حكومة السودان ضد محمد فضل الله وآخر
المحكمة العليا
القضاة :
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس قاضى المحكمة العليا رئيساً
السيد/ الزين يعقوب الزبير قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضى المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محمد فضل الله وآخر
م ع/ م ك/ 108/ 1988م
المبادئ:
إثبات: الشك المعقول – يقصد به الشبهة المسقطة للحد – المواد 458/1 (ج) عقوبات و 80/1 إثبات لسنة 83
إثبات: الإقرار القضائي – يؤخذ في مجلس القضاء – عند انعقاده – المواد 20 و 21 إثبات لسنة 83
إجراءات جنائية: تداخل الأفعال المجرمة قانوناً – توجيه تهمة واحدة – المواد 181 أ ح وما بعدها
3- يقصد بالشك المعقول المعنى في المواد (458/1 (ج) عقوبات و 80/1 إثبات الشبهة المسقطة للحد (العقوبة) وليس الاتهام أو المجرم
2- الإقرار القضائي هو الذي يتم أخذه في مجلس القضاء عند انعقاده لنظر المسألة موضوع الإقرار وما عدا ذلك وأي إقرار يحدث في غير مجلس القضاء لا يعتبر إقراراً قضائياً ولو أخذه قاضي أثناء التحري وفق مقتضى المادة 128 أ ج
1-يجب أن يكون الاتهام واحداً بالتهمة المناسبة في حالة الأفعال المجرمة قانوناً التي تحدث خلال مشروع إجرامي تتداخل فيه الأفعال
المحامون : الأستاذ محمد الأمين عبد الله الحاج
الحكــــم
القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي:
التاريخ: 2/10/1989م
عرضت أمامنا إجراءات محكمة كبري رقم 32/88 تحت المادة 252 ع والصادر الحكم فيها في مواجهة المتهمين بعقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت للتأييد بموجب المادة "234 إجراءات جنائية" – وفي نفس الوقت تقدم الأستاذ محمد الأمين عبد الله الحاج محامي الدفاع بطلبه مستأنفاً ضد الحكم ويدور محور طلبه في النقاط التالية :
أولاً : أن الحكم قد جاء مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية التي توجب درء الحدود بالشبهات – كما أن الحكم جاء مخالفاً للقانون وتطبيقه السليم ومخالف للتطبيق الصحيح للمنشور الجنائي رقم 94/1983م
ثانياً: يوجب القانون براءة المتهم إذا لم تثبت إدانته فوق أي شك معقول وبالتالي طالما توصلت محكمة الجنايات على أن البينة التي قدمها الاتهام غير كافية لإثبات جريمة القتل الموجبة للقصاص فكان الواجب شطب الاتهام في مواجهة المتهمين
ثالثا: أخطأت المحكمة في تطبيق بينة القسامة لإثبات جرم المتهمين على أساس أن البينة الظرفية لوث يوجب القسامة – وقد جاء التطبيق مخالفاً للقانون بأخذ المحكمة البينة الظرفية كلوث موجب للقسامة ورغم أنها تؤكد عدم صلاحية تلك البينات في تقرير الإدانة لأن القسامة طريق من طرق الإثبات شأنه شأن البينات الظرفية المشكوك فيها – والمفروض أن تتوافر ضوابط وشروط القسامة شرعاً لتطبيقها وليس الأخذ بالبينات الظرفية التي رفضتها المحكمة كمبرر للقسامة – مع مراعاة أن القسامة هنا قسامة نفي وليس إثبات (يشير إلى كتاب دكتور/ عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ص 321 – الجزء الثاني)
رابعاً : أخطأت المحكمة في الإجراءات التي اتبعتها في بينة القسامة – فقد اكتفت المحكمة بتوجيه اليمين على الحاضرين من الورثة رغم تغيب أربعة منهم استناداً على المنشور الجنائي 94/83 الفقرة الخامسة منه – وفات على المحكمة أن المنشور يتحدث عن أولياء الدم الذين لهم حق العفو والصلح ولا علاقة له بإجراءات القسامة وتحديد من من أولياء الدم الذين يحلفون اليمين ولا يتحدث عن أولياء الدم الذين يملكون هذا الحق – كما أن المنشور يتحدث عن عدم اعتبار لعدم وجود أولياء الدم الغائبين غيبة طويلة كالمفقودين عند النظر في مسألة القصاص والعفو وليس في مسألة القسامة – وبالتالي كان استناد المحكمة على المنشور على أساس غير سليم – هذا بالإضافة إلى أن بعض الورثة الغائبين لم يكن غيابهم غياباً طويلاً بل لظروف المرض وهذا لا يبرر الاستغناء عنهم تبعاً للمنشور – والمفروض أن تكون بينة القسامة على جميع الورثة وقت وفاة القتيل – وغياب أي عدد منهم كاف لتبرير عدم توقيع عقوبة القصاص بتغليب احتمال العفو على القصاص كما أن ذلك يبرر تطبيق درء القصاص بالشبهة واحتمال العفو من الغائبين – وبالتالي فالحكم بالقصاص لا أساس له ومخالف للقانون وأحكام الشرع
وبالنظر في المحضر ومراجعته على ضوء المادة 234 إجراءات وعلى ضوء طلب الاستئناف المقدم أري الآتي:
أولاً: قبل البدء في المناقشة أرى أنه من الضروري تحديد الأساس القانوني الذي ارتكزت عليه محكمة الموضوع في قرارها وترتب عليه تطبيقها لإجراءات بينة القسامة على المتهمين والحكم عليهم بالإعدام بموجبها – ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:
1- الواضح من المحضر أن الإدانة كانت تحت المادة 252 334 عقوبات مقروءة مع المادة 458 عقوبات لسنة 1983م
2- ترى المحكمة أن البينة المقدمة لا تكفي لإثبات جريمة القتل الموجب للقصاص ولما يلي :
بالنسبة للجريمة تحت المادة 252 ع :
أ/ البينة المطلوبة لإثبات جريمة القصاص هي الإقرار أو بينة شاهدين عدلين
ب/ اعتراف المتهمين قضائياً أثناء التحري إلا أن ذلك لا يعد بينة كافية وحدها إذا عدل عنه المقر به – كما أن الرجوع يعد شبهة كافية لدرء الحد أو القصاص
ج/ البينة الوحيدة المباشرة هي بينة ابن المرحوم البالغ من العمر (9) سنوات وهذه البينة لا تكفي للإدانة بموجبها في جريمة موجبة للقصاص لأن بينة الصبي لا تقبل في هذه الحالة
د/ جريمة القصاص لم تثبت بينة شاهدين عدلين والبينة المقدمة غير كافية للإدانة بموجبها لأنها بينات ظرفية ولكنها تشكل في مجملها (لوث يوجب إجراء القسامة على المتهمين)
بالنسبة لجريمة الحرابة "النهب المسلح" :
أ/ اعتراف المتهمين أثناء التحري لا مجال للأخذ به لأن المتهمين رجعا عنه في مرحلة المحاكمة والرجوع يجعله غير كاف للإدانة وفقاً لأحكام قانون الإثبات 1983م
ب/ البينة المقدمة بينات ظرفية متماسكة تؤكد أن المتهمين هما مرتكبا الحادث ومن هذه البينات بينة الأثر المنصوص عليها في المنشور الجنائي (39) ورغم وجود خلل في تلك البينة وفقاً للفقرة الرابعة من المنشور – إلا أن بينة الأثر رغم ضعفها تشكل مع الإقرار المرجوع عنه بينة كافية لتعذير المتهمين لأن الحرابة كجريمة حدية لا تثبت إلا بينة شاهدين وقد رفضت المحكمة بينة المجني عليها الرابع والسادس لعنصر المصلحة والخصومة ولصغر سن الشاهد السادس والتي لا تقبل في الحدود
ج/ ترى المحكمة طالما أن (الحرابة) لم تثبت بسند إثباتها الشرعي فإن البينات الظرفية مع الإقرار المرجوع عنه تشكل بينة كافية للإدانة تحت م 334 عقوبات / مع م 458 (3) لتوافر عناصر الجرم المعرف في م 332 ع
إذن فواضح مما تقدم أن المحكمة ناقشت كل جريمة على حده ورأت إدانة المتهم تحت م 334 ع 458 (3) ع على أساس توقيع عقوبة تعزيرية لدرء حد الحرابة للشبهة المتعلقة بنصاب البينة – أما بالنسبة لفعل القتل فرأت أن نفس هذه البينات الظرفية تشكل (لوث) يوجب القسامة – وعليه قررت إجراء القسامة وعلى ضوئها قضت بإدانة المتهمين تحت م 252 وقضت عليهما بالقصاص لرفض أولياء الدم العفو ورأت في نفس الوقت عدم الحكم بعقوبة التعذير تحت م 334/458 (3) ع لأن عقوبة القصاص تحت أي عقوبة أدنى
ثانياً : بالنظر في محضر إجراءاته أرى تأييد الإدانة تحت المادة 334 عقوبات مقروءة مع م 458 ع – لدرء حد الحرابة بشبهة البينة وأرى في نفس الوقت إلغاء كل ما اتخذته المحكمة من إجراءات تتعلق بالقسامة وما تبعها من إجراء انتهي بالحكم بالقصاص ولما يلي:-
1/ بالنسبة لتوجيه اتهامين منفصلين (الحرابة – والقتل) ففي تقديري أنه – إجراء غير سديد لأن الفعلين حدثا خلال فعل إجرامي واحد (القتل أثناء ارتكاب جريمة الحرابة) وواضح ذلك من وقائع الاتهام فالفعلين متداخلين في حدث إجرامي واحد وبالتالي فمن الوجهة الإجرائية فلا يجوز فصل الاتهامين كحدثين منفصلين ورغم أن الفعل واحد والبينة حول واحدة – وهذه مسألة إجرائية معلومة قانوناً وقد نظمها المشرع في المواد 182-183-184-185-186 إجراءات جنائية سنة 1983م ولكنه نص صراحة في المادة 181 إجراءات نص على الآتي :
(فيما عدا الأحوال المبينة في المواد 182-183-184-185-186 إجراءات يجب أن تحرر تهمة منفصلة لكل جريمة قائمة بذاتها يتهم بها أي شخص ويجب أن تحاكم كل تهمة من هذا القبيل محاكمة منفصلة)
وواضح من هذا النص أن المشرع قد قصد صراحة استثناء الأفعال والجرائم المتداخلة من خلال فعل إجرامي واحد وإن تعددت الأفعال والجرائم المتداخلة فيه بحيث يجوز توجيه تهمة واحدة فيها وأن تحاكم محاكمة واحدة – كمثال جريمة الكسر المنزلي والسرقة – أو التعدي لارتكاب جريمة أخرى أو تسبب الأذى أو – الحجز المشروع مع التعدي – أنظر م 389 – 390- 397 – 398 – وأيضاً الجرائم المتداخلة عند ارتكاب جريمة النهب تحت م 332 ع فالفعل يندرج تحت عدة جرائم وأفعال "السرقة مع الأذى أو الشروع فيه – السرقة مع تسبيب الموت أو الشروع فيه – السرقة مع تسبيب الأذى أو الموت للهروب بالمسروق الخ فكلها أفعال مجرمة قانوناً لكنها تحدث من خلال (حدث إجرامي واحد) أو خلال مشروع إجرامي واحد تتداخل فيه الأفعال – وفي هذه الحالة يجب أن يكون الاتهام تحت الجريمة الأكبر التي تشمل وتنطوي على كل هذه الأفعال المجرمة المتداخلة وأن يكون الاتهام فيها واحداً بالتهمة المناسبة – والحالة المعروضة أمامنا هي خير مثال لذلك فالاتهام يقوم على (تسبيب الموت والأذى أثناء ارتكاب جريمة النهب) وهذه تشكل في مجموعها حدث إجرامي واحد وإن تعددت أفعاله المتداخلة فالمادة 332 عقوبات تقول:
تكن السرقة نهباً :
إذا سبب الجاني أو شرع في أن يسبب قصداً لأي شخص موتاً أو أذى أو حجز غير مشروع أو خوفاً من موت عاجل أو أذى الخ وكان ذلك لغرض ارتكاب السرقة أو عند ارتكابها أو عند الشروع فالهرب بالأموال التي حصل عليها من السرقة
وواضح من النص أنه يتحدث بتسبيب الموت والأذى عمداً لارتكاب أو عند ارتكاب جريمة النهب والنهب بهذا التعريف يندرج تحت تعريف الحرابة بمعناها الشرعي وهو السرقة مغالبة أو قطع الطريق – وقد أدرج المشرع كل هذه الأفعال تحت جريمة النهب ووضع لها عقوبة الحرابة بما يؤكد اعتباره للفعل المذكور من أفعال الحرابة – فالحرابة بمعناها الشرعي "الخروج بقصد أخذ المال مغالبة" سواء ترتب على الفعل أخذ المال أم لم يأخذه فقد يكون الخروج بقصد أخذ المال مغالبة عن طريق إخافة السبيل – أو القتل – وبالرجوع إلى المحضر فالواضح أن المحكمة ناقشت الفعل على أنه اتهامين منفصلين تحت م 334 ع – 252 عقوبات ثم ناقشت كل اتهام على حده وقررت فيه على حده مما ترتب عليه مناقشة ذات الوقائع وذات البينات لمرتين في تكرار واضح وبنفس التسبيب وترتب على هذا الخطأ الإجرائي حكمين بالإدانة :
أولاً: تحت المادة – 334 عقوبات مقروءة مع المادة 458 ع – وقررت توقيع عقوبة تعزيزية لدرأ حد الحرابة بشبهة البينة التي تتطلب شاهدين
ثانياً: تحت المادة 252 ع القتل غيلة عن طريق بينة القسامة وفي تقديري أن التقسيم المذكور للفعل الإجرامي غير سديد لأن الاتهام والوقائع تشير إلى أن الفعل كان حرابة ترتب عليها القتل أحد المجني عليهم وإصابة الآخرين بالأذى وبالتالي كان الواجب على المحكمة أن تكتفي بالإدانة تحت المادة 334 ع وأن توقع العقوبة التعزيزية المناسبة للفعل
2/ استند في تأييد الإدانة تحت المادة 334/458 عقوبات على الأساس التالي :
1- البينة الأولي : في القضية هي بينة (الإقرار) وقبل الدخول في تفاصيل ذلك أرى أنه لزام علينا أن نجلي الغموض المصاحب لمسألة التفريق بين الإقرار القضائي – والإقرار غير القضائي والنابع عن فهم وتطبيق المادة 128 إجراءات جنائية 1983م- لأنه ما زال التحري والاتهام وأيضاً القضاة والمحاكم تعمل بالإجراء المنصوص عليه في هذه المادة باعتبار أن الإقرار الذي يؤخذ أثناء التحري بموجب هذه المادة – بواسطة قاضى هو – اعتراف أو إقرار قضائي وذلك على أساس نفس الفهم القانوني الذي كان سائداً في ظل قانون الإجراءات الجنائية سنة 1974م والفقه القانوني المرتبط به ودون الالتفات إلى أن هذا الفهم قد صار له وجه جديد بعد صدور قانون الإثبات سنة 1983م الذي يستمد نظرته وفقهه العام من أحكام الشريعة الإسلامية عليه أرى أن إجلاء الأمر حول تطبيق م 128 إجراءات 1983م وتحديد الأساس الذي يجب أن تفهم من خلاله عند التطبيق لتحديد صفة وطبيعة البينة المتحصلة من ذلك التطبيق على النحو التالي :-
أولاً : بالرجوع إلى نص المادة "128 إجراءات جنائية سنة 1983م " فالواضح أنه نص يتعلق بالبينة والإثبات – وهو مأخوذ بكل حذافيره من نص المادة 128 إجراءات جنائية سنة 1974م – ولقد كان لهذا النص في قانون الإجراءات الجنائية سنة 1974م مقاصده مراميه والأساس القانوني والفقهي الذي كان سائداً في ظله فالمقصود من الأقوال التي يأخذها القاضي أثناء التحري اعتبارها بينة مقبولة (كاعتراف وإقرار قضائي) وقد تكفى وحدها كبينة أو دليل على صحة الإدانة وهي بخلاف الأقوال التي يأخذها المتحري أثناء التحري فلا قيمة لها كبينة إلا بعد إثباتها وتلاوتها أمام المحكمة وإقرار المتهم بأنها أقواله- وبالتالي – فالأساس القانوني والفقهي لنص 128 في قانون 74 يقوم على أساس أن الأقوال التي يأخذها قاض أثناء إجراءات التحري وقبل المحاكمة هي بينة مقبولة باعتبارها (اعتراف قضائي)
ثانياً: في تقديري لذلك فإنه يتعين علينا أن نعى أو نفهم مقاصد ومرامي النص الجديد للمادة 128 إجراءات 1983م على ضوء الأساس القانوني الذي صدر على هدية قانون الإجراءات 1983م والسند الفقهي الذي يجب أن نرتكز عليه في ذلك الفهم عند التطبيق وخاصة بعد صدور قانون الإثبات سنة 1983م وصيرورة الشريعة الإسلامية هي المصدر القانوني والفقهي لأي تشريع أو لأي فهم أو تفسير لأي نص أو نصوص تشريعياً
ثالثاً: فالمعلوم لنا أن قواعد الإثبات والتي كانت تحكم قواعد البينة والإثبات في ظل قانون 1974م وقبل صدور قانون الإجراءات 83 والإثبات 83 والعقوبات 83 أن مصدرها الأساسي هو (القانون الهندي) وفقهه العام والسوابق الإنجليزية والهندية النابعة والآخذة من ذات المصدر والسوابق السودانية النابعة أيضاً من ذات المصدر – لعدم وجود قانون للإثبات (أو قانون سوداني للإثبات) والمعلوم أيضاً إنه وعلى الرغم من أن المشرع في ظل قانون 1974م لم ينص صراحة على أن المصدر هو القانون الإنجليزي أو الهندي – إلا أنه قد استقر في الذهن القانوني والقضائي منذ سنة 1925م أن المصدر هو القانون الإنجليزي – الهندي ومنبع ذلك أن القضاء منذ ذلك التاريخ كان محكوماً بقضاة إنجليز بوصفهم السلطة الحاكمة في السودان أو من ذوى الأصل الهندي التابع للأصل الإنجليزي وبالتالي صار المصدر القانوني للإثبات وفي نفس الوقت صار المرجع الفقهي العام في التطبيق هو القاضي الذي يطبق القانون مرتكزاً على قانون بلده وعلى أساس أن القوانين في السودان مستمدة من الأصل الإنجليزي أو الهندي المأخوذة بدوره من الأصل الإنجليزي أو باعتبار أن القانون الهندي الإنجليزي الأصل والمطبق في المستعمرة الهندية أقرب في التطبيق بالنسبة للسودان للتقارب في التكوين الإنساني والاجتماعي العام- واستمر الحال على ذلك لحين فترة الاستقلال حيث بدأ بعدها القاضي السوداني يطبق القانون كقاضي وطني ولكن بنفس الأسلوب وعلى هدى القضاء السابق له إلا أنه بدأ تدريجياً في الانعتاق من ذلك المصدر بإصدار سوابق سودانية تفسر النصوص بفهم جديد مرتبطاً بالواقع الأصل للمجتمع السوداني والذي تحكمه تلك النصوص وذلك الفقه وكان ثمارها إدخال بعض ذلك الفهم الجديد والذي رسخته السوابق المذكورة في داخل نصوص قانون الإجراءات سنة 1974م إلا أن صيرورة النص القانوني الوارد في قانون الإجراءات سنة 1974م هو المصدر القانوني في التطبيق والفهم في الحالة المعنية لم يمنع استمرار القانون الإنجليزي والهندي بالنسبة للتطبيق في مسائل الإثبات
رابعأً: وبعد صدور قانون الإجراءات الجنائية سنة 83 والإثبات 1983 ورغم أن قانون الإجراءات 83 هو في مجمله نفس نصوص قانون الإجراءات سنة 1974م إلا أن تلك القوانين أدخلت فهماً جديداً في التطبيق بجعلها الشريعة الإسلامية وفقهها العام (المصدر الأساسي في التطبيق والفهم المنصوص أي قانون سار يتعلق بالإجراءات أو الإثبات – وبالرجوع إلى نصوص قانون الإثبات سنة 1983م الصادر في 6/10/1983م – نجد أنه يرتكز على أحكام الشريعة الإسلامية وفقهها العام في الإثبات والبينة ويلاحظ هنا أن قانون الإثبات 1983م قد صدر بعد قانون الإجراءات الجنائية 1983م والمعلوم لنا قانوناً ووفقاً لأحكام قانون تفسير القوانين والنصوص العامة 1974م الساري المفعول أنه ينص صراحة على أن أحكام القانون والنصوص اللاحقة تسود على أحكام القانون السابق في المسألة أو الموضوع الذي يحكمه ذلك القانون- كما ينص على أن النص الخاص يقيد العام باعتباره استثناءاً منه ولا يرى عليه حكم النص العام – فالمادة (6) الفقرتين (3) و (4) منه تقول:
الفقرة (3) تسود أحكام القانون اللاحق على القانون السابق بالقدر الذي يزيل التعارض بينهما
الفقرة (4) يعتبر أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأي مسألة في أي قانون استثناء عن أي قانون عام أو نصوص عامة في أي قانون بحكم تلك المسألة
وتبعاً لنص المادة (6) الفقرة (3) و(4) فإن قانون الإثبات سنة 1983م باعتباره قانوناً (خاصاً بالإثبات وباعتباره قانوناً لاحقاً لأي قانون أ "أي نص في أي قانون يحكم قواعد الإثبات أو أي مسألة متعلقة بالإثبات فإن أحكامه تسود على جميع مسائل الإثبات الواردة في أي قانون سار قبل صدوره وبالتالي تعتبر أحكام ونصوص قانون الإثبات 83 هي الأساس الذي يحتكم إليه في التطبيق وفي التفسير وفي الفهم لأي نص وارد في أي قانون آخر يتعلق بالإثبات على صدوره
خامساً: وعلى ضوء ذاك الفهم تصل إلى التفسير والفهم القانوني لنص م 128 من قانون الإجراءات الجنائية 1983م ففي تقديري وكما سبق أن أسلفت فإن نص م 128 إجراءات جنائية 1974م كانت له مقاصده ومراميه وسنده القانوني والفقهي في الفهم عند التطبيق – فالمقصود بالإقرار في ذلك النص كان هو (الإقرار القضائي أو الاعتراف القضائي أمام القاضي أثناء التحري وقبل المحاكمة) ويعتبر بهذه الصفة بينة كافية في الإثبات ورغم أنه تم في غير مجلس المحاكمة الخاصة بموضوع الإقرار وبالتالي إعطاء المشرع الحجية القاطعة في الإثبات في الإدانة بموجبه متى اقتنع بكفايته ولم يكن هنالك نص خاص في أي قانون سوداني كما سبق أن أسلفنا ينص على أن الرجوع فيه مبرر لعدم الأخذ به أو لعدم قبوله إلا أن القضاء السوداني المأخوذ من القانون الهندي والقضاء المستنبط من الفكر القانوني المستنير رسخ العديد من السوابق (حول الاعتراف المعدول عنه) وهي في جملتها لا تسقط الاعتراف كحجة قاطعة أو مقبولة في الإثبات بحيث يجوز قبوله أو قبول أي جزء منه رغم العدول عنه أو إنكاره – أما بعد صدور قانون الإثبات 83 فقد تغير ذلك الفهم تماماً وجاء بمفهوم جديد لمعنى الاعتراف القضائي أو الإقرار القضائي يخالف المفهوم الذي كانت تنطوي عليه 128 إثبات القديمة في قانون سنة 1974م فالإقرار القضائي هو والذي يتم أخذه في مجلس القضاء عند انعقاده لنظر المسألة موضوع الإقرار وما عدا ذلك وأي قرار يحدث في غير مجلس القضاء لا يعتبر إقراراً قضائياً ولو أخذه قاضى أثناء التحري وبحيث تساوى الإقرار في التحري أمام القاضي أو التحري ووكيل النيابة أو أمام الجمهور في أنه إقرار غير قضائي وتساوي حجيته في الإثبات وبالتالي فلا يوصف أي قرار أخذ خارج نطاق حلبة المحاكمة بالإقرار القضائي لأن الإقرار القضائي قد عرف قانوناً بأنه هو الإقرار الذي أدلا به أثناء إجراءات الدعوى المتعلقة به وبالاتهام المتعلق به في مواجهة الخصوم وفي ذلك تقول المادة (20) الفقرة 2 من قانون الإثبات سنة 1983م
"ينحصر الإقرار القضائي في المسائل الجنائية في الإقرار بواقعة في مجلس قضاء أثناء إجراءات الدعوى المتعلقة بها"
وواضح من هذا النص أنه يحدد الفهم الجديد للإقرار القضائي وواضح أنه يخالف الفهم الذي كان سائداً في نص المادة 128 إجراءات سنة 1974م الذي كان يعتبر الإقرار في التحري وفي غير مجلس القضاء للمسألة موضوع الإقرار إقراراً قضائياً شأنه شأن الإقرار أثناء المحاكمة مع بعض الخلاف في التقييم بالنسبة للرجوع الذي أقره الفقه القانوني في ظل قانون سنة 1974م
وعلى ضوء ذلك أري وفقاً لنص م (6) الفقرة (2) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م فإن أحكام قانون الإثبات 83 المقررة في المواد (20-21) من قانون الإثبات 83 تسود على أحكام المادة 128 إجراءات بفهمها وتفسيرها القديم الذي كان سائداً حتى بعد صدور قانون الإجراءات 83 وعليه فإن أخذ الإقرار أو الاعتراف أياً كانت التسمية بواسطة قاضي أثناء التحري لا يعدو أن يكون (إقرار غير قضائي "طالما أنه أخذ أثناء التحري وليس في حلبة المحاكمة عند نظر الاتهام محل الإقرار ولا يكفى أن يأخذه قاضى أثناء التحري لاكتسابه صفة الإقرار القضائي) لأن في ذلك مخالفة صريحة لنص م 20 (2) (21) من قانون الإثبات ومن ثم فإن أي إقرار يأخذه القاضي أثناء التحري وبعد صدور قانون الإثبات 83 يتساوى في صفته وقيمته الإثباتية بأنه مجرد إقرار غير قضائي مع أي إقرار آخر حدث أمام شاهد أو متحرى أو وكيل النيابة عند تولية التحري – ومجرد تدوين الإقرار في يومية التحري لا يجعله قضائياً لأنه ما زال (إقرار غير قضائي)
سادساً: وعلى ضوء ما تقدم فإن نص المادة 128 إجراءات 83 – وبعد صدور قانون – الإثبات 83 يتعين فهم قيمة الإثبات على ضوء م 20-21 إثبات وبالتالي انتهت قيمته الإثباتية كاعتراف أو إقرار وأن قيمته الوحيدة بالنسبة للبينة أن الأقوال التي تؤخذ في ظله مجرد (إقرار قضائي) تحكمه نص المادة 21 (إثبات) والإقرار الغير قضائي لا يكون حجة في الإثبات إلا بعد إثبات عكس الإقرار القضائي الذي يثبت لمجرد الإدلاء به في مجلس القضاء والإقرار غير القضائي تبعاً لذلك يتطلب لإثباته حضور الشخص الذي حدث الإقرار أمامه لتأكيد الإقرار المعنى في مواجهة المقر أمام المحكمة وبالتالي لا يعد بينة مقبولة في الإثبات إلا بعد تمام إثباته بواسطة (المقر أمامه) سواء أكان ذلك الشخص الذي تم الإقرار أمامه هو المتحري خلال تحريه أو وكيل النيابة عند مباشرته التحري أو القاضي من خلال إشرافه على التحري قبل المحاكمة وهذا ما عنته المادة (21) من قانون الإثبات 83 بقولها:
الإقرار غير القضائي الذي لا يتوافر فيه أي من الشروط المنصوص عليها في م (20) من هذا القانون وتتبع في إثباته القواعد العامة للبينة
وواضح من عبارة – وتتبع في إثباته القواعد العامة للبينة – أن الإقرار القضائي يتعين إثباته بحضور الشخص الذي حدث الإقرار أمامه في غير مجلس القضاء للإدلاء بشهادته وبينته لإثباته أمام مجلس القضاء عند انعقاده للنظر في المسألة محل الإقرار وفي حضور الشخص المراد إثبات الإقرار في مواجهته وبالتالي فالشخص الذي حدث الإقرار أمامه ينطبق عليه وصف (بينة الشاهد) المعرفة في المادة (27) من قانون الإثبات التي تقول :
الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء ومواجهة الخصوم"
وبالتالي فالإقرار غير القضائي لا يكون بينة مقبولة إلا بعد إثباته بحضور الشخص الذي حدث الإقرار أمامه
سابعاً : يتضح من ذلك أن الفرق بين الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي ينحصر في المسائل الآتية:
1/ الإقرار القضائي: هو الإقرار الذي يدلى به أمام القاضي في مجلس القضاء أثناء نظر الدعوى المتعلقة بالمسألة المقر بها أما الإقرار غير القضائي فهو أي إقرار يحدث أمام أي شخص بصفته العادية أو الرسمية خارج المحكمة المحاكمة لموضوع المسألة محل الإقرار وبالتالي فالإقرار غير القضائي هو كل إقرار لم يحدث في مجلس القضاء الذي يقضى في المسألة المعنية بالإقرار
2/ الإقرار القضائي : بينة وحجة في مواجهة الشخص الذي يدلي به في مجلس القضاء أما الإقرار غير القضائي فلا يعد بينة مقبولة إلا بإحضار الشخص الذي تم الإقرار في حضوره لإثباته
3/ الإقرار القضائي : يفقد حجيته كبينة قاطعة في الإدانة أو الإثبات الفعل محل الإقرار إذا رجع فيه المقر بعد أن أدلى به أمام القاضي في مجلس القضاء وذلك وفقاً لنص م 26 (2) إثبات 1983م التي تقول: يعتبر الرجوع عن الإقرار في المسألة الجنائية شبهة تجعل الإقرار بينة غير قاطعة
أما الإقرار الغير قضائي : فهو أصلاً وحتى بعد إثباته أمام مجلس القضاء فليس له حجة قاطعة ولا يعد بينة قاطعة يحتاج إلى تعضيد مع بينات أخرى لتقرير الإدانة وذلك وفقاً لنص المادة 25 (3) من قانون الإثبات والتي تقول: في المسائل الجنائية لا يشكل قرار بينة غير قاطعة إذا كان غير قضائي
وعليه فالإقرار القضائي بمجرد الإدلاء به أمام القاضي في مجلس القضاء يكون وحده كاف للإدانة بموجبه دون أي بينة أخرى تعضده وفقاً للمادة (18) إثبات إلا أنه يفقد تلك الحجية عند الرجوع عنه بموجب م 26 (2) إثبات أما الإقرار غير القضائي فهو يحتاج أولاً إثبات حدوثه وفقاً للمادة (21) إثبات ثم بعد إثباته لا يعد بينة قاطعة وحده في الإدانة وفقاً للمادة 25 (3) إثبات
وعليه أخلص من كل ما تقدم إلى أن ما أدلى به في يومية التحري لا يعد وأن يكون إقرار غير قضائي وهو أصلاً بموجب م 25 (3) ليس بينة قاطعة في الإثبات ورغم أن المتحري أكد على اليمين حدوثه أمام ص 3 من المحضر مؤكد حدوثه أمام عضو مجلس القضاة أثناء التحري
ب/ وعليه فالبينة الأولي في مواجهة المتهمين تحت م 334 ع هي (الإقرار غير القضائي) أما البينة الثانية وهي بينة المجني عليه "حامد بابكر حمدان" شاهد الاتهام الرابع المذكور يدلى بأقواله في الدعوى كمجني عليه وخصم مباشر في مواجهة المتهمين على أساس أنهم نفس الشخصين اللذين ضرباه وضربا المرحوم ويؤكد رؤيتهم والتأكد منهم رغم الظلام لأن النار جواره كانت موقدة وقد رفضت المحكمة هذه الأقوال كبينة على أساس وجود المصلحة في أقوال شبهة الخصومة التي تدرأ الحد والقصاص ويبدو أن المحكمة قد ارتكزت على نص م (31) (33) من قانون الإثبات وإن لم تذكر ذلك صراحة في قرارها ولا أجد غباراً على المحكمة في عدم أخذها لهذه الأقوال بينة لعدم مخالفة ذلك لأحكام قانون الإثبات سنة 1983م – ووجهة النظر الفقهية الشرعية في هذه المسألة فشهادة المجني عليه في الحرابة وقطع الطريق هي محل خلاف فقهي فالحنفية يقبلون شهادة ج المجني عليه على الجاني وعند أحمد والشافعي لا تقبل هذه الشهادة لأنها مثل شهادة الخصم "أنظر المغني – ص 55- جزء 12 – وفتح القدير – ص 114 – جزء (4) – المبوط ص 90 جزء (9) أما أقوال المجني عليه أو شاهد الاتهام السادس والتي لم تأخذ بها المحكمة لذات السبب وبسبب آخر هو أنه حتى بغرض قبول المجني عليه كشاهد فالمذكور صغير في السن (9 أعوام) بالتقريب أجدني أيضاً متفقاً مع وجهة نظر المحكمة لعدم مخالفة ذلك لأحكام قانون الإثبات 83 أو وجهة النظر الفقهية الشرعية في هذه المسألة لأن شهادة الصغير لا تقبل في الحدود والقصاص لأن صغر السن شبهة قوية وكافية تمنع البينة في إثبات الجريمة
وعليه أخلص إلى أن عدم أخذ أقوال المجني عليهم وهم في نفس الوقت أبناء المجني عليه المتوفى في الحادث كبينة مقبولة في الإثبات لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو قانون الإثبات 83 بما يوجب تدخلنا بشأنها وعليه أرى تأييد المحكمة فيما توصلت إليه
ج/ البينة الثالثة: في مواجهة المتهمين هي قرينة وجود "دماء بشرية" في المعروضات – (العكاز الخاص بالمتهم الأول) – ونقاط دماء بشرية في جلابية المتهم الثاني (حولي حامد حولي) وفي تقديري أن هذه البينة لا تقوم كدليل كاف في الاتهام لأن الفحص المعملي لم يؤكد أن الدماء في العكاز أو الجلباب من فصيلة دم المرحوم أو المصابين هذا بالإضافة إلى المتهمين قدما مبررات لتلك الدماء وعموماً لا تكفى هذه القرينة كبينة في مواجهة المتهمين
البينة الرابعة: بينة الأثر – والواضح أن المحكمة قد أخذتها كبينة مقبولة وفقاً للمنشور الجنائي (39) رغم العيب الذي شاب تلك البينة وأن لم تذكره المحكمة صراحة إلا أنها فيما يبدو تقصد بأن الشاهد الذي قص الأثر لم يقم بتتبع الأثر من مكان الحادث حسب قوله ص 32 : الفزع قبضني الدرب ومسكته ومشيت بيه أنا ما وصلت مكان الحادث إلا أن المحكمة لن تقبل هذه البينة في جريمة الحرابة وأخذت بها (كلوث) يوجب القسامة مع بينة الإقرار غير القضائي وهو ما سنتعرض له آنفاً وعموماً لم تأخذ المحكمة بينة الأثر لإثبات جريمة النهب ومع تقديري لرأي المحكمة أرى أن بينة الأثر هنا وفي وقائع هذه القضية كافية لتعضيد بينة الإقرار غير القضائي بحيث تشكل معاً أساس كاف لإدانة المتهمين تحت المادة 334 ع / مقروءة مع المادة 458 ولما يلي :
1/ وفقاً لنص المادة (76) من قانون الإثبات سنة 1983م فإنه يجوز الأخذ ببينة (قصاص الأثر) متى ما اطمأنت إليها المحكمة والنص يقول:
لا يعتبر قصاص الأثر خبيراً بالمعني الوارد في هذا الفصل ومع ذلك يجوز للمحكمة إذا اطمأنت إلى رأي القصاص للأثر تأسيس حكمها عليه
ووفقاً لهذه المادة تقبل بينة الأثر إلا إذا اطمأنت المحكمة إليها وبالطبع هذا النص القانوني لاحق للمنشور (39) وهو الحجة الأساسية في الإثبات وليس المنشور كما ذكرت المحكمة – لأن الأصل هو النص القانوني وعموماً فالمنشور لا يخالف كثيراً نص م (76) فالمادة الرابعة منه تنص بجواز قبول بينة الأثر حتى ولو لم تتبع الإجراءات المنصوص عليها في المنشور – كما أنه في تقديري أن ما ورد بالمنشور يفيد المحكمة في تقييم بينة الأثر والاستيثاق من وقته حتى تطمئن إليها وبالتالي فلا تعارض بين مقاصد المنشور والنص القانوني
2/ في تقديري أن بينة قصاص الأثر كافية للاطمئنان إليها والأخذ بها بموجب م (76) إثبات سنة 1983م ولما يلي :
أولاً : الواضح أن الجناة مرتكبي الحادث قد تمكنا من أخذ جملين من جمال المجني عليهم وهربا بها بعد ارتكاب الحادث
ثانياً : رغم أن قصاص الأثر لم يقص أثر المتهمين من مكان الحادث إلا أنه قص اثر الجمال حتى أوصل الفزع إليها مناخه وعليها أثر الإرهاق والسفر ثم قص أثر الأشخاص الذين نزلوا من الجمال عبر طريق وعر وحتى أوصل إلى المتهمين في خيمة وهذا الربط الدقيق للمتهمين بالجمال المسروقة يشكل قرائن مترابطة بأن المتهمين هما مرتكبا الحادث ولا أحد غيرهم
ثالثاً: تشير البينة بأن المتهمين شوهدوا في مكان الحادث قبل ساعات من حدوثه كما أن بينة شهود الاتهام الآخرين تؤكد حضور المتهمين إلى قريتهم ليلاً وفي وقت متأخر من الليل وعقب الحادث مباشرة هذا يجعل بينة الأثر كافية ومقنعة للاستناد عليه في الحكم
ومن ثم أرى ومن كل ما تقدم أن بينة الإقرار غير القضائي مدعمة بالقرائن الظرفية الأخرى تكفى لإدانة المتهمين تحت المادة 334 عقوبات مقروءة مع المادة 458 (3) عقوبات والتي توجب التعزير لانتفاء البينة الشرعية الموجبة للحد الشرعي وفقاً لنص المادة (78) من قانون الإثبات 1983م لابد لي هنا من الإشارة إلى السابقة م ع / فصح جنائي /11/1984 – حكومة السودان ضد جمال محمد حسين – مجلة الأحكام القضائية 1984م ص 63 لمخالفتي لوجهة النظر الواردة فيها حول تفسير القاعدة الشرعية (أدرءوا الحدود بالشبهات) فالسابقة تعتبر أن (عدم توافر نصاب الشهادة الشرعية للبينة في الجرائم الحدية يعتبر من الشبهات المسقطة للحد) وتسند السابقة في ذلك على :
(1) عرفت م 458 (1) الفقرة (ج) عقوبات بأن الشبهة هي كل (شك معقول) والشك المعقول يؤدى إلى براءة المتهم من الجرم الحدي وغير الحدي
(2) وفقاً لنص م 80 = (2) من قانون الإثبات 83 الشبهات تتعلق بالإقرار والشهادة وليس نصاب الشهادة
وأخالف وجهة النظر تلك ولما يلي من أسباب :
(1) المفروض أن تفسر النصوص القانونية على هدى أحكام الشريعة الإسلامية وفقهها العام وليس العكس أي تفسر الشريعة الإسلامية على هدى النصوص القانونية وقد نص المشرع على ذلك صراحة في 458 ع المادة (81) من قانون الإثبات 83 بقولها – (لا يفسر نص في هذا القانون بما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية)
(2) وفقاً لنص المادة (6) (1) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م (تفسير النصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواء)
وهذا يعنى أن يفسر أي نص وارد في قانون العقوبات والإثبات بما يوافق أحكام الشريعة وفقهها العام وليس التفسير الذي يتنافي مع ذلك
(3) المعلوم أن الفقه القانوني الذي كان سائداً قبل صدور قوانين 1983م كما سبق أن أسلفنا على الفقه الأنجلوسكوني – والمعلوم لنا أن القاعدة (الشك المعقول أو تفسير الشك لصالح المتهم) وفقاً لذلك الفقه والمستقر في العديد من سوابقنا يقوم على أساس (الشك المبرر لنفى الإدانة وبالتالي تقرير البراءة بمعنى أن الشك الذي يتعلق بثبوت الجريمة)
(4) لا تختلف الشريعة الإسلامية وفقهها العام من الفقه الانجلوسكوني في أن "الشك في صحة الاتهام كاف لنفى الاتهام من أساسه" فالشك هنا متعلق بأساس البينة والذي لا يقطع بالإدانة ويكون أقرب للبراءة منه للإدانة ولقد أخذ قانون الإثبات بهذه القاعدة في م (2) بقوله:
(الأصل براءة المتهم حتى تثبت إدانته دون أدنى شك معقول) بالتالي فقد حدد القانون صراحة أن الإدانة يجب أن تكون قاطعة بحيث لا يثور حولها أي شك في قطعيتها أو بكفاية الأسباب التي استند عليها
(5) تبعاً لذلك يجب أن تفرق بين (الشك المعقول لتقرير البراءة) وبين (الشبهة التي تدرأ الحد ) وفقاً لنص م 80 (1) إثبات سنة 1983م التي ارتكزت عليها السابقة بحيث جعلت درأ الحد شبهة مساو لتقرير البراءة بالشكل المعقول ويبدو لى أن السابقة قد فسرت ما ورد في م 485 (1) الفقرة (ج) بأن معنى (الشبهة كل شك معقول) على أن الشك المعقول للبراءة الواردة في م 4 (2) من قانون الإثبات وفي تقديري لذلك أخالف ذلك الرأي فكما أسلفت فالشك المعقول المبرر للبراءة الواردة في م 4 (2) إثبات ليس هو الشك المعقول الخاص بدرء الحد بشبهة فلو رجعنا إلى أحكام الفقه الإسلامي لوجدنا أن الشبهة لا تتعلق أساساً باسقاط الاتهام أو البراءة منه بل ترتبط بإسقاط العقوبة وهذا الأمر هو الخلاف الجوهري بين (إسقاط الاتهام بالبراءة للشك المعقول) و (وإسقاط العقوبة الحدية للشبهة أو الشك المعقول) ففي حالة الشبهة المسقطة للعقوبة تسقط العقوبة فقط ولا تسقط الجريمة أو الاتهام عكس حالة الشك المعقول الذي يسقط الجريمة ذاتها والاتهام في مواجهة المتهم والمعلوم لنا شرعاً أن "الحد" هو العقوبة وليس الجريمة فالجريمة لا تكون حدية إلا إذا أثبت أن عقوبتها الحد شرعاً أي أن الجريمة لا تكون حدية إلا بعد ثبوت الحد فعلاً أما مجرد الاتهام أو الشك في الفعل حدى لحين التثبت منه فإنه لا يكون حدياً إلا بعد الثبوت وأن وصف افتراضاً بأنها حدي وبالرجوع إلى الأحاديث الشريفة المتعلقة بالشبهات نجد أنها مرتبطة (بالعقوبة) وليس الجريمة ذاتها فالحديث الشريف : ادرء الحدود الخ إلى فإن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" واضح منه أنه يتحدث عن اسقاط عقوبة الحد وليس الاتهام كما أن العفو هنا ليس من الاتهام أو الجرم بل من عقوبة الحد
والحديث: "ادفعوا الحد ما وجدتم له مدفعاً" المقصود منه (العقوبة) وليس الجرم ذاته إلى آخر الأحاديث الشريفة في هذا الصدد
(6) أخلص من ذلك إلى أن (تفسير الشك المعقول) الوارد في م 458 ع (1) (60) بأنه المؤدي إلى البراءة يتنافي مع وجهة النظر الشرعية والقانونية الواردة في قانون الإثبات 1983م – فقانون الإثبات في م 80 (2) لم يحدد أو يحصر الشبهات بل ذكر جزء منها على سبيل المثال والحصر بقوله (يعتبر من الشبهات الخ) ولفظ يعتبر يفيد البعضية والجزئية بمعنى أن ما ورد يعتبر من الشبهات وليس هو كل الشبهات وبالتالي فالتفسير للشك المعقول الوارد في م 458 (1) (ج) يجب أن يفسر بمعزل عن الشك المعقول الوارد في م 4 (2) إثبات التي تتحدث عن الشك المؤدي إلى البراءة أما الشك المعقول المعنى في م 458 (1) (ج) ع م 80 (1) إثبات سنة 1983م فهو الشبهة المسقطة للحد (العقوبة) وليس الاتهام أو الجرم فالسارق يرتكب جريمة السرقة وعد إقامة الحد عليه للشبهة لا يعنى سقوط السرقة أو الجرم وبل يسقط فقط "عقاب الحد" وبالرجوع إلى الشبهات نجد أنها واسعة النطاق وأجزل خير الجزاء للقاضي محمد إبراهيم محمد الذي جمع كل هذه الشبهات في مؤلفه "مسقطات العقوبة الحدية – دراسة فقهية" الطبعة الأولي "بحيث أورد كل الشبهات على التفصيل والتي تشمل شبهات متعلقة بالإثبات – وشبهات متعلقة بالبينة محل الإثبات وشبهات متعلقة بالجاني والمجنى عليه كالمجنون وصغر السن - وشبهة الإكراه – وشبهة الجهل – وشبهة الخطأ والغلظ وشبهة النسيان والضرورة وشبهة الخصومة والعداوة الخ مع مراعاة أن لكل حد أيضاً الشبهات الخاصة به كالسرقة للنصاب والحرز والذي يهمنا في كل هذا أن الشبهة ليس متعلقة بالجريمة بل بالعقوبة فالشبهة المقصودة هي كل ما يدرأ الحد أي العقوبة المقدرة شرعاً ومن هذه الشبهات عدم اكتمال نصاب الشهادة أو اختلاف الشهود الخ وعليه أري خلافاً للرأي والوارد في تلك السابقة بأن عدم اكتمال نصاب الشهادة أو الشك في بينة أحد الشهود الخ كلها شبهة يدرأ بها الحد فقط كعقوبة ولا يسقط الجرم أو الاتهام لمجرد درأ الحد بحيث تكفي البينة للتعذير – أما سقوط الجريمة ذاتها للشك في البينة في جملتها الوارد في م 4(2) إثبات فهو الشك المعقول المبرم لإسقاط الجرم أياً كان حدياً أم تعزيرياً لأن الشك هنا يسقط الاتهام والجرم كلياً عكس الشك المعقول المبني على شبهة (تسقط عقوبة الحد فقط)
ثالثاً : بعد الانتهاء من مناقشة الإدانة تحت م 334 ع/ 458 ع أعود لمناقشة الحكم بالقصاص بطريقة القسامة الذي قررته المحكمة وذلك على النحو التالي :
1/ الواضح لنا كما سبق وأسلفنا أن المحكمة ورغم أن البينة كافية للإدانة تحت م 334 ع التعزيرية لجأت إلى طريق القسامة للإدانة تحت م 252 ع والحكم بالقصاص ورغم ضعف البينات وعلى أساس أن البينة المقدمة (لوث يوجب القسامة) ولا أود هنا الخوض في صحة إجراء القسامة الذي اتبعته المحكمة والخلاف الفقهي حول هذا الأمر مشروط وأركانه في كل مذهب
2/ الذي يهمنا هو (القسامة) كطريق من طرق الإثبات وهل يجوز به أم لا؟ وفي تقديري أن المشرع السوداني عند تقنين طرق الإثبات حسم الخلاف حول اعتبار القسامة طريق من طرق الإثبات وأخذ بالرأي أو وجهة النظر الفقهية القائلة بعدم الأخذ بالقسامة كطريق من طرق الإثبات وبالتالي فلا مجال أمام المحكمة للحكم بالقسامة وواضح لنا أن المحكمة لن تناقش هذه المسألة بل ارتكزت على وجوب القسامة على السابقة القضائية حكومة السودان ضد أوهاج محمود نشرة الأحكام الرباعية العدد الثاني ص 21 سنة 1986م وعليه أرى وجوب مناقشة الأمر على التفصيل لايضاح الأمر وسبب عدم الأخذ بالقسامة كطريق من طرق الإثبات بعد تقنين أحكام الشريعة في قانون الإثبات سنة 1983م فيما يتعلق بالبينة وذلك على
النحو التالي :
أولاً : في تقديري أن مسألة القسامة لا جدال أن هنالك خلاف فقهي حول وجوبها كطريق من طرق الإثبات لجريمة القتل العمدية فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب القسامة إلا أن فريقاً من العلماء أو طائفة من العلماء مثال سالم بن عبد الله – وأبو قلاية – وأمير العدل عمر بن عبد العزيز قد رفضوا الأخذ بها – كما أن هنالك خلاف فقهي عند الذين أخذوا بها حول شروط وجوبها وأثار ذلك وهل يقاد بها أم تجب الدية وهل يقبل بها أكثر من واحد أم لا كما اختلفوا في كيفية أداء اليمين وهل تجوز يمين النساء من أولياء القتيل (أنظر المبسوط ص 106-107 جزء (26) - ص 286 بدائع الصنائع أنظر ص 12 جزء (10) المغنى ص 10 – 12 وص 23 و ص 17 و ص (33) وص (25)
ثانياً: صدر قانون الإثبات لسنة 1983م وحدد صراحة في م (18) منه طرق الإثبات الجائزة قانوناً: وهي: (أ) الإقرار (ب) شهادة الشهود (ج) المستندات (د) القرائن (هـ) حجية الأحكام (و) اليمين (ز) المعاينة وواضح من ذلك أن المشرع قد حسم الخلاف الفقهي ولم ينص على القسامة كطريق من طرق الإثبات وبالتالي ما كان للمحكمة أن تطبقها مخالفة نص القانون الذي حسم ذلك الخلاف الفقهي عن تقنين أحكام الشريعة الإسلامية هذا بالإضافة إلى أن المحكمة طبقت القسامة وكان القاتل معلوماً وهو شرط كاف للقسامة لأن من شروطها القسامة – وألا يعلم القاتل – فإن علم فلا قسامة فيه ولكن يجب القصاص أن كان قتلاً يوجب القصاص وتجب الدية إن كان قتلاً يوجب الدية وفي القضية الماثلة القاتل معلوم لكن خلال فعل الحرابة وبالتالي فلا مجال بعد ذلك لتوجيه تهمة القتل العميد منفردة كما أن البينة كافية للتعزير للحرابة التي درأت بالشبهة – هذا – بالإضافة إلى أنه رغم أن القاتل معلوم فالبينة المقدمة لا تكفى للقصاص أو الدية وعليه وجب التعزير على كل حال
ثالثاً: في تقديري أن الركيزة التي تعتمد عليها محاكمنا في (القسامة) هي السابقة م (ع/ م ك/83/ 1984م حكومة السودان ضد إبراهيم آدم عثمان وآخر – مجلة الأحكام القضائية 1984م ص 118-124) ومع تقديري لوجهة النظر الواردة بها أرى مخالفة ما ورد بها ولما يلي:
1/ لقد قررت السابقة صراحة أن قانون الإثبات 83 لم ينص صراحة على القسامة كطريق من طرق الإثبات إلا أنها بررت العمل بالقسامة على أساس أن قانون الإثبات يقرها ضمناً في جملة أحكامه وركيزة هذه السابقة قائمة على اعتبارها أن (القسامة نوع من القرائن) وأن القرائن يؤخذ بها في الإثبات سواء أكانت قانونية أو قضائية وارد هنا الفقرة التي بررت بها السابقة أن (القسامة هي قرينة) على النحو التالي :
(تقول السابقة ص 112 السطر السادس الفقرة (2) من القرار – وإزاء هذا كله ينبغي على محكمة الموضوع الأخذ بالقسامة في الفقه الإسلامي – وقانون الإثبات يقرها في الجملة لأنها نوع من القرينة والقرائن يؤخذ بها في القانون سواء كانت قرائن مدنية أو قضائية " انتهى
2-في تقديري أن القسامة (ليس بالقرينة) كما ذكرت السابقة بل هي (طريق إثبات عن طريق حلف اليمين) أما القرينة فهي استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة وهناك فرق بين القرينة كسند لإجراء القسامة (كقرينة الخصومة أو العداوة الظاهرة) وبين القسامة ذاتها فالقسامة تحتاج إلى قرينة تبرر إجراءاتها وبالتالي فالقسامة طريق إثبات باليمين ينبنى علي القرينة الظاهرة وليس لأن القسامة ذاتها قرينة – فالقسامة ليس قرينة بل هي بينة (لإثبات قرينة) وعلى ذلك لا مجال لافتراض أن "القسامة قرينة" حتى تبرر أن قانون الإثبات أخذ بها كما أن المشرع في قانون الإثبات نص صراحة على "اليمين كطريق من طريق الإثبات في م (18) وكان يمكن الافتراض بأنها تشمل القسامة أصلاً هي اليمين الذي يقوم على لوث "قرينة ظاهرة أو بينة ضعيفة غير كاملة" ولكن المشرع حسم هذا الفهم بنصه صراحة على نوع اليمين المقصود في المادة (18) بأنها فقط (اليمين الحاسمة) ولم ينص على أي نوع آخر من أنواع اليمين "أنظر م 57 إلى 63" من قانون الإثبات 1983م وهذا يعنى أن المشرع قصد صراحة أن لا يأخذ بالقسامة ومن ثم أري أن الاستدلال بأن القسامة هي (قرينة) لا يستقيم قانوناً أو فقهاً لأن القرينة تؤدي إلى القسامة وليس العكس وبالتالي فالقسامة يمين يقوم على القرينة ولا مجال لاعتبار القسامة ذاتها قرينة ومن ثم أرى أن السند الذي اعتمدت عليه القسامة وهو السابقة المذكورة لا مجال لنا للأخذ به لمخالفته صريح القانون
3/ الواضح لنا أيضاً أن المحكمة العليا أيضاً بها سابقة أخرى تخالف هذه السابقة وبل ترفض الأخذ بمبدأ القسامة على أساس مخالفة ذلك لقانون الإثبات أنظر السابقة / م ع/م ك/ 8/ 84 وهذه السابقة لاحقة للسابقة السالف ذكرها (السابقة غير منشورة محاكمة / يعقوب عبد المحمود فضالى م ع/م ك/ 81/ 84) وتقول السابقة : س2:
استندت المحكمة على يمين القسامة كوسيلة إثبات التهمة المنسوبة إلى المتهمين وهذا يقودنا إلى السؤال هل طرق الإثبات التي عينها القانون للإثبات أو نصت عليها القوانين الأخرى واردة على سبيل الحصر؟ أم يجوز الإثبات بغيرها؟ فالذي كان بادياً من نص م 197 من قانون الإجراءات الجنائية هو عدم حصر الإثبات في طرق معينة إلا أن الأمر اختلف بعد صدور قانون الإثبات 1983م فالمادة (2) منه في تعريفها لكلمة "البينة" قالت "أي وسيلة يتم بها إثبات أو نفي أي واقعة" ثم جاءت م (18) وقيدت هذا الإطلاق وحصرت الإثبات في طرق معينة بقولها "طرق الإثبات الجائزة قانوناً ومن هنا يتبين أن طرق الإثبات في القانون جاءت على سبيل الحصر والقسامة كطريق للإثبات لم ترد لا في م (18) ولا في الفصل الخاص بإثبات جرائم الحدود والقصاص وبالتالي يكون الحكم في استناده على القسامة في إثبات التهمة لا أساس له في القانون وتقول السابقة أيضاً ص 3: وعلى فرض كونها طريقاً للإثبات وجائز الأخذ بها وهي في الاصطلاح الفقهي تحليف أولياء القتيل خمسين يميناً في أن المتهمين قتلوا المرحوم" فمن المعلوم أن الفقهاء يختلفون في شروطها بآراء متعددة ومتباينة بل ومتعارضة فكيف والمحكمة وهي تطبقها أن تستجمع كل شروطها من بين هذه المذاهب المختلفة وفي اعتقادي أنه لا يمكن الاستناد على القسامة كدليلي إثبات إلا بعد إفراغ مبادئها في نصوص محددة ومنضبطة ومن الأصول الشرعية والقانونية أن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته دونما أي شك معقول والقسامة حسبما هو معلوم عنها في الفقه من حيث كيفيتها ومداها في الإثبات لا توصل إلى إثبات الجريمة ضد المتهمين بصورة قاطعة عارية من كل شبهة أو شك فأقوال أولياء القتيل لا تقوم على الإدارك المباشر إنما تقوم على الظن الذي يستند على قيام قرينة ضد المتهمين (اللوث) "انتهى"
4/ وعليه فالسابقة الأخيرة تتفق مع وجهة نظري السالف ذكرها وتخالف وجهة النظر الواردة في السابقة م ع/ م ك/ 83/1984م مجلة الأحكام 86 ص 118 وعليه أقرر أن القسامة ليس بطريق من الطرق التي أجازها المشرع للإثبات وبالتالي كانت الإدانة بموجبها غير سديدة مع ملاحظة أن الإدانة كانت "بإثبات القتل غيلة بالقسامة" وعليه أرى إلغاء الإدانة تحت م 252 ع أما الأخطاء الأخرى في طريقة القسامة وطريقة الأخذ بالمنشور الجنائي 94/1983م الخاصة بالقصر في العفو عن القصاص فلا أجد ما يبرر مناقشتها لأن الإجراء غير صحيح من أوله بما ينبغى معه إلغاء كل الإجراءات اللاحقة له
أولاً : إلغاء الإدانة تحت المادة 252 ع وإلغاء عقوبة القاص الصادر بناء عليها
ثانياً: تأييد الإدانة تحت المادة 334 ع / 458 ع وإعادة الإجراءات للمحكمة لتوقيع عقوبة تعزيرية تتناسب مع ما أتاه المدانين من جرم وفقاً للمذكرة
القاضي: الزين يعقوب الزبير :
التاريخ: 30/9/1989م
أتفق مع زميلي العالم السيد القاضي ملاسي فيما توصل إليه ولا أحسبنى أضيف جديداً إلى مذكرته الضافية المقتدرة
القاضي: عبد المنعم الزين النحاس :
التاريخ : 1/11/1989م
أوافــق

