حكومة السودان ضد عبدالعزيز إسماعيل جمعة
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ عبدالمنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عبدالعزيز إسماعيل جمعة
م ع / ف ج / 180/1988م
المبادئ:
إجراءات جنائية/عدم ثبوت وجود بينة-عدم جواز توجيه اليمين الا أن كأنت هناك بينة مقدمة في الاثبات على صحة الاتهام-لا تجوز الادأنة لمجرد نكول المتهم عن الحلف
أن النكول وحده لا يعتد به كبينة لإقرار حق المدعي أو إثبات شكوي الشاكي بل يجب أن تكون هناك بعضاً من البينات من جأنب الشاكي في مواجهة المتهم و لعدم كفايتها توجه اليمين للمتهم وعند نكولها يجرم بما أتهم به
الحكــم
القاضي: صالح الشريف :
التاريخ:16/10/1988م
بتاريخ 22/9/1987م وفي مركز شرطة مدنية النهود بمديرية شمال كردفأن تقدم الشاكي أحمد حمدان محمد سالم بالبلاغ رقم 2904 وفحواه أن المتهم عبدالعزيز إسماعيل جمعة ووالدته أم عزة عجبنا قد قاما بطعن حصانه بآلة حادة حتى سببا موته وهو يضع قيمة لذلك الحصان تقدر بأربعة ألف جنيه سوداني و لذلك فتح البلاغ تحت المادة 366 من قانون العقوبات لعام 1983م (الاتلاف بقتل أو تشويه حيوان) وعند تشريح جثة الحصان بواسطة الطبيب البيطري اتضح أنه طعن بآلة نفذت خلال الجدار البطني الجهة إليمني بجوار الكلية إليمنى وقد أدت تلك الطعنة إلى ثقب أحد الامعاء الدقيقة في موضعين مما أدي إلى أنسياب المواد الغذائية المتخمرة خارج الامعاء وقد نتج عن ذلك تلوث غشاء البريتونيوم وقد سبب النهاية مع النزيف الحاد نفوق الحصان
في أقواله التي أدلى به للشرطة ذكر الشاكي بأنه حضر للدونكي و وجد حصانه مطعوناً وعلم أن الحصان قد تعارك مع عدد من حصين المتهمين وعلم أن المتهم عبدالعزيز اسماعيل جمعة حضر وفصل بين الحصين المتعاركة وأخذ حصينه وذهب إلى حلته وينفي الشاكي أن يكون قد شاهد هو أياً من المتهمين بطعن حصانه كما لم يقدم شاهداً واحداً يقرر ذلك وقد أنكر المتهمان التهمة المنسوبة إليهما و ذكر ذلك المتحري في توصيته النهائية ولكن ورغم ذلك وافق السيد وكيل النيابة على توصيته باحالة البلاغ للمحاكمة وفعلاً تمت إحالته للنظر أمام محكمة الارياف بالنهود
وقف الاطراف أمام محكمة الارياف بالنهود و على اليمين ذهب الشاكي إلى نفي الاقوال ولم يقدم أي بينة ضد المتهمين قد أنكر المتهمان التهمة ثم بعدها جاء قرار المحكمة يفيد بأنه وبعد سماعها للشاكي وشهود الاتهام لم تجد أي بينة ضد المتهمين ولكنها رأت أن توجه لهما اليمين تحت المادة 200 من قانون الاجراءات الجنائية لعام 1983م إن حلفا تشطب البلاغ وأن رفضا تقوم بإدانتهما ولكن وبناء على طلب من محامي المتهمين تأجل القرار في ذلك وأرسلت الاوراق للسيد القاضي المقيم بموجب طلب من محامي المتهمين وأعيدت الاوراق لمحكمة الموضوع بتوجيه لها بإصدار قرارها النهائي في الامر وبتاريخ 2/12/1987م ذكرت محكمة الموضوع بأن جميع الاطراف مثلوا أمامها بناء على أمر منها و أنها خاطبت المتهمين بأن يحلفا اليمين أمامها ولكنهما رفضا ذلك ولذلك قررت إدأنة المتهم الاول عبدالعزيز إسماعيل جمعة والمتهمة الثانية أم عزة عجبنا حميد تحت المادة 366 من قانون العقوبات لسنة 1983م بناء على تلك الادأنة حكمت على المتهم بالسجن لمدة عام إعتباراً من تاريخ تلك الجلسة وعلى المتهمة بالسجن لمدة 6 أشهر إبتداء من نفس التاريخ و وجهت الشاكي برفع دعوى مدنية لإسترداد قيمة حصأنه والتي خرجت عن إختصاص المحكمة القيمي
لم يقبل المدانان بذلك الحكم وتقدما بإستئنافهما بواسطة محاميهما أما السيد قاضي الدرجة الاولى وجاء قرار بالنمرة أ س ج / 402/87 بتاريخ 3/12/1987م وفيه قرر عدم تأييد الادأنة والعقوبة الصادرتين في حق المتهمين لعدم كفاية الادلة وأيضاً لم يقبل الشاكي بهذه النتيجة فتقدم بطلبه بواسطة محاميه أمام السيد قاضي مديرة شمال كردفان بالابيض جاء القرار بالنمرة أ س ج / 541/87 بتاريخ 28/12/1987م بتأييد قرار محكمة الموضوع على أساس أن توجيهها اليمين للمتهمين كأن أمراً صائباً من ناحية القانون ويضيف القرار أنه وطالما نكل المتهمان فإن نص المادة 200-(2) من قانون الاجراءات الجنائية هو الواجب التطبيق حيث يجوز للمحكمة الحكم عليه بناءً على نكول المتهمين
ومن الجانب الآخر اعترض المتهمان على هذا القرار وتقدما بطلب أمام محكمة إستئناف إقليم كردفان سمّاه محاميهما بطلب إستئناف ولكن كان من رأي محكمة الاستئناف أن الطلب ينبغي شطبه إيجازياً ( لتعديل الاختصاص) حيث أن المادة 235 (1) من قانون الاجراءات الجنائية (تعديل ) لعام 1406هـ قد نصت على أن أحكام و أوامر محاكم المدن والارياف وقضاة الدرجة الثانية تستأنف أمام قاضي الدرجة الاولى ثم أمام قاضي المديرية ويكون حكم الاخير نهائياً ثم أضافت محكمة الاستئناف ما يفيد عدم وجود ما يبرر تدخلها إعمالاً لسلطتها تحت المادة 239 من قانون الاجراءات الجنائية (تعديل) 1406هـ وذلك لعدم وجود أي مخالفة للشريعة الاسلامية أو القانون أو عدم مناسبة العقوبة للجرم
و الآن أمامنا طلب مقدم من قبل الاستاذ محمد الامين عبدالله الحاج المحامي نيابة عن المتهمين يلتمس فيه فحص قرار محكمة الاستئناف والذي يقدح فيه بأنه جاء مخالفاً للقانون حيث أن تدخلها في الاجراءات كان واجباً لوجود ما يخالف القانونوالشريعة والاسلامية ويرى الاستاذ المحامي أن تطبيق الموضوع لنص المادة 200 من قانون الاجراءات الجنائية كان خاطئاً وكان عليها تطبيق المادة 165 منه
بعد إطلاعي على سائر الاوراق أرى أن القرار موضوع طلب الفحص قد جاء مخالفاً للشريعة الاسلامية والقانون وكان حرى بمحكمة الاستئناف أن تقوم بإعمال سلطاتها حسب نص المادة 239 من قانون الاجراءات الجنائية (تعديل) 1406هـ وتزيل تلك المخالفات والتي هي:
أولاً: مخالفة الشريعة الاسلامية: تقول هنا أن مبدأ توجيه اليمين للمدعي عليه عند فشل بينة المدعي لإثبات دعواه أو الشاكي لإثبات شكواه في مواجهة المتهم والذي جاء بالمادة 200 من قانون الاحراءات الجنائية لعام 1983م أن ذلك المبدأ أساسه هو حديث الرسول (ص) والذي رواه البيهقي-والطبراني بإسناد صحيح والذي يقول فيه (ص): "البينة على المدعي وإليمين على من أنكر " وقد جاء في فقه السنة –المجلد الثالث- بالصفحة 344" أنه إذا عجز المدعي بحق على آخر عند وقد جاء في فقه السنة بالصحيفة 344 أنه إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة البينة ونكر المدعي عليه هذا الحق فليس له إلا يمين المدعي عليه ويقول تقدم البينة ونكر المدعي عليه هذا الحق فليس له الا يمين المدعي عليه ويقول المرجع أن ذلك خاص بالأموال والعروض ولا يجوز في دعاوى العقوبات والحدود
ولكن ما هو أثر رفض المدعي عليه حلف اليمين أي نكوله وهل يمكن أن يكون أساساً لحكم لصالح المدعي مهما كانت درجة بينة المدعي من حيث القوة والقبول؟
نعني بذلك هل يمكن قبول نكول المدعي عليه أو المتهم كبينة كافية خلف مرحلة أي شك معقول لإدانته دون الالتفات لما قدمه الشاكي من بينات يقول المرجع أعلاه أن ذلك هو مذهب الأحناف وإحدى الروايتين لأحمد وفي ذلك جاء المرجع أنه "إذا عرضت اليمين على المدعي عليه لعدم وجود بينة المدعي فنكل ولم يحلفها أعتبر نكوله هذا مثل إقراره بالدعوى لانه لو كان صادقاً في إنكاره لما امتنع عن الحلف والنكول يكون صراحة أو بالسكوت وفي هذه الحالة لا ترد اليمين على المدعي فلا يحلف على صدق الدعوى التي يدعيها لأن اليمين تكون على النفي دائماً ودليلهم في الحديث النبوي الشريف المذكور أعلاه
أما الامام مالك والشافعي والرواية الثانية عند أحد فعندهم أن النكول وحده لا يكفي للحكم على المدعي عليه لأنه حجة ضعيفة يجب تقويتها بيمين المدعي أنه صادق دعواه و أن لم يطلب المدعي عليه ذلك فإذا حلف حكم له بالدعوى و الا ردت ودليل ذلك أن النبي (ص) رد اليمين على طالب الحق وقد قصد مالك هذا الحكم على دعوى المال خاصة وقال الشافعي هو عام في كل الدعاوىوذهب أهل الظاهر و إبن أبي ليلى إلى عدم الاعتداد بالنكول و أنه لا يقضي به في شئ قط و أن اليمين لا ترد على المدعي و أن المدعي عليه إما أن يقر بحق المدعي و إما أن ينكر ويحلف على براءة ذمته
(المرجع السابق ذكره)
ثم جاء في الجزء الثاني من كتاب العلامة عبدالقادر عودة التشريع الجنائي الاسلامي- و بالصحيفة 341 ما يلي:
اختلف القضاء في إعتبار النكول عن اليمين طريقاً من طرق الاثبات فرأى بعضهم أن المدعي إذا لم يقم ببينة على ما ادعاه ولم يقر المدعي عليه كان على المدعي عليه أن يحلف على نفي المدعي فإن نكل عن الحلف قضي للمدعي بما يد عيه بنكول المدعي عليه و هذا هو رأي أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد ورأى البعض أن نكول المدعى عليه لايكفي وحده في ثبوت المدعى به بل ترد اليمين على المدعي فإن حلف اليمين المردود في الجرائم سواء كانت حدواً أم قصاصاً أو تعازيراً وسواء أوجبت عقوبة بدنية أو عقوبة مالية وعلى هذا فإذا لم تكن بينة و نكل المتهم عن الحلف فلا ترد إليمين على المدعي لأن حلفها ليس له أثر
وعليه يتضح لنا جلياً من هذا أن المبدأ الفقهي السائد هو أن النكول وحده لا يعتد به كبينة لقرار حق للمدعي أو إثبات شكوى الشاكي بل يجب أن تكون هناك بعض من البينات من جانب الشاكي في مواجهة المتهم ولعدم كفايتها توجه اليمين للمتهم وعندم نكولها يجرم بما أتهم به وإذا نظرنا إلى الوقائع التي أمامنا نجد أن أقوال الشاكي حمدان محمد سالم لم تشمل بينة واحدة تشير إلى أن المتهمين عبدالعزيز إسماعيل و أم عزة هما اللذان قاما بطعن حصانه ورغم كل هذا قامت محكمة الموضوع بتوجيه اليمين لهما وعليه أرى أنها قد خالفت الشرع السائد من رأى الفقهاء وبالتإلى خالفت ما قبل كمبدأ شرعي
ثأنياً: مخالفة القانون: لقد خالفت محكمة الموضوع بكل الصراحة والوضوح نص المادة 165 من قانون الاجراءات الجنائية لعام 1983م والتي تفرض على القاضي واجب الافراج عن المتهم إذا لم تقم ضده دعوى تؤدي إلى إدانته في حالة عدم دحضها وذلك بعد تدوين أقوال الشاكي وشهوده وإستجواب المتهم فهل فعلت محكمة الموضوع ذلك؟ الاجابة قطعاً بالنفي فمحكمة الموضوع رغم انعدام البينة ضد المتهم ورغم عدم وجود أي اساس لإتهامها بالجرم المدعي به وقد أقرت هي بذلك في محضر إجرائها أمسكت عن إعمال سلطاتها المخولة بموجب القانون وبالتالى تكون قد ارتكبت مخالفة قانونية واضحة تستوجب تدخلنا وعليه أرى أن نقرر تأييد قرار السيد قاضي الدرجة الاولى ورفض قرارات باقي المحاكم و بالتالى رفض إدانة وعقوبة المتهمين عبدالعزيز إسماعيل جمعة و أم عزة عجبنا و نأمر بإطلاق سراحهما فوراً
القاضي: يوسف دفع الله
التاريخ: 24/10/1988م
أوافق و أود أن أوضح بأن القاعدة الشرعية في الاثبات البينة على من أدعى واليمين على من أنكر وقد أخذ بها القانون (م/3 من قانون الاجراءات الجنائية)
وفي المادة :165 إجراءات جنائية أوجب القانون على القاضي أن يطلق سراح المتهم إذا لم يجد تهمة مبدئية ضده هذا النص ملزم وهو يتفق مع الشريعة الاسلامية في الجرائم أما عن اليمين التي توجه للمتهم فلا توجه الا إذا رغب الشاكي في ذلك وفي هذا الصدد يقول الاستاذ بهنسي في مؤلفه التشريع الجنائي: "أن توجيه يمين للمدعي عليه لابد أن يطلبه المدعي والا لا يكون) فإذا لم يكن هذا النص موجوداً في قانون العقوبات (م/200) لوجب التفسير بأن مثل هذه اليمين هي في الاموال وليس في الجرائم حسبما ذهب كثير من الفقهاء كما أوضح الزميل صالح الشريف و أبان في مذكرته وبالرجوع إلى محضر المحاكمة في محكمة الموضوع لم يطلب الشاكي يمين من المتهمين لذلك وجب شطب الاتهام ضدهما وإطلاق سراحهما
القاضي: عبدالمنعم الزين النحاس :
التاريخ: 25/10/1988م
أوافق على ما خلص إليه السيد الزميل العالم صالح الشريف

