حكومة السودان ضد محمد آدم محمد النور
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ بابكر زين العابدين قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محمد آدم محمد النور
م ع/ فج/72 /1987
المبادئ:
قانون حركة المرور لسنة 1983 – وثيقة التأمين – الشخص الثالث – الراكب بأجر أو مقابل
قانون حركة المرور لسنة 1983 – التأمين الإجباري – الهدف منه – المادة 62 قانون حركة المرور
1- أن وثيقة التأمين الإجباري تشمل أي شخص ثالث بما فيه الراكب بأجر أو مقابل إلا من تم استثناؤه بموجب المادة 59 من قانون حركة المرور لسنة 1983م
2- أن الهدف من وراء التأمين الإجباري هو حماية الطرف الثالث ومن ثم فإن أية مخالفة لنصوص وثيقة التأمين أو لنصوص قانون حركة المرور يقترفها المؤمن له يتعين ألا يؤثر على حقوق الطرف الثالث كما يجوز للمحكمة إصدار أي شرط تعسفي يضر بحقوق ذلك الطرف
المحامون/ طه إبراهيم
الحكم
القاضي: علي يوسف الولي :
التاريخ 30/9/1987م
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة الأستاذ طه إبراهيم محامي شركة الخرطوم للتأمين المحدودة عن طريق الفحص طاعناً في حكم محكمة حركة المرور أمدرمان المؤيد بحكم محكمة المديرية أمدرمان والمؤيد بحكم محكمة الاستئناف الخرطوم والقاضي بإدانة المتهم محمد آدم محمد النور المادة 23 من قانون حركة المرور سنة 1983 (جريمة قيادة المركبة بإهمال) والمادة 49 (1) و(أ) من ذات القانون (جريمة تسبيب الموت بإهمال) على أن يدفع المدان المذكور بالتضامن والانفراد مع شركة الخرطوم للتأمين المحدودة لورثة المرحوم مهدي إبراهيم دية كاملة قدرها عشرين ألف جنيه كما يدفع المدان المذكور غرامة قدرها مائة ألف جنيه وبعدم الدفع السجن لمدة شهرين
ينعي الأستاذ طه على حكم محكمة الموضوع بما نستطيع أن نوجزه في نقطتين جوهريتين هما :-
1- ليست هنالك بينات قانونية تنهض عليها الإدانة وذلك في قوله ( فيما تتعلق بالبينات فالاتهام لم يقدم سوى شاهد واحد وهو المتحري الذي قام برسم الكروكي بعد الحادث أما سائق العربة وصاحبها الذي كان يركب معه فقد أغفلت محكمة أول درجة إفادتهما دون مسوغ قانوني وعلى فرض صحة الكروكي الذي يقوم به المتحري والذي نجد فيه أن المرحوم قد قطع 6 خطوات من الشارع والبالغ عرضه 9 خطوات وهو شارع كما لايخفى على علم المحكمة الموقرة ضيق وتحف بجوانبه الخيران والمنحدرات هذه البينة تؤكد أن المرحوم لم يتخذ جانب الحيطة والحذر الكافيين وإلا لكان رأي اللورى القادم مهما كانت سرعته ولكن يبدو أن المرحوم أراد عبور الشارع دون أن يقدر بعد العربة وسرعتها واندفع قاطعاً الشارع الأمر الذي لم يجعل للسائق الفرصة لأن يتدارك الحادث )
2- أغفلت محكمة الموضوع الإهمال أو الخطأ المشترك من جانب المرحوم ولم تضعه في اعتبارها عند تقدير الدية وإذا كان المحامي طه قدر نسبة خطأ المتهم في الحادث بأنها لا تتجاوز 20% فإنه يقصد أن نسبة اشتراك المرحوم في الإهمال أو الخطأ في هذا الحادث هي 80% فقد قال ( أغفلت محكمة الموضوع الموقرة مناقشة الخطأ المشترك وهو أمر وجوبي وكان يجدر بها إعمالاً لصلاحيتها أن تناقش عناصر وجودها أو عدمها وتقرر بعد ذلك إن كان هنالك مشاركة أم لا ونحن من جانبنا نقدر أن اشتراك المتهم في الحادث كان بنسبة لا تتجاوز إلى 20% في هذا البلاغ )
نوجز الوقائع في أن المتهم محمد آدم محمد النور بتاريخ 23/10/85 في حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً كان يقود اللوري رقم 7649/خ على شارع بحي أبي روف بامدرمان من اتجاه الغرب إلى الشرق وكان محملاً بالطوب وعندما وصل إلى سوق الشجرة جاء المرحوم مهدي إبراهيم عابراً ذلك الشارع من اتجاه الشمال إلى الجنوب وكان عرض الشارع 9 خطوات وبعد أن عبر المرحوم الشارع لمسافة 6 خطوات إلى الاتجاه الجنوبي اصطدم بمقدمة اللوري ومات في الحال دون أن يدلي بأي جزئية عن وقائع الحادث وكان اللوري مؤمناً تأميناً إجبارياً ساري المفعول في وقت الحادث بموجب شهادة أو وثيقة تأمين (بوليصة تأمين) من تاريخ 10/7/1985م إلى 30/6/1986م وكان المؤمن شركة الخرطوم للتأمين المحدودة والمؤمن له المدعو حمدنا الله البشير سعيد
الأســـباب
أجدني أرى أن إدانة المتهم محمد آدم محمد النور تحت المادة 23 من قانون حركة المرور سنة 1983 بجريمة قيادة المركبة بإهمال والمادة 49 (1) و(أ) من ذات القانون بجريمة تسبيب الموت بإهمال وردت وفقاً لصحيح القانون وطبقاً للوزن السليم للبينات إلا أني أجد نفسي مع الاحترام – مختلفاً مع المحامي طه إبراهيم في نظره الرامي إلى أن المسؤولية عن الحادث تقع بالاشتراك بين المتهم والمرحوم الذي قدر له نسبة نصيب الأسد وأقرر بأن المرحوم لم يرتكب جريمة الإهمال المشترك بل كان المتهم وحده هو الجاني
بادئ ذي بدء أرى أن أرد على النقطة الأولى الجوهرية التي أوردها المحامي طه إبراهيم في مذكرته والتي ينعي فيها عل حكم محكمة الموضوع بأنه جاء مؤسساً على شهادة شاهد واحد وهو المتحري أراني أجد أن النعي جاء في غير محله لأنه لا تثريب – في القانون – على تأسيس الإدانة في جرائم الحركة والمرور وجرائم القتل بإهمال وغيرها من الجرائم التي عقوبتها العقوبة الأولى الأصلية هي الدية الكاملة المغلظة أو الدية الناقصة (الأرش) أو عقوبات التعازير كالسجن والغرامة والتعويض والمصادره وغيرها كأن يكون النعي في محله لو كانت الجريمة من جرائم الحدود أو القصاص حيث نعت الشريعة الإسلامية السمحاء – عدالة وإنصافا – على ضرورة ثبوتها بنصاب معين من الشهود فإذا نقص ذلك النصاب ولم يكن هنالك دليل آخر من البيئة الشرعية سوى الشهادة أي ليس هنالك إقرار صحيح وصريح وغير مرجوع فيه فإن الجريمة الحدية أو جريمة القصاص لم تثبت فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أسامة عيسى خليل نشرة الأحكام الرباعية يناير – فبراير – مارس سنة 1985م ص 28 بأن إفادة الشاهد الواحد تجوز شرعاً وقانوناً في حالة الجرائم غير الحدية والجرائم التي لم ينص القانون على ضرورة ثبوتها بشهادة أكثر من شاهد واحد
فأية جريمة غير حدية أو غير جريمة قصاص تثبت بشهادة أي عدد من الشهود حتى ولو كان شاهداً واحداً ويمكن أيضاً أن تثبت بقرائن الأحوال والملابسات والبينة الظرفية إذا استوفت شرائطها وضوابطها القانونية المعروفة طالما أنه لم يكن هناك دليل آخر في القضية سوى الشهادة وطالما أن وجدان المحكمة ركن لها وصدقها الضمير واطمأن لصحة الرواية وكونت المحكمة عقيدتها تجاهها عن قناعة
فالثابت – فوق مرحلة الشك المعقول – في هذه القضية التي بين ايدينا من خلال شهادة المتحري الذي قام برسم مكان الحادث بإرشاد المتهم نفسه ومن خلال إفادة صاحب اللوري المدعو خضر البشير سعيد على صفحة 4 من محضر المحاكمة ومن خلال أقوال المتهم نفسه عندما استجوبته محكمة الموضوع ومن خلال قرائن الأحوال والظروف والملابسات التي أحاطت بوقائع هذه القضية – الثابت أن المتهم محمد آدم محمد النور – دون أن يشاركه المرحوم مهدي إبراهيم – كان مهملاً في قيادة اللوري على ذلك الشارع الذي يقع بالقرب من سوق الشجرة حيث يتوقع قدوم المواطنين للسوق لشراء حوائج منازلهم كالخضار واللحمة وخصوصاً في وقت الحادث في الساعة 7:30 صباحاً وقد توفرت عناصر جريمة قيادة المركبة أو العربة بإهمال وجريمة تسبيب موت المرحوم مهدي إبراهيم نتيجة لذلك الإهمال وقبل أن أناقش عناصر الإهمال ومدى توافرها في هذه القضية التي بين أيدينا أرى أن أوضح معنى الإهمال نفسه فالإهمال – بإيجاز – يعني الإخلال بواجب العناية والانتباه اللذين سوف يتخذهما الرجل المعقول العادي الرشيد لو كان في موقف وظروف المهمل مما يترتب على ذلك الإخلال تسبيب ضرر للآخرين فقد جاء في كتاب القانون الجنائي السوداني النظرية العامة للمسئولية الجنائية للدكتور عبد الله أحمد النعيم – الطبعة الأولى 1986 ص 50-51 ما يلي:-
" ويقال عن الشخص أنه تصرف بإهمال إذا تصرف من غير أن يدرك الخطر أو احتمال حدوث النتيجة الضارة والممنوعة قانوناً في الوقت الذي كان الرجل المعقول سيدرك ذلك الخطر أو الاحتمال لو كان في نفس الموقف فالشخص المهمل هو الذي يعجز بصورة غير معقولة عن ضبط سلوكه بالصورة التي لا تؤذي الآخرين فإذا كان تقصيره معقولاً بمعنى أن الرجل المعقول في نفس الوقت كان سيتصرف بنفس الطريقة فلا يعتبر تصرف المتهم مهملاً فالإهمال بصورة عامة هو العجز أو الفشل غير المعقول في ممارسة اإهتمام المناسب والحذر الكافي لتجنب أيذاء الآخرين )
إذا وقع الحادث بسبب عجز السائق عن إدراك الخطر أساساً أن يدخل في شارع آخر دون الإبطاء للتأكد من خلو الطريق فذلك فعل بإهمال
إن الرجل المعقول في مكانه لم يكن يتصرف بتلك الطريقة "
فقد كان المتهم محمد آدم محمد النور يقود اللوري موضوع الحادث على الطريق بحي أبي روف بالقرب من سوق الشجرة بغير انتباه وعناية بغير مراعاة معقولة لنظام السير على الطريق أو للأشخاص الآخرين السائرين عليه – كما سوف أبين فيما يلي – وقد توافرت الأركان الأساسية التي تنهض عليها جريمة قيادة المركية (اللوري) بإهمال مخالفة للمادة 23 من قانون حركة المرور سنة 1983 وجريمة تسبيب موت المرحوم مهدي إبراهيم بإهمال مخالفة للمادة 49(1)(أ) من ذات القانون وعناصر الإهمال هي:-
نشوء واجب العناية:
إن واجب العناية والانتباه والحرص والحرز والتحوط والتثبت والتروي واليقظة في قيادة المركبة كاللوري موضع هذه القضية يقوم كافتراض قانوني على عاتق كل من بدأ في قيادتها وذلك حرصاً على سلامة حياة وأجسام وممتلكات الآخرين الذين يشاركونه استعمال الشارع واستعمال المركبة نفسها بحسبانه أنه يملك السيطرة والهيمنة والتحكم الكامل والإدارة الواعية على تلك المركبة
ففي القصية التي بين أيدينا قد وقع – قانوناً – واجب العناية والانتباه على عاتق المتهم المذكور والحرص على حياة وأجسام أولئك الذين يشاركونه استعمال ذلك الطريق ومنهم المرحوم المذكور وغيره ممن كانوا في ذلك الطريق موعلوم أن واجب العناية والانتباه الملقاة قانوناً على عاتق المتهم المذكور في ظل الظروف وهو أن يستعمل ذلك الطريق الضيق الوعر بالقرب من سوق الشجرة في وقت يتوافر فيه الناس لذلك السوق لشراء حوائجهم في الساعة 7:30 صباحاً وكان اللوري مشحوناً بالطوب لواجب كبير
الإخلال بواجب العناية :
إن المعيار المطلوب – قانوناً لاتخاذ العناية والحيطة والحذر والاستيثاق والتدابير اللازمة هو معيار الرجل المعقول العادي الرشيد في موقف وظروف المتهم فالثابت من إفادة المتحري ومن رسم مكان الحادث الذي أعده بإرشاد المتهم نفسه أن المرحوم عبر الطريق الذي عرضه يبلغ 9 خطوات من اتجاه الشمال إلى اتجاه الجنوب وذلك لمسافة 6 خطوات وثابت من إفادة شاهد العيان خضر البشير سعيد ومن أقوال المتهم نفسه عندما استجوبته محكمة الموضوع أن اللوري اصطدم بالمرحوم بمقدمته فإذا كان كذلك فإنه ثابت أن المتهم اصطدم بمقدمة اللوري بالمرحوم عندما تبقى للمرحوم من عبوره للطريق نهائياًُ ثلاث خطوات فقط فلو بذل المتهم العناية والانتباه – بمعيار الرجل المعقول العادي الرشيد ونظر في الطريق أمامه ثم يميناً ويساراً لشاهد المرحوم وهو يعبر الطريق ولسار المتهم في بطء وتثبت وحذر حتى أن يمر المرحوم من أمام اللوري ولما صدمه بمقدمة اللوري ولو راعى المتهم واجب العناية والانتباه الملقى على عنقه تجاه الذين كانوا يشاركونه استعمال ذلك الطريق لحرص أن يسير في بطء وتروي في ذلك الموضع المزدحم من ذلك الطريق الضيق الوعر حيث اقترب من سوق الشجرة وكان يجدر بالمتهم أن يدرك – كما يدرك الرجل المعقول العادي الرشيد في ظروف وموقف المتهم – بأن ذلك الجزء من ذلك الطريق الضيق الوعر في ذلك الوقت المبكر من الصباح يصبح مزدحماً بالناس الذين من المتوقع قدومهم للسوق لشراء حوائج أسرهم من الخضروات واللحوم التي سوف يفقدونها لولا أنهم جاءوا للسوق في ذلك الوقت المبكر – وقت الحادث
إن الرجل المعقول العادي الرشيد – خلافاً للمتهم – سيدرك حدوث النتيجة الخطرة إذا حاول أن يسابق أحد المشاة الذي عبر الطريق لمسافة ثلثيه إن الرجل المعقول العادي الرشيد سيبطئ السير أو سوف يقف إلى أن يعبر المشاة الطريق بصفة نهائية طالما التقى بهم على مسافة ثلثي الطريق وبما أن المتهم في هذه القضية التي بين أيدينا لم يرتفع لمستوى ذلك التصرف المعقول وهو في ظل تلك الظروف وفي ذلك الطريق الضيق والمتوقع أن يزدحم بالمشاة والمارة لقربه من سوق الشجرة في ذلك الوقت المبكر من الصباح فإن المتهم قد أخل بواجب العناية في قيادة اللوري بلا شك
3/ حدوث الضرر المترتب على الإخلال بواجب العناية:
إن الضرر الذي نتج عن إخلال المتهم بواجب العناية في قيادة اللوري واضح وثابت في موت المرحوم مهدي إبراهيم
4/ قيام علاقة أو رابطة السببية:
إن علاقة أو رابطة السببية التي تربط بين الضرر المذكور وإخلال المتهم بواجب العناية والانتباه في قيادة اللوري ربطاً مباشراً وواضحاً وقوياً وقريباً ومتماسكاً لا فكاك منه ثابتة ما بعد تخطي مرحلة الشك المعقول من خلال التقرير الطبي عن جثة المرحوم مهدي إبراهيم وليس هناك ما يثبت انقطاع تلك الرابطة بأي سبب أو عامل أجنبي آخر فالمرحوم مات نتيجة مباشرة لذلك الحادث لا لغيره
بقي أن أناقش مخالفة الإهمال أو الخطأ المشترك من جانب المرحوم مهدي إبراهيم أي ما إذا كان شارك في الحادث بإهمال لأوضح كيف أني توصلت إلى نتيجة أن المرحوم لم يشارك المتهم المذكور المسؤولية بنسبة خطأه وفقاً لنص المادة 53 من قانون حركة المرور سنة 1983 فالسابقة قضية (1) نور الدين سعد (2) شركة التأمينات العامة ضد خالد أحمد المصطفى نشرة الأحكام الشهرية سنة 1976 ص 10 – تعرف الإهمال المشترك في حوادث حركة المرور بأنه هو فعل أو امتناع يشكل أولاً إخلالاً بواجب المجني عليه في حماية نفسه وثانياً يكون بالإضافة إلى ذلك واحداً من الأسباب التي أدت إلى الحادث وقد ورد في معنى الإهمال المشترك أو الخطأ المشترك في قضية المجلس البلدي بالخرطوم ضد ميتشيل قطران الشهيرة المنشورة في كتاب أشهر الأحكام بالسودان (عشرة أحكام) إعداد وترجمة قاضي المحكمة العليا هنري رياض وكرم شفيق ص 92 ما يلي:-
(أن كلمة الإهمال في عبارة الإهمال المشترك تحمل معنى يختلف قليلاً عن مفهوم كلمة الإهمال بمفردها فليس مهماً في الخطأ المشترك أو الإهمال المشترك أن يكون على المدعى واجب معين قبل المدعى عليه إذ يكفي أن يتضح وفق ظروف الأحوال أن المدعى لم يتصرف تصرف الحريص على نفسه وبعبارة أخرى أن المدعى لم يهتم بالعناية بسلامته مما ساهم في إحداث الضرر لنفسه ومعيار الحيطة اللازمة من المدعى هو نفس ما يتطلب من المدعى عليه فالمتوقع من المدعى حسب الظروف أن يتصرف بتعقل وذلك لحماية نفسه من الأخطار المتوقعة التي دائماً ما تصيب الأشخاص المهملين )
ففي القضية التي بين أيدينا لا أجد دليلاً ينهض على أن المرحوم قام بفعل أو امتنع عن القيام بفعل يشكل إخلالاً بواجبه في حماية نفسه ولا أجد في تصرفه ذاك ما يعد واحداً من الأسباب التي أدت إلى الحادث فالمرحوم كان حريصاً لآخر لحظة على سلامة نفسه لأنه عبر الطريق لمسافة ثلثية دون أن يعرض نفسه لأي خطر بعد أن تأكد من خلو الطريق من أي مركبة فلم يخل بواجب حماية نفسه ولا يعد تصرفه ذاك من الأسباب التي أدت إلى ما حدث ولولا إهمال المتهم في قيادة اللوري لعبر المرحوم الطريق كله بسلام
بقي السؤال المطروح هو على أس أساس تنهض مسؤولية شركة الخرطوم للتأمين المحدودة ؟ غني عن القول بأن عقد التأمين الإجباري فرضه المشرع في المادة 58 من قانون حركة المرور سنة 1983 التي تنص فيما تنص على الآتي:-
" يجوز لأي شخص أن يستعمل أو يتسبب في استعمال أو يسمح لأي شخص آخر باستعمال أي مركبات على أي طريق ما لم توجد بالنسبة لاستعمال تلك المركبة بواسطة ذلك الشخص أو الشخص الآخر بحسب الحالة – وثيقة تأمين سارية المفعول أو آخر ساري المفعول فيما يتعلق بالأخطار التي يتعرض لها (الغير) أو تتعرض لها ممتلكاته "
فبمقتضى هذا النص قد قصد المشرع إلى خلق علاقة قانونية وتعاقدية (حكماً) بين المؤمن وهو غالباً شركة التأمين والطرف الثالث أي المضرور (الغير) وهو رجل الشارع (المارة)الذي يستعمل الطريق
هذه العلاقة تنشأ بمجرد إبرام بوليصة التأمين أي وثيقة التأمين (شهادة التأمين التي فحواها بنود عقد التأمين الذي يربط المؤمن والمؤمن له بعلاقة تعاقدية واضحة لها نصوصها وبنودها والتزاماتها وواجباتها وحقوقها وشأن المشرع في خلق هذه العلاقة التعاقدية حكماً بين المؤمن والطرف الثالث كشأنه في صياغة كثير من القوانين التي تنشئ علاقة قانونية وذات صفة تعاقدية بين الأطراف دون أن يتبادلوا صراحة أو ضمناً الإيجاب والقبول لعله معينة ونصوغ على سبيل المثال لا الحصر قانون الإيجارات في بعض نصـوصه ولذلك فإن وثيقة التأمين ( عقد التأمين – بوليصة التأمين) ينبغي أن تأتي في صيغة تجعل المؤمن مسؤولاً عن جبر أي ضرر يقع على الطرف الثالث في حياته أو في جسمه أو في ماله ينشأ ذلك الضرر نتيجة لخطأ في استعمال مركبة مؤمنة لدى ذلك المؤمن إذا كان الذي يستعملها هو المؤمن له أو كان شخصياً تسبب له في استعماله لها أو سمح باستعماله لها ويلاحظ أن عقد التأمين الإجباري – خلافاً لبقية العقود العادية - يبرم دائماً في غياب الطرف الثالث ومن ثم فإنه قد لا يخضع للنظرية القائلة بأن العقد قانون وشريعة المتعاقدين ولا يخضع أيضاً للنظرية التي التي تنص بقصر الالتزام التعاقدي على طرفي العقد ففي قضية الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد خضر الجاك مجلة الأحكام القضائية سنة 1977م ص 541 قضى بأن عقد التأمين الإجباري يخرج من دائرة العقود الرضائية لأنه عقد يفرضه وينظمه القانون لمصلحة شخص ليس طرفاً فيه – بل مجهولاً وقت إبرامه وقد رفضت المحكمة العليا في قضية ورثة محمد أحمد يعقوب ضد الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات نشرة الأحكام الرباعية أبريل – مايو يونيو سنة 1982 ص 84 المبادئ التي أرستها محكمة الاستئناف السلفية في قضية بابكر كزام ضد شركة شركة السودان للتأمين – مجلة الأحكام القضائية سنة 1969 ص 59 من مراعاة خصوصية العقد ورفضها لتطبيق الإشتراط لمصلحة الغير في حالة التأمين الإجباري فشروط عقد التأمين الإجباري شملها وصاغها ويرعاها قانون حركة المرور بنفسه وهو الذي يفرضها على الأطراف بنفسه ولذلك كما نصت المادة 62 من قانون حركة المرور سنة 1983 إذ جاء في وثيقة عقد التأمين الإجباري التي يصيغها المؤمن والمؤمن له شرط يجرد ويسلب المضرور (الطرف الثالث) حقاً من حقوقه ينبثق بمقتضى ذلك العقد فإنه يقع باطلاً ومرفوضاً ولا أثر له لأنه في الأساس – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عابدين محمد عبد الرازق نشرة الأحكام الرباعية العدد الثاني سنة 1986م ص 30 – أن الهدف أو الحكمة من وراء التأمين الإجباري هو حماية الطرف الثالث ومن ثم فإن أية مخالفة لنصوص وثيقة التأمين أو لنصوص قانون حركة المرور نفسه يقترفها المؤمن له يتعين أن لا تؤثر إطلاقاً على حقوق الطرف الثالث وأيضاً إذا ورد في وثيقة التأمين أي شرط يستثنى انطباق أي مادة من مواد قانون حركة المرور بحيث أن يؤدي ذلك إلى إهدار حقوق الطرف الثالث فإنه أيضاً شرط باطل لا يعتد به
فالأساس الذي تقوم عليه مسؤولية شركة الخرطوم للتأمين المحدودة في هذه القضية التي بين إيدينا تجاه الحادث وهو وجود عقد التأمين الإجباري في المقام الأول ساري المفعول في تاريخ الحادث وذلك بالمعنى القانوني على النحو الذي أسلفت بيانه وفعلاً نجد أن اللوري الذي كان يقوده المتهم كان مؤمناً تأميناً إجبارياً ساري المفعول في تاريخ الحادث من تاريخ 10/7/1985 إلى تاريخ 30/6/1986م لدى الشركة المذكورة المذكورة وكان المؤمن هو حمدنا الله البشير سعيد وعليه فإن تلك الشركة باتت طرفاً في هذا النزاع بموجب المادة 64 من قانون حركة المرور سنة 1983 بحكم مسئوليتها المدنية الناشئة بمقتضى نصوص عقد التأمين المبرم بمقتضى نص المادة 58 من ذات القانون ونجد أن المادة 59 (1) من نفس القانون توضح المسئوليات التي تقع على عاتق المؤمن (في حالة قضيتنا هذه شركة الخرطوم للتأمين المحدودة) بموجب وثيقة التأمين فهي تنص في مستهلها على فحوى بنود عقد التأمين من مسئوليات معينة بأن يجب أن تكون وثيقة التأمين وثيقة تؤمن الشخص أو الأشخاص أو فئة الأشخاص الوارد ذكرهم بها عن أية مسئولية مما يقع على عاتق أي منهم بالنسبة لوفاة أي شخص أو إصابته إصابة جسمانية أو إصابة ممتلكاته بسبب استعمال المركبة على طريق أو تكون ناشئة عن ذلك الاستعمال ( والشخص أو الأشخاص أو فئة الأشخاص الوارد ذكرهم في الوثيقة) هم المؤمن لهم ونجد في قضيتنا هذه أن المؤمن له هو المدعو حمدنا الله البشير سعيد وسائق اللوري المتهم محمد آدم محمد النور الذي أذن له حمدنا الله ليقود اللوري بموجب عقد العمل المبرم بينهما وكلمة (أي شخص) هو (الغير) الوارد في المادة 58 من قانون حركة المرور وهو الطرف الثالث وهو المضرور الذي تعرض للضرر في حياته أو جسمه أو في ممتلكاته وهو المارة الذي يستعمل طريق سواء كان مركبة أو مشاة من الناس أو الحيوانات وكما أن (الغير) يشمل الاستثناء الوارد في الاستئناف من المسئولية المنصوص عنها في صلب المادة 59 (1)(ثانياً) من قانون حركة المرور سنة 1983 أي هو الراكب بأجر أو الراكب بمقابل أو الراكب بسبب أو الراكب بمقتضى ارتباط بعقد خدمة ففي قضية الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد زينب إدريس نشرة الأحكام الشهرية يناير – فبراير – مارس 1979 ص 166 – قضى بأن الفقرة الثانية من المادة 54 من قانون حركة المرور 1962 – (هي نفسها المادة 59(1) (ثانياً) من قانون حركة المرور سنة 1983 بها نص استئنافي يتعلق بالركاب الراكبين في المركبة بأجرة وهذا الاستئناف يدخل هؤلاء الاشخاص في زمرة من يشملهم التأمين الإجباري أي يدخلهم في عداد الطرف الثالث
المشمول في بوليصة التأمين الإجباري وفي قضية الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد محمود حسين إبراهيم نشرة الأحكام الرباعية يوليو – أغسطس – سبتمبر سنة 1981م ص 68 قضت المحكمة بأن وثيقة التأمين الإجباري تشمل أي شخص ثالث بما فيه الراكب بأجر أو مقابل إلا من تم استثناؤه بموجب الفقرتين (أولاً) و(ثانياً) من المادة 54(1) من قانون حركة المرور سنة 1962 أما (المركبة) بمقتضى المادة 3 من قانون حركة المرور سنة 1983 تعني فيما تعني (العربة) ونجد أن (المركبة) موضوع الحادث هو لوري أي عربة
ولكن أرى أنه للوصول لقرار عادل ومنصف يتعين أن أناقش استثناء المسؤوليات الثلاثة الواردة في المادة 59(1) (أولاً) و(ثانياً) و(ثالثاً) عسى أن يتم إعفاء شركة الخرطوم للتأمين المحدودة عن المسؤولية تجاه المضرور (المرحوم) واعتقد أن ذلك واجب يقع على كاهل كل محكمة مرور بعد أن تدين المتهم تحت مخالفة قانون حركة المرور وبعد أن تدخل المؤمن ( شركة التأمين) في إجراءات القضية بموجب المادة 64 من قانون حركة المرور سنة 1983 وبعد سماع الدفوع وبعد أن يثبت لديها إبرام عقد التأمين الإجباري بموجب بوليصة أو وثيقة التأمين السارية المفعول وقت الحادث وفقاً لنصوص المادتين 58و59(1) من ذات القانون
فالسؤال الذي يفرض ويطرح نفسه ويثور ما إذا كان المرحوم طرفاً ثالثاً لعقد التأمين المبرم بين المؤمن شركة الخرطوم للتأمين المحدودة والمؤمن له حمدنا الله البشير سعيد تغطية وتشمله وتتضمنه وثيقة عقد التأمين وتحمى حقوق ورثته كشخص مضرور من جراء مخالفة سائق اللوري المتهم محمد آدم محمد النور لقانون حركة المرور وبالتالي ما إذا كانت مسؤولية هذه تتحملها المؤمن شركة الخرطوم للتأمين المحدودة وحدها أم أن وثيقة التأمين لا تغطي حالة المرحوم ومن ثم لا تقع مسئوليته على عاتق تلك الشركة بل تقع على عاتق المؤمن له حمدنا الله البشير سعيد وسائق اللوري المتهم المذكور بالتضامن والانفراد تأسيساً على أن تلك المسؤولية هي إحدى المسؤوليات الثلاثة المنصوص عليها في المادة 59(1) (أولاً)و(ثانياً)و(ثالثاً) من قانون حركة المرور سنة 1983 التي أعفى القانون المؤمن من تحملها ومراعاتها؟
1/ فالمادة 59(1) (أولاً) من قانون حركة المرور سنة 1983م استثنت من نطاق وثيقة عقد التأمين الإجباري المسؤولية فيما يتعلق بوفاة شخص يكون في خدمة شخص مؤمن له بالوثيقة أو إصابته إصابة جسمانية أو ممتلكاته مما ينشأ عن خدمته في أثنائها
ففي القضية التي أمامنا يتبين من وثيقة التأمين – كما اسلفت القول بأن المؤمن له حمدنا الله البشير سعيد وليس هنالك من الأدلة ما يثبت أن المرحوم مهدي إبراهيم كان في خدمة المؤمن له المذكور في وقت الحادث ومن ثم فإنه واضح بأن هذا الاستثناء لا ينسحب على هذه الحالة مما يجعل مسؤولية المؤمن شركة الخرطوم للتأمين المحدودة بجبر ضرر ورثة المرحوم المذكور ما زالت تقع على عاتقها
2/ المادة 59 (1) (ثانياً) من نفس القانون استثنت من نطاق وثيقة عقد التأمين الإجباري المسؤولية فيما يتعلق بوفاة الركاب المنقولين في المركبة أو عليها أو أثناء دخولهم فيها أو ركوبها أو النزول منها في وقت وقوع الحادث الذي تنشأ عنه المطالبات وذلك باستثناء حالة المركبة التي ينقل فيها الركاب بأجر أو مقابل أو بسبب أو بمقتضى هؤلاء ارتباط الركاب بعقد خدمة
ففي القضية التي بين أيدينا واضح من خلال الوقائع أن هذا الاستثناء لا ينسحب على هذه الحالة لأن المرحوم كان أحد المشاة عندما وقع الحادث ولم يعد منقولاً وقت الحادث باللوري كما لم يقع عليه الحادث أثناء دخوله فيه أو ركبوه فيه أو نزوله منه ومن ثم فإن وثيقة التأمين الإجباري لا بد أن تشمله وتغطيه وتحمي حقوق ورثته في مواجهة الشركة المعنية
3/ المادة 59(1) وثالثاً استثنت من نطاق وثيقة عقد التأمين الإجباري أية مسؤولية تعاقدية وحيث أنه في القضية التي بين أيدينا لم تقدم شركة الخرطوم للتأمين المحدودة دليلاً ينهض على ثبوت أية مسؤولية تعاقدية حسب وقائع حسب وقائع هذه القضية فإن هذا الاستثناء لا ينسحب ومن ثم فإن وثيقة التأمين الإجباري لابد أن تشمل المرحوم المذكور في مواجهة المؤمن الشركة المذكورة إزاء مقدار الدية الكاملة المغلظة التي قضت بها محكمة الموضوع لورثة المرحوم وهي عشرين ألف جنيه لا أجد مبرراً للتدخل فيه لأن محكمة الموضوع عندما وضعت تقدير تلك الدية الكاملة لم تأخذ في الاعتبار أمراً ما كان عليها أخذه كما أنها لم تغفل أمراً كان عليها الأخذ به ولأن الدية الكاملة رصدت وفقاً للمنشور الجنائي رقم 91 /83 الذي حددها ما بين 20 إلى 30 ألف جنيه بعد أن وضعت في حسبانها الظروف والملابسات التي أحاطت بوقائع القضية ولأن محكمة الموضوع لم تأت بديلاً مبالغاً في كثرتها أو مبالغاً في قلتها وضآلتها فلم تشتط فيها وجاءت الدية عادلة ومعقولة ومناسبة في ظل ظروف وملابسات هذه القضية أيضاً مما يمنعني التدخل في تقدير هذه الدية هو أن لمحكمة الموضوع أسبابها التي بنت عليها تقديرها للدية ولم ترصدها جزافاً دون أسانيد وأسس قانونية فالمرحوم مات نتيجة لقيادة المدان المذكور اللوري بإهمال شنيع ودون انتباه ودون حيظة وحذر
القاضي: عبد المنعم الزين النحاس
التاريخ: 2/2/1988م
أوافق وأضيف أن الإدانة جاءت صحيحة وقد أسست على بينة الاتهام ولم تهمل محكمة الموضوع – كما أثار محامي المتهم الأستاذ طه إبراهيم – بينة شاهد الإثبات الثاني الذي كان في صحبة المتهم عند وقوع الحادث بيد أن الشاهد لم يدل بأية إفادة لأنه كان مشغول البال ولم يلم بتاريخ ما حدث ولا جدال أن الإهمال الذي تورط فيه المتهم ثابت إذ أن قرينة الإهمال تقه على المتهم في حوادث المرور ما لم يتحجج المتهم نفسه في دفع هذه القرينة وقد فشل المتهم في تقديم ما يدحض هذه القرينة كما أن العبء يقع على المتهم لإثبات واقعة الإهمال المشترك من قبل المتوفي وهذا أيضاً فشل فيه المتهم
لذا لا أرى ثمة مبرر للتدخل في الإدانة
القاضي بابكر زين العابدين
التاريخ 8/2/1988م
أوافـــق

