تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
08-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

08-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1989
  4. حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

السيد/ حكيم الطيب                  قاضى المحكمة العليا        رئيساً

السيد/ إدريس القرشي               قاضى المحكمة العليا        عضواً

السيد/ مقبول الحاج محمد           قاضى المحكمة العليا         عضواً

 

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

م ع/ ف ج / 5/1988م

المبادئ:

قانون جنائي : العقوبة – التعويض – التعويض الملائم والعادل جبر الضرر – لا محل لإثراء المحكوم له على حساب الجاني

قانون جنائي : قصد المشرع من توقيع العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات – ملحق رقم 2 المنشور الجنائي 87/83

قانون جنائي : المسئولية الجنائية – الفعل المادي – تكرار حديث الناس

قانون جنائي : القصد الجنائي – لا يقتصر القصد الجنائي على ثبوت قصد اشانة السمعة بل يكفى العلم بحدوثها

1- التعويض النقدي ليس هو الوسيلة لجبر الضرر المتعلقة بالسمعة بل أن هناك وسائل أفضل منه- مثل – نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علانية – وقد تشكل الأداة في حد ذاتها تعويضاً كافياً – ومن ثم فإن التعويض المصقول والعادل يكفى في معظم الأحوال

 

2- يجوز للمحكمة توقيع كل أو بعض العقوبات المنصوص عنها في مواد العقاب – إلا أنه يتعين على المحكمة توقيع العقوبة التي يراها مناسبة على أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق هما هدف إليه المشرع ملحق رقم 2 المنشور الجنائي رقم 87/82

 

3- لا يعفى من المسئولية الجنائية عن جريمة القذف أن الحديث الذي يشين السمعة يعتبر ترديداً لما رواه بعض الناس

 

4- لا يقتصر القصد الجنائي في ارتكاب جريمة القذف على ثبوت قصد إشانة سمعة شخص آخر فحسب بل يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتقاد لاحتمال حدوثها

 

المحامون :

                                         الحــكم

القاضي : حكيم الطيب

التاريخ : 26/8/1989م

نشرت جريدة الراية التي تصدرها الجبهة الإسلامية القومية في الصفحة الأولي من عددها الثاني الصادر في 19 شوال 1405هـ الموافق 6 يوليو 1985م نشرت خبراً أو مقالاً أو تحقيقاً نصه كالآتي:

(الراية تتابع قضية الضباط المفصولين الشيوعيون والتجمع استنكروا وقرنق هاجم المجلس العسكري)

كتب حمدان حامد:

تردد أنباء حول فصل اثنى عشر ضابطاً بالقوات المسلحة لاشتراكهم في تنظيم سياسي عقائدي وفيما أحجم الرسميون العسكريون عن الإدلاء بأي بيانات قالت إذاعة القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية بلندن أن الضباط المفصولين أعضاء في خلايا شيوعية وبعثية داخل القوات المسلحة ويتزعمهم ضابط يدعى عثمان بلولة

وكانت أنباء غير مؤكدة قد ترددت في الأيام الماضية عن كشف جهاز المخابرات العسكرية وإحباطه محاولة انقلابية كانت تستهدف الإطاحة بالمجلس العسكري والوضع القائم الآن

وقد وزع ما يسمى بتنظيم الضباط والجنود الوطنيين بالقوات المسلحة وهو تنظيم لم يعرف من قبل وزع منشوراً نهار الخميس الماضي يندد بالمجلس العسكري ويتعرض له بالسباب ويتهمه بأنه امتداد لمايو كما هاجم المنشور الذي وزع في التظاهرة الجماهيرية التي طالبت بتسليم نميري جهاز الاستخبارات العسكرية ودعى إلى ثورة شعبية للتخلص ممن أسماهم بالطغمة الفاسدة وهو تعبير قصد به المجلس العسكري

وفي جانب آخر استنكر السيد محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي السوداني في ندوة الحزب أمس الأول عن فصل الضباط وطالب بإرجاعهم إلى عملهم

من ناحية أخرى ترددت معلومات تفيد أنه قد ضبطت بحوزة المفصولين كميات كبيرة من الأموال كما أفادت هذه المعلومات أن هذه المجموعة كانت قد اتصلت بالعقيد جون قرنق وطلبت إليه عدم التفاوض مع المجلس العسكري وعدم الالتزام بوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة وأضافت المعلومات أن التحقيق جار مع ضباط آخرين بتهمة الانتماء إلى هذه المجموعة

هذا وقد أذاعت إذاعة ما يسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان فصل الضباط وسمت منهم الرائد سيف الدين أحمد عبيد من المظلات والرائد حسن من سلاح الأسلحة وقال الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي أن هذه الخطوة من عصابة الجنرالات لا تثير الاستغراب لأنها تمثل الامتداد الطبيعي لنظام مايو الأول وأن أسلوب اعتقال وإبعاد الضباط الوطنيين هو أسلوب نظام مايو

والجدير بالذكر أن التجمع كان قد أصدر بياناً استنكر فيه قرار الفصل وقال أن حلقات التآمر بدأت تظهر بشكل واضح في أبعاد أثنى عشر ضابطاً من الخدمة وفي إبعاد البعض لمواقع وتوجيه إنذارات للبعض الآخر انتهي

تقدم الشاكون الأحد عشر وهم الضباط الذين احيلوا للتقاعد وقتها (أحدهم برتبة اللواء واثنان برتبة العميد وواحد برتبة العقيد وأربعة برتبة المقدم وثلاثة برتبة الرائد) تقدموا بأحد عشرة بلاغاً منفصلة ضد محرر الخبر ورئيس تحرير الجريدة ومدير مطابع التصوير الملون التي تتولى طبعها متهمين إياهم بإشانة السمعة وفي مرحلة المحاكمة تم ضم البلاغات ومحاكمتها في محاكمة واحدة مشتركة وقد بدأت إجراءات المحاكمة قاضى للمديرية وبعد صدور تعديل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1406هـ تم تشكيل محكمة كبرى (برئاسته)  أكملت الإجراءات وأصدرت الحكم

وقد أدانت المحكمة الكبرى المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 قانون العقوبات لسنة 1983م (اشانة السمعة والكذب الضار) ووقعت عليهم العقوبات التالية:

1- الغرامة ألف جنيه لكل واحد منهم وفي حالة عدم الدفع السجن لثلاثة شهور "وقد تم دفعها"

2- دفع تعويضات للشاكين تبلغ في جملتها مليونين وثلاثمائة وخمسين وأربعين جنيهاً

3- كما أمرت المحكمة الكبرى بالحجز على منقولات وعقارات جريدة الراية كضمان لاستيفاء مبلغ التعويض وعلى نصيب المتهم الثالث في مطابع التصوير الملون

أما محكمة استئناف العاصمة القومية فقد قضت بالآتي :

1- تأييد إدانة المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 عقوبات

2- تأييد عقوبة الغرامة

3- إعادة الإجراءات للمحكمة الكبرى لتوقيع عقوبة الجلد على المتهمين الثلاثة

4- تخفيض مقدار التعويضات المحكوم بها لتصبح في جملتها مليوناً وثمانمائة وخمسين ألفاً من الجنيهات

5- كما أمرت لأن يتم تحصيل مبلغ التعويض من المدانين الثلاثة بالتضامن والانفراد وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات المدنية

وبعدها تقدم إلينا كل من محامي المتهمين الأول والثاني ومحامي المتهم الثالث بطلبين منفصلين لفحص الإجراءات ومراجعة قرارات محكمة الاستئناف المتعلقة بالإدانة وبالتعويض وبعقوبة الجلد

استهل مقدمو الطلب طلباتهم بالطعن في إجراءات المحاكمة وذلك استناداً على ثلاثة أسباب:

أولهما أن قاضى المديرية الذي بدأ إجراءات المحاكمة يملك – كمحكمة مدنية – سلطة غير محدودة من حيث القيمة وأنه لذلك كان يمكنه الحكم بالتعويض المناسب مهما كان مقداره مما يعنى أنه لم يكن هنالك ما يوجب إحالة الإجراءات لمحكمة كبرى

وثانيهما أنه رغم تعديل قانون الإجراءات الجنائية قد سرى منذ 15/4/1986م إلا أن قاضي المديرية استمر – كقاض فرد – في سماع البينات حتى أوصل الإجراءات لمرحلة صدور الحكم حيث صدر أمر تشكيل المحكمة الكبرى في 21/8/1986م

وثالثهما أن المحكمة الكبرى بعد إحالة الإجراءات إليها لم تبدأ بسماعها من جديد – وإننا واصلتها من حيث توقف قاضى المديرية

ونحن نرى أن كل ذلك وعلى افتراض صحته ليس فيه ما يمكن أن يضار منه المتهمون في دفاعهم كما لم يبين مقدمو الطلبات أن شيئاً من ذلك قد حدث لهذا السبب وبموجب المادة 243 قانون الإجراءات الجنائية فإننا لن نتعرض للإجراءات استناداً لتلك العيوب حتى إن صحت ونضيف فقط أن المادة 166 (2) قانون الإجراءات الجنائية ليس فيها ما يلزم المحكمة الكبرى ببداية الإجراءات من جديد كما يزعم مقدمو الطلبات

ومن جانب آخر ينعى طالبو الفحص على محكمة الاستئناف إغفالها لقانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م وعدم تطبيقها له رغم صدوره وسريانه قبل إعلانها لحكمها ذلك أن القانون المعنى قد سرى منذ تاريخ صدوره في 16/12/1987م بينما تعلن المحكمة حكمها على المستأنفين أمامها إلا في 27/12/1987م

وفي الرد على ذلك نقول :

1- معلوم أن قانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م قد صدر بأمر مؤقت في غياب الجمعية التأسيسية وأنه قد سقط لأن الجمعية لم تجزه خلال ثلاثة شهور من تاريخ عودتها من عطلتها كما يوجب الدستور السوداني المؤقت لسنة 1985م فهو لم يعد نافذاً الآن مثلما لم يكن وقت صدور حكم المحكمة الكبرى

قد يقول قائل بأن المطلوب منا أن نقرر صحة حكم محكمة الاستئناف وفق القوانين السارية وقت صدوره وليس وقت صدور قرارنا ولو قلنا بذلك فإن يلزمنا أن نقول أيضاً بأنه قد كان على محكمة الاستئناف التقرير في صحة حكم محكمة الموضوع وفي القوانين السارية وقت صدور ذلك الحكم وليس وقت صدور حكم محكمة الاستئناف

2- صدر الرأي الثالث في محكمة الاستئناف في 15/12/1987م كما صدر الأمر النهائي في الاستئناف في 16/12/1987م والمادة 231 قانون الإجراءات الجنائية تمنع تغيير الحكم أو إعادة النظر فيه بعد التوقيع عليه "إلا في الأحوال المبينة في ذلك القانون أو لتصحيح خطأ في الكتابة" ولا يعتد هنا بالنطق بالحكم أو إعلانه

3- نصت المادة 12 (2) قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1984م على أنه إذا صدر قانون بإلغاء أي قانون آخر أو بإلغاء أي نص وما لم يظهر قصد مخالف لذلك لا يترتب على الإلغاء أي أثر بالنسبة إلى أية عقوبة أو مصادرة أو أي جزاء مما يكون قد وقع بسبب أية مخالفة للقانون الملغي (الفقرة و) أو أي أثر أي جزاء قانوني أو تعويض أو عقوبة أو جزاء مما سبق ذكره (الفقرة هـ)

4- قانون التعديلات المتنوعة المعني قد نص في مادته الأول على أن تسرى التعديلات الواردة فيه على جميع الدعاوى المدنية والجنائية التي لم يصدر فيها حكم نهائي ونرى أن المقصود بالحكم النهائي هنا حكم محكمة الموضوع المنهي للخصومة وليس أن يجد الحكم التأييد في كل المراحل الاستئنافية الأعلى ولا ننسى هنا أن سلطة الفحص ليست مقيدة بأي قيد زمني فهل يمكن أن يعنى ذلك أن أي حكم لم تفحصه المحكمة العليا ليس حكماً نهائياً مهما حدث ومهما طال عليه الزمن؟

5- ليس صحيحاً أن قانون التعديلات المتنوعة قد قصد سلب المحكمة الجنائية سلطتها في الحكم بالتعويض والصحيح أنه فقط قد اشترط "في البديل الذي قدمه للمادة 77 أ عقوبات وفي إبقائه على المادة 296 قانون الإجراءات الجنائية كما هي) اشترط أن يتم التعويض من مبلغ الغرامة كله أو أي جزء منه (ومن المتوقع أن محكمة الاستئناف لو كانت قد ألغت الحكم بتعويض الشاكين لكانت قد أعادت الإجراءات للمحكمة الكبرى لإعادة النظر في العقوبة على ضوء ذلك وفي تلك الحالة فلم يكن هناك لما يمنع المحكمة الكبرى من الحكم بمبلغ التعويض بكامله كغرامة)

نعود بعد كل ما سبق للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ولا نجد مناصاً من أن نبدأ بإجراء مقارنة بين المواد المعنية في قانون العقوبات لسنة 1983م الحالي وقانون العقوبات لسنة 1974م السابق عسى أن تعيننا في فهم نصوص القانون الحالي ومن ثم تطبيقها على الوقائع الحالية ففي القانون السابق كانت هنالك مواد منفصلة للقذف (بمعنى اشانة السمعة) وللكذب الضار بينما في القانون الحالي اقتصرت جريمة القذف على مدلولها الشرعي (بمعنى الاتهام بالزنا) كما أدمجت إشانة السمعة والكذب الضار في مادة واحدة (هي المادة 435) وقد اكتفى القانون الحالي بالنقل الحرفي للمادة 433 القديمة المعرفة لجريمة القذف – فيما عدا أنه استبعد عنها أي استثناءات أنه استبدل قصد خدش السمعة فيها بقصد الاتهام بالزنا في المادة الجديدة أما في جريمة إشانة السمعة والكذب الضار "المادة 435 في القانون الحالي" فقد اكتفى القانون الجديد أيضاً بالنقل الحرفي لنص مادة الكذب الضار في القانون القديم – بحذافيرها وشرحها واستثنائها مضيفاً إليها فقط عبارة اشانة السمعة في عنوان المادة زائداً الاستثناءات العشرة في مادة إشانة السمعة القديمة في ذيلها "لتصبح جملة الاستثناءات أحد عشر" وقد نتج عن هذا الدمج وهذا النقل الحرفي مفارقات جد مدهشة:

1- أصبحت جريمة القذف تكتمل ويحد المتهم بحدها حتى إذا ثبت أن اتهامه للشاكي بالزنا كان صحيحاً فليس في نص المادة (المنقول حرفياً) ما يشير إلى غير ذلك وهذا بالطبع حكم الشريعة في هذا الشأن "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"

2- جريمة اشانة السمعة أصبح شرطاً فيها أن يكون الخبر أو الإسناد كاذباً (راجع نص المادة: (كل من تصدر منه أو ينشر أخباراً كاذبة) فإذا ثبت أن الخبر صحيح إنهار أحد أركان الجريمة ولا حاجة للمتهم وقتها للدفع بأي من الاستثناءات وفي القانون السابق لم تكن صحة الخبر تكفى وحدها لرفع المسئولية

3- وبالتالي أصبح العبء على الاتهام لإثبات الكذب كذب الخبر أو الإسناد وذلك باعتباره أحد عناصر الجريمة – وليس على الدفاع عبء إثبات العكس (وعسير جداً إثبات النفي)

4- الاستثناء الثاني بالذات أصبح وجوده أمراً غريباً ولا معنى له فلو ثبت أن الخبر صحيح في جوهره نجا المتهم ولم يعد بحاجة لإثبات أن الصالح العام كان يقتضي النشر الخ

5- المادة 436 عقوبات (طبع أو حفر نقش موضوع مع العلم بأنه يتضمن قذفاً) أصبحت قاصرة على ما يتعلق من تلك الأفعال بجريمة القذف – بمعنى الاتهام بالزنا – دون جريمة إشانة السمعة أو الكذب الضار وذلك حسبما يبين من نصها ولا نظن أن المشرع قد قصد أو تعمد ذلك وأنه إنما جاء نتيجة لخطأ النقل الحرفي لمعظم مواد القانون الجديد مع الغفلة عن آثار التغييرات التي حدثت في القليل الباقي

مرة أخرى نعود للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ونقول : أن المقال المعني قد أسند للشاكين ضمن أشياء أخرى الأمور التالية :-

1- الاشتراك في تنظيم عقائدي – شيوعي وبعثي – خلال عملهم ضباطاً في القوات المسلحة

2- أنه قد ضبطت بحوزتهم كميات كبيرة من الأموال

3- الاتصال بزعيم الخوارج وحثه على عدم وقف إطلاق النار

ونسأل هل في ذلك ما يخدش السمعة ؟ لتأتي الإجابة بالإيجاب :

1- فالانتماء الحزبي أو العقائدي النشط في مؤسسة قومية نظامية منضبطة تحظر مثل ذلك الانتماء والنشاط وتفصل من يمارسه وتبعده من صفوفها ليس ما يشرف من يمارسه أو من يتهم بممارسته ويقلل من قدره في نظر الكثيرين

2- الحديث عن ضبط أموال كثيرة بحوزة الشاكين يعنى وجود ممول لهم ولتنظيمهم المذكور – سواء كان داخلياً أو خارجياً

3- الاتصال بالعدو لحثه على مواصلة القتال ورفض وقف إطلاق النار لا يشرف الجندي أو أي أحد غيره بل قد يعتبر نوعاً من الخيانة

وقبل أن ننتقل لمناقشة موقف كل منهم على حدة يجدر بنا أن نقرر قاعدتين: الأولي تقول بأنه لا يعفى من المسئولية أن الحديث المشين للسمعة ليس  أكثر من ترديد لما يقوله آخرون والثانية تقول بأن ما يسمى بأسلوب المداورة أو التلاعب بالألفاظ أو استخدام عبارات مثل "ترديد أنباء وأنباء غير مؤكدة وأفادت معلومات الخ" كلها لا تحول دون المساءلة نضيف أمراً آخر هو أن القصد الجنائي المطلوب في هذه الجريمة ليس فقط قصد إشانة السمعة وإنما يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتماد باحتمال حدوثها

ثم يأتي السؤال: هل ما نسب إلى الشاكين مما سبق ذكره يعتبر كاذباً – بمعنى أنه غير صحيح في جوهره ؟ وكما أسلفنا فإن عبء إثبات ذلك يقع على الاتهام وقد أكد الشاكون في شهاداتهم على اليمين أن ما نسب إليهم في الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها غير صحيح وقد يكون ذلك أفضل ما يستطيع المرء تقديمه من بينات لإثبات النفي ومن الجانب الآخر نجد أن المتهمين لم يدفعوا ما أسند للشاكين بالذات في مسألتي ضبط الأموال وحث الخوارج على عدم وقف إطلاق النار وحتى في مسألة الانتماء الحزبي العقائدي فلم يقدموا ما يدعو للتشكل في إفادات الشاكلين أو عدم الأخذ بها لذا يمكننا القول بأن ما أسند للشاكين مما ذكرنا لم يكن صحيحاً في جوهره

ننتقل بعد هذا لمناقشة أمر كل منهم على حدةولهذا بالثاني – كاتب الخبر ومحرره وهو يقر إقراراً كاملاً بأن المقال وكل ما فيه من إسناد قد صدر منه وقد أوضحنا فيما سبق أن فيه ما يخدش سمعة الشاكين كما أن القصد الجنائي المطلوب هنا متوفر – بالعلم ووجود ما يحمل على الاعتقاد "أن لم يكن بالقصد المباشر باعتبار أن الشاكين ينتمون فيما يرى المتهم لجماعات مناوئة لجماعته"

وقد سعى هذا المتهم الاحتماء بالاستثناء الأول للمادة "والذي يقول: (لا يعد جريمة بموجب هذه المادة إصدار أو نشر خبر كاذب بحسن نية إذا كانت لدي المتهم أسباب معقولة للاعتقاد بأن الخبر في جوهره صحيح) لكننا نرى أنه قد أخفق في إثبات حسن نيته أو إثبات وجود أسباب معقولة دعته للاعتقاد في صحة ما أسنده للشاكين فالمادة 37 عقوبات تنص على أنه  "لا يقبل الدفع بحسن النية عند فعل الشيء أو الاعتقاد فيه إذا حصل الفعل أو الاعتقاد بغير ما يجب بذله من عناية وانتباه" ولم ينجح المتهم في إثبات أنه بذل ما يجب بذله من عناية وانتباه للتحقق من صحة ما ادعاه في المقال فهو من جهة يعلن أنه لم ينجح في الحصول على تأكيد لصحته من الجهات العسكرية الرسمية وهو – من جهة أخرى – يقول بأنه قد استقى المعلومات المتعلقة بضبط الأموال والاتصال بزعيم الخوارج من مصدر واحد فقط ولم يشأ أن يسميه لنتحقق من جدارته بالتصديق

وعليه نرى أن إدانة هذا المتهم تحت المادة 435 عقوبات قد جاءت صحيحة

أما المتهم الأول فهو رئيس تحرير الجريدة ويمكن القول بأنه بصفته هذه المسئول عما ينشر فيها – فهو الذي يأذن بالنشر أو بمنعه لكن مسئوليته هذه لم يشأ المشرع أن يجعلها مطلقة وإنما اشترط توفر القصد الجنائي لديه (قصد خدش السمعة أو العلم أو وجود ما يحمل على الاعتقاد باحتماله) وبديهي أن إثبات مثل ذلك القصد يتطلب أن يسبقه إثبات اطلاع المتهم على المادة وموافقته على نشرها- وهذا ما لم يفعله الاتهام فالمتهم الأول يقول بأنه لم يكن موجوداً بدار الصحيفة وقت إعداد ذلك العدد ولم يطلع على المقال – يؤيده بقوله أنه لم يعرضه عليه للموافقة على نشره والاتهام لم يقدم ما يثبت غير ذلك وبانهيار هذا العنصر من عناصر الجريمة "القصد الجنائي" تصبح إدانة المتهم المعنى غير صحيحة

أما المتهم الثالث فهو مدير معامل التصوير الملون "ولعله صاحبها" وقد جاءت إدانته باعتبارها الجهة التي تولت طبع عدد الجريدة الذي حوى المادة المشينة لسمعة الشاكين

وقد حاول ممثل دفاعه القول بأنه ليس طابعاً بالمعني المفهوم إذ أنه لا يقوم بطباعة الجريدة وإنما يصورها تصويراً فوتوغرافياً لكن محكمة الاستئناف قد أحسنت الرد على هذا الزعم مستندة على تعريف قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1973م لعبارات "مطبوعات- طابع- مطبعة" فهي – المادة 3- قد عرفت عبارة "مطبوعات" بأنها يقصد بها فيما عدا الصحف كل الكتابات أو الرسوم أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية أو غير ذلك من وسائل التعريف التي نقلت بالطرق الكيمائية أو الميكانيكية أو غيرها فأصبحت بذلك قابلة للتداول وعرفت كلمة "طابع " بأنها يقصد بها مالك المطبعة أو من يستغلها فعلاً بطريق الإيجار أو بأي طريق آخر وتشمل كل من يسمح بظهور اسمه بتلك الصفة في أي مطبوع كما عرفت "المطبعة" بأنها يقصد بها الماكينات والآلات المستعملة لأغراض الطباعة وتشمل جميع الوسائل الأخرى التي تستعمل لنفس الغرض وبتطبيق تلك التعريفات يمكننا القول بأن المتهم الثالث هو طابع ذلك العدد من الجريدةلكننا نضيف أن طابع الجريدة ليس هو بالضرورة ناشرها – لا بالمعنى اللغوي للكلمات ولا بالمدلول  الصحفي لها فمن حيث اللغة فإن الناشر شئ ما هو الذي ينشره على الناس بينما طابع الجريدة يطبعها – أو يصورها – ثم يعيدها دون أي نشر لأصحابها وفي المفهوم الصحفي فإن ناشر الجريدة هو صاحبها (صاحب الامتياز) أو ربما رئيس التحرير الذي يأذن بالنشر أو يملك أن يمنعه وقد فطن المشرعون – في مختلف قوانين العقوبات التي تعاقبت علينا – لذلك فشرعت مادة خاصة لمساءلة الطابع وأشباهه وهي المادة 236 "في القانون الحالي والسابق" إلا أن مشرع القانون الحالي قد قصرها على طباعة المادي التي تتضمن قذفاً- بمعنى الاتهام بالزنا – وسواء كان ذلك هو قصد المشرع بالفعل أو لم يكن فإن هذا هو الحال والواقع – لحسن حظ المتهم المعنى والذي نرى الامتناع عن تزيد إدانته لهذا السبب

ننتقل بعد كل هذا لجانب العقوبات "دون التعرض لعقوبة الغرامة التي نراها معقولة ومناسبة" ونبدأ بعقوبة الجلد التي رأت محكمة الاستئناف وجوب توقيعها على المتهمين على أساس أن المادة تنص على عقوبة "الجلد والغرامة أو السجن"

لقد ورد في ملحق المنشور الجنائي رقم 87 لعام 1983م الصادر – أي الملحق- من رئيس القضاء بتاريخ 1/2/1984م ما يلي :

"عندما ينص قانون العقوبات على عدة عقوبات مجتمعة كعقوبة لجريمة واحدة مثل نصه على عقوبة الجلد والغرامة والسجن معاً فإن المشرع لم يقصد أن يقوم القاضي بتوقيع كل هذه العقوبات مجتمعة بل كما هو معروف في العقوبة أن العقاب على قدر الجرم فعلى القاضي أن يختار العقوبة التي يراها مناسبة آخذاً في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق ما هدف إليه المشرع من العقوبة"

وهذا المنشور واضح كل الوضوح في الإفادة بعدم إلزامية الجمع بين العقوبات المختلفة حتى وإن بدأ من استخدام حروف العطف شئ غير ذلك ونتفق مع المحكمة الكبرى في أن توقيع عقوبة الجلد "بالنسبة للمتهمين الثلاثة" لم يكن بالأمر المناسب

ونختم بموضوع التعويض المحكوم به والذي نراه مبالغاً فيه لدرجة الشطط والمبالغة وذلك لما يلى من أسباب وعوامل:

1- التعويض المحكوم به عبارة عن تعويض عام عن ضرر أدبي هو الذي لحق بسمعة الشاكين من إشانة السمعة  فهم لم يطالبوا بالتعويض عن مصروفات التقاضي ولم يثبتوا أن خسارة مادية قد لحقت بأيهم أو أن كسباً ما قد فاته بسبب ما حدث

2- التعويض ليس هو الوسيلة الوحيدة لجبر الضرر المتعلق بالسمعة ولعله ليس أفضلها فهناك وسائل أخرى مثل نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علناً وقد تشكل الإدانة في حد ذاتها تعويضاً كافياً

3- ليس المقصود من التعويض أن يثرى من جرائمه المحكوم له ومبالغ التعويض الضخمة المحكوم بها للشاكين – سواء في محكمة الموضوع أو محكمة الاستئناف – تعتبر ثروة كبيرة إذا ما نظرنا حولنا لظروف غالبية الخلق في عالمنا بظروفه الاقتصادية المعروفة وكل المطلوب هو (على حد تعبير أحد فقهاء القانون الإنجليز) شئ من رنين الذهب ليداوى جراح النفوس

4- إذا كانت الدية الكاملة – وهي التعويض عن فقدان الحياة ذاتها – لا تزيد في حدها الأقصى عن ثلاثين ألف جنيه فهل يعقل أن يكون التعويض عن الضرر الأدبي الذي يلحق بالسمعة أضعاف أضعافها؟

5- صحيح أن التعويض يعتبر – بنص المادة 64 (1) (ط) قانون العقوبات – عقوبة توقع على الجاني لكنه يظل – كما يدل اسمه – تعويضاً الغرض منه جبر ضرر المضرور وليس توقيع عقوبة إضافية على الجاني

6- الجريدة التي نشرت المقال جريدة حزبية وناشئة في عددها الثاني مما يعنى بداهة محدودية انتشارها وبالتالي محدودية آثار نشر المقال الضارة

7- كثير مما ورد في المقال المعني تناولته العديد من وسائل الإعلام الأخرى من صحف ووكالات أنباء أوسع انتشاراً وقبل جريدة الراية بعدة أيام لكن الشاكين اختاروا تلك الجريدة دون غيرها لتلقى غضبهم وجبر ضرهم الذي لم تحدثه كله وحدها

وآخذاً في الاعتبار لكل العوامل فإننا نرى تعويضاً مقداره عشرة آلاف جنيه لكل واحد من الشاكين يكفىجدير بالذكر أن الحكم بالتعويض كان من الممكن أن يشمل جريدة الراية والجهة التي تصدرها "مثلما يحدث في قضايا حركة المرور" لكن ذلك كان يستلزم – وفق المادة 77 أ عقوبات – إعلان تلك الجهات للحضور ومباشرة الإجراءات وهو ما لم يحدث كما أن محكمة الموضوع لم تنظر في هذا الأمر ولم تتطرق إليه ولم يطالب به الشاكون وبغياب كل ذلك فلا معنى للأمر بحجز ممتلكات الجريدة لحين استيفاء مبلغ التعويضأما الأمر الذي أصدرته محكمة الاستئناف بتحصيل مبلغ التعويض وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات الجنائية فسليم وتوجيه نفس المادة

القاضي: إدريس القرشي

التاريخ : 29/8/1989م

أوافق على مذكرة مولانا حكيم وأرى بأن التعويض الذي صدر كان مبالغاً فيه ولم يشرع ذلك للإثراء بقدر ما هو جبر لضرر لحق بالمعوض لذا جاء صحيحاً قرار تخفيفه علماً بأن الموضوع الذي اشتكى فيه الشاكين تناقلته وكالات الأنباء العالمية بصورة أوسع من جريدة الراية المحدودة الانتشار

القاضي: مقبول الحاج محمد

التاريخ: 29/8/1989م

أوافق الأخ حكيم إدانة المتهم الأول لم تكن صحيحة وأؤيد تبرئته فقد دفع بتغيبه عن العمل ذلك اليوم وأن المقال لم يعرض عليه ولم يطلع عليه وقد أقر المتهم الثاني بذلك لهذا أوافق على تبرئته

كذلك أؤيد إلغاء إدانة المتهم الثالث وكما ذكر الأخ حكيم بأن المشرع قد حصر مسئولية الطابع فيما يختص بالقذف بالزنا فقط "المادة 436 ع" ولا يشمل ذلك الجريمة موضوع هذا البلاغ لهذا أؤيد إلغاء إدانته

المدان الثالث أقر بأنه كتب المقال موضوع المساءلة وأؤيد إدانته كما توصل السيد الحكيم

فيما يختص بالعقوبة والتعويض اتفق وما توصل إليه زميلاي المحترمان

▸ حكومة السودان ضد مريم محمد سليمان فوق حكومة السودان ضد هاشم سر الختم الأمين ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1989
  4. حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

السيد/ حكيم الطيب                  قاضى المحكمة العليا        رئيساً

السيد/ إدريس القرشي               قاضى المحكمة العليا        عضواً

السيد/ مقبول الحاج محمد           قاضى المحكمة العليا         عضواً

 

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

م ع/ ف ج / 5/1988م

المبادئ:

قانون جنائي : العقوبة – التعويض – التعويض الملائم والعادل جبر الضرر – لا محل لإثراء المحكوم له على حساب الجاني

قانون جنائي : قصد المشرع من توقيع العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات – ملحق رقم 2 المنشور الجنائي 87/83

قانون جنائي : المسئولية الجنائية – الفعل المادي – تكرار حديث الناس

قانون جنائي : القصد الجنائي – لا يقتصر القصد الجنائي على ثبوت قصد اشانة السمعة بل يكفى العلم بحدوثها

1- التعويض النقدي ليس هو الوسيلة لجبر الضرر المتعلقة بالسمعة بل أن هناك وسائل أفضل منه- مثل – نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علانية – وقد تشكل الأداة في حد ذاتها تعويضاً كافياً – ومن ثم فإن التعويض المصقول والعادل يكفى في معظم الأحوال

 

2- يجوز للمحكمة توقيع كل أو بعض العقوبات المنصوص عنها في مواد العقاب – إلا أنه يتعين على المحكمة توقيع العقوبة التي يراها مناسبة على أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق هما هدف إليه المشرع ملحق رقم 2 المنشور الجنائي رقم 87/82

 

3- لا يعفى من المسئولية الجنائية عن جريمة القذف أن الحديث الذي يشين السمعة يعتبر ترديداً لما رواه بعض الناس

 

4- لا يقتصر القصد الجنائي في ارتكاب جريمة القذف على ثبوت قصد إشانة سمعة شخص آخر فحسب بل يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتقاد لاحتمال حدوثها

 

المحامون :

                                         الحــكم

القاضي : حكيم الطيب

التاريخ : 26/8/1989م

نشرت جريدة الراية التي تصدرها الجبهة الإسلامية القومية في الصفحة الأولي من عددها الثاني الصادر في 19 شوال 1405هـ الموافق 6 يوليو 1985م نشرت خبراً أو مقالاً أو تحقيقاً نصه كالآتي:

(الراية تتابع قضية الضباط المفصولين الشيوعيون والتجمع استنكروا وقرنق هاجم المجلس العسكري)

كتب حمدان حامد:

تردد أنباء حول فصل اثنى عشر ضابطاً بالقوات المسلحة لاشتراكهم في تنظيم سياسي عقائدي وفيما أحجم الرسميون العسكريون عن الإدلاء بأي بيانات قالت إذاعة القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية بلندن أن الضباط المفصولين أعضاء في خلايا شيوعية وبعثية داخل القوات المسلحة ويتزعمهم ضابط يدعى عثمان بلولة

وكانت أنباء غير مؤكدة قد ترددت في الأيام الماضية عن كشف جهاز المخابرات العسكرية وإحباطه محاولة انقلابية كانت تستهدف الإطاحة بالمجلس العسكري والوضع القائم الآن

وقد وزع ما يسمى بتنظيم الضباط والجنود الوطنيين بالقوات المسلحة وهو تنظيم لم يعرف من قبل وزع منشوراً نهار الخميس الماضي يندد بالمجلس العسكري ويتعرض له بالسباب ويتهمه بأنه امتداد لمايو كما هاجم المنشور الذي وزع في التظاهرة الجماهيرية التي طالبت بتسليم نميري جهاز الاستخبارات العسكرية ودعى إلى ثورة شعبية للتخلص ممن أسماهم بالطغمة الفاسدة وهو تعبير قصد به المجلس العسكري

وفي جانب آخر استنكر السيد محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي السوداني في ندوة الحزب أمس الأول عن فصل الضباط وطالب بإرجاعهم إلى عملهم

من ناحية أخرى ترددت معلومات تفيد أنه قد ضبطت بحوزة المفصولين كميات كبيرة من الأموال كما أفادت هذه المعلومات أن هذه المجموعة كانت قد اتصلت بالعقيد جون قرنق وطلبت إليه عدم التفاوض مع المجلس العسكري وعدم الالتزام بوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة وأضافت المعلومات أن التحقيق جار مع ضباط آخرين بتهمة الانتماء إلى هذه المجموعة

هذا وقد أذاعت إذاعة ما يسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان فصل الضباط وسمت منهم الرائد سيف الدين أحمد عبيد من المظلات والرائد حسن من سلاح الأسلحة وقال الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي أن هذه الخطوة من عصابة الجنرالات لا تثير الاستغراب لأنها تمثل الامتداد الطبيعي لنظام مايو الأول وأن أسلوب اعتقال وإبعاد الضباط الوطنيين هو أسلوب نظام مايو

والجدير بالذكر أن التجمع كان قد أصدر بياناً استنكر فيه قرار الفصل وقال أن حلقات التآمر بدأت تظهر بشكل واضح في أبعاد أثنى عشر ضابطاً من الخدمة وفي إبعاد البعض لمواقع وتوجيه إنذارات للبعض الآخر انتهي

تقدم الشاكون الأحد عشر وهم الضباط الذين احيلوا للتقاعد وقتها (أحدهم برتبة اللواء واثنان برتبة العميد وواحد برتبة العقيد وأربعة برتبة المقدم وثلاثة برتبة الرائد) تقدموا بأحد عشرة بلاغاً منفصلة ضد محرر الخبر ورئيس تحرير الجريدة ومدير مطابع التصوير الملون التي تتولى طبعها متهمين إياهم بإشانة السمعة وفي مرحلة المحاكمة تم ضم البلاغات ومحاكمتها في محاكمة واحدة مشتركة وقد بدأت إجراءات المحاكمة قاضى للمديرية وبعد صدور تعديل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1406هـ تم تشكيل محكمة كبرى (برئاسته)  أكملت الإجراءات وأصدرت الحكم

وقد أدانت المحكمة الكبرى المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 قانون العقوبات لسنة 1983م (اشانة السمعة والكذب الضار) ووقعت عليهم العقوبات التالية:

1- الغرامة ألف جنيه لكل واحد منهم وفي حالة عدم الدفع السجن لثلاثة شهور "وقد تم دفعها"

2- دفع تعويضات للشاكين تبلغ في جملتها مليونين وثلاثمائة وخمسين وأربعين جنيهاً

3- كما أمرت المحكمة الكبرى بالحجز على منقولات وعقارات جريدة الراية كضمان لاستيفاء مبلغ التعويض وعلى نصيب المتهم الثالث في مطابع التصوير الملون

أما محكمة استئناف العاصمة القومية فقد قضت بالآتي :

1- تأييد إدانة المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 عقوبات

2- تأييد عقوبة الغرامة

3- إعادة الإجراءات للمحكمة الكبرى لتوقيع عقوبة الجلد على المتهمين الثلاثة

4- تخفيض مقدار التعويضات المحكوم بها لتصبح في جملتها مليوناً وثمانمائة وخمسين ألفاً من الجنيهات

5- كما أمرت لأن يتم تحصيل مبلغ التعويض من المدانين الثلاثة بالتضامن والانفراد وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات المدنية

وبعدها تقدم إلينا كل من محامي المتهمين الأول والثاني ومحامي المتهم الثالث بطلبين منفصلين لفحص الإجراءات ومراجعة قرارات محكمة الاستئناف المتعلقة بالإدانة وبالتعويض وبعقوبة الجلد

استهل مقدمو الطلب طلباتهم بالطعن في إجراءات المحاكمة وذلك استناداً على ثلاثة أسباب:

أولهما أن قاضى المديرية الذي بدأ إجراءات المحاكمة يملك – كمحكمة مدنية – سلطة غير محدودة من حيث القيمة وأنه لذلك كان يمكنه الحكم بالتعويض المناسب مهما كان مقداره مما يعنى أنه لم يكن هنالك ما يوجب إحالة الإجراءات لمحكمة كبرى

وثانيهما أنه رغم تعديل قانون الإجراءات الجنائية قد سرى منذ 15/4/1986م إلا أن قاضي المديرية استمر – كقاض فرد – في سماع البينات حتى أوصل الإجراءات لمرحلة صدور الحكم حيث صدر أمر تشكيل المحكمة الكبرى في 21/8/1986م

وثالثهما أن المحكمة الكبرى بعد إحالة الإجراءات إليها لم تبدأ بسماعها من جديد – وإننا واصلتها من حيث توقف قاضى المديرية

ونحن نرى أن كل ذلك وعلى افتراض صحته ليس فيه ما يمكن أن يضار منه المتهمون في دفاعهم كما لم يبين مقدمو الطلبات أن شيئاً من ذلك قد حدث لهذا السبب وبموجب المادة 243 قانون الإجراءات الجنائية فإننا لن نتعرض للإجراءات استناداً لتلك العيوب حتى إن صحت ونضيف فقط أن المادة 166 (2) قانون الإجراءات الجنائية ليس فيها ما يلزم المحكمة الكبرى ببداية الإجراءات من جديد كما يزعم مقدمو الطلبات

ومن جانب آخر ينعى طالبو الفحص على محكمة الاستئناف إغفالها لقانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م وعدم تطبيقها له رغم صدوره وسريانه قبل إعلانها لحكمها ذلك أن القانون المعنى قد سرى منذ تاريخ صدوره في 16/12/1987م بينما تعلن المحكمة حكمها على المستأنفين أمامها إلا في 27/12/1987م

وفي الرد على ذلك نقول :

1- معلوم أن قانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م قد صدر بأمر مؤقت في غياب الجمعية التأسيسية وأنه قد سقط لأن الجمعية لم تجزه خلال ثلاثة شهور من تاريخ عودتها من عطلتها كما يوجب الدستور السوداني المؤقت لسنة 1985م فهو لم يعد نافذاً الآن مثلما لم يكن وقت صدور حكم المحكمة الكبرى

قد يقول قائل بأن المطلوب منا أن نقرر صحة حكم محكمة الاستئناف وفق القوانين السارية وقت صدوره وليس وقت صدور قرارنا ولو قلنا بذلك فإن يلزمنا أن نقول أيضاً بأنه قد كان على محكمة الاستئناف التقرير في صحة حكم محكمة الموضوع وفي القوانين السارية وقت صدور ذلك الحكم وليس وقت صدور حكم محكمة الاستئناف

2- صدر الرأي الثالث في محكمة الاستئناف في 15/12/1987م كما صدر الأمر النهائي في الاستئناف في 16/12/1987م والمادة 231 قانون الإجراءات الجنائية تمنع تغيير الحكم أو إعادة النظر فيه بعد التوقيع عليه "إلا في الأحوال المبينة في ذلك القانون أو لتصحيح خطأ في الكتابة" ولا يعتد هنا بالنطق بالحكم أو إعلانه

3- نصت المادة 12 (2) قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1984م على أنه إذا صدر قانون بإلغاء أي قانون آخر أو بإلغاء أي نص وما لم يظهر قصد مخالف لذلك لا يترتب على الإلغاء أي أثر بالنسبة إلى أية عقوبة أو مصادرة أو أي جزاء مما يكون قد وقع بسبب أية مخالفة للقانون الملغي (الفقرة و) أو أي أثر أي جزاء قانوني أو تعويض أو عقوبة أو جزاء مما سبق ذكره (الفقرة هـ)

4- قانون التعديلات المتنوعة المعني قد نص في مادته الأول على أن تسرى التعديلات الواردة فيه على جميع الدعاوى المدنية والجنائية التي لم يصدر فيها حكم نهائي ونرى أن المقصود بالحكم النهائي هنا حكم محكمة الموضوع المنهي للخصومة وليس أن يجد الحكم التأييد في كل المراحل الاستئنافية الأعلى ولا ننسى هنا أن سلطة الفحص ليست مقيدة بأي قيد زمني فهل يمكن أن يعنى ذلك أن أي حكم لم تفحصه المحكمة العليا ليس حكماً نهائياً مهما حدث ومهما طال عليه الزمن؟

5- ليس صحيحاً أن قانون التعديلات المتنوعة قد قصد سلب المحكمة الجنائية سلطتها في الحكم بالتعويض والصحيح أنه فقط قد اشترط "في البديل الذي قدمه للمادة 77 أ عقوبات وفي إبقائه على المادة 296 قانون الإجراءات الجنائية كما هي) اشترط أن يتم التعويض من مبلغ الغرامة كله أو أي جزء منه (ومن المتوقع أن محكمة الاستئناف لو كانت قد ألغت الحكم بتعويض الشاكين لكانت قد أعادت الإجراءات للمحكمة الكبرى لإعادة النظر في العقوبة على ضوء ذلك وفي تلك الحالة فلم يكن هناك لما يمنع المحكمة الكبرى من الحكم بمبلغ التعويض بكامله كغرامة)

نعود بعد كل ما سبق للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ولا نجد مناصاً من أن نبدأ بإجراء مقارنة بين المواد المعنية في قانون العقوبات لسنة 1983م الحالي وقانون العقوبات لسنة 1974م السابق عسى أن تعيننا في فهم نصوص القانون الحالي ومن ثم تطبيقها على الوقائع الحالية ففي القانون السابق كانت هنالك مواد منفصلة للقذف (بمعنى اشانة السمعة) وللكذب الضار بينما في القانون الحالي اقتصرت جريمة القذف على مدلولها الشرعي (بمعنى الاتهام بالزنا) كما أدمجت إشانة السمعة والكذب الضار في مادة واحدة (هي المادة 435) وقد اكتفى القانون الحالي بالنقل الحرفي للمادة 433 القديمة المعرفة لجريمة القذف – فيما عدا أنه استبعد عنها أي استثناءات أنه استبدل قصد خدش السمعة فيها بقصد الاتهام بالزنا في المادة الجديدة أما في جريمة إشانة السمعة والكذب الضار "المادة 435 في القانون الحالي" فقد اكتفى القانون الجديد أيضاً بالنقل الحرفي لنص مادة الكذب الضار في القانون القديم – بحذافيرها وشرحها واستثنائها مضيفاً إليها فقط عبارة اشانة السمعة في عنوان المادة زائداً الاستثناءات العشرة في مادة إشانة السمعة القديمة في ذيلها "لتصبح جملة الاستثناءات أحد عشر" وقد نتج عن هذا الدمج وهذا النقل الحرفي مفارقات جد مدهشة:

1- أصبحت جريمة القذف تكتمل ويحد المتهم بحدها حتى إذا ثبت أن اتهامه للشاكي بالزنا كان صحيحاً فليس في نص المادة (المنقول حرفياً) ما يشير إلى غير ذلك وهذا بالطبع حكم الشريعة في هذا الشأن "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"

2- جريمة اشانة السمعة أصبح شرطاً فيها أن يكون الخبر أو الإسناد كاذباً (راجع نص المادة: (كل من تصدر منه أو ينشر أخباراً كاذبة) فإذا ثبت أن الخبر صحيح إنهار أحد أركان الجريمة ولا حاجة للمتهم وقتها للدفع بأي من الاستثناءات وفي القانون السابق لم تكن صحة الخبر تكفى وحدها لرفع المسئولية

3- وبالتالي أصبح العبء على الاتهام لإثبات الكذب كذب الخبر أو الإسناد وذلك باعتباره أحد عناصر الجريمة – وليس على الدفاع عبء إثبات العكس (وعسير جداً إثبات النفي)

4- الاستثناء الثاني بالذات أصبح وجوده أمراً غريباً ولا معنى له فلو ثبت أن الخبر صحيح في جوهره نجا المتهم ولم يعد بحاجة لإثبات أن الصالح العام كان يقتضي النشر الخ

5- المادة 436 عقوبات (طبع أو حفر نقش موضوع مع العلم بأنه يتضمن قذفاً) أصبحت قاصرة على ما يتعلق من تلك الأفعال بجريمة القذف – بمعنى الاتهام بالزنا – دون جريمة إشانة السمعة أو الكذب الضار وذلك حسبما يبين من نصها ولا نظن أن المشرع قد قصد أو تعمد ذلك وأنه إنما جاء نتيجة لخطأ النقل الحرفي لمعظم مواد القانون الجديد مع الغفلة عن آثار التغييرات التي حدثت في القليل الباقي

مرة أخرى نعود للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ونقول : أن المقال المعني قد أسند للشاكين ضمن أشياء أخرى الأمور التالية :-

1- الاشتراك في تنظيم عقائدي – شيوعي وبعثي – خلال عملهم ضباطاً في القوات المسلحة

2- أنه قد ضبطت بحوزتهم كميات كبيرة من الأموال

3- الاتصال بزعيم الخوارج وحثه على عدم وقف إطلاق النار

ونسأل هل في ذلك ما يخدش السمعة ؟ لتأتي الإجابة بالإيجاب :

1- فالانتماء الحزبي أو العقائدي النشط في مؤسسة قومية نظامية منضبطة تحظر مثل ذلك الانتماء والنشاط وتفصل من يمارسه وتبعده من صفوفها ليس ما يشرف من يمارسه أو من يتهم بممارسته ويقلل من قدره في نظر الكثيرين

2- الحديث عن ضبط أموال كثيرة بحوزة الشاكين يعنى وجود ممول لهم ولتنظيمهم المذكور – سواء كان داخلياً أو خارجياً

3- الاتصال بالعدو لحثه على مواصلة القتال ورفض وقف إطلاق النار لا يشرف الجندي أو أي أحد غيره بل قد يعتبر نوعاً من الخيانة

وقبل أن ننتقل لمناقشة موقف كل منهم على حدة يجدر بنا أن نقرر قاعدتين: الأولي تقول بأنه لا يعفى من المسئولية أن الحديث المشين للسمعة ليس  أكثر من ترديد لما يقوله آخرون والثانية تقول بأن ما يسمى بأسلوب المداورة أو التلاعب بالألفاظ أو استخدام عبارات مثل "ترديد أنباء وأنباء غير مؤكدة وأفادت معلومات الخ" كلها لا تحول دون المساءلة نضيف أمراً آخر هو أن القصد الجنائي المطلوب في هذه الجريمة ليس فقط قصد إشانة السمعة وإنما يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتماد باحتمال حدوثها

ثم يأتي السؤال: هل ما نسب إلى الشاكين مما سبق ذكره يعتبر كاذباً – بمعنى أنه غير صحيح في جوهره ؟ وكما أسلفنا فإن عبء إثبات ذلك يقع على الاتهام وقد أكد الشاكون في شهاداتهم على اليمين أن ما نسب إليهم في الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها غير صحيح وقد يكون ذلك أفضل ما يستطيع المرء تقديمه من بينات لإثبات النفي ومن الجانب الآخر نجد أن المتهمين لم يدفعوا ما أسند للشاكين بالذات في مسألتي ضبط الأموال وحث الخوارج على عدم وقف إطلاق النار وحتى في مسألة الانتماء الحزبي العقائدي فلم يقدموا ما يدعو للتشكل في إفادات الشاكلين أو عدم الأخذ بها لذا يمكننا القول بأن ما أسند للشاكين مما ذكرنا لم يكن صحيحاً في جوهره

ننتقل بعد هذا لمناقشة أمر كل منهم على حدةولهذا بالثاني – كاتب الخبر ومحرره وهو يقر إقراراً كاملاً بأن المقال وكل ما فيه من إسناد قد صدر منه وقد أوضحنا فيما سبق أن فيه ما يخدش سمعة الشاكين كما أن القصد الجنائي المطلوب هنا متوفر – بالعلم ووجود ما يحمل على الاعتقاد "أن لم يكن بالقصد المباشر باعتبار أن الشاكين ينتمون فيما يرى المتهم لجماعات مناوئة لجماعته"

وقد سعى هذا المتهم الاحتماء بالاستثناء الأول للمادة "والذي يقول: (لا يعد جريمة بموجب هذه المادة إصدار أو نشر خبر كاذب بحسن نية إذا كانت لدي المتهم أسباب معقولة للاعتقاد بأن الخبر في جوهره صحيح) لكننا نرى أنه قد أخفق في إثبات حسن نيته أو إثبات وجود أسباب معقولة دعته للاعتقاد في صحة ما أسنده للشاكين فالمادة 37 عقوبات تنص على أنه  "لا يقبل الدفع بحسن النية عند فعل الشيء أو الاعتقاد فيه إذا حصل الفعل أو الاعتقاد بغير ما يجب بذله من عناية وانتباه" ولم ينجح المتهم في إثبات أنه بذل ما يجب بذله من عناية وانتباه للتحقق من صحة ما ادعاه في المقال فهو من جهة يعلن أنه لم ينجح في الحصول على تأكيد لصحته من الجهات العسكرية الرسمية وهو – من جهة أخرى – يقول بأنه قد استقى المعلومات المتعلقة بضبط الأموال والاتصال بزعيم الخوارج من مصدر واحد فقط ولم يشأ أن يسميه لنتحقق من جدارته بالتصديق

وعليه نرى أن إدانة هذا المتهم تحت المادة 435 عقوبات قد جاءت صحيحة

أما المتهم الأول فهو رئيس تحرير الجريدة ويمكن القول بأنه بصفته هذه المسئول عما ينشر فيها – فهو الذي يأذن بالنشر أو بمنعه لكن مسئوليته هذه لم يشأ المشرع أن يجعلها مطلقة وإنما اشترط توفر القصد الجنائي لديه (قصد خدش السمعة أو العلم أو وجود ما يحمل على الاعتقاد باحتماله) وبديهي أن إثبات مثل ذلك القصد يتطلب أن يسبقه إثبات اطلاع المتهم على المادة وموافقته على نشرها- وهذا ما لم يفعله الاتهام فالمتهم الأول يقول بأنه لم يكن موجوداً بدار الصحيفة وقت إعداد ذلك العدد ولم يطلع على المقال – يؤيده بقوله أنه لم يعرضه عليه للموافقة على نشره والاتهام لم يقدم ما يثبت غير ذلك وبانهيار هذا العنصر من عناصر الجريمة "القصد الجنائي" تصبح إدانة المتهم المعنى غير صحيحة

أما المتهم الثالث فهو مدير معامل التصوير الملون "ولعله صاحبها" وقد جاءت إدانته باعتبارها الجهة التي تولت طبع عدد الجريدة الذي حوى المادة المشينة لسمعة الشاكين

وقد حاول ممثل دفاعه القول بأنه ليس طابعاً بالمعني المفهوم إذ أنه لا يقوم بطباعة الجريدة وإنما يصورها تصويراً فوتوغرافياً لكن محكمة الاستئناف قد أحسنت الرد على هذا الزعم مستندة على تعريف قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1973م لعبارات "مطبوعات- طابع- مطبعة" فهي – المادة 3- قد عرفت عبارة "مطبوعات" بأنها يقصد بها فيما عدا الصحف كل الكتابات أو الرسوم أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية أو غير ذلك من وسائل التعريف التي نقلت بالطرق الكيمائية أو الميكانيكية أو غيرها فأصبحت بذلك قابلة للتداول وعرفت كلمة "طابع " بأنها يقصد بها مالك المطبعة أو من يستغلها فعلاً بطريق الإيجار أو بأي طريق آخر وتشمل كل من يسمح بظهور اسمه بتلك الصفة في أي مطبوع كما عرفت "المطبعة" بأنها يقصد بها الماكينات والآلات المستعملة لأغراض الطباعة وتشمل جميع الوسائل الأخرى التي تستعمل لنفس الغرض وبتطبيق تلك التعريفات يمكننا القول بأن المتهم الثالث هو طابع ذلك العدد من الجريدةلكننا نضيف أن طابع الجريدة ليس هو بالضرورة ناشرها – لا بالمعنى اللغوي للكلمات ولا بالمدلول  الصحفي لها فمن حيث اللغة فإن الناشر شئ ما هو الذي ينشره على الناس بينما طابع الجريدة يطبعها – أو يصورها – ثم يعيدها دون أي نشر لأصحابها وفي المفهوم الصحفي فإن ناشر الجريدة هو صاحبها (صاحب الامتياز) أو ربما رئيس التحرير الذي يأذن بالنشر أو يملك أن يمنعه وقد فطن المشرعون – في مختلف قوانين العقوبات التي تعاقبت علينا – لذلك فشرعت مادة خاصة لمساءلة الطابع وأشباهه وهي المادة 236 "في القانون الحالي والسابق" إلا أن مشرع القانون الحالي قد قصرها على طباعة المادي التي تتضمن قذفاً- بمعنى الاتهام بالزنا – وسواء كان ذلك هو قصد المشرع بالفعل أو لم يكن فإن هذا هو الحال والواقع – لحسن حظ المتهم المعنى والذي نرى الامتناع عن تزيد إدانته لهذا السبب

ننتقل بعد كل هذا لجانب العقوبات "دون التعرض لعقوبة الغرامة التي نراها معقولة ومناسبة" ونبدأ بعقوبة الجلد التي رأت محكمة الاستئناف وجوب توقيعها على المتهمين على أساس أن المادة تنص على عقوبة "الجلد والغرامة أو السجن"

لقد ورد في ملحق المنشور الجنائي رقم 87 لعام 1983م الصادر – أي الملحق- من رئيس القضاء بتاريخ 1/2/1984م ما يلي :

"عندما ينص قانون العقوبات على عدة عقوبات مجتمعة كعقوبة لجريمة واحدة مثل نصه على عقوبة الجلد والغرامة والسجن معاً فإن المشرع لم يقصد أن يقوم القاضي بتوقيع كل هذه العقوبات مجتمعة بل كما هو معروف في العقوبة أن العقاب على قدر الجرم فعلى القاضي أن يختار العقوبة التي يراها مناسبة آخذاً في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق ما هدف إليه المشرع من العقوبة"

وهذا المنشور واضح كل الوضوح في الإفادة بعدم إلزامية الجمع بين العقوبات المختلفة حتى وإن بدأ من استخدام حروف العطف شئ غير ذلك ونتفق مع المحكمة الكبرى في أن توقيع عقوبة الجلد "بالنسبة للمتهمين الثلاثة" لم يكن بالأمر المناسب

ونختم بموضوع التعويض المحكوم به والذي نراه مبالغاً فيه لدرجة الشطط والمبالغة وذلك لما يلى من أسباب وعوامل:

1- التعويض المحكوم به عبارة عن تعويض عام عن ضرر أدبي هو الذي لحق بسمعة الشاكين من إشانة السمعة  فهم لم يطالبوا بالتعويض عن مصروفات التقاضي ولم يثبتوا أن خسارة مادية قد لحقت بأيهم أو أن كسباً ما قد فاته بسبب ما حدث

2- التعويض ليس هو الوسيلة الوحيدة لجبر الضرر المتعلق بالسمعة ولعله ليس أفضلها فهناك وسائل أخرى مثل نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علناً وقد تشكل الإدانة في حد ذاتها تعويضاً كافياً

3- ليس المقصود من التعويض أن يثرى من جرائمه المحكوم له ومبالغ التعويض الضخمة المحكوم بها للشاكين – سواء في محكمة الموضوع أو محكمة الاستئناف – تعتبر ثروة كبيرة إذا ما نظرنا حولنا لظروف غالبية الخلق في عالمنا بظروفه الاقتصادية المعروفة وكل المطلوب هو (على حد تعبير أحد فقهاء القانون الإنجليز) شئ من رنين الذهب ليداوى جراح النفوس

4- إذا كانت الدية الكاملة – وهي التعويض عن فقدان الحياة ذاتها – لا تزيد في حدها الأقصى عن ثلاثين ألف جنيه فهل يعقل أن يكون التعويض عن الضرر الأدبي الذي يلحق بالسمعة أضعاف أضعافها؟

5- صحيح أن التعويض يعتبر – بنص المادة 64 (1) (ط) قانون العقوبات – عقوبة توقع على الجاني لكنه يظل – كما يدل اسمه – تعويضاً الغرض منه جبر ضرر المضرور وليس توقيع عقوبة إضافية على الجاني

6- الجريدة التي نشرت المقال جريدة حزبية وناشئة في عددها الثاني مما يعنى بداهة محدودية انتشارها وبالتالي محدودية آثار نشر المقال الضارة

7- كثير مما ورد في المقال المعني تناولته العديد من وسائل الإعلام الأخرى من صحف ووكالات أنباء أوسع انتشاراً وقبل جريدة الراية بعدة أيام لكن الشاكين اختاروا تلك الجريدة دون غيرها لتلقى غضبهم وجبر ضرهم الذي لم تحدثه كله وحدها

وآخذاً في الاعتبار لكل العوامل فإننا نرى تعويضاً مقداره عشرة آلاف جنيه لكل واحد من الشاكين يكفىجدير بالذكر أن الحكم بالتعويض كان من الممكن أن يشمل جريدة الراية والجهة التي تصدرها "مثلما يحدث في قضايا حركة المرور" لكن ذلك كان يستلزم – وفق المادة 77 أ عقوبات – إعلان تلك الجهات للحضور ومباشرة الإجراءات وهو ما لم يحدث كما أن محكمة الموضوع لم تنظر في هذا الأمر ولم تتطرق إليه ولم يطالب به الشاكون وبغياب كل ذلك فلا معنى للأمر بحجز ممتلكات الجريدة لحين استيفاء مبلغ التعويضأما الأمر الذي أصدرته محكمة الاستئناف بتحصيل مبلغ التعويض وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات الجنائية فسليم وتوجيه نفس المادة

القاضي: إدريس القرشي

التاريخ : 29/8/1989م

أوافق على مذكرة مولانا حكيم وأرى بأن التعويض الذي صدر كان مبالغاً فيه ولم يشرع ذلك للإثراء بقدر ما هو جبر لضرر لحق بالمعوض لذا جاء صحيحاً قرار تخفيفه علماً بأن الموضوع الذي اشتكى فيه الشاكين تناقلته وكالات الأنباء العالمية بصورة أوسع من جريدة الراية المحدودة الانتشار

القاضي: مقبول الحاج محمد

التاريخ: 29/8/1989م

أوافق الأخ حكيم إدانة المتهم الأول لم تكن صحيحة وأؤيد تبرئته فقد دفع بتغيبه عن العمل ذلك اليوم وأن المقال لم يعرض عليه ولم يطلع عليه وقد أقر المتهم الثاني بذلك لهذا أوافق على تبرئته

كذلك أؤيد إلغاء إدانة المتهم الثالث وكما ذكر الأخ حكيم بأن المشرع قد حصر مسئولية الطابع فيما يختص بالقذف بالزنا فقط "المادة 436 ع" ولا يشمل ذلك الجريمة موضوع هذا البلاغ لهذا أؤيد إلغاء إدانته

المدان الثالث أقر بأنه كتب المقال موضوع المساءلة وأؤيد إدانته كما توصل السيد الحكيم

فيما يختص بالعقوبة والتعويض اتفق وما توصل إليه زميلاي المحترمان

▸ حكومة السودان ضد مريم محمد سليمان فوق حكومة السودان ضد هاشم سر الختم الأمين ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1989
  4. حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

المحكمة العليا

القضاة :

السيد/ حكيم الطيب                  قاضى المحكمة العليا        رئيساً

السيد/ إدريس القرشي               قاضى المحكمة العليا        عضواً

السيد/ مقبول الحاج محمد           قاضى المحكمة العليا         عضواً

 

حكومة السودان ضد مهدى إبراهيم محمد وآخرين

م ع/ ف ج / 5/1988م

المبادئ:

قانون جنائي : العقوبة – التعويض – التعويض الملائم والعادل جبر الضرر – لا محل لإثراء المحكوم له على حساب الجاني

قانون جنائي : قصد المشرع من توقيع العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات – ملحق رقم 2 المنشور الجنائي 87/83

قانون جنائي : المسئولية الجنائية – الفعل المادي – تكرار حديث الناس

قانون جنائي : القصد الجنائي – لا يقتصر القصد الجنائي على ثبوت قصد اشانة السمعة بل يكفى العلم بحدوثها

1- التعويض النقدي ليس هو الوسيلة لجبر الضرر المتعلقة بالسمعة بل أن هناك وسائل أفضل منه- مثل – نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علانية – وقد تشكل الأداة في حد ذاتها تعويضاً كافياً – ومن ثم فإن التعويض المصقول والعادل يكفى في معظم الأحوال

 

2- يجوز للمحكمة توقيع كل أو بعض العقوبات المنصوص عنها في مواد العقاب – إلا أنه يتعين على المحكمة توقيع العقوبة التي يراها مناسبة على أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق هما هدف إليه المشرع ملحق رقم 2 المنشور الجنائي رقم 87/82

 

3- لا يعفى من المسئولية الجنائية عن جريمة القذف أن الحديث الذي يشين السمعة يعتبر ترديداً لما رواه بعض الناس

 

4- لا يقتصر القصد الجنائي في ارتكاب جريمة القذف على ثبوت قصد إشانة سمعة شخص آخر فحسب بل يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتقاد لاحتمال حدوثها

 

المحامون :

                                         الحــكم

القاضي : حكيم الطيب

التاريخ : 26/8/1989م

نشرت جريدة الراية التي تصدرها الجبهة الإسلامية القومية في الصفحة الأولي من عددها الثاني الصادر في 19 شوال 1405هـ الموافق 6 يوليو 1985م نشرت خبراً أو مقالاً أو تحقيقاً نصه كالآتي:

(الراية تتابع قضية الضباط المفصولين الشيوعيون والتجمع استنكروا وقرنق هاجم المجلس العسكري)

كتب حمدان حامد:

تردد أنباء حول فصل اثنى عشر ضابطاً بالقوات المسلحة لاشتراكهم في تنظيم سياسي عقائدي وفيما أحجم الرسميون العسكريون عن الإدلاء بأي بيانات قالت إذاعة القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية بلندن أن الضباط المفصولين أعضاء في خلايا شيوعية وبعثية داخل القوات المسلحة ويتزعمهم ضابط يدعى عثمان بلولة

وكانت أنباء غير مؤكدة قد ترددت في الأيام الماضية عن كشف جهاز المخابرات العسكرية وإحباطه محاولة انقلابية كانت تستهدف الإطاحة بالمجلس العسكري والوضع القائم الآن

وقد وزع ما يسمى بتنظيم الضباط والجنود الوطنيين بالقوات المسلحة وهو تنظيم لم يعرف من قبل وزع منشوراً نهار الخميس الماضي يندد بالمجلس العسكري ويتعرض له بالسباب ويتهمه بأنه امتداد لمايو كما هاجم المنشور الذي وزع في التظاهرة الجماهيرية التي طالبت بتسليم نميري جهاز الاستخبارات العسكرية ودعى إلى ثورة شعبية للتخلص ممن أسماهم بالطغمة الفاسدة وهو تعبير قصد به المجلس العسكري

وفي جانب آخر استنكر السيد محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي السوداني في ندوة الحزب أمس الأول عن فصل الضباط وطالب بإرجاعهم إلى عملهم

من ناحية أخرى ترددت معلومات تفيد أنه قد ضبطت بحوزة المفصولين كميات كبيرة من الأموال كما أفادت هذه المعلومات أن هذه المجموعة كانت قد اتصلت بالعقيد جون قرنق وطلبت إليه عدم التفاوض مع المجلس العسكري وعدم الالتزام بوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة وأضافت المعلومات أن التحقيق جار مع ضباط آخرين بتهمة الانتماء إلى هذه المجموعة

هذا وقد أذاعت إذاعة ما يسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان فصل الضباط وسمت منهم الرائد سيف الدين أحمد عبيد من المظلات والرائد حسن من سلاح الأسلحة وقال الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي أن هذه الخطوة من عصابة الجنرالات لا تثير الاستغراب لأنها تمثل الامتداد الطبيعي لنظام مايو الأول وأن أسلوب اعتقال وإبعاد الضباط الوطنيين هو أسلوب نظام مايو

والجدير بالذكر أن التجمع كان قد أصدر بياناً استنكر فيه قرار الفصل وقال أن حلقات التآمر بدأت تظهر بشكل واضح في أبعاد أثنى عشر ضابطاً من الخدمة وفي إبعاد البعض لمواقع وتوجيه إنذارات للبعض الآخر انتهي

تقدم الشاكون الأحد عشر وهم الضباط الذين احيلوا للتقاعد وقتها (أحدهم برتبة اللواء واثنان برتبة العميد وواحد برتبة العقيد وأربعة برتبة المقدم وثلاثة برتبة الرائد) تقدموا بأحد عشرة بلاغاً منفصلة ضد محرر الخبر ورئيس تحرير الجريدة ومدير مطابع التصوير الملون التي تتولى طبعها متهمين إياهم بإشانة السمعة وفي مرحلة المحاكمة تم ضم البلاغات ومحاكمتها في محاكمة واحدة مشتركة وقد بدأت إجراءات المحاكمة قاضى للمديرية وبعد صدور تعديل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1406هـ تم تشكيل محكمة كبرى (برئاسته)  أكملت الإجراءات وأصدرت الحكم

وقد أدانت المحكمة الكبرى المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 قانون العقوبات لسنة 1983م (اشانة السمعة والكذب الضار) ووقعت عليهم العقوبات التالية:

1- الغرامة ألف جنيه لكل واحد منهم وفي حالة عدم الدفع السجن لثلاثة شهور "وقد تم دفعها"

2- دفع تعويضات للشاكين تبلغ في جملتها مليونين وثلاثمائة وخمسين وأربعين جنيهاً

3- كما أمرت المحكمة الكبرى بالحجز على منقولات وعقارات جريدة الراية كضمان لاستيفاء مبلغ التعويض وعلى نصيب المتهم الثالث في مطابع التصوير الملون

أما محكمة استئناف العاصمة القومية فقد قضت بالآتي :

1- تأييد إدانة المتهمين الثلاثة تحت المادة 435 عقوبات

2- تأييد عقوبة الغرامة

3- إعادة الإجراءات للمحكمة الكبرى لتوقيع عقوبة الجلد على المتهمين الثلاثة

4- تخفيض مقدار التعويضات المحكوم بها لتصبح في جملتها مليوناً وثمانمائة وخمسين ألفاً من الجنيهات

5- كما أمرت لأن يتم تحصيل مبلغ التعويض من المدانين الثلاثة بالتضامن والانفراد وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات المدنية

وبعدها تقدم إلينا كل من محامي المتهمين الأول والثاني ومحامي المتهم الثالث بطلبين منفصلين لفحص الإجراءات ومراجعة قرارات محكمة الاستئناف المتعلقة بالإدانة وبالتعويض وبعقوبة الجلد

استهل مقدمو الطلب طلباتهم بالطعن في إجراءات المحاكمة وذلك استناداً على ثلاثة أسباب:

أولهما أن قاضى المديرية الذي بدأ إجراءات المحاكمة يملك – كمحكمة مدنية – سلطة غير محدودة من حيث القيمة وأنه لذلك كان يمكنه الحكم بالتعويض المناسب مهما كان مقداره مما يعنى أنه لم يكن هنالك ما يوجب إحالة الإجراءات لمحكمة كبرى

وثانيهما أنه رغم تعديل قانون الإجراءات الجنائية قد سرى منذ 15/4/1986م إلا أن قاضي المديرية استمر – كقاض فرد – في سماع البينات حتى أوصل الإجراءات لمرحلة صدور الحكم حيث صدر أمر تشكيل المحكمة الكبرى في 21/8/1986م

وثالثهما أن المحكمة الكبرى بعد إحالة الإجراءات إليها لم تبدأ بسماعها من جديد – وإننا واصلتها من حيث توقف قاضى المديرية

ونحن نرى أن كل ذلك وعلى افتراض صحته ليس فيه ما يمكن أن يضار منه المتهمون في دفاعهم كما لم يبين مقدمو الطلبات أن شيئاً من ذلك قد حدث لهذا السبب وبموجب المادة 243 قانون الإجراءات الجنائية فإننا لن نتعرض للإجراءات استناداً لتلك العيوب حتى إن صحت ونضيف فقط أن المادة 166 (2) قانون الإجراءات الجنائية ليس فيها ما يلزم المحكمة الكبرى ببداية الإجراءات من جديد كما يزعم مقدمو الطلبات

ومن جانب آخر ينعى طالبو الفحص على محكمة الاستئناف إغفالها لقانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م وعدم تطبيقها له رغم صدوره وسريانه قبل إعلانها لحكمها ذلك أن القانون المعنى قد سرى منذ تاريخ صدوره في 16/12/1987م بينما تعلن المحكمة حكمها على المستأنفين أمامها إلا في 27/12/1987م

وفي الرد على ذلك نقول :

1- معلوم أن قانون التعديلات المتنوعة لسنة 1987م قد صدر بأمر مؤقت في غياب الجمعية التأسيسية وأنه قد سقط لأن الجمعية لم تجزه خلال ثلاثة شهور من تاريخ عودتها من عطلتها كما يوجب الدستور السوداني المؤقت لسنة 1985م فهو لم يعد نافذاً الآن مثلما لم يكن وقت صدور حكم المحكمة الكبرى

قد يقول قائل بأن المطلوب منا أن نقرر صحة حكم محكمة الاستئناف وفق القوانين السارية وقت صدوره وليس وقت صدور قرارنا ولو قلنا بذلك فإن يلزمنا أن نقول أيضاً بأنه قد كان على محكمة الاستئناف التقرير في صحة حكم محكمة الموضوع وفي القوانين السارية وقت صدور ذلك الحكم وليس وقت صدور حكم محكمة الاستئناف

2- صدر الرأي الثالث في محكمة الاستئناف في 15/12/1987م كما صدر الأمر النهائي في الاستئناف في 16/12/1987م والمادة 231 قانون الإجراءات الجنائية تمنع تغيير الحكم أو إعادة النظر فيه بعد التوقيع عليه "إلا في الأحوال المبينة في ذلك القانون أو لتصحيح خطأ في الكتابة" ولا يعتد هنا بالنطق بالحكم أو إعلانه

3- نصت المادة 12 (2) قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1984م على أنه إذا صدر قانون بإلغاء أي قانون آخر أو بإلغاء أي نص وما لم يظهر قصد مخالف لذلك لا يترتب على الإلغاء أي أثر بالنسبة إلى أية عقوبة أو مصادرة أو أي جزاء مما يكون قد وقع بسبب أية مخالفة للقانون الملغي (الفقرة و) أو أي أثر أي جزاء قانوني أو تعويض أو عقوبة أو جزاء مما سبق ذكره (الفقرة هـ)

4- قانون التعديلات المتنوعة المعني قد نص في مادته الأول على أن تسرى التعديلات الواردة فيه على جميع الدعاوى المدنية والجنائية التي لم يصدر فيها حكم نهائي ونرى أن المقصود بالحكم النهائي هنا حكم محكمة الموضوع المنهي للخصومة وليس أن يجد الحكم التأييد في كل المراحل الاستئنافية الأعلى ولا ننسى هنا أن سلطة الفحص ليست مقيدة بأي قيد زمني فهل يمكن أن يعنى ذلك أن أي حكم لم تفحصه المحكمة العليا ليس حكماً نهائياً مهما حدث ومهما طال عليه الزمن؟

5- ليس صحيحاً أن قانون التعديلات المتنوعة قد قصد سلب المحكمة الجنائية سلطتها في الحكم بالتعويض والصحيح أنه فقط قد اشترط "في البديل الذي قدمه للمادة 77 أ عقوبات وفي إبقائه على المادة 296 قانون الإجراءات الجنائية كما هي) اشترط أن يتم التعويض من مبلغ الغرامة كله أو أي جزء منه (ومن المتوقع أن محكمة الاستئناف لو كانت قد ألغت الحكم بتعويض الشاكين لكانت قد أعادت الإجراءات للمحكمة الكبرى لإعادة النظر في العقوبة على ضوء ذلك وفي تلك الحالة فلم يكن هناك لما يمنع المحكمة الكبرى من الحكم بمبلغ التعويض بكامله كغرامة)

نعود بعد كل ما سبق للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ولا نجد مناصاً من أن نبدأ بإجراء مقارنة بين المواد المعنية في قانون العقوبات لسنة 1983م الحالي وقانون العقوبات لسنة 1974م السابق عسى أن تعيننا في فهم نصوص القانون الحالي ومن ثم تطبيقها على الوقائع الحالية ففي القانون السابق كانت هنالك مواد منفصلة للقذف (بمعنى اشانة السمعة) وللكذب الضار بينما في القانون الحالي اقتصرت جريمة القذف على مدلولها الشرعي (بمعنى الاتهام بالزنا) كما أدمجت إشانة السمعة والكذب الضار في مادة واحدة (هي المادة 435) وقد اكتفى القانون الحالي بالنقل الحرفي للمادة 433 القديمة المعرفة لجريمة القذف – فيما عدا أنه استبعد عنها أي استثناءات أنه استبدل قصد خدش السمعة فيها بقصد الاتهام بالزنا في المادة الجديدة أما في جريمة إشانة السمعة والكذب الضار "المادة 435 في القانون الحالي" فقد اكتفى القانون الجديد أيضاً بالنقل الحرفي لنص مادة الكذب الضار في القانون القديم – بحذافيرها وشرحها واستثنائها مضيفاً إليها فقط عبارة اشانة السمعة في عنوان المادة زائداً الاستثناءات العشرة في مادة إشانة السمعة القديمة في ذيلها "لتصبح جملة الاستثناءات أحد عشر" وقد نتج عن هذا الدمج وهذا النقل الحرفي مفارقات جد مدهشة:

1- أصبحت جريمة القذف تكتمل ويحد المتهم بحدها حتى إذا ثبت أن اتهامه للشاكي بالزنا كان صحيحاً فليس في نص المادة (المنقول حرفياً) ما يشير إلى غير ذلك وهذا بالطبع حكم الشريعة في هذا الشأن "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"

2- جريمة اشانة السمعة أصبح شرطاً فيها أن يكون الخبر أو الإسناد كاذباً (راجع نص المادة: (كل من تصدر منه أو ينشر أخباراً كاذبة) فإذا ثبت أن الخبر صحيح إنهار أحد أركان الجريمة ولا حاجة للمتهم وقتها للدفع بأي من الاستثناءات وفي القانون السابق لم تكن صحة الخبر تكفى وحدها لرفع المسئولية

3- وبالتالي أصبح العبء على الاتهام لإثبات الكذب كذب الخبر أو الإسناد وذلك باعتباره أحد عناصر الجريمة – وليس على الدفاع عبء إثبات العكس (وعسير جداً إثبات النفي)

4- الاستثناء الثاني بالذات أصبح وجوده أمراً غريباً ولا معنى له فلو ثبت أن الخبر صحيح في جوهره نجا المتهم ولم يعد بحاجة لإثبات أن الصالح العام كان يقتضي النشر الخ

5- المادة 436 عقوبات (طبع أو حفر نقش موضوع مع العلم بأنه يتضمن قذفاً) أصبحت قاصرة على ما يتعلق من تلك الأفعال بجريمة القذف – بمعنى الاتهام بالزنا – دون جريمة إشانة السمعة أو الكذب الضار وذلك حسبما يبين من نصها ولا نظن أن المشرع قد قصد أو تعمد ذلك وأنه إنما جاء نتيجة لخطأ النقل الحرفي لمعظم مواد القانون الجديد مع الغفلة عن آثار التغييرات التي حدثت في القليل الباقي

مرة أخرى نعود للجوانب الموضوعية لإجراءاتنا الحالية ونقول : أن المقال المعني قد أسند للشاكين ضمن أشياء أخرى الأمور التالية :-

1- الاشتراك في تنظيم عقائدي – شيوعي وبعثي – خلال عملهم ضباطاً في القوات المسلحة

2- أنه قد ضبطت بحوزتهم كميات كبيرة من الأموال

3- الاتصال بزعيم الخوارج وحثه على عدم وقف إطلاق النار

ونسأل هل في ذلك ما يخدش السمعة ؟ لتأتي الإجابة بالإيجاب :

1- فالانتماء الحزبي أو العقائدي النشط في مؤسسة قومية نظامية منضبطة تحظر مثل ذلك الانتماء والنشاط وتفصل من يمارسه وتبعده من صفوفها ليس ما يشرف من يمارسه أو من يتهم بممارسته ويقلل من قدره في نظر الكثيرين

2- الحديث عن ضبط أموال كثيرة بحوزة الشاكين يعنى وجود ممول لهم ولتنظيمهم المذكور – سواء كان داخلياً أو خارجياً

3- الاتصال بالعدو لحثه على مواصلة القتال ورفض وقف إطلاق النار لا يشرف الجندي أو أي أحد غيره بل قد يعتبر نوعاً من الخيانة

وقبل أن ننتقل لمناقشة موقف كل منهم على حدة يجدر بنا أن نقرر قاعدتين: الأولي تقول بأنه لا يعفى من المسئولية أن الحديث المشين للسمعة ليس  أكثر من ترديد لما يقوله آخرون والثانية تقول بأن ما يسمى بأسلوب المداورة أو التلاعب بالألفاظ أو استخدام عبارات مثل "ترديد أنباء وأنباء غير مؤكدة وأفادت معلومات الخ" كلها لا تحول دون المساءلة نضيف أمراً آخر هو أن القصد الجنائي المطلوب في هذه الجريمة ليس فقط قصد إشانة السمعة وإنما يكفى العلم أو حتى وجود ما يحمل على الاعتماد باحتمال حدوثها

ثم يأتي السؤال: هل ما نسب إلى الشاكين مما سبق ذكره يعتبر كاذباً – بمعنى أنه غير صحيح في جوهره ؟ وكما أسلفنا فإن عبء إثبات ذلك يقع على الاتهام وقد أكد الشاكون في شهاداتهم على اليمين أن ما نسب إليهم في الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها غير صحيح وقد يكون ذلك أفضل ما يستطيع المرء تقديمه من بينات لإثبات النفي ومن الجانب الآخر نجد أن المتهمين لم يدفعوا ما أسند للشاكين بالذات في مسألتي ضبط الأموال وحث الخوارج على عدم وقف إطلاق النار وحتى في مسألة الانتماء الحزبي العقائدي فلم يقدموا ما يدعو للتشكل في إفادات الشاكلين أو عدم الأخذ بها لذا يمكننا القول بأن ما أسند للشاكين مما ذكرنا لم يكن صحيحاً في جوهره

ننتقل بعد هذا لمناقشة أمر كل منهم على حدةولهذا بالثاني – كاتب الخبر ومحرره وهو يقر إقراراً كاملاً بأن المقال وكل ما فيه من إسناد قد صدر منه وقد أوضحنا فيما سبق أن فيه ما يخدش سمعة الشاكين كما أن القصد الجنائي المطلوب هنا متوفر – بالعلم ووجود ما يحمل على الاعتقاد "أن لم يكن بالقصد المباشر باعتبار أن الشاكين ينتمون فيما يرى المتهم لجماعات مناوئة لجماعته"

وقد سعى هذا المتهم الاحتماء بالاستثناء الأول للمادة "والذي يقول: (لا يعد جريمة بموجب هذه المادة إصدار أو نشر خبر كاذب بحسن نية إذا كانت لدي المتهم أسباب معقولة للاعتقاد بأن الخبر في جوهره صحيح) لكننا نرى أنه قد أخفق في إثبات حسن نيته أو إثبات وجود أسباب معقولة دعته للاعتقاد في صحة ما أسنده للشاكين فالمادة 37 عقوبات تنص على أنه  "لا يقبل الدفع بحسن النية عند فعل الشيء أو الاعتقاد فيه إذا حصل الفعل أو الاعتقاد بغير ما يجب بذله من عناية وانتباه" ولم ينجح المتهم في إثبات أنه بذل ما يجب بذله من عناية وانتباه للتحقق من صحة ما ادعاه في المقال فهو من جهة يعلن أنه لم ينجح في الحصول على تأكيد لصحته من الجهات العسكرية الرسمية وهو – من جهة أخرى – يقول بأنه قد استقى المعلومات المتعلقة بضبط الأموال والاتصال بزعيم الخوارج من مصدر واحد فقط ولم يشأ أن يسميه لنتحقق من جدارته بالتصديق

وعليه نرى أن إدانة هذا المتهم تحت المادة 435 عقوبات قد جاءت صحيحة

أما المتهم الأول فهو رئيس تحرير الجريدة ويمكن القول بأنه بصفته هذه المسئول عما ينشر فيها – فهو الذي يأذن بالنشر أو بمنعه لكن مسئوليته هذه لم يشأ المشرع أن يجعلها مطلقة وإنما اشترط توفر القصد الجنائي لديه (قصد خدش السمعة أو العلم أو وجود ما يحمل على الاعتقاد باحتماله) وبديهي أن إثبات مثل ذلك القصد يتطلب أن يسبقه إثبات اطلاع المتهم على المادة وموافقته على نشرها- وهذا ما لم يفعله الاتهام فالمتهم الأول يقول بأنه لم يكن موجوداً بدار الصحيفة وقت إعداد ذلك العدد ولم يطلع على المقال – يؤيده بقوله أنه لم يعرضه عليه للموافقة على نشره والاتهام لم يقدم ما يثبت غير ذلك وبانهيار هذا العنصر من عناصر الجريمة "القصد الجنائي" تصبح إدانة المتهم المعنى غير صحيحة

أما المتهم الثالث فهو مدير معامل التصوير الملون "ولعله صاحبها" وقد جاءت إدانته باعتبارها الجهة التي تولت طبع عدد الجريدة الذي حوى المادة المشينة لسمعة الشاكين

وقد حاول ممثل دفاعه القول بأنه ليس طابعاً بالمعني المفهوم إذ أنه لا يقوم بطباعة الجريدة وإنما يصورها تصويراً فوتوغرافياً لكن محكمة الاستئناف قد أحسنت الرد على هذا الزعم مستندة على تعريف قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1973م لعبارات "مطبوعات- طابع- مطبعة" فهي – المادة 3- قد عرفت عبارة "مطبوعات" بأنها يقصد بها فيما عدا الصحف كل الكتابات أو الرسوم أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية أو غير ذلك من وسائل التعريف التي نقلت بالطرق الكيمائية أو الميكانيكية أو غيرها فأصبحت بذلك قابلة للتداول وعرفت كلمة "طابع " بأنها يقصد بها مالك المطبعة أو من يستغلها فعلاً بطريق الإيجار أو بأي طريق آخر وتشمل كل من يسمح بظهور اسمه بتلك الصفة في أي مطبوع كما عرفت "المطبعة" بأنها يقصد بها الماكينات والآلات المستعملة لأغراض الطباعة وتشمل جميع الوسائل الأخرى التي تستعمل لنفس الغرض وبتطبيق تلك التعريفات يمكننا القول بأن المتهم الثالث هو طابع ذلك العدد من الجريدةلكننا نضيف أن طابع الجريدة ليس هو بالضرورة ناشرها – لا بالمعنى اللغوي للكلمات ولا بالمدلول  الصحفي لها فمن حيث اللغة فإن الناشر شئ ما هو الذي ينشره على الناس بينما طابع الجريدة يطبعها – أو يصورها – ثم يعيدها دون أي نشر لأصحابها وفي المفهوم الصحفي فإن ناشر الجريدة هو صاحبها (صاحب الامتياز) أو ربما رئيس التحرير الذي يأذن بالنشر أو يملك أن يمنعه وقد فطن المشرعون – في مختلف قوانين العقوبات التي تعاقبت علينا – لذلك فشرعت مادة خاصة لمساءلة الطابع وأشباهه وهي المادة 236 "في القانون الحالي والسابق" إلا أن مشرع القانون الحالي قد قصرها على طباعة المادي التي تتضمن قذفاً- بمعنى الاتهام بالزنا – وسواء كان ذلك هو قصد المشرع بالفعل أو لم يكن فإن هذا هو الحال والواقع – لحسن حظ المتهم المعنى والذي نرى الامتناع عن تزيد إدانته لهذا السبب

ننتقل بعد كل هذا لجانب العقوبات "دون التعرض لعقوبة الغرامة التي نراها معقولة ومناسبة" ونبدأ بعقوبة الجلد التي رأت محكمة الاستئناف وجوب توقيعها على المتهمين على أساس أن المادة تنص على عقوبة "الجلد والغرامة أو السجن"

لقد ورد في ملحق المنشور الجنائي رقم 87 لعام 1983م الصادر – أي الملحق- من رئيس القضاء بتاريخ 1/2/1984م ما يلي :

"عندما ينص قانون العقوبات على عدة عقوبات مجتمعة كعقوبة لجريمة واحدة مثل نصه على عقوبة الجلد والغرامة والسجن معاً فإن المشرع لم يقصد أن يقوم القاضي بتوقيع كل هذه العقوبات مجتمعة بل كما هو معروف في العقوبة أن العقاب على قدر الجرم فعلى القاضي أن يختار العقوبة التي يراها مناسبة آخذاً في الاعتبار طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها والعوامل التي أدت إلى ارتكابها وسن الجاني والعقوبة التي تكون أكثر ردعاً للمتهم لتحقيق ما هدف إليه المشرع من العقوبة"

وهذا المنشور واضح كل الوضوح في الإفادة بعدم إلزامية الجمع بين العقوبات المختلفة حتى وإن بدأ من استخدام حروف العطف شئ غير ذلك ونتفق مع المحكمة الكبرى في أن توقيع عقوبة الجلد "بالنسبة للمتهمين الثلاثة" لم يكن بالأمر المناسب

ونختم بموضوع التعويض المحكوم به والذي نراه مبالغاً فيه لدرجة الشطط والمبالغة وذلك لما يلى من أسباب وعوامل:

1- التعويض المحكوم به عبارة عن تعويض عام عن ضرر أدبي هو الذي لحق بسمعة الشاكين من إشانة السمعة  فهم لم يطالبوا بالتعويض عن مصروفات التقاضي ولم يثبتوا أن خسارة مادية قد لحقت بأيهم أو أن كسباً ما قد فاته بسبب ما حدث

2- التعويض ليس هو الوسيلة الوحيدة لجبر الضرر المتعلق بالسمعة ولعله ليس أفضلها فهناك وسائل أخرى مثل نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه أو الاعتذار للمحكوم له علناً وقد تشكل الإدانة في حد ذاتها تعويضاً كافياً

3- ليس المقصود من التعويض أن يثرى من جرائمه المحكوم له ومبالغ التعويض الضخمة المحكوم بها للشاكين – سواء في محكمة الموضوع أو محكمة الاستئناف – تعتبر ثروة كبيرة إذا ما نظرنا حولنا لظروف غالبية الخلق في عالمنا بظروفه الاقتصادية المعروفة وكل المطلوب هو (على حد تعبير أحد فقهاء القانون الإنجليز) شئ من رنين الذهب ليداوى جراح النفوس

4- إذا كانت الدية الكاملة – وهي التعويض عن فقدان الحياة ذاتها – لا تزيد في حدها الأقصى عن ثلاثين ألف جنيه فهل يعقل أن يكون التعويض عن الضرر الأدبي الذي يلحق بالسمعة أضعاف أضعافها؟

5- صحيح أن التعويض يعتبر – بنص المادة 64 (1) (ط) قانون العقوبات – عقوبة توقع على الجاني لكنه يظل – كما يدل اسمه – تعويضاً الغرض منه جبر ضرر المضرور وليس توقيع عقوبة إضافية على الجاني

6- الجريدة التي نشرت المقال جريدة حزبية وناشئة في عددها الثاني مما يعنى بداهة محدودية انتشارها وبالتالي محدودية آثار نشر المقال الضارة

7- كثير مما ورد في المقال المعني تناولته العديد من وسائل الإعلام الأخرى من صحف ووكالات أنباء أوسع انتشاراً وقبل جريدة الراية بعدة أيام لكن الشاكين اختاروا تلك الجريدة دون غيرها لتلقى غضبهم وجبر ضرهم الذي لم تحدثه كله وحدها

وآخذاً في الاعتبار لكل العوامل فإننا نرى تعويضاً مقداره عشرة آلاف جنيه لكل واحد من الشاكين يكفىجدير بالذكر أن الحكم بالتعويض كان من الممكن أن يشمل جريدة الراية والجهة التي تصدرها "مثلما يحدث في قضايا حركة المرور" لكن ذلك كان يستلزم – وفق المادة 77 أ عقوبات – إعلان تلك الجهات للحضور ومباشرة الإجراءات وهو ما لم يحدث كما أن محكمة الموضوع لم تنظر في هذا الأمر ولم تتطرق إليه ولم يطالب به الشاكون وبغياب كل ذلك فلا معنى للأمر بحجز ممتلكات الجريدة لحين استيفاء مبلغ التعويضأما الأمر الذي أصدرته محكمة الاستئناف بتحصيل مبلغ التعويض وفق نص المادة 249 قانون الإجراءات الجنائية فسليم وتوجيه نفس المادة

القاضي: إدريس القرشي

التاريخ : 29/8/1989م

أوافق على مذكرة مولانا حكيم وأرى بأن التعويض الذي صدر كان مبالغاً فيه ولم يشرع ذلك للإثراء بقدر ما هو جبر لضرر لحق بالمعوض لذا جاء صحيحاً قرار تخفيفه علماً بأن الموضوع الذي اشتكى فيه الشاكين تناقلته وكالات الأنباء العالمية بصورة أوسع من جريدة الراية المحدودة الانتشار

القاضي: مقبول الحاج محمد

التاريخ: 29/8/1989م

أوافق الأخ حكيم إدانة المتهم الأول لم تكن صحيحة وأؤيد تبرئته فقد دفع بتغيبه عن العمل ذلك اليوم وأن المقال لم يعرض عليه ولم يطلع عليه وقد أقر المتهم الثاني بذلك لهذا أوافق على تبرئته

كذلك أؤيد إلغاء إدانة المتهم الثالث وكما ذكر الأخ حكيم بأن المشرع قد حصر مسئولية الطابع فيما يختص بالقذف بالزنا فقط "المادة 436 ع" ولا يشمل ذلك الجريمة موضوع هذا البلاغ لهذا أؤيد إلغاء إدانته

المدان الثالث أقر بأنه كتب المقال موضوع المساءلة وأؤيد إدانته كما توصل السيد الحكيم

فيما يختص بالعقوبة والتعويض اتفق وما توصل إليه زميلاي المحترمان

▸ حكومة السودان ضد مريم محمد سليمان فوق حكومة السودان ضد هاشم سر الختم الأمين ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©