسخ عقد الإيجار المبرم بينهما الأمر الذي عرض المستأجر من الباطن إلى خطر الإخلاء تهديداً لحقه في الانتفاع المادي بالعقار فإن مؤدى ذلك هو أن يرجع المستأجر من الباطن على المستأجر الأصلي بكل ما ترتب على إخلاله بالتزامه من أضرار يتمثل في التعويض لأن التنفيذ العيني بالالتزام أصبح مستحيلاً
ولما كان حكم الاستئناف المطعون فيه قد حاد عن هذا النظر وادعى مشايعاً دفاع المطعون ضدهم بعدم صحة إقامة الدعوى أصلاً في مواجهتهـم فإن الرأي هو قبول هذا الطعن ونقض الحكم المطعون فيه واستعادة حكم محكمة الموضوع بإخلاء جميع المدعى عليهم أمامها رغم اختلافنا معها في تسبيبها لحكمها الذي شيدته على أساس أن المستأجر الأصلي وكيل عـن المستأجرين من الباطن يقوم بواجب توصيل الأجرة إلى المؤجر نيابة عنهم الأمر الذي يتناقض تماماً مع حقيقة ارتباطه بعلاقة مزدوجة مع الطرفين علاوة على أنه يقيم علاقة مع المستأجرين من الباطن وفق عقد مستقل تعود شروطه عليه شخصياً حقوقاً والتزامات كما أنه لا يسلم نفس الأجرة التي يستلمها من المستأجرين من الباطن لذلك فإن علاقة الوكالة لا تصدق على مثل هذه الحالة سواء كان الإدعاء بأنه وكيل عن المؤجر الأصلي أو المستأجرين من الباطن
القاضي: أحمد البشير محمد الهادي
التاريخ : 19/6/2000م
لا شيء مفيد يمكن إضافته إلى مذكرة الرأي الأول ذات المجهود المقدر لهذا استحقت موافقتي عليها من حيث الأسباب والنتيجة
القاضي: د بدرية عبد المنعم حسونة
التاريخ : 21/6/2000م
أوافق

