خالد فرح عبد الرحمن ضد حكومة السودان
المحكمة العليا
الدائرة الدستورية
القضاة :
السيد/محمد ميرغني مـبروك رئيس القضــــاء رئيساً
السيد/هنري رياض سكــلا قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/محمد محمد الحسن شقاق قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/فاروق أحمـد إبـراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ زكي عبد الرحمــن قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/محمد حمزة الصـديق قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
خالد فرح عبد الرحمن ضد حكومة السودان
م ع /ف د /1/1407هـ
المحامون / الأستاذ عبد الوهاب محمد عبد الوهاب
التاريخ 13/3/1988م :
تقدم الأستاذ عبد الوهاب محمد عبد الوهاب المحامي بعريضة طعن دستوري يطلب فيها حماية حق موكله خالد فرح عبد الرحمن في التعبير عن الرأي والنشر والصحافة وهو الحق الذي كفلته المادة (19) من الدستور الانتقالي لسنة 1985م
ويقول شرحاً لمطلبه بأن جريدة السياسة والتي أسسها موكله قد حوت في عددها الصادر بتاريخ 30/6/1986م تحقيقاً صحفياً عن فساد وقع في لجنة التحقيق مع وزير الطاقة والتعدين السابق وآخرين مرده أن تلك اللجنة قد فوضت جزءاً هاماً من واجبها إلى رجل إنجليزي الجنسية يدعى أندروا أرملفلت ويقيم في السودان ويمارس المحاماة في الخفاء دون ترخيص له بذلك ويقول بأن ذلك التحقيق لم يخرج عن حدود القانون حيث أن الوقائع الواردة فيه كانت صحيحة وصادقة ومدعمة بالمستندات الدالة على ذلك والتي تحمل توقيع رئيس اللجنة على النحو الذي أبرزه التحقيق الصحفي في جزء منه
ويضيف أنه وبناءً على شكوى من لجنة التحقيق وفي غيبة موكله ودون سماعه أصدرت محكمة أمن الدولة والمنعقدة لمحاكمة الوزير السابق عدة قرارات في 1/7/1986م من بينها القرار القاضي بمنع موكله من نشر أي مادة تتعلق بأعمال لجنة التحقيق وينتهي إلى القول بأن ذلك القرار يشكل خروجاً على أحكام المادة (19) من الدستور لما ينطوي عليه من حجر على حرية التعبير والنشر والصحافة وعليه طلب من المحكمة إصدار إعلان ببطلان ذلك القرار وبعد تصريح عريضة الطعن وتقديم النائب العام لمذكرة دفاعه صنفت المحكمة نقاط النزاع فجاء عبء إثباتها موزعاً بين الطاعنين والنائب العام
ولما كانت نقاط النزاع تلك مما يتعلق بمسائل موضوعية وليس بالوقائع فقد أودع كل من الطرفين مرافعة مكتوبة تتضمن وجهة نظره في المسائل محل النزاع وأسانيده من قواعد القانون والدستور لما أثاره هذا النزاع ومن ثم حفظت الأوراق للحكم
وبالنظر إلى جوهر النزاع دون التزام حرفي بنقاط النزاع كما حددت يبين أن أوجه الخلاف في هذا النزاع تنحصر في ثلاث مسائل أساسية نوجزها فيما يلي :_
(أ) ما إذا كان قرار محكمة أمن الدولة محل هذا الطعن مما يجوز التظلم منه بغير الطعن الدستوري
(ب) فإذا لم يكن هناك طريق تظلم آخر ما إذا كانت عريضة الطعن تثير مسألة دستورية صالحة للفصل فيها
(ج) ما إذا كان في القرار المطعون فيه ما يهدر حقاً دستورياً جديراً بالحماية
ويجعل أن هنا وقبل التصدي بالقرار في هذه المسائل أن مرافعتي محامي الطاعن والنائب العام قد أفاضتا في مناقشة جوهر هذه المسائل بقدر يكفي لإصدار قرار فيها وذلك على الرغم من أن نقاط النزاع لم تحدد على هذا النحو منذ البداية
وبالنظر إلى هذه المسائل على هدى مضمون تلكما المرافعتين والمبادئ القانونية التي لا حاجة للمحكمة فيها إلى رأي خارجي نقرر ما يلي :_
أولاً : وبالنسبة للمسألة المتعلقة بالتظلم فإنه من الواضح في المقام الأول أنه ومهما كانت الحقوق المتاحة في ظل إجراءات محكمة أمن الدولة فإن الطاعن ليس طرفاً في إجراءات المحاكمة وعلى ذلك فإن ما تكفله إجراءات المحكمة من حقوق لا تتسع بقدر يتيح للطاعن الاستظلال بها في رفع أي ظلم ربما لحق به وبالطرق التي ترسمها تلك الإجراءات في هذا الشأن على أنه وحتى إذا كان الطاعن ممن يجوز لهم التظلم بتلك الطرق فإن ما تنص عليه المادة 21 من إجراءات محكمة أمن الدولة هو أنه لا يجوز الطعن في قرارات المحكمة إلا بعد صدور الحكم النهائي ومؤدى ذلك أن ما صدر من قرار في حق الطاعن سيظل قائماً مع كل ما يعتوره من خطأ مدع به إلى أن تفصل محكمة أمن الدولة في الدعوى الجنائية التي تنظرها وبالنظر إلى ما استغرقته المحاكمة من وقت حتى الآن , وما قد تستغرقه إلى حين فراغها من إصدار حكم نهائي فإن أي مخالفة دستورية – إن وجدت – تشوب قرارها المطعون فيه تكون قد وقعت بما يكفي للطعن أمام هذه الدائرة حيث أنه و بالإضافة إلى أنه لا يشترط لقيام المخالفة أن تكون مرتبطة بفترة زمنية معينة فإن الزمن الذي مضى منذ صدور القرار المطعون فيه والزمن غير المعين الذي سينقضي قبل أن يصدر حكم محكمة أمن الدولة يجعلان من الصعب اعتبار المخالفة موقوتة بل هي وعلى النقيض من ذلك بمثابة المخالفة المطلقة
وحيث أن الأمر كذلك فإننا نرى أنه ليس للطاعن طريق للتظلم من القرار المطعون فيه في إطار إجراءات محكمة أمن الدولة التي أصدرت ذلك القرار
ثانياً : وبالنسبة للنقطة المتعلقة بما إذا كانت هناك مسألة صالحة للفصل فيها فإنه يبين جلياً أن عريضة الطعن محل النظر تقوم على ادعاء بأن هناك إهداراً لحق دستوري صريح هو ما تكفله المادة (19) من الدستور الانتقالي التي تكفل حرية النشر والتعبير والصحافة وهو من الحقوق التي تناولها فقه الدستور بالتفسير والتحليل بما لا يجعل فيه لبساً أو غموضاً
ولما كانت المادة (19) المشار إليها ذاتها هي التي تقرر حدود هذا الحق وهي ما ينص عليها القانون فإن الطاعن وبما يدعيه من انتفاء لأي قيد قانوني ينطبق على حالته يكون قد أثار مسألة صالحة للفصل فيها وإزاء ذلك لا يبقى سوى النظر في صحة هذا الادعاء من الناحية الموضوعية
على أنه يبدو أن النائب العام لا يرى محلاً للتحقيق في المسألة طالما كان القرار المدعى بعدم دستوريته صادراً من جهة قضائية وكان النائب العام بذلك يذهب إلى اعتبار مصدر المخالفة الدستورية واحداً من شروط الدعوى الدستورية وهو مذهب لا سند له من الفقه أو القضاء فعلى الخلاف من ذلك يبدو من سياق نص المادة 125 من الدستور الانتقالي ( التي تقرر اختصاص الدائرة الدستورية ) والمادتين 325 و 329 من قانون الإجراءات المدنية ( اللتين تحددان إجراءات رفع دعوى حماية الحق الدستوري ) إن محور هذه النصوص هو الحق الدستوري في موضوعه إذا تحقق وحمايته من أي تغول دون اعتبار للجهة التي اعتدت عليه ولو كان لتلك الجهة ما يجعلها محل اعتبار فإنما في طبيعة مركزها القانوني وخضوعها للإجراءات القانونية ثم طرق التظلم دون الطعن الدستوري - المتاحة في مواجهة قرارات
تلك الجهة ومؤدى ذلك أنه ما لم يكن لمن يدعى إهدار حق دستوري طريق تظلم سوى الطعن الدستوري فإن حقه في الطعن يصبح مكفولاً ووقتها لا يكون هناك اعتبار للجهة التي اعتدت على ذلك الحق
وحيث أنه يبين مما تقدم أن هناك مسألة صالحة للفصل فيها فإن ما يبقى هو النظر في موضوع الطعن وهو ما يشكل النقطة الثالثة في أوجه الخلاف الجوهرية في هذا الطعن
وفي هذا الشأن فإنه لا خلاف على أن الحق الذي تكفله المادة 19 من الدستور الانتقالي يحيل أمر الضوابط التي قد تتطلبها ممارسة هذا الحق للقانون كما أنه لا خلاف على أن محكمة أمن الدولة التي أصدرت القرار محل هذا الطعن هي محكمة مشكلة بموجب قانون مما يضفي على إجراءاتها من الناحية العامة صفة الشرعية المبدئية على أن ما هو محل نزاع هو ما إذا كان القرار المطعون فيه مما تختص بإصداره محكمة أمن الدولة بحيث يجوز لمثل ذلك القرار أن يرد قيداً مشروعاً لحق التعبير والنشر الذي تكفله المادة (19) من الدستور؟
وبالرجوع إلى إجراءات محكمة أمن الدولة يتضح أنها إجراءات خاصة لمحاكمة متهمين بأعينهم بصحيفة محددة من الاتهامات ولا مكان فيها لإجراء عارض أو وقتي كالقرار محل النظر إلا ما يدخل ضمن اختصاصات المحاكم عموماً بحكم سريان قانون الإجراءات الجنائية –كقانون عام – على كل محاكمة جنائية على أن قانون الإجراءات الجنائية نفسه يخلو من أي نص يبيح إصدار مثل هذا القرار بل ولا سبيل إلى إصداره إلا في إطار قانون الصحافة والمطبوعات وهو القانون الذي ينظم كل ما يتعلق بالنشر وبالنظر في ذلك القانون يبين أن المادة 31 منه تنص على ما يلي :_
إذا اتهم صاحب الصحيفة أو طابعها أو رئيس تحريرها بارتكاب جريمة أو مخالفة تتعلق بتلك الصحيفة واقتنع قاضي المحكمة المختصة بناءً على طلب مقدم من ذوي الشأن أو النائب العام بأن استمرار صدور الصحيفة إلى حين نظر الإجراءات قد يؤدي للزراية بالمحكمة أو ارتكاب جريمة أو مخالفة تماثل طبيعتها التهمة الموجهة للمتهم يجوز للمحكمة أن تأخذ تعهداً على الصحيفة بألا تنشر أي شئ يكون من شأنه الزراية بالمحكمة أو ارتكاب جريمة أو مخالفة مماثلة وعند الإخلال بالتعهد يجوز لها أن تأمر بوقف الصحيفة عن الصدور لحين الفصل في الإجراءات
ومن الواضح من سياق هذا النص أنه ينبغي لاتخاذ الإجراءات ضد الصحيفة أن تكون قد وجهت إليها تهمة وأن تكون المحكمة التي تختص بنظر تلك التهمة- وبناءً على طلب من ذوي الشأن أو النائب العام – هي التي قررت أن استمرار صدور الصحيفة قد يؤدي إلى استمرار المخالفة محل التهمة الجنائية وحتى حينئذ لا يكون ما يجوز إصداره من قرار هو وقف الصحيفة فوراً وإنما يتعين قبل ذلك أن يؤخذ عليها تعهد بعدم المضي فيما اعتبر مخالفة وعند الإخلال بذلك التعهد وحده يجوز وقف الصحيفة عن الصدور
وبالنظر إلى الملابسات التي صدر فيها القرار محل الطعن- يبين جلياً أن محكمة أمن الدولة وبينما رأت أن تحيل أمر محاكمة الطاعن إلى محكمة جنائية عادية آثرت أن تتخذ بنفسها إجراءات وقتية بلغت حد منع الطاعن من نشر التحقيق الذي كان قد بدأ في نشره ولا ريب في أن هذا القرار يشكل إهداراً مباشراً لحق النشر الذي تكفله المادة (19) من الدستور الانتقالي كما أنه لا ريب أيضاً أن محكمة أمن الدولة التي أصدرت هذا القرار لم تكن تختص في إصدار مثل هذا القرار سواءً بنصوص أمر تشكيلها أو بموجب قانون الإجراءات الجنائية ولما كانت الأمر كذلك فإن قرار المحكمة لا يصلح لأن يكون قيداً على الحق الدستوري المشار إليه إذ أن خلوه من أي سند قانوني يجعل منه نقيض المادة 19 من الدستور في شأن القيود على حق النشر التي تكفله
وبما أن القرار المطعون فيه بعدم الدستورية قرار مخالف للقانون وهو في نفس الوقت يهدر دون سند حقاً دستورياً فإنه يكون مخالفاً للدستور ومن ثم يتعين أن نقرر بطلانه
رأي مخالف :
القاضي هنري رياض سكلا :
لا حاجة لسرد وقائع الطعن تجنباً للتكرار بيد أني أود أن أضيف إلى الوقائع التي سبق ذكرها ما ورد بخط بارز في الصفحة 9 من جريدة السياسة ما يقرأ :
( التحقيق في عمل لجان التحقيق :
1/ لجنة اتهامات شريف التهامي :
والقصد من ذلك هو أن البادي من العنوان ومن سياق المقال هو أن هناك حلقات تالية بشأن المسائل محل المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة ولما كانت المادة 26 من قانون العقوبات تنص على أن كلمة (فعل) تعني الأفعال المتعددة بالإضافة إلى الفعل الواحد وكلمة امتناع تعني الامتناع المتعدد بالإضافة إلى الامتناع الواحد ) فإن مؤدى ذلك أن ينظر إلى الجريمة تحت المادة 192(1) و 152 من قانون العقوبات على أساس الفعل أو الأفعال التي قد تشكل الجريمة ولا يقتصر ذلك على الفعل الواحد الذي سبق ارتكابه
ولما كانت هناك رابطة وثيقة بين المقال المنشور والمقال أو المقالات الأخرى التي يراد نشرها في وقت لاحق بحيث تعتبر أفعالاً مادية واحدة وفقاً للظروف الملابسة إذ لا مطعن للمدعي على البندين 1 و 3 من خطاب محكمة أمن الدولة الذي أمر بفتح بلاغ جنائي ضده مما يعني الإقرار بأن ما نشر قد يكون محلاً للمساءلة الجنائية فإن من الجائز والحال هذه أن يكون المقال الآخر المعد للنشر محلاً أيضاً للمساءلة الجنائية باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأفعال المادية المكونة للجريمة
ولما كانت محكمة أمن الدولة ذات اختصاص في إعطاء الإذن بفتح البلاغ لتحريك الدعوى الجنائية ضد المدعي فإنها تعتبر بالضرورة صاحبة اختصاص لإصدار الأمر الوقتي العارض بشأن منع النشر بالنسبة للمقال أو المقالات الأخرى التي يدعى بتأثيرها على سير العدالة
إن أمر المنع إنما هو إجراء وقتي يراد به إبقاء الحالة على ما كانت عليه أو منع تفاقم الأضرار من جانب المتهم وبعبارة أخرى يراد به في الحالة الماثلة تجنب نشر المقال الآخر أو المقالات الأخرى حتى تخضع إجراءات المحاكمة إلى الجهة أو المحكمة المختصة أي المحكمة الجنائية في هذه الحالة
ولذلك يعتبر أمر المنع في القانون السوداني والقوانين الأخرى إجراء يقصد به معالجة ضرر وقتي حال قد تترتب عليه آثار ضارة أخرى يتعذر تداركها إن لم يصدر الأمر بمنع المتهم من موالاة فعله أو تكراره
ولما كانت المحاكم في إنجلترا والهند ومصر تمارس سلطة إصدار أمر المنع منذ القرن الماضي على أدنى تقدير وإن لم يكن هناك نص صريح يقضي بذلك استناداً على أن للمحكمة سلطة طبيعية في اتخاذ مثل هذا الإجراء الوقتي ولما كانت المحاكم الجنائية والمدنية في السودان تمارس هذا الإجراء إعمالاً لبعض النصوص الواردة في قانون الإجراءات المدنية (م 157-174) والجنائية فإنه يتعذر في رأيي القول بحرمان محكمة أمن الدولة من اللجوء إلى مثل هذا الإجراء الوقتي الذي يراد به كفالة حقوق ممثل الاتهام بعدم تعريضه إلى ما سبق أن تعرض له ولكفالة حق القضاء في عدم المساس بما يراد المساس به كما يبدو وهلة ولكفالة حقوق المدعي والمتهم أيضاً لعدم حرمانه من ممارسة حقه في التعبير في وقت لاحق متى استطاع أن يبرئ ساحته مما يوجه إليه من اتهام أو أن يبين أن ليس في المقال المراد نشره مما يجعله خاضعاً للاتهام أمام الجهة القضائية المختصة بمحاكمته
لكل ذلك أرى أن الدعوى لا تشتمل على إهدار ظاهر لحق دستوري مما يتعين معه شطبها
وإذا كان البند (ج) من الماد 327 يخول للمحكمة شطب العريضة لأنها لا تشتمل على إهدار ظاهر لحق دستوري فإنه يجوز للمحكمة شطب الدعوى على هذا الأساس وإن تم تصريحها وموالاة السير فيها

