ورثـــــة الحاج مدنــــي/ضد/ورثة عبد الماجد محمد كرم الله
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / جون وول ماكيج قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / حيدر مصطفى حمد قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
ورثـــــة الحاج مدنــــي الطاعنون
// ضد //
ورثة عبد الماجد محمد كرم الله مطعـون ضدهـم
النمرة : م ع / ط م/ 397 /1996م
المبادئ:
قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م - تعريف عبارة تصرف الواردة في المادة 615(2) من قانون المعاملات المدنية
قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م - استقرار قضاء المحكمة العليا علي إمكانية اكتساب الملكية العقارية طبقاً لنص المادة 649 من قانون المعاملات
عبارة " تصرف " الواردة في المادة 615(2) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 م إنما تعني التصرف الأول والذي بموجبه تمنح الحكومة منفعة الأرض المملوكة بها عيناً إلي أحد المواطنين ولا تعني التصرفات اللاحقة التي يجريها ذلك المواطن لنقل تلك المنفعة إلي مواطن آخر أو جهة أخري فالتصرف الأول من جانب الدولة لا يصح إلاَّ إذا تم تسجيله
لقد استقر قضاء المحكمة العليا علي أن قانون المعاملات المدنية يقضي في المادة 649 منه بسقوط حق المالك في المطالبة بالحيازة من الحائز الذي دامت حيازته دون انقطاع لمدة عشر سنوات وبحسن نية وبسبب صحيح وهي في الوقت نفسه تقضي باكتساب الملكية العقارية للحائز علي العقار إذا دامت حيازته كمالك دون إنقطاع وكانت الحيازة بحسن نية وتستند علي سبب صحيح
أنظر سابقـــة عمـــر مصطفـــي //ضد// ورثـــة أحـــمد حمزه وآخرين م ع / ط م/ 1414/1992 م ( غير منشــــورة وكذلك أبوعبيده نـــور الجليل //ضـــد// محمد عبد الرازق حماد مجلة الأحكام القضائية (1992 م ) صفحة 424
ملحوظة المحرر :
تفسير عبارة " تصرف " الواردة في المادة 516(2) معاملات مدنية مفصلاً ( غير منشورة ) وعليه نقوم بنشرها في مكان آخر من هذا العدد
المحامون :
الأستاذ / محمد اسحق عبد الكريم عن الطاعنين
الحكـــم
القاضي : علي يوسف الولي
التاريـخ : 11/ 9 /1996م
هذا طعن عن طريق النقض رفعه لهذه المحكمة العليا المحامي محمد اسحق عبد الكريم نيابة عن الطاعنين ورثة الحاجة مدني ضد حكم محكمة الاستئناف لولاية نهر النيل المؤيد لحكم محكمة بربر الجزئية القاضي بطلبات المطعون ضدهم 0
نوجـز الوقائــع إيجازاً غير مخل دون إسهاب ممــل فــي أن المطعــون ضدهــم ( المدعون ) ورثة عبد الماجـد محمـد كـرم الله بتاريخ 12/12/1992م أقاموا الدعوي رقم 172/1992 م لدي محكمة بربر الجزئية في مواجهة الطاعنين ( المدعي عليهم ) ورثة الحاجة مدني فحواها أن مورثة الطاعنين تمتلك خمسة أعواد بالساقية 92 كَنَّوزْ قبلي وبتاريخ 1939 م وبموجب مستند عرفي عتيق اشتري مورث المطعون ضدهم الأرض المذكورة من خير الله الكبير وحبوبة الكبير وهو النصيب الائل إليهما من مورثهم الكبير مدني الذي آل إليه من مورثة المطعون ضدهم الحاجة مدني 0ظل مورث المطعون ضدهم يحوز الأرض حيـازة هادئة وعلنية ومستمرة منذ ذلك التاريخ 0 وفي عام 1992م اعترض أحد الطاعنين اسحق خيرالله المطعون ضدهم في حيازتهم لأرض النزاع 0
من ثم طلب المطعون ضدهم إثبات الشراء ومنع التعرض وتغيير السجل 0
بعد أن صاغت المحكمة نقاط النزاع واستمعت إلي أدلة الإدعاء وبينات النفي قضت بالحكم الآتي :
(( يعدل سجل عدد 5 عود بالحصة ( 16 ) الساقية 92 كَنَّوزْ من اسم الحاجة بنت مدني إلي اسم عبد الماجد محمد كرم الله ) 0
لقد جاء في مذكرة الطعن مايلي :
(( أري بأن قانون المعاملات المدنية المذكور لا يعرف التقادم المكسب للملكية وإذا كانت المادة المذكورة تحمل عبارة التقادم المكسب للملكية عنواناً لها فهي تضع في الواقع القواعد التي تنظم التقادم المسقط كدفع في مواجهة المالك الحقيقي وليـس كسبب للدعوي أي كدرع واق من دعوي المالك لإسترداد حيازة مـلكه وليس كسلاح يسعي الحائز به إلي انتزاع ملكية الأرض من ذلك المالك ويتبين من المادة نفسها سالفة الذكر أن الذي سقط هو حق المالك في التقاضي لإسترداد الحيازة وليس كسب الملكية 000)) 0
تنعي مذكرة الطعن علي محكمة الموضوع تعويلها علي عقد شراء أرض النزاع كمستند لا يثبت واقعة الشراء كما أن المذكرة تري أن ذلك العقد باطل طالما أنه غير مسجل وفقاً لنص المادة 615 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م0
الأسباب
لقد علم الطاعنون بالحكم المطعون فيه بتاريخ 20/3/1996 م ورفعوا هذا الطعن لهذه المحكمة العليا بتاريخ 25/3/1996 م ومن ثم فإنه وجب قبول الطعن من حيث الشكل لأنه رفع خلال القيد الزمني المرسوم قانوناً لرفعه 0
ولكن من حيث الموضوع فنري عدم قبول هذا الطعن ورفضه إيجازياً دون حاجة بنا لأن نتلقي رد المطعون ضدهم علي مذكرة الطعن لأن الطعن بات لا أمل في نجاحه البته ومن ثم أري تأييد حكم محكمة الإستئناف المؤيد لحكم المحكمـة الجزئيــة وذلك لثبوت الأركان الأساسية التي تنهض عليها الحيازة القانونية المكسبة للملكية العقارية بالتقادم وفقاً لنص المادة 649 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م 0
باديء ذي بدء تجدنا لا نوافق محامي الطاعنين في نظره الذي طرحه بأن الحيازة العقارية في ظل قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م هي (( درع )) وليست ( سيفاً ) أن السؤال الذي بات موضع خلاف لدي المحاكم الأدني هو ما إذا كانت المادة 649 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م تصلح فقط كدرع واق يمكن أن يبرزه الحائز في مواجهة المالك المسجل إذا طالب المالك بإسترداد حيازته لأرض النزاع كمالك لها ولكنها لا تصلح بأي حال من الأحوال كسيف مشهر في يد الحائز للمطالبة بتغيير السجل في اسمه وفق الحيازة أياً كانت مدتها ؟؟ أي أن قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م لا يعترف باكتساب الملكية العقارية بـسبب الحيازة أياً كانت مدتها ولكن يعترف بسقوط حق المالك في إسترداد الحيازة من الحائز متي دامت حيازته لمدة عشر سنوات وكانت بحسن نية وتستند علي سبب صحيح ؟؟ لقد استقر قضاء المحكمة العليا علي أن قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م يقضي في المادة 649 منه بسقوط حق مالك العقار بالمطالبة بالحيازة من الحائز الذي دامت حيازته دون إنقطاع لمدة عشر سنوات كمالك وبحسن نية وبسبب صحيح وفي نفس الوقت يقضي في نفس المادة المذكورة باكتساب المليكة العقارية للحائز علي العقار إذا دامت حيازته دون إنقطاع كمالك وكانت الحيازة بحسن نية وتستند علي سبب صحيح فقد قال رئيس القضاء الأسبق السيد / عثمان الطيب في مذكرته حول (( كسب الملكية العقارية )) علي صفحة 282 من مجلة الأحكام القضائية سنة 1985 م ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :
(( وإذا أمعنا النظر في تعريف ( الحيازة )في قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م ) 000 ما هو الغرض منه وماذا يقصد به هل يقصد به الحيازة التي تـؤدي إلي إكتساب الملكية ؟ 0 أظنه هو المقصود منه خاصة وأنه جـــاء في أول الفصــل المعنــون ( إكتساب الملكية بالحيازة ) وبجانب هذا يقول ( يقصد المشرع ) عن الحيازة أنها سلطة فعلية يباشرها الحائز بحيث تكون في مظـهرها وفي قصد الحائز مزاولة للملكية 000 )) 0
وإذا كانت المحكمة العليا في قضية ورثة عثمان علوف وآخرون ضد ورثة الحسن محمد جاه الله وآخرون مجلة الأحكام القضائية سنة 1989 م ص 245 - كسابقة ( يتيمه - قد قضت بأن قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م لا يعترف باكتساب الملكية بسبب الحيازة أياً كانت مدتها أو طبيعتها ولكنه يعترف بسقوط حق المالك في استرداد الحيازة من الحائز متي دامت حيازته لمدة عشر سنوات وكانت بحسن نية وتستند علي سبب صحيح - فقد جاء قضاؤها شاذاً نحسب أن دوائر المحكمة العـليا قد حادت عنه في قضائها الحديث لعلنا نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر قضية عمر مصطفي ضد ورثة أحمد حمزه وآخرين ط م / 1424/1992 م ( غير مدونة ) حيث قضت المحكمة العليا بأن الحائز يستطيع أن يمتلك العقار بالحيازة القانـونية ويتم تغيير السجل من اسم المالك إلي اسمه في حالة أن يرفع دعوي فرعية أثناء سير الدعوي التي يقيمها المالك في مواجهته لإسترداد ملكه منه وجاء علي لسان المحكمة العليا في تلك السابقة ما يلي :
(( أري أنه في ظل قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م وبمقتضي المادة 649 و 559(5) حالتان 0
الحالة الأولي هي التي يدفع فيها المدعي عليه بالمادة 649 وثبوت متطـلباتها مقروءة مع المادة 737(1) من ذات القانون مؤدي هذا الدفع هو شطب دعـوي المدعون وإنتهاء الأمر عند هذا الحد والحالة الثانية هي حالة التمسك بمقتضي المادة 649 والمطالبة بإعلان أحقية المدعي ( المدعي عليه في الدعوي الأصلية ) بالحيازة والمطالبة بتغيير السجل سواء أكان ذلك بمقتضي دعوي فرعية أو دعوي أصلية يرفعها الحائز استقلالاً عن الدعوي التي يرفعها المالك لإسترداد الحيازة 0
ففي الحالة الثانية لا بد من أن يصدر قضاء المحكمة بإعلان أحقية المدعي وفق المادة 649 مع الأمر بتغيير السجل 000)) 0
في سابقة أبوعبيده نور الجليل //ض//د محمد عبد الرازق حماد مجلة الأحكام القضائية سنة 1992 م صفحة 424 قضت المحكمة العليا أنه يجوز للحائز الذي يدعي إكتساب ملكية أرض بالتقادم رفع دعوي لتعديل السجل وفقاً للمادة 85 من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م إذا توفرت له شروط الحيازة المنصوص عليها في المادة 649 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م 0
عليه فإن الحيازة العقاريـــة فــــي ظل قانون المعاملات المدنيـة سنة 1984 م تشكل ( درعاً ) (( وسيفاً )) في آن واحد خلافاً لما ارتأي محامي الطاعنيين أيضاً لا نتفق مع محامي الطاعنيين في نظره بأن عقد شراء أرض النزاع باطل لأنه غير مسجل وفقاً لنص المادة 615 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م ( تعديل سنة 1993 م ) 0
صحيح أن المــادة 615(2) من قانــون المعاملات المدنية سنة 1984 م تنص كالآتي :
(( التصرف في العقار المملوك العين للدولة لا يصح إلا إذا تم تسجيله )) - هذا النص بعد تعديل سنة 1993م الصادر في14/6/1993 م والذي حذف عبارة :
(( يقع باطلاً كل تصرف غير مسجل )) 0
ولقد جري وتواتر واستقر وإنتهي قضاؤها إلي أن كلمة ( التصرف ) الواردة في المادة المذكورة تعني ( المنح الأول ) من جانب الدولة للمواطن تملكه الدولة منفعة عقار مملوك العين لها بموجب عقد الحكر المسجل لدي مكتب تسجيلات الأراضي المنشأ وفقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م في حالة تصرف الدولة في الأراضي التي خضعت للتخطيط وفي هذه الحالة يتملك الحائز سنداً قانونياً يسمي ( شهادة البحث ) أو بموجب الترخيص أو التصديق المؤقت المسجل لدي سجلات ودفاتر السلطات المحلية الإدارية في حالة تصرف الدولة في الأراضي التي لم تخضع بعد للتخطيط ويتملك الحائز سنداً قانونياً يسمي ( شهادة حيازة ) فالتصرف الذي يجب تسجيله ليكون صحيحاً الوارد في المادة 615(2) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984م ( تعديل سنة 1993م ) لا يعني - كما يري محامي الطاعنين - تصرف المواطن الذي ملكته الدولة منفعة الأرض المملوكة العين لها تمليكاً صحيحاً عن طريق ( التسجيل ) - كما سلف بيانه - إذا ما تصرف ذلك المواطن تصرفاً لاحقاً للبيع أو خلافه من التصرفات القانونية في منفعة الأرض المملوكة العين للدولة فقد جاء في قضية ورثة حمدنا الله عثمان ضد الساره شيـخ الدين وآخـرين نمـرة م ع / ط م / 52/1992م ( غير منشورة ) علي لسان المحكمة العليا فـي تفسيرها لكلمة ( التصرف ) الوارده في المادة615(2) من قانون المعاملات المدنية ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :
( المادة 615من قانون المعاملات لسنة 1984 م تتعلق بكسب ملكية العقار بالتصرف القانوني وجاء في فقرتها الثانية (2) النص 000 هذه الفقرة من المادة المشار إليها تتعلق بالمنح الأول من جانب الدولة لشخص تملكه منفعة عقار مملوك لها 0 فالنص ينطبق في حالة التمليك الأول للمنفعة وليس علي التصرفات اللاحقة - فالدولة عندما تتصرف في العقار المملوك العين لها 00000 فإن تصرفها فيه بمنح ملكية المنفـعة لا بد أن يتم تسجيله فإذا لم يتم تسجيله فإنه يقع باطلاً 0 القطعة محل الأنصبة موضوع النزاع المملوك العين للدولة وقد تصرفت هي فيها بمنحها لمورث المدعيين والمدعي عليها وتم تسجيل ذلك التصرف وهو التصرف عند المنح الأول صحيحاً - أما ما لحق بعد ذلك من تصرفات لا يدخل في دائرة المادة 615 (2) هذه 0 فهي لا تنطبق علي الحالة المعروضة ومن ثم لا سبيل لصحة وسلامة ما أشار إليه الاستاذان الجليلان بشأن عدم تسجيل التصرف بالتنازل محل النزاع 000)) فالأرض مدار النزاع مملوكة العين للدولة وقد تصرفت هي فيها بمنحها إلي مورث الطاعنيين الحاجة وتم تسجيل ذلك التصرف وهو التصرف عند المنح الأول جاء صحيحاً وأما ما لحق بعد ذلك من تصرفات لا يدخل في دائرة المادة615(2) المذكورة ولهذا نقرر أن عقد شراء الأرض موضوع النزاع لا يعد باطلاً لعدم تسجيله بموجب تلك المادة المذكورة خلافاً لما ارتأي محامي الطاعنين 0
ونري خلافاً لما رأي محامي الطاعنيين أن مستند إدعاء (1) قد أثبت واقعة بيع العقار مثار النزاع فهو مستند عتيق وفقاً لمنطوق المادة 44 من قانون الإثبات سنة 1993 م وبالتالي يفترض صحة فحواه منذ عام 1939م ولا يقدح ولا يطعنن فيه إلا بالتزوير 0
ونري خلافاً لما رأي محامي الطاعنين أن الأركان الأساسية التي تقوم عليها الحيازة القانونية المكسبة للملكية العقارية بالتقادم الواردة في المادة649 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م قد إستطاع الإدعاء أن يثبتها بترجيح الأدلة لمصلحة المطعون ضدهم 0 فالمادة المذكورة من القانون المذكور تنص علي الآتي :
(( 1 - من حاز بحسن نية وبسبب صحيح منقولاً أو عقاراً أو حقاً عيـنياً علي منقول أو عقار بإعتباره مالكه دون إنقطاع لمدة عشر سنوات فلا تسمع عليه عند الإنكار دعوي الملك أو دعوي الحق العيني من شخص ليس بذي عذر شرعي 0
2 - يجب أن يتوافر حسن النية طوال مدة الحيازة 0
3 - لأغراض البند (1) يعني السبب الصحيح 0
(أ) الإستيلاء علي الأرض الموات 0
(ب) إنتقال المال بالإرث أو الوصية 0
(ج) الهبة بين أحياء بعوض وبغير عوض 0
(د) البيع الرسمي أو العرفي )) 0
دعنا بعد ذلك نناقش الأركان الأساسية التي تقف عليها حيازة المطعون ضدهم القانونية التي أكسبتهم ملكية العقار مدار النزاع بالتقادم وفقاً للمادة المذكورة من القانون المذكور 0
1 - أن تكون الحيازة بحسن نية :
أن حسن النية معناه - هنا - أن يكون الحائز قد اعتقد بأن أرض الغـير التي بني عليها أو غرس فيها مملوكة له 0 فحسن النية اذن - غلط يقع فيه حائز أرض الغير يدفعه إلي الإعتقاد بأن أرض الغير مملوكة له ويجب كما جاء في المذكرة التفسيرية لمشروع القانون المدني سنة 1971 م الجزء (2) صفحتي 996-997 0
(( أن يكون هذا الغلط مغتفراً حتي يستقيم مع حسن النية فإذا كان غير مغتفر فإنه ينفي حسن النية ويستوي أن يكون الخلط في الواقع أو في القانون )) 0
وجاء أيضاً في المذكرة نفسها علي صفحة 1006 ما يلي :
(( فإذا كان الحائز حسن النية يعتقد أن الشيء مملوك له بإنه ينتـفع به كما ينتـفع المالك بملكه فله أن يستعمله وأن يستغله 000)) 0
وفي معني الحيازة أيضاً بحسن نية تنص المادة 637(1) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م كالآتي :
(( يعتبر الحائز حسن النية إذا كان يجهل أنه يعتدي علي حق الغير إلا إذا كان هذا الجهل ناشئاً من خطأً جسيم )) 0
فالحائز حسن النية هو الذي يجهل أنه بحيازته يعتدي علي حق الغير ويكون الجهل ناشئاً عن خطأ جسيم إذا كان الحائز لديه من الأسباب ما يحمله علي العلم بأن الشيء مملوك للغير والغلط الذي لا يغتفر ينفي حسن النية أيضاً 0
والمادة638 (1) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م تنص علي معني الحائز سيء النية بأنه هو المعتدي علي حق الغير كالآتي :
(( يصبح الحائز سيء النية من الوقت الذي يعلم فيه أن حيازته إعتداء علي حق الغير )) 0
ومعلوم أن حيازة الحائز سيء النية لا أثر لها في سقوط حق المالك في المطالبة بإسترداد ملكيته أي لا يسقط حق المالك في التقاضي ضد الحائز لإسترداد ملكيته 0
وحقيقة حيازة أرض الغير بحسن نية تستقي من الوقائع وتستخلص من قرائن الأحوال والظروف وتستشف من الملابسات المحيطة بطبيعة الحيازة نفسها 0
ففي هذه الدعوي التي بين أيدينا نري أن المطعون ضدهم قد حازوا أرض النزاع بحسن نيتهم ومورثهم من قبلهم لأنهم كانوا يجهلون أنهم اعتدوا عليها وذلك بسبب أن مورثهم قد اشتراها بموجب عقد البيع العرفي منذ عام 1939 م فاعتقاد مورث المطعون ضدهم ومن بعده المطعون ضدهم بأن أرض النزاع مملوكة لهم بسبب الشراء إعتقاد ورد في محله مما أثبت حسن نيتهم 0 فغلطهم في ذلك مغتفر لاستقامته مع حسن نيتهم - وحيازتهم بحسن نية تعود لكونهم يجهلون تماماً أنهم معتدون علي أرض النزاع بسبب الشراء ولم يعد جهلهم ذاك ناشئاً عن خطأ جسيم ولا يمكن إعتبار المطعون ضدهم سييء النية في حيازتهم لأرض النزاع لعدم علمهم بأن حيازتهم كانت إعتداء علي أرض - فهم ما زالوا يعتقدون أنهم يحـوزون أرض النزاع بإعتبارهم مالكين لها بمقتضي عقد البيع العرفي وذلك إعتقاداً له ما يبرره 0
2 - أن تكون الحيازة بسبب صحيح :
تنص المادة 649(3) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م المشار إليها آنفاً علي معني ( السبب الصحيح ) وفي قضية شبه عبد الرحمن //ضد// عثمان محمد علي إبراهيم مجلة الأحكام القضائية سنة 1989م ص 250 قضت المحكمة العليا بأن ( السبب الصحيح ) الوارد ذكره في المادة 649 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م المقصود منه التصرف القانوني مثل البيع والهبة والوصية والميراث وذلك لحماية الحائز حسن النية إذا إستمرت حيازته بلا إنقطاع لمدة عشر سنوات 0
فالأسباب الصحيحة التي تبرر الحيازة القانونية وفقاً لنص المادة649(3) (أ) (ب) (ج) (د) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984م هي الإستيلاء علي الأرض الموات وإنتقال الملك بالإرث والوصية والهبة بين الأحياء بعوض أو بغير عوض والبيع الرسمي أو البيع العرفي 0
ففي هذه الدعوي التي بين أيدينا من أجل أن يثبت المطعون ضدهم حيازتهم لأرض النزاع كانت بسبب صحيح شاءوا أن يختاروا السبب الصحيح من الأسباب الاخري الواردة في المادة 649(3) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م المتعلق بالبيع وكان ذلك بيعاً غير رسمي لأنه غير مسجل وغير موثق لدي أحد المحامين الموثقين بل كان بيعاً عرفياً كتب في مستند عتيق منذ سنة 1939م والبيع الذي يشكل سبباً صحيحاً ليس بالضرورة أن يكون عقد بيع ناقلاً للملكية العقارية التي لا تنتقل إلاَّ بعد تسجيل عقد البيع لدي مكتب تسجيلات الأراضي المنشأ بموجب قانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م 0
يكفي عقد البيع ليكون سبباً صحيحاً أن يكون مكتمل الأركان وصحيحاً من حيث الإيجاب والقبول والمحل والسبب أي أن يكون تصرفاً قانونياً كعقد البيع الذي تم إبرامه بين مورث المطعون ضدهم ومورث الطاعنين عام 1930م وفي قضية شبه عبد الرحمن //ضد// عثمان محمد علي إبراهيم المشار إليها آنفاً علي صفحة 253 ورد ما يفيد أن عدم تسجيل عقد البيع لا يجرده من أن يكون سبباً صحيحاً فيما يلي : ثبت أن والد المدعي عليه كان يحوز الأرض بلا إنقطاع لمدة خمس وأربعين سنة تقريباً وأن تلك الحيازة كانت مقترنة بحسن النية وبالسبب الصحيح وهو البيع الذي صدر له من والدة المدعية 0 ورداً علي حجة الطاعنة بأن ذلك البيع لم يكن مسجلاً فإنني أقرر أنه وإن كان البيع غير المسجل يقع باطلاً بموجب المادة 28من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها والمادة 615 من قانون المعاملات المدنية إلاَّ أن ذلك البيع وبموجب النص الصريح في البند (د) من المادة 649(3) يشكل سبباً صحيحاً يحمي حيازة المشتري إذا توفرت لها العناصر الاخري التي تتطلبها المادة 649 من قانون المعاملات المدنية 0
ففي هذه الدعوي التي بين أيدينا الثابت أن مورث المطعون ضدهم اشتري في عام 1939 م العقار مثار النزاع وحازه بموجب عقد البيع ومن ثم فإن حيازته هو وحيازة المطعون ضدهم من بعده باتت بسبب صحيح وهو ذلك البيع العرفي غير المسجل طبقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925 م 0
3 - أن يكون الشيء المحاز عقاراً أو حقاً عينياً علي عقار 0 الثابت أن هذا النزاع الذي بين أيدينا يتعلق بأرض هي عقار 0
4 - أن يحوز الحائز العقار بإعتباره مالكاً له :
يجب أن يكون سلوك الحائز إيجابياً بأن يستولي ويحوز ويستغل العقار ويـظهر فيه بمظهر المالك حتي تتأثر حياته الاقتصادية والاجتماعية بذلك العقار وحتي يرتبط به ربطاً لا فكاك منه ووثيقاً وقوياً فقد قال رئيس القضاء الأسبق عثمان الطيب في بحثه عن كسب الملكية بالحيازة علي صفحة 279من مجلة الأحكام القضائية سنة 1985 م ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :
(( واستغناء المالك أو تركه أو تنازله عن حقه ربما يكون صراحة أو ضمناً 0 والضمني يستنتج من الظروف المحيطة 0 وليس لمن ترك حقه أو تنازل عنه أن يعود إليه ويطالب به يد الحائز الذي سمحت له الظروف بالظهور بمظهر المالك وتقيدت به حياته الاقتصادية أو الإجتماعية أي المالك قد أعطي الفرصة للحائز ليصبح مالكاً 00)) 0
والمادة 631(1) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م نفسها تعرف الحيازة بأنها سلطة فعلية يباشرها الحائز بنفسه أو بوساطة غيره علي شيء مادي بحيث تكون في مظهرها الخارجي وفي قصد الحائز مزاولة للملكية أو لحق عيني آخر 0
ففي هذه الدعوي التي بين أيدينا الثابت أن المطعون ضدهم قد ظهروا بمظهر المالك علي أرض النزاع وتقيدت بها حياتهم الاقتصادية والاجتماعية حيث أن مورثهم من قبلهم منذ أن أشتري أرض النزاع في عام سنة 1929م شرع في زراعتها وإستثمارها ثم جاء المطعون ضدهم وحذوا حذوه وباشروا علي أرض النزاع سلطة فعلية بحيث كانت تلك السلطة الفعلية والسيطرة المادية الكاملة في مظهرها الخارجي وفي قصد المطعون ضدهم مزاولة لملكية العين موضوع النزاع 0
5 - أن تستمر الحيازة علي العقار دون إنقطاع لمدة عشر سنوات 0
الثابت في هذه الدعوي التي بين أيدينا أن حيازة المطعون ضدهم لأرض النزاع امتدت منذ عام 1939 م التاريخ الذي اشتري فيه مورثهم أرض النزاع وكانت حيازة مستمرة دون إنقطاع ولم يتخلوا عنها قيد أنملة ولم يعترض مورث الطاعنين علي حيازة المطعون ضدهم لأرض النزاع إبان حياته كما لم ينازع الطاعنون المطعون ضدهم حول تلك الحيازة بعد وفاته ولم يتعرضوا لهم إلاَّ قبيل تاريخ إقامة هذه الدعوي 0
عليه فإن حيازة المطعون ضدهم قد ثبت إستمرارها علي العقار مثار النزاع دون إنقطاع وبهدوء لأكثر من عشر سنوات خلت 0
6 - أن يكون المالك ليس بذي عذر شرعي
ففي هذه الدعوي التي بين أيدينا لم يقدم الطاعنون ما يثبت عذرهم الشرعي الذي منعهم من مقاضاة المطعون ضدهم منذ وفاة مورثهم وحتي تاريخ إقامة الدعوي وذلك لإسترداد حيازة أرض النزاع منهم 0
فالطاعنون ليسوا بذوي عذر شرعي حال دون مقاضاة المطعون ضدهم لإسترداد أرض النزاع منهم طيلة هذه المدة الطويلة 0
لما تقدم من أسباب ولثبوت الأركان الأساسية التي تنهض عليها الحيازة القانونية المكسبة للملكية العقارية بوضع اليد الواردة في المادة649(1) من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م فإن المطعون ضدهم قد إستحقوا تملك منفعة أرض النزاع وبالتالي تعديل السجل في أسمائهم ومن ثم نري شطب هذا الطعن إيجازياً برسومه 0
القاضي : حيدر مصطفي حمد
التاريـخ : 16/9/1996 م
أوافق 0
القاضي : جـــون وول ماكيــج
التاريـخ : 23/9/1996م
أوافق 0

