حكومة السودان ضد شعيبو سعيد محمد
القضاة:
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس نائب رئيس القضاء رئيساً
السيد/ بابكر زين العابدين قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد شعيبو سعيد محمد
م ع/ف ج/301/1406
المبادئ:
قانون جنائي – السرقة في عام مجاعة – لا يقام حد القطع على مرتكبيها
إثبات – العلم القضائي – للمحاكم أن تستند للعلم القضائي دون حاجة لتقديم إثبات عليه
إثبات الضرورة – حكم الضرورة في الشريعة الإسلامية وأثرها على المسئولية والعقوبة
1/ إذا ارتكبت جريمة السرقة في عام مجاعة ومرتكبها لا يملك ما يشتري به بالتالي لا يصح من الناحية الشرعية الحكم عليه بالقطع ولكن يعاقب بعقوبة تعزيرية
2/ بما أن الإعلان الصادر من رئيس المجلس العسكري الانتقالي على العالم بأكمله بأن السودان يعاني من مجاعة وحيث أن هذا الإعلان قد أتخذ الطابع العام وصار ذات طابع وعلم عام بالتالي يحق للمحاكم أن تأخذ بها علماً قضائياً دون حاجة إلي تقديم الإثبات عليها
3/ حالة الضرورة لا ترفع المسئولية إلا في حالة تعاطي الأطعمة والمشروبات المحرمة ولا ترفع العقاب إلا في حالة سرقة الطعام والشراب وحدها وبالقدر الذي يسد الحاجة
الحكـــــــــم
القاضي/ بابكر ين العابدين
التاريخ: 28/12/1986م
إن الثابت ومعترف به في هذه الإجراءات هو أن المدان شعيبو سعيد محمد قد دخل في عصر يوم 7/9/1985من وقبيل ميعاد القفل بقليل من الزمن في مغلق الشاكي محمد فضل أحمد الكائن في مدينة القضارف واختفى فيه
وعندما أغلق الشاكي المحل وغادره إلي منزله قام المدان مستعيناً في ذلك بحديدة وجدها في المحل قام بإحداث ثقب في جانب من جوانب خزينة القروش وأدخل يده فيها من خلال ذلك الثقب وأخذ منها أربعة الآلف وتسعمائة وثلاثة وتسعين جنيهاً عبارة عن عملة ورقية سودانية ووضع ذلك المبلغ تحت رباط بنطلونه وقضى ليلته تلك في المحل حتى الصباح
وفي الصباح وعندما حضر الشاكي وفتح بابا من أبواب المحل ودخل فيه شاهد الشاكي المدان في المحل ولكنه اعتقد أنه قد دخل في المحل بعده وبالتالي لم يعره اهتماماً كثيراً وانصرف بفتح باب آخر
وعندما انصرف الشاكي بفتح الباب الآخر في المحل خرج المدان من المحل ومعه المبلغ المسروق وذهب به علي منزله حيث احتفظ به تحت المرتبة وفي الشنطة إلي أن جاءت إليه الشرطة في منزله وضبطت المال المسروق الذي سلم فيما بعد كاملاً للشاكي ألقت عليه القبض
على ضوء هذه الوقائع السالفة الذكر أدان قاضي المديرية في مدينة القضارف والذي تحاكم المادان أمامه بتاريخ 5/10/1986م أدان المدان بجريمة السرقة الحدية من المنزل المعاقب عليها بالمادة 322(2) من قانون العقوبات لسنة 1983م وعاقبه قبل أن يسأله فيما إذا كان يرغب أو لا يرغب في تقديم شهود أخلاق أو الإدلاء بأي أقوال لتخفيف العقوبة عليه كما يوجب نص البند الثاني من المادة 170 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م عاقبه بقطع اليد اليمنى من مفصل الكف حداً
لم يقبل المدان بقضاء محكمة أول درجة سالف الذكر فطعن فيه أمام محكمة الاستئناف في مدينة كسلا والتي أحالت الطلب والإجراءات الي المحكمة العليا باعتبارها جهة الاختصاص
وقد سبب المدان طلب الطعن بأنه كان يعمل نجاراً وله محل في ديم بكر في مدينة القضارف وقد سرقت منه أدوات العمل التي كان يكسب بها رزقه وقد أغفلت في وجهة سبل العيش وتصعب معه الحياة فأضطر لتطليق زوجته بسب عدم توفر سبل كسب العيش وأنه مسئول عن خمس أخوات وأخوين بالمدارس وأن والده عاجز نتيجة عاهة مستديمة عن الحركة وبالتالي عن الكسب وأنه قد طلب من الشاكي اكثر من مرة في أن يعطيه أدوات للعمل يعمل بها رزقه حيث أنه كان يتعامل معه في الماضي على أن يرد له قيمتها فيما بعد إلا أن الشاكي قد رفض الاستجابة لطلبه مما دفع به إلي التفكير ولأول مرة في سرقة الأدوات منه وعندما وجد القروش تخلى عن الأدوات
يدفع المدان أذن بالضرورة ولكن هل قدم في محكمة أول درجة الأدلة على الوقائع التي يدفع بها الآن للتدليل على الضرورة ؟ وإذا كان كذلك فهل الوقائع التي يدفع بها المدان تشكل حالة من حالات الضرورة وفق شروط الأخيرة في الشريعة الإسلامية ؟ وإذا كان ذلك فهل الضرورة تعفى المدان من المسئولية في هذه القضية أو من العقاب ؟
لم يثر المدان في محكمة أول درجة الوقائع التي أثارها الآن لم يدفع بها هناك وبالتالي لم يقدم الإثبات عليها
من الجانب الآخر لم تتحر محكمة أول درجة في مثل هذه الظروف مثل ما كان يفعل السلف الصالح حيث كان النبي صلي الله عليه وسلم يلقن المقر الإنكار أو الأعذار أو يبحث له عنها قبل إقامة الحد عليه كما أنها لم تلتزم بنص المادة 170 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 الوجوب الذي يفرض عليها قبل أن توقع العقوبة على المدان تسأله عما إذا كان يرغب في تقديم شهود أخلاق أو الإدلاء بأي أقوال فيما يتعلق بالعقوبة عسى ولعله أن يتقدم بحجة شرعية تدرأ أو تسقط عنه الحد
بالإضافة إلي أن المحضر للأسباب سالفة الذكر قد جاء خالياً تماماً من الوقائع التي دفع به المدان الآن وبالتالي من الأدلة عليها فأن الشريعة الإسلامية تشترط قبل النظر في أثر الضرورة على الفعل المحرم أو العقوبة وتشترط لوجود حالة الضرورة توفر أربعة شروط
وتتلخص هذه الشروط أن تكون الضرورة ملجئة وذلك بأن يجد الفاعل الذي يرتكب الجريمة أو يأتي بالفعل المحرم أن يجد نفسه أو غيره في حالة من الحالات التي يخش منها على نفسه أو على الغير من تلف النفس أو تلف الأعضاء وفي أن تكون قائمة لا متوقعة إذا أنه ليس من حق الجائع أن يأكل الميتة أو لحك الخنزير وليس من حق العطشان أن يشرب الدم قبل أن يجوع الأول جوعاً أو يعطش الثاني عطشاً يخش من الهلاك وفي أن لا تكون هنالك من وسيلة غير ارتكاب الجريمة أو إتيان الفعل المحرم لدفع الضرورة فالجائع أو العطشان الذي يستطيع شراء الطعام أو الشراب وذلك لأنه يستطيع دفع الضرورة بفعل مباح غير السرقة وهو الشراء وفي أن تدفع الضرورة اللام لدفعها إذا انه ليس من حق الجائع أو العطشان أن يأخذ من طعام أو شراب الغير أكثر مما يدفع به الجوع أو العطش
هذه باختصار هي شروط حالة الضرورة الأربعة في الشريعة الإسلامية
أما حكم حالة الضرورة فأنه يختلف باختلاف الجريمة تؤثر حالة الضرورة على المسئولية أو العقوبة على الإطلاق في بعض الجرائم كجرام القتل والقطع والجرح وتؤثر المسئولية الجنائية في البعض الآخر حيث أنها تبيح تناول الأطعمة والأشربة المحرمة ولكن في حدود دفع الضرورة فقط وتؤثر على العقوبة وحدها في البعض الثالث وهي حالة سرقة الطعام أو الشراب بالقدر الذي يدفع الجوع أو العطش
يتضح جلياً مما سبق أنه بالإضافة إلي أن المدان لم يقيم البينة على الوقائع التي دفع بها وعلى فرض أنها صحيحة فأنها لا تشكل حالة من حالات الضرورة وعلى فرض أنها تشكل حالة من حالات الضرورة فأن الأخيرة لا تبرر الذي أتاه المدان في هذه القضية ولا ترفع عنه العقاب منه وذلك لأن حالة الضرورة لا ترفع إلا في حالة تعاطي الأطعمة والمشروبات المحرمة ولا ترفع العقاب إلا في حالة سرقة الطعام والشراب وحدها بالقدر الذي يسد الحاجة ولذلك اخلص إلي أن عناصر جريمة السرقة الحدية من المغلق قد توفرت في هذه الإجراءات حيث أن المدان قد أخذ مالاً منقولاً مملوكاً للشاكي خفية من حرزه وأدخله في حيازته بعد أن أخرجه من حيازة الشاكي يقصد تملكه وقد بلغ ذلك المال النصاب وبالتالي تصبح الإدانة
أما فيما يختص بالعقوبة فقد أورد الأستاذ عبد القادر عوده علي صفحة 610 من الجزء الثاني من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي فقد أورد حكم الشريعة الإسلامية في حق السارق غير المضطر في عام المجاعة الذي لا يجد ما يشتريه أو يشتري به ولو لم يضطره الجوع للسرقة في الآتي:
"ويعاقب السارق غير المضطر في عام المجاعة بعقوبة تعزيرية ولكنه لا يقطع بشرط أن لا يجد ما يشتري به أو يشترى به ولو لم يضطره الجوع للسرقة"
فهل العام الذي ارتكب فيه المدان الجريمة هذه عام المجاعة وإذا كان كذلك فهل المدان لا يملك ما يشترى به ؟ وإذا كان الحال كذلك فهل يصح من الناحية الشرعية إقامة الحد عليه مع توفير هذين الظرفين؟
لقد أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي على العالم بأكمله في أو حوالي أبريل من عام 1985 وبعد الانتفاضة مباشرة أن السودان يعاني من مجاعة وقد طلب من كل دول العالم ومن كل المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية إغاثة السودان
يترتب على هذا الإعلان أمرين الأمر الأول هو أن السودان يعاني من مجاعة والأمر الثاني هو أن هذا الإعلان قد أتخذ الطابع العام وصار معروفاً لدى كل الناس في الداخل والخارج وأصبحت الوقائع التي اشتمل عليها ذات طابع وعلم عام وبالتالي يحق للمحاكم أن تأخذ بها علماً قضائياً دون حاجة إلي قديم الإثبات عليها
بجانب أن الدولة لم تعلن إلي الآن بأن المجاعة قد زالت دون رجعة عن السودان فإن الجريمة محل البحث قد ارتكبت بعد ستة أشهر فقط من تاريخ ذلك الإعلان مما يعني أنها قد ارتكيت في عام المجاعة
من الجانب الآخر أسفر التفتيش على المدان وعلى منزله عن عدم وجود مال عنده غير المال المسروق وبالتالي فأنه لا يملك ما يشترى به
ارتكبت الجريمة أذن في عام مجاعة ومرتكبها لا يملك ما يشترى به وبالتالي يصح من الناحية الشرعية وفق الحكم الذي أورده الأستاذ عبد القادر عوده في كتابه سالف الذكر الحكم عليه بالقطع ولكن يصح عقابه بعقوبة تعزيرية ومن ثم أري أن تلغى العقوبة
أما فيما يختص بالعقوبة التعزيرية فأنني أرى أننا لا نستطيع تقديرها في هذه المرحلة حيث أن محكمة أول درجة لم تمكننا عندما امتنعت عن تطبيق نص المادة 172(2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 من الإلمام بظروف المدان الخاصة والتي تساعد في تحديد نوعية ومقدار العقوبة التعزيرية لذلك أري أن نترك أمرها إلي محكمة أول درجة على أن تقوم الأخيرة بتحديد نوعيتها ومقدارها بعد أن تأخذ في الاعتبار ظروف المدان الخاصة والتي سيتقدم بها إليها بعد أن تتيح له الفرصة لكل هذه الأسباب أري أن نؤيد الإدانة وأن تلغى العقوبة بغرض توقيع عقوبة تعزيرية بعد الإلمام بظروف المدان الخاصة
القاضي/ صلاح الشريف :
التاريخ: 7/11/1988م
أوافـــــق
القاضي عبد المنعم الزين النحاس :
التاريخ: 2/3/1989م
اهتداء بالمنشور القضائي 98/83 (مسقطات حد السرقة) والذي يشير في الفقرة (6) أنه إذا أضطر إلي أخذ السارق إلي أخذ المسروق وذلك (لشبهة الحاجة أو الضرورة وتقدر الضرورة بقدرها عملاً بما عليه جمهور الفقهاء) وقد ذكر أبي حزم (المحلي – الجزء الحادي عشر ص 343) أن من سرق من جهد إصابة فأن أخذ مقدار ما يغيث به نفسه فلا شئ عليه وأنما أخذ حقه فان لم يجد إلا شيئاً واحداً ففيه فضل كثير لمن فصل عنه لأنه لم يقدر على فصل قوته منه فلو قدر على مقدار قوت يبلغه إلي مكان المعاش فأخذ أكثر من ذلك وهو ممكن لا يأخذه فعليه القطع لأنه سرق ذلك عن غير ضرورة ويضيف فرضاً على الإنسان أخذ ما أضطر إليه في معاشه فان لم يفعل فهو قاتل نفسه وهو عاص لله تعالي (ولا تقتلوا أنفسكم) وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه
لكل ذلك أوافق ما خلص إليه الزميل العالم بابكر زين العابدين في مذكرته

