حكومة السودان ضد هاشم سر الختم الأمين
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ أحمد جعفر حامد قاضى المحكمة العليا رئيساً
السيد/ على يوسف الولي قاضى المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضى المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد هاشم سر الختم الأمين
م ع/ ف ج/ 137/1987م
المبادئ:
قانون جنائي : تحرير الشيك على صورة غير مقبولة – وجوب توافر القصد – المادة 362 (ب) (هـ) عقوبات سنة 1983م
قانون جنائي : الحكم بالتعويض – وجود نزاع مدني – التمسك بالوفاء بالشيك – جواز عدم الحكم بالتعويض – المادة 77 (1) عقوبات لسنة 1983م
1-يشترط لإدانة الساحب تحت 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م أن يكون قاصداً تحرير الشيك للمستفيد بصورة لا يقبلها البنك المسحوب عليه ونستدل على هذا القصد من أفعال وأقوال وسلوك وتصرفات المتهم وقرائن الأحوال
2- للمحكمة أن لا تأمر بتعويض الشاكي أعمالاً لأحكام المادة 77 (1) عقوبات متى كانت قيمة الشيك تتعلق بنزاع مدنى يتطلب الفصل فيه تطبيق القانون الخاص بالنزاع وقواعد الإثبات المدنية بل يكتفى بتوقيع العقوبة التي نص عليها القانون
رأي مخالف :
إن المبلغ محل البلاغ مودع بأمر قضائي كقيمة كفالة تحت المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية ولذلك لم يكن هناك ما يبرر أمر محكمة الموضوع بأعمال نص المادة 77 (1) من قانون العقوبات ضد المتهم إذا كان يمكن إصدار أمراً بأن يسلم الشاكي مبلغ الكفالة الذي يعادل قيمة الشيك لأنه لمثل هذا الغرض شرعت المادة 271 (2) من قانون الإجراءات المدنية وليس لأي غرض آخر
المحامون :
الأستاذ كمال الجزولي
الحكــــم
القاضي : علي يوسف الولى
التاريخ : 20/10/1988م
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة عن طريق الفحص المحامي كمال الجزولي نيابة عن المتهم هاشم سر الختم الأمين طاعناً في حكم مجلس قضاة الخرطوم شمال المؤيد بحكم محكمة استئناف الخرطوم والقاضي بإدانة المتهم المذكور بجريمة ارتداد الشيك لعدم تطابق التوقيع تحت المادة 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م
نوجز الوقائع في أن المتهم هاشم سر الختم الأمين قد أشترى من الشاكي موسى دهب عبد الكريم عربة بمبلغ 22 ألف جنيه دفع منها في الحال مبلغ 16 ألف جنيه وحرر شيكاً على بنك النيلين أم درمان بباقي المبلغ وهو 13 ألف جنيه يستحق الصرف في يوم 26/6/1985م ويعد تقديم الشيك للبنك ارتد لعدم تطابق التوقيع على الشيك مع التوقيع المعتمد لدى البنك وقضى مجلس القضاة بالإدانة بالجريمة تحت المادة 362 (ب) و (هـ) وبغرامة المدان المذكور خمسة ألف جنيه وبعدم الدفع السجن لمدة سنة تبدأ من 15/2/1406هـ على أن يدفع المدان للشاكي 13 ألف جنيه عبارة عن تعويض قيمة الشيك إعمالاً بنص المادة 77 من قانون العقوبات لسنة 1983م
أما محكمة الاستئناف فقد أيدت الإدانة وأيدت الغرامة الموقعة كما أيدت التعويض مع تعديل الأمر به ليكون دفع المبلغ المورد كفالة للشاكي تعويضاً للشاكي تحت المادة 77 (1) عقوبات على أن تعاد الأوراق لمحكمة الجنايات لتوقيع العقوبتين المبينتين تحت المادة 362 (ب) وهي الجلد والسجن
يرى المحامي الجزولي أن الإدانة جاءت ضد الوزن السليم للبينات ورجح بينات الدفاع ورفض بينات الاتهام وخلص إلى أن واقعة سداد المدان للمبلغ قيمة الشيك للشاكي بعد فتح البلاغ ثابتة من خلال أدلة الدفاع وذلك بعد أن اقنع الشاكي المدان بأنه سوف يشطب البلاغ ولذلك يرى المحامى الجزولي أنه ليس من العدالة أن يلزم المدان بأن يدفع قيمة الشيك مرتين ويرى المحامي الجزولي أن أقوال الشاكي متناقضة مع بعضها البعض ومع أقوال شهود الاتهام أيضاً ولذلك يرى المحامى الجزولي أن الاتهام فشل فشلاً ذريعاً في إثبات واقعة أن المدان المذكور كان قاصداً تحرير الشيك بصورة لا يقبلها البنك وبما أن القصد الجنائي ركن أساسي لجريمة تحرير الشيك بصورة لا يقبلها المسحوب عليه فإن موكله المدان لم يخالف المادة 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م لأن تحرير الشيك بتوقيع غير مطابق للتوقيع المعتمد في البنك وحده لا يكفى للإدانة بل يجب إثبات القصد الجنائي وقال :
" فإن ظلماً وحيفاً قد وقع على موكلي بإرغامه على سداد المبلغ مرتين استناداً إلى استنتاج غير صحيح بأنه قصد إلى تغيير توقيعها مع أن عدم مطابقة التوقيع لابد أن تقترن بقصد جنائي دون أي ظل من الشك المعقول قبل إصدار أي قرار بالإدانة بموجبه تحت المادة 262 (ب) فقرة (هـ) وفي الحالة التي أمامنا تجدون أن الاتهام فشل فشلاً ذريعاً في إثبات أي قصد جنائي وكل ما أورده من بينات ظرفية يزعم أن يستقيها من سلوك المتهم لا تعدو كونها مما يقع عادة في الحياة اليومية"
وقال المحامى الجزولي في مذكرته لدى محكمة الاستئناف :
"المستوى الذي كان مطلوباً من الاتهام في هذا البلاغ لإثبات الفعل المدعى بوقوعه لم يكن يقتصر على مجرد إثبات أن المتهم قد أعطى الشاكي شيكاً ولكنه رجع لعدم مطابقة التوقيع وإنما كان المطلوب – أيضاً – وبشكل أساسي إثبات أن المتهم قصد إلى عدم مطابقة التوقيع حتى لا يتم صرف الشيك" يشير إلى أكثر من أن البنك قد أرجع الشيك لعدم تطابق التوقيع وهذا في حد ذاته لا يشكل شيئاً لأن المطلوب هو إثبات توفر عنصر القصد الجنائي في تصرف المتهم وكثيراً يحدث في الحياة اليومية أن يجد البنك أن توقيع أحد عملائه على واحد من شيكاته غير مطابق لتوقيعه المعتمد لديهم لسبب أو لآخر دون أن يعنى ذلك بالضرورة أن العميل المذكور قصد ذلك"
الأسباب :
باستقراء البينات الواردة من الاتهام والدفاع أجدني أرى – كما رأت محكمتا الاستئناف والموضوع ومع الاحترام الجم للمحامى العالم كمال الجزولي أن إدانة المتهم هاشم سر الختم الأمين بجريمة ارتداد الشيك لعدم تطابق التوقيع تحت المادة 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م جاءت وفقاًَ للوزن السليم للبينات وطبقاً لصحيح القانون
تنص المادة 362 (ب) من قانون العقوبات لسنة 1983م كالآتي : "كل من أعطى شخصاً شيكاً وفاء لالتزام أو مقابل ورفضه المسحوب عليه:
أ/ لعدم وجود حساب لدى المسحوب عليه وقت تقديم الشيك للصرف أو
ب/ لعدم وجود رصيد كاف له لدى المسحوب عليه مع علمه بذلك أو
ج/ لوقفه صرف الشيك بأمر منه دون سبب معقول أو
د/ لأن رصيده غير قابل للسحب مع علمه بذلك أو
هـ/ لقصده تحرير الشيك بصورة لا يقبلها المسحوب عليه
" يعاقب "
لا خلاف بين الاتهام والدفاع في أن المتهم هاشم سر الختم الأمين حرر شيكاً للشاكي موسى دهب عبد الكريم بمبلغ 13 ألف جنيه يستحق الصرف في 26/6/1985م ولا خلاف أيضاً في أن الشيك بعد تقديمه للبنك المختص أرتد راجعاً دون صرف لعدم تطابق توقيع المتهم على الشيك مع توقيعه المعتمد لدى البنك ولا خلاف أن المتهم أعطى الشاكي الشيك بمقابل باقي قيمة عربة اشتراها المتهم من الشاكي
إن عناصر جريمة ارتداد الشيك لعدم تطابق التوقيع تحت المادة 362 (ب) من قانون العقوبات لسنة 1983م هي :
1- إعطاء الساحب شيكاً للمستفيد وفاء لالتزام أو بمقابل
2- رفض المسحوب عليه صرف الشيك بسبب أن الساحب حرره بصورة لا يقبلها المسحوب عليه
3- قصد الساحب تحرير الشيك بالصورة التي لا يقبلها المسحوب عليه
نجد أن في هذه القضية التي بين أيدينا الركنين الأول و الثاني ثابتين بلا خلاف كما أسلفنا إلا أن الركن الأخير الثالث يحتاج إلى نقاش وهو ماذا كان قصد المتهم لتحرير الشيك بصورة لا يقبلها البنك قد توافر؟؟
اتفق مع المحامى كمال الجزولي في أنه يشترط أن يكون الساحب قاصداً تحرير الشيك للمستفيد بصورة لا يقبلها المسحوب عليه وذلك قبل الإدانة بالجريمة تحت المادة 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م فالسؤال المطروح ما إذا كان المتهم قد قصد عدم تطابق توقيعه على الشيك مع توقيعه لدى البنك؟ وأراني متفقاً مع المحامى الجزولي في أنه يحدث يومياً أن تجد البنوك بعض عملائها يوقعون على شيكاتهم توقيعات غير مطابقة لتوقيعاتهم المعتمدة لدى البنوك لسبب أو آخر دون أن يكون لدى العملاء القصد الجنائي في ذلك
ومعلوم أن القصد الجنائي شئ معنوي لا يمكن إثباته بالأدلة المادية ولكن – كما استقرت السوابق القضائية – يستشف ويستسقى من أفعال وأقوال وسلوك وتصرفات المتهم ويستخلص من خلال الظروف وقرائن الأحوال والملابسات المحيطة بالوقائع ولعل المحامي كمال الجزولي يتفق معنا في هذه النظرة حين قال :
" المطلوب هو إثبات توفر عنصر القصد الجنائي في تصرف المتهم "
وإذا رجعنا إلى أفعال وأقوال وسلوك وتصرفات الساحب المتهم هاشم سر الختم الأمين وإذا رجعنا إلى الظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي أحاطت بالوقائع لاستطعنا أن نستدل ونهتدي بكل سهولة ويسر إلى قصده لعدم تطابق توقيعه على الشيك مع توقيعه المعتمد في البنك حتى لا يتم صرف الشيك لمصلحة المستفيد الشاكي موسى دهب عبد الكريم من المسحوب عليه بنك النيلين فإني أجد من خلال تسويف المتهم ومماطلته في تغيير وتعديل توقيعه على الشيك أو تغيير الشيك نفسه بشيك آخر بمجرد أن أحضره له شاهد الاتهام عبد الرحمن بشير من البنك مرتداً لعدم تطابق توقيعه عليه مع توقيعه المعتمد لدى البنك – أجد من خلال ذلك واستشف قصده لتحرير ذلك الشيك بتلك الصورة التي لم يقبله البنك كان يجدر بالمتهم أن يقوم على الفور بتلافي الخطأ وتداركه في الشيك بدلاً من أن يعرض عليه سداد المبلغ إذا كان وثاقاً أن لديه رصيداً يغطي قيمة الشيك لدى البنك فشاهد الاتهام عبد الرحمن بشير على ص9 من محضر المحاكمة يقول الآتي :
"الشاكي سلمنى الشيك وطلب منى أن أصرفه لأنه عندى معه 5 ألف جنيه وأشيل مبلغي وأرجع ليه الباقي – ده كان يوم الخميس مساء ويوم السبت أنا مشيت البنك الساعة 8 ونصف وقدمت الشيك والبنك رجع لعدم مطابقة الإمضاء – بمجرد ما طلعت من البنك مشيت للمتهم في دكانه وأخطرته بأن الشيك رجع لأن الإمضاء ما مطابق – قال لي ناس البنك مستهبلين وأنا لو مشيت طوالي يصرفوه لى بدون ما أعمل فيه حاجة وطلبت منه أنه يذهب معي إلى البنك لصرف الشيك ووافق وقال انتظرني في مكانك ده وأنا عندي مشوار بسيط وأرجع ليك وانتظرته حتى الساعة الواحدة والنصف من الساعة التاسعة وأنا قمت مشيت للشاكي وأخبرته ورجعت للشاكي الشيك وقال لي تعال بكرة تأخذ حسابك وفعلاً مشيت له بكرة في مكتبه وسلمني حسابي ويوم الأربع التي تلت السبت ذهبت للمتهم في البيت وسألته عن موسى الشاكي وقال ما جاني ووصاني قال كلم الشاكي يجيني هنا ويجيب الشيك أنا عايز أديه قروشه ورجعت لموسى الشاكي عشان أكلمه ولم أجده"
وإذا افترضنا مجرد افتراض بصحة دفاع المتهم بسداد مبلغ الشيك فإننا نحس بوجود قصده الجنائي من خلال فشله في الحصول على إقرار أو مستند مكتوب من الشاكي بالسداد ومن خلال عدم استلام المتهم للشيك بعد السداد من الشاكي مهما كانت الأسباب التي حالت دون ذلك لأن هذا الإجراء بديهي يعرفه كل المتعاملين في التجارة كالمتهم نفسه ولا يحتاج ذلك إلى ذكاء وفطنة لا يمكن التنازل عنه بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف
عليه لتوافر جميع الأركان الأساسية التي تنص عليها الجريمة تحت المادة 362 (ب) (هـ) من قانون العقوبات لسنة 1983م فإني أرى تأييد الإدانة
إزاء عقوبة الغرامة وقدرها خمسة ألف جنيه أؤيدها لأنه معقولة ومناسبة وإزاء أمر محكمة الاستئناف بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة إضافية على المدان المذكور أؤيده أيضاً إلا أنى أرى أن توقع عقوبة السجن دون الجلد لأن توقيع عقوبة الغرامة فقط في حالة هذه الجريمة الخطيرة من جرائم العبث بالشيكات تحت المادة 362 (ب) من قانون العقوبات لسنة 1983م دون توقيع عقوبة السجن الإلزامية يفوت الغرض الاجتماعي من حماية التعامل التجاري من العبث والاستهتار مضافاً لنشاط تجاري سليم وحماية الأموال ضد أساليب الاحتيال ويبدو قصد المشرع الأساسي في أن تكون جرائم العبث بالشيكات تحت المادة 362 (ب) عقوبات من الجرائم ذات المسئولية الصارمة المستحقة للرد والزجر
إزاء الأمر بإلزام المدان بأن يدفع للشاكي مبلغ 13 ألف جنيه عبارة عن تعويض قيمة الشيك إعمالاً لنص المادة 77 من قانون العقوبات لسنة 1983م أرى إلغاءه لأنه يجافي ما جرى عليه العمل قضاء وأرى توجيه الشاكي إقامة دعوة مدنية لدى المحكمة المدنية لاسترداد قيمة الشيك ذلك أن قيمة الشيك تتعلق بنزاع مدني وتخضع لقواعد الإثبات المدنية ولأنه غير واضح أن الشاكي سيكون مستحقاً لقيمة الشيك إذا ما رفع دعوى مدنية
ففي قضية حكومة السودان ضد عبد الحميد عبد القادر الكردي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1976م ص 652 قضت المحكمة بأن المحكمة تأمر بالتعويض طبقاً للمادة 77 (أ) عقوبات عند الإدانة بموجب المادة 362 (ب) عقوبات إذا كان واضحاً أن الشاكي سيكون مستحقاً لقيمة الشيك إذا ما رفع دعوى مدنية وإنها لا تأمر بتعويض الشاكي طبقاً للمادة 77 (أ) عقوبات إذا كانت قيمة الشيك تتعلق بنزاع مدني يتطلب الفصل فيه تطبيق القانون الخاص بالنزاع وقواعد الإثبات المدنية بل تكتفي المحكمة بتوقيع العقوبة التي نص عليها المشرع وقالت المحكمة العليا في تلك السابقة على ص 654 ما يلي :
" قصد المشرع من إضافة المادة 362 (ب) للمادة الأصلية هو أن تكون هنالك ثقة في الشيك وضماناً لصرفه في المعاملات التجارية وقد نال المتهم جزاءه على رجوع الشيك وأدين ووقعت عليه غرامة أما فيما يتعلق بالتعويض فإن المادة 77 (أ) من قانون العقوبات تجيز للمحكمة بعد إدانة المتهم أن تأمر بأن يدفع لكل من أصابه ضرر من الجريمة متى رأت هذا التعويض يدخل في حدود ما يمكن الرجوع به على المتهم في دعوى مدنية والسابقة التي أشار إليها محامى الشاكي تقضي بأنه من الضروري تطبيق المادة 77 (ب) في قضايا الشيكات خاصة عندما يكون واضحاً أن الشاكي مستحقاً لقيمة الشيك إذا ما رفع بها قضية مدنية "المجلة القضائية لسنة 1970م ص48" الشاكي مستحقاً لقيمة الشيك أي حينما يتضح للمحكمة الجنائية على وجه اليقين أن الشاكي يستحق قيمة الشيك بدون حاجة للجوء للمحكمة المدنية كان يكون الشيك مثلاً قد حرر لسداد دين يقر به المتهم أما إذا كانت هنالك معاملة تجارية بين المتهم والشاكي ونشأ نزاع يتعلق بها مما يستوجب عرضه على محكمة مدنية ليطبق القانون الخاص بالنزاع وقواعد الإثبات المدنية التي تختلف عن قواعد الإثبات الجنائية ففي هذه الحالة لا تأمر المحكمة الجنائية بتعويض الشاكي بل تكتفي لتحقيق الهدف الأساسي من التشريع وهو توقيع العقوبة على محرر الشيك الذي رجع بدون رصيد يدون الخوض في النزاع المدني
وفي قضية حكومة السودان ضد عبد الله محمد الأمين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1981م ص 61 حيث دفع المتهم بأنه سدد قيمة الشيك للشاكي بمصر وقدم عدداً من الشهود لإثبات واقعة السداد قررت محكمة الموضوع أن بينة الشهود متضاربة ولا تثبت واقعة السداد وقال قاضى المحكمة العليا أحمد التجاني عبد الهادي على ص 68 ما يلي :
"قد تكون لبينة شهود الدفاع قيمتها الحقيقية أمام المحكمة الجنائية لأن هذا الدفع بالسداد هو موضوع مدني – تكون المحاكم المدنية عادة في وضع أفضل لمناقشته وتقييمه وهي التي تقرر ثقله الحقيقي
أما بالنسبة للعقوبة فقد درجنا على الحكم على المتهم في مثل هذه القضايا بأن يرد قيمة الشيكات للشاكي إذا لم يكن هنالك نزاع حقيقي من قبل المتهم وإذا كان في إمكان الشاكي استرداد المبلغ بسهولة ويسر أمام المحاكم المدنية
والقانون لا يلزم في هذه الحالات للشاكي بقيمة الشيك ولكن حرصت المحكمة على تسهيل مهمة الشاكي في هذه المرحلة متى كان ذلك ممكناً وميسوراً وبالنسبة لهذه القضية قدم المتهم دفعاً له وزنه في المحاكم المدنية وهي واقعة السداد أمام عدد من الشهود وبما أن هذا الدفع ربما يكون له أثره في المحكمة المدنية فأنني أرى ما يبرر الحكم للشاكي بالمبلغ
ففي القضية التي بين أيدينا قدم الشاكي شهود الاتهام بعدم سداد المتهم لقيمة الشيك في حين أن المتهم قدم شهود الدفاع لإثبات واقعة السداد فواضح أن هنالك نزاع حقيقي من قبل المتهم ومن ثم فإننا في وضع أن تقرر بأنه في إمكان الشاكي استرداد المبلغ قيمة الشيك بوضوح وسهولة ويسر أمام المحكمة المدنية فالدفع بالسداد هو موضوع مدني بحت تكون المحكمة المدنية أجدر بتقييمه وتقرير ثقله الحقيقي ومن ثم فإنه – وفقاً لما جرى عليه العمل قضاء – لا يمكن الحكم جنائياً للشاكي بقيمة الشيك إعمالاً لنص المادة 77 (أ) (!) من قانون العقوبات لسنة 1983م وعليه أري أنه كان يجدر بمحكمة الموضوع الاكتفاء بتوقيع العقوبة التي نص عليها المشرع في المادة 362 (ب) (هـ) فقط وتوجيه الشاكي بإقامة دعوى مدنية لدى المحكمة المدنية لاسترداد قيمة الشيك وكان يختلف موقف هذه القضية وكان لا تثريب في تطبيق نص المادة 77 (أ) عقوبات بالحكم للشاكي بقيمة الشيك لو لم يدفع المتهم بواقعة سداد قيمة الشيك لأنه في تلك الحالة سيكون واضحاً أن الشاكي سوف يكون مستحقاً لقيمة الشيك إذا ما رفع دعوى مدنية لدى المحكمة المدنية
القاضي : صالح الشريف:
التاريخ: 29/10/1988م
أوافق فلو سعى المتهم جاداً لإصلاح الخطأ في التوقيع بالذهاب إلى للبنك أو إصدار شيك جديد لا تنفى القول بوجود سوء القصد
رأي مخالف :
القاضي: أحمد جعفر حامد :
التاريخ: 29/8/1989م
أتحفظ كثيراً بالنسبة لما جاء في رأي زميلي العالم على الولي عن ترك موضوع قيمة الشيك لدعوى مدنية لأنه في اعتقادي يهزم الغرض الأساسي الذي من أجله اعتبر تاريخ تحرير شيك بدون رصيد أو تحريره بشك يجعله غير مقبول لدى المسحوب لديه إلى آخر النص الجنائي جريمة جنائية هي الاحتيال إن الغرض الأساسي من هذا التشريع هو إعادة الثقة والقوة المالية لإبراء الذمة للشيك الذي هو مال في كل العالم وليس مجرد وريقة الهدف منها التلاعب وأكل حقوق الناس بالباطل
عن الإدانة رغم دفوع الأستاذ محامى الدفاع القيمة إلا أنني أجد أن تفنيد محكمة الموضوع لواقعة إدعاء المتهم وشاهدي دفاعه بأن سدد قيمة الشيك كان تفنيداً سليماً ومؤسساً خاصة إذا رجعنا إلى أقوال هذين الشاهدين في يومية التحري وقارناها مع التناقض الذي التزماه أمام المحكمة وفي اعتقادي أنه حتى لو ثبت أن المبلغ موضوع الشيك قد سدد فإن هذا يكون قد تم بعد فترة ليست بالقصيرة من تاريخ إبلاغ مندوب الشاكي للمتهم هذا الخطأ دون مبرر جاد وهذا التأخير في علاج الأمر من جانبه سواء بإصلاح التوقيع المرفوض إن كان بالفعل لديه الرصيد والنية للوفاء بالمبلغ أو بدفع المبلغ نقداً يعد قرينة قوية على أنه تعمد ألا يقبل البنك الشيك وبالتالي ألا يصرف قيمة الشيك فإذا أضفنا لهذا كله الوسائل الصبيانية التي غلفها بذكاء (بليد) أن صح التعبير (وهو في مفهومي نوع من الذكاء القاصر الذي يخصصه صاحبه في الحيل والأعذار التي يعتقد أنها تنطلي على الناس لأنهم كلهم أغبياء إلا هو) إذا أضفنا لهذه الوسائل الصبيانية التي سلكها في التهرب من الوفاء بالتزامه المالي والتهرب من القبض عليه وادعاؤه أنه يذهب للبنك مع مندوب الشاكي ثم اختفاؤه حتى آخر النهار تاركاً الرجل حائراً في مكتبه وادعاؤه عدم معرفة ما يدور حينما يقابل الشاكي في مخفر الشرطة رغم أنه علم بأنه قد جاء يبحث عنه في منزله ومعه أمر قبض وادعاؤه بأنه ذهب لمنزل الشاكي ومعه المبلغ ولما لم يجده عرض المال على المدعو توفيق دون أن يسلمه له ثم عاد لمنزله ثم ظهر شخص آخر قدمه المتهم كشاهد دفاع في موضوع آخر فإذا به يزعم أنه كان مع المتهم حينما عرض المال على توفيق في منزل الشاكي وإدعاء المتهم السفر فجأة إلى شندي بسبب (قضية) مدعياً أنه دفع المبلغ للشاكي قبل أن يسافر وأن الشاكي كان لوحده حينما دفع له أمام شاهدي دفاع المبلغ وقد اتضح من أقوال شهود الاتهام أن الشاكي كان دائماً يصطحب أحدهم – شريكه في المحل في كل مشاويره في مطاردته المتهم ثم إدعاء المتهم مع شاهديه أن الثقة في الشاكي غرتهم والمتهم يسلم الشاكي المبلغ موضوع البلاغ نقداً "13 ألف جنيه" دون إيصال أو توثيق من محام رغم إعلان المتهم لمحكمة الموضوع بأنه رجل يحرص دائماً على أن يتم كل شئ بالطرق القانونية ولهذا السبب – كما قال – قد أصر على أن يدفع جزءاً من قيمة السيارة مع الشيك الذي يغطى البقية أمام أحد المحامين لكي يوثق المحامي بيع العربة واستلام قيمتها بالطريقة القانونية فأين هذا الحرص الآن ولامتهم يؤكد أنه لا معرفة سابقة تربطه بالشاكي ولا يعقل أن يدفع المتهم هذا المبلغ الذي صدر بسببه أمر القبض عليه للشاكي الذي يعتبر خصمه دون أن يتسلم منه إيصالاً أو على الأقل دون أن يصر على أن يتم ذلك الدفع في مخفر الشرطة أمام المتحرى مثلاً أو حتى أمام المحامي الذي قال المتهم أنه هرع إليه عندما عاد من شندي وعرف أن الشاكي جاء بأمر تفتيش يبحث عنه في منزله
إن المبلغ موضوع البلاغ مودع بأمر قضائي كقيمة كفالة تحت المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية ولذلك لم يكن هناك ما يبرر أمر محكمة الموضوع بإعمال نص المادة 77 (أ) من قانون العقوبات ضد المتهم إذا كان يمكنها إصدار أمرها بأن يتسلم الشاكي المبلغ المودع ككفالة والذي يعادل قيمة الشيك موضوع البلاغ لأنه لهذا الغرض شرعت المادة 271 (2) إجراءات وليس لغرض آخر ولقد رأي الزميل العالم على الولي بأن يرفع الشاكي دعوى مدنية ضد المتهم أن شاء للحصول على قيمة الشيك لأنه في رأيه أن هناك نزاعاً جاداً طالما أن المتهم يدعى سداد المبلغ ولم يصدر مولانا العالم أمراً فيما يختص بالمبلغ المودع ككفالة وهذا يعنى أنه تلقائياً سيسلم للمتهم لأن الموضوع أصبح خاضعاً لقرار في دعوى مدنية وفي هذا مع الاحترام للزميل – تعذيب أكثر للشاكي ومزيد من التعطيل في استلام ماله ومزيد من المماطلة من المتهم الذي قررت محكمة الموضوع بعد سماع بيناته أنه مع شاهديه لم يقولوا الحقيقة وادعوا باطلاً وبالتالي لم يقم بسداد قيمة الشيك ولا يحتاج هذا الأمر في تقديري – إلى إقراره مرة أخرى أمام محكمة مدنية تستمع لنفس البينات
وفي اعتقادي أيضاً أن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف بأن سداد قيمة الشيك لا يعنى تلقائياً وضع عبء الجريمة المنصوص عليها تحت المادة 362 (ب) عقوبات عن ظهر المتهم خاصة بعد أن يكون البلاغ قد فتح أثر شكوى من متسلم الشيك هو رأي سليم وأرى من المناسب أن أضيف إليه بأنه يعتد بهذا السداد إذا اقتنع الشاكي بالتنازل بموجب صلح تحت المادة 270 إجراءات كما أنه قد يضع في الاعتبار عند تقدير العقوبة التي قد يساعد في تخفيفها غير أنه لا يمكن القول إنه يلغى احتمال الإدانة كلية إذا تم وإذا أصر الشاكي على بلاغه لأن عناصر الجريمة تكون قد اكتملت بمجرد تحرير الشيك متى توفرت إحدى الأسباب المبينة بالمادة 362 (ب) من قانون العقوبات
يعترض الأستاذ محامى الدفاع على التوجيه الصادر من محكمة الاستئناف لمحكمة الموضوع بإضافة عقوبة السجن والجلد الإلزاميتين بنص المادة وعدم الاكتفاء بتوقيع عقوبة الغرامة كما فعلت ويعتمد في هذا الاعتراض على أن السوابق القضائية والتقليد القضائي المتبع قد أكدا على الدوام بأنه لا يجوز أن يضار المستأنف أبداً بسبب استئنافه وقد ضرب لذلك أمثله جاءت صحيحة كلها واتفق معه فيها غير إنني أجد أن هذا المتهم للأسف لا يستفيد من هذا التقليد القضائي العظيم لسببين : أولهما : أن عقوبة السجن والغرامة والجلد عقوبة إلزامية بنص المادة 362 (ب) عقوبات 1983م والذي لا يزال ساري المفعول وبغض النظر على رأي الحاكم في بعض مواد القانون إلا أن عليها أن تنصاع للقانون وتطبقه دون تردد متى كان صريحاً ولا يترك مجالاً لتفسير آخر إن السماح للمحاكم بالتغاضي عن ما تفرضه مواد القانون يعنى أن مخالفة صريحة للقانون قد أصبحت مأذونة لتقم وفق مزاج كل قاض أو هوائه أن التقليد القضائي بل السوابق القضائية لا تلغى القوانين أو تعدلها وهي بالتالي لا تقول بأن يهمل نصاً إلزامياً من قانون ساري المفعول عمداً أو جهلاً أو إهمالا فإذا عمدت بعض المحاكم إلى توقيع جزء من هذه العقوبات الثلاثة متى كانت إلزامية وغفلت جزءاً آخر اعتماداً منها على أنه لن تكون هناك مراجعة أو استئناف أو على فهم منها بأن توقيع هذه العقوبات الثلاث ليس من العدل في شئ مثلاً فإن هذا قد يعنى أن المحاكم تركت واجبها الأساسي في تطبيق القانون وأصبحت أيضاً تقدم التشريع وتجيزه فإذا لم تلفت محاكم الاستئناف نظر هذه المحاكم لهذا الخطأ وتأمرها بتصحيحه وعدم تكراره فإن هذا قد يشكل نوعاً من فرص المساومة أو الإرهاب الذي يجعل المظلوم يسكت عن الاستئناف خوفاً من أن تطبق عليه بقية العقوبة الإلزامية إذا أيدت السلطة الاستئنافية إدانته وبالتالي فإن السكوت على مثل هذه الأخطاء والتجاوزات فيه إضرار بالعدالة أكثر من أي نفع قد يظن بها وهذا الأمر من الخطورة بمكان بحيث لا يمكن أن يؤيده تقليد أو سوابق قضائية وغنى عن القول أن اكتشاف مثل هذا التجاوز عند تفتيش أعمال أحد القضاة إدارياً قد يتسبب في الإضرار به وبمستقبله في العمل القضائي
إن رأينا في القوانين التي نعتقد أنها مجحفة يمكن أن نعبر عنه كتابة حتى تعدل ولكن يجب أن نطبق هذه القوانين طالما نحن على منصة القضاء وليس التشريع
وثانيهما: إن المحكمة قد ذكرت في ذيل مذكرتها عن العقوبة بأنها ستصدر حكماً بالسجن والغرامة ضد المتهم مع الأمر بالتعويض وقد نسيت هذا القرار عند إصدارها للعقوبة إذ حكمت فقط بالغرامة والسجن البديل في حالة عدم الدفع ولا أظنها قد اعتمدت هذا السجن البديل كعقوبة للسجن الأصلي التي قالت إنها تنوى أن توقعها ولذلك كان من المناسب أن يلفت نظرها لتصحيح هذا الخطأ الموضح كتابة
لكل هذه الأسباب فإنني لا أوافق على تأييد توقيع عقوبة السجن فقط وإحالة الشاكي للمحاكم المدنية للحصول علي قيمة الشيك وأرى أن قرار محكمة الاستئناف كان سليماً ويتعين تأييده مع إضافة الأمر بأن يسلم قيمة الشيك المودع كفالة بموجب المادة 271 (2) إجراءات للشاكي

