ورثة على سيف عبد الكريم ضد مدير عام التركات
الدائرة الدستورية
القضاة:
السيد/ مهدي محمد أحمد نائب رئيس القضاء رئيساً
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس نائب رئيس القضاء عضواً
السيد/ هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ عبد الرحمن عبده عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ أحمد جعفر حامد قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبد الرحيم قاضي المحكمة العليا عضواً
ورثة على سيف عبد الكريم ضد مدير عام التركات
م ع/عريضة/216/1987م
المبادئ:
قانون السلطة القضائية – السلطة القضائية واحدة من دوائر مدنية وشرعية – لا وجود لتنازع اختصاصي قضائي يوجب عرضه أمام الدائرة الدستورية
قواعد عامة – اختلاف القواعد الإجرائية والموضوعية يؤدى إلي ضرب من ضروب تنازع الاختصاص
1/ السلطة القضائية سلطة واحدة تتعدد دوائرها إلي مدنية وشرعية تبعاً للاعتبارات العملية الملائمة ومن ثم فلا يتصور وجود تنازع اختصاصي بينها يوجب عرضه أما الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا مؤدى نص المادة 121 من الدستور الانتقالي مقروءة مع المادة 9 من قانون السلطة القضائية والمادة 3 من قانون الإجراءات المدنية
2/ ما جرى عليه العمل في الواقع من وجود اختلاف القواعد الإجرائية والموضوعية التي تطبق في المحاكم المدنية والمحاكم الشرعية قد يؤدى غلي ضرب من ضروب التنازع في الاختصاص في حالات استثنائية
المحامون / الأستاذ حسين غريبه
الحكــــــــم
التاريخ:26/6/1989م
في 2/7/1987 تقدم الأستاذ حسين غريبة المحامي بهذه العريضة يطلب فيها إصدار حكم تقريري بأن الاختصاص في نظر تركة المرحوم على سيف عبد الكريم ينعقد للمحاكم الشرعية بدلاً من مدير عام التركات الذي منحته محكمة مديرية الخرطوم للأحوال الشخصية لغير المسلمين أمر إدارة تلك التركات
ويبين مما ورد في العريضة ومن محضري إجراءات كل من محكمة مديرية الخرطوم الشرعية ومدير عام التركات أيضاً من مناقشة كل من مقدم العريضة ومدير عام التركات أمام هذه الدائرة أن المدعو على سيف عبد الكريم وهو أصلاً سوداني الجنسية – غادر السودان في 1970 إلي بون بألمانيا الغربية حيث تزوج بامرأة ألمانية واعتنق مذهباً مسيحياً يعرف بشهود يهوذا ثم توفى هناك تاركاً مبلغ مائتي مارك ومنزل بالخرطوم تم تسجيله باسمه قبل مغادرته السودان
ذويبين أيضاً أن سفارة السودان ببون قد قامت بتسليم المال النقدي للأرملة ثم أحالت المستندات المتعلقة بالمتوفى لوزارة الخارجية التي أحالتها بدورها لمدير عام التركات ربما لأن المتوفى كان في نظرها مسيحي الديانة وبناء على ذلك تقدم مدير عام التركات بطلب لدائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين طالباً منحه أمراً بإدارة التركة وبالفعل حصل على ذلك الأمر بتاريخ 1/9/1986م
وطبقاً لما أقر به مقدم العريضة أمامنا فإنه مثل أمام دائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين واعترض على قرارها بمنح مدير عام التركات أمر الإدارة تأسيساً على أن المتوفى كان مسلماً قبل أن يعتنق المذهب المسيحي ومن ثم يكون في تقديره مرتداً وبذلك تؤول تركته شرعاً للمسلمين من ورثته مما تختص به المحاكم الشرعية دون غيرها غير أن الدائرة رفضت ذلك الاعتراض بحجة أنها فرغت من إصدار قرارها في الأمر ولا يجوز لها الرجوع فيه
ويبين مما ذكره مقدم العريضة أمامنا أيضاً أنه اقتنع بصحة قرار دائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين وعليه لم يشأ أن يطعن فيه وأنه آثر بدلاً من ذلك أن يقيم دعوى أمام المحكمة الشرعية وفعلاً أقام تلك الدعوى حيث صدر خلالها قرار من المحكمة بوقف إجراءات مدير عام التركات وإعلانه للمثول أمام المحكمة حيث فعل فيما يبين من محضر الدعوى الشرعية واعترض بدوره على الدعوى الشرعية باعتبار أنه هو الذي يتولي إدارة التركة محل النزاع فاستجابت المحكمة الشرعية وأصدرت قرار بوقف الإجراءات التي أمامها وذلك لإتاحة الفرصة لمحامي الورثة المسلمين لرفع المسألة للمحكمة العليا باعتبار أنها تنطوى على تنازع في الاختصاص ومن ثم كانت هذه العريضة
ولعله من الواضح أن قارا المحكمة الشرعية ما كان ليأتي على هذا النحو لولا الاختلاف الجوهري في القواعد القانونية الموضوعية المتباينة التي تطبقها كل من الدائرة الشرعية من جهة ودائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين من الجهة الأخرى بما من شأنه أن يجعل النتيجة النهائية في ذات النزاع مختلفة اختلافاً كلياً في كل منهما
وفضلاً عن ذلك فأن التخصيص الذي تعمل بمقتضاه كل من هاتين الدائرتين يجعلهما تبدوان وكأنهما محكمتان تمارس كل واحدة منها اختصاصاً مستقلاً عن اختصاص الأخرى
وعلى الرغم من أن هذا هو واقع الحال من الناحية العملية إلا أن مؤدى نص المادة 121 من الدستور الانتقالي مقروءة مع المادة 9 من قانون السلطة القضائية والمادة 3 من قانون الإجراءات المدنية هو أن السلطة القضائية سلطة واحدة تعدد دوائرها طبعاً للحاجة والملاءمة ولا ريب في أن هذا ما تقوم عليه النظرية السائدة حالياً في نظامنا القضائي
ويترتب على هذا التناقض بين النظرية والواقع أنه بينما يصح القول من حيث المبدأ أنه لا مجال قانوناً لقيام تنازع في الاختصاص على وجه يقتضي تدخل إغفال هذه الدائرة من المحكمة العليا فإنه من غير الملائم إغفال ما قد يترتب على اختلاف القواعد الموضوعية التي تطبقها الدوائر الشرعية وتلك المدنية من تنازع لا يخلو من أثر على الاختصاص نفسه
ويبين مما تقدم أنه وأياً كان وجهة النظر إلي الأمر فيما لو كانت إجراءات تركة المرحوم سيف عبد الكريم قد بدأت في محكمة شرعية بدلاً من بدايتها في دائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين كما حدث في هذا النزاع فإنه لا سند للقول بان نظرها في هذه الدائرة الأخيرة ينطوى على اغتصاب لاختصاص لا ينعقد لها أصلاً بما قد ينشا عنه تنازع في الاختصاص ويقينا أنه من السابق لأوانه في ضوء الوقائع المتاحة في هذه المرحلة القول بأن هناك مسألة تتعلق بتنازع الاختصاص تتطلب قراراً من هذه الدائرة بل يلزم أن تشار المسألة في الإجراءات القضائية التي بدأت بأمر لمدير التركات من دائرة الأحوال الشخصية لغير المسلمين لإدارة التركة
ومؤدى ذلك كله وفيما لو كانت عقيدة مقدم العريضة قد انعقدت على أن ذلك الأمر قد انطوى على أي خطأ إجرائي أو موضوعي أن الطريق إلي تصحيحه إنما يكون بالطعن فيه بطرق الطعن المألوفة والمعتادة وليس إقامة دعوى في دائرة أخرى كما فعل مقدم العريضة إذ أن سلوك مثل هذا الطريق الأخير يتنافى مع مقتضيات نص المادة 30 من قانون الإجراءات المدنية والذي بموجبه لا يجوز رفع دعوى في نزاع لا يزال قيد النظر إمام محكمة مختصة
وحيث أنه وفيما سبق بيانه لا تكشف العريضة محل النزاع عن أي تنازع في الاختصاص القضائي فأنه يتعين رفض الطلب المقدم ولمقدمها أن يسلك الطريق السليم طبقاً لما أوضحناه فيما تقدم ولعل الجهات المختصة ترى في جدية ما يثيره من مسائل قانونية دقيقة ما تقوم سبباً لأعمال سلطتها عند النظر في أمر مواعيد الطعن
"صدر في اليوم السادس والعشرين من شهر يونيو سنة 1989م"

