كريم أحمد كريم: الطاعن ضد جمهورية السودان: المطعون ضده
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ محمد حمزة الصديق قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
كريم أحمد كريم الطاعن
ضد
جمهورية السودان المطعون ضده
النمرة م ع / ط م / 62/ 1983م
المبادئ:
قانون الأراضي غير المسجلة/ الأراضي الحكومية-إستردادها- تعويض مستغليها تعويضاً مناسباً وعادلاً-المادة 8 (4) من قانون الأراضي غيرالمسجلة لسنة 1970م
ليس في قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970م ما يمنع المواطنين أن يقاضوا الحكومة أمام المحاكم مطالبين بالتعويض المناسب والعادل على ما أنفقوه في إستثمار أو إستغلال الأراضي المملوكة للحكومة والتي أستردتها منهم
الحكـــــــم
القاضي: هنري رياض سكلا
التاريخ: 8/10/1989م
هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة إستئناف الإقليم الأوسط في الإستئناف رقم 163/1982م بتاريخ 2/1/1983موقد أعلنت المطعون ضدها بالطعن فتقدم ممثل النائب العام بمذكرة لدفاعها
و تتحصل وقائع الطعن في إن الطاعن تقدم بعريضة دعوى في 15/2/81م لدى المحكمة الجزئية بمدني في مواجهة المطعون ضدها (جمهورية السودان الديمقراطية) (محافظة الجزيرة) طالباً نقل سجل القطعة رقم 4, 3 مربوع البساتنة من إسم المطعون ضدها إلي إسم الطاعن على أساس إستغلاله للقطعة المذكورة لمدة أربعين عاماً إذ زرع بها جنينة حازها حيازة هادئة وعلنية
وفي 11/3/1981م تقدمت المطعون ضدها بمذكرة مؤداها عدم وجود سبب للدعوى إذ أنه (وطبقاً لنص المادة الخامسة من قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970م لا يجوز لأي شخص أن يدعي أي حق في مواجهة الحكومة عن طريق الحيازة إذ التقادم في أرض مسجلة في إسم الحكومة أو أعتبرت مسجلة بموجب المادة الرابعة من ذات القانون) وأستطردت المذكرة قائلة (كما إن المادة 6 (أ) من قانون التقادم المكسب والمسقط لسنة 1928م تمنع وبصفة وجوبية إدعاء أي حق عن طريق الحيازة أو التقادم في مواجهة الحكومة في أرض مسجلة في إسمها) و من ثم طالبت المطعون ضدها بشطب عريضة الدعوى
وفي 11/3/1981م تقدم الطاعن بعريضة للمحكمة طالباً إصدار أمر منع في مواجهة المطعون ضدها لوقف أعمال الهدم و الإزالة بالقطعة المذكورة وذلك تحت المادة 167 مقروءة مع المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1971م وقد أجابته المحكمة لطلبه
وفي 28/4/1981م تقدم محامي المطعون ضدها بإعتراض على أمر المنع على سببين: أولهما انه لا يجوز إصدار أمر منع قبل تصريح الدعوى وثانيهما وجوب شطب العريضة إعمالاً لأحكام المادة 38 وفقا لما سبق أن أورده ممثل النائب العام بمذكرته
وفي 3/5/1981م إلتمس محامي الطاعن منحه فرصة لتقديم عريضة افضل فاجابته المحكمة لطلبه بعد موافقة محامي المطعون ضدهاومن ثم تقدم الطاعن بعريضة أفضل وهي لا تعدو أن تكون تكرار لجوهر العريضة الأولى ولكنه أضاف إليها طلباً إحتياطياً هو إسترداد تعويض قدره أربعة وعشرين ألف جنيه وقد تضمنت العريضة المعدلة ما يلي:(في يناير 1981م تعدت المدعى عليها على جزء من الارض المذكورة يبلغ نحو 5 أفدنة و أتلفت أحواض الخضروات المقامة فيها وعددها نحو ال 500 حوضاً
كلفت إعداد الأحواض المذكورة مبلغ 4000ألف قيمة الخضروات المعدة في الأحواض مبلغ 20000 جنيه)
وفي 4/3/1982م أصدرت المحكمة الجزئية أمراً يقضي بشطب عريضة الدعوى وإلغاء امر المنع أيضاً وذلك إستناداً على أحكام المادة 6 (أ) من قانون التقادم المكسب والمسقط للملكية لسنة 1928م و أحكام قانون الأراضي غير المسجلة
و أستأنف الطاعن الحكم لدى محكمة المديرية دائرة الجزيرة فقضت في 13/10/1982م بشطب الإستئناف إستناداً على المادة 6 (أ) من قانون التقام على النحو الذي أستندت عليه محكمة أول درجة ثم أستطردت المحكمة قائلة: (أما ما أثير حول تجاهل محكمة أول درجة للتعديل الذي أدخل على عريضة الدعوى فأقول إن التعديل يثير مسألة مختلفة تماماً عن سبب الدعوى الأول وبالتالي لا يجوز قبوله)
و لم يقبل الطاعن بذلك فتقدم بإستئناف لدى محكمة إستئناف الإقليم الأوسط ( م أ / أ س م / 13/6/ 1982م) فقضت في 2/1/1983م بشطب الإستئناف إيجازياً إستناداً على ما أستند إليه حكم محكمة أول درجة ومحكمة ثاني درجة على أحكام المادة 6 (أ) من قانون التقادم المكسب والمسقط للملكية لسنة 1928م وعلى المادتين 4و5 من قانون الأراضي غير المسجلة, بوجه خاص فضلاً عن أحكام المادة 7 (تعديل 1971م) مما مؤداه إبطال جميع الإجراءات التي قيد النظر أمام أية محكمة أو سلطة أخرى تكون متعلقة بحق ملكية على أرض مملوكة للحكومة وفق لهذا القانون الأمر الذي يقطع في لكل حالة على حدة وقد رأت الحكومة في هذه الحالة التي نحن بصددها عدم تعويض الطاعن وليس هناك نص يلزمها بذلك) ثم رد على التمسك بإدعاء الإثراء بلا سبب بأن الإستيلاء أو الثراء بلا سبب يعتبر سبباً جديداً للتقاضي لم تتعرض له عريضة الدعوى المعدلة)
و ما أورده النائب العام يقوم على نظر مؤداه إن ما تضمنه كل من البندين (3) و (4) من المادة 8 من قانون الأراضي غير المسجلة يعطي سلطة مطلقة للحكومة فيما يتعلق بالتعويض في حالة البناء أو إستغلال أرض مملوكة للحكومة تكون بمنأى عن الرقابة القضائية بيد إن مثل هذا النظر قد لا يتفق مع التفسير العادل والمعقول لكل من البندين (3) و (4) وبوجه أخص البند 4 الذي ينص على إنه:
( مع عدم الإخلال بأحكام البنود (1) و (2) و (3) إذا أقتنعت الحكومة بأن شخص أستغل أية أرض مملوكة بموجب هذا القانون فيجوز لها أن تراعي ذلك الإستغلال عند إعداد أي مشروع للتنمية أو للتعاون أو لأي مشروع آخر يشتمل تلك الأرض و إلي أن يتم إعداد ذلك المشروع فلها أن تعالج الموضوع وفقاً لما تراه عادلاً بما في ذلك دفع التعويض الذي تراه مناسباً في كل حالة بذاتها)
ذلك إن مؤدى هذا النبد إنه وإن كان للحكومة سلطة الإستيلاء بلا تعويض وفقاً لظروف كل حالة على حدة الإ أنه يجوز لها أن تدفع تعويضاً أو تتخذ أي إجراء آخر يجبر إضرار من قام بإستغلال الأرض أو يعوضه بعض الشئ من حرمانه من الأرض التي أستغلها في الماضي وذلك لإعتبارات تقوم على العدالة
ومن ثم يكون التعويض مناسباً لكل حالة على حدة –دون الإلتزام بأحكام التعويض المعروفة والمألوفة والمقررة في قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م
وبعبارة أخرى إن التعويض يقوم على العدالة بعد موازنة دقيقة بين مقتضيات الصالح العام والمصلحة الخاصة لمن قام بإستغلال الأرض
والقول بخلاف ذلك أي إعطاء الحكومة سلطة مطلقة في دفع التعويض بقرار منفرد يصدر من جانبها دون خضوعه لرقابة القضاء يتجافي مع محكمة التي دفعت المشرع لإيراد البندين المذكورين
ولما كان التعويض أو ما يماثله يقوم على أساس العدل-وكان مبدأ الإثراء بلا سبب يقوم أساساً على مراعاة العدالة فإنه لا محل للقول بأن مبدأ الإثراء بلا سبب لم يتمسك به وذلك لأن الطاعن جاء إلي رحاب المحكمة باحثاً وناشداً عن حلاً عادلاً ومناسباً ولو سد أمامه طريق نقل السجل
لذلك فإنه و إن كان صحيحاً ما ذهب إليه الحكم من عدم وجود سبب للتقاضي فيما يتعلق بنقل السجل وفقاً للقانون الذي تم رفع الدعوى في ظله إلا أنه يمكن القول بوجود سبب للتقاضي بشأن المطالبة بالتعويض العادل والمناسب مما يبرر نقض الحكم و الأحكام السابقة والأمر بإعادة الاوراق للأمر بتصريح الدعوى وموالاة السير فيها وفقاً للطرق المعتادة
وغنى من البيان إن مثل هذا القرار لا يعني التقرير بوجوب التعويض ومقداره إذ إن جواز الحكم بالتعويض أو عدم الحكم به يكون بعد سماع الأدلة من الجانبين
لكل ذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه والحكم الصادر من محكمة المديرية وحكم المحكمة الجزئية وإعادة الأوراق للمحكمة التي تختص بنظر الدعوى حسب القيمة المدعى بها
لذلك نأمر بما يلي:
1- نقض الحكم المطعون فيه وحكمة محكمة المديرية وحكم المحكمة الجزئية
2- إعادة الأوراق للمحكمة المختصة للإلتزام بمؤدى هذا الحكم
3- إلزام الطاعن بالرسوم
القاضي: محمد حمزة الصديق
التاريخ: 23/10/1989م
أوافـــق
القاضي: على يوسف الولي
التاريخ: 11/10/1989م
أتفق في كل ما ذهب إليه العالم هنري رياض في مذكرته الضافية وأود أن أضيف قليلاً
واضح إن قانون المعاملات المدنية سنة 1984م الذي حجب قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م لا ينسحب على وقائع هذا النزاع لأن القرار المطعون فيه قد صدر من محكمة ود مدني الجزئية بتاريخ 23/4/1982م أي قبل صدور قانون المعاملات المدنية سنة 1984 م أي في ظل قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م وهذا القانون الأخير هو الواجب التطبيق
وتطبيق قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م بأثر رجعي على وقائع هذا النزاع والذي يعترض عليه محامي الطاعن كان في محله ولا غبار عليه ذلك لوضوحه في نص المادة 3 من ذات القانون بالأتي:
(ينطبق هذا القانون على الأراضي في كل مكان في السودان سواء كان نظام تسجيل الأراضي معمولاً به أو غير معمولاً به في ذلك المكان)
فجاء ذلك القانون ليحكم المنازعات والحقوق التي نشأت على جميع الأراضي المسجلة بإسم الحكومة وفقاً لقانون تسوية الأراضي وتسجيلها سنة 1925م والتي لم تسجل في إسم أي مواطن من رعايا الدولة وذلك قبل صدور ذلك القانون أو بعد أي قبل سنة 1970 أو بعدها وحرم ذلك القانون جميع المواطنين من التقاضي أمام المحاكم حول تملك الاراضي المملوكة للدولة بوضع اليد في مواجهة الدولة إلا أنه لم يمنع رعايا الدولة من المنازعات في مواجهة بعضهم البعض دون أن تكون الحكومة طرفاً حول حقوق الإنتفاع بالأراضي المملوكة للدولة ولم تعد الفقرة الأخيرة من المادة 3 من قانون التقادم المكسب والمسقط سنة 1928م والتي تنص على الأتي:
(على إنه في حالة إدعاء التملك في مواجهة الحكومة تكون مدة التقادم المكسب للملكية عشرين سنة)
لها أي بقاء لأن المادة (5) من قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م تنص على الأتي:
(لا يترتب أي حق إتفاق ولا يجوز لأي شخص أن يكتسب في مواجهة الحكومة أي حق عن طريق التقادم علي أي أرض تم تسجيلها بإسم الحكومة وأعتبرت مسجلة بموجب المادة 4/3)
عليه فإن حجة محامي الطاعن بأن قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م لا ينسحب على وقائع هذا النزاع بأثر رجعي لأن الحق المطالب به على الأرض المسجلة بإسم الحكومة قد أكتمل قبل صدور ذلك القانون وذلك بوضع الطاعن يده على تلك الأراضي لمدة 40 عاماً و بإقامته عليها جنينة حجة داحضة يتعين الا يلتفت إليها مع الإحترام الجم
ولذلك فإن رفض عريضة الطاعن ضد الحكومة (محافظة الجزيرة) فيما يتعلق بتملك أرضها المسجلة بإسمها وذلك بوضع اليد كان في محله و لا غبار عليه وحق علينا تأييده
أما فيما يتعلق بطلب الطاعن بتعويضه الوارد في عريضته من الحكومة بعد إسترداد أرضها منه والتي كان يستغلها لمدة أربعين عاماً وأقام عليها جنينة وأحواضاً للخضروات يتعين على محكمة الموضوع الإستمرار في الفصل فيه في مواجهة محافظة مشروع الجزيرة (الحكومة) وذلك لأن قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970لم يمنع المواطنين أن يقاضوا أمام المحاكم الحكومة مطالبين بالتعويض المناسب والعادل على ما أنفقوه في إستثمار أو إستغلال الأراضي المملوكة للحكومة والتي أستردتها منهم وذلك لأن تعويض هؤلاء بواسطة الحكومة وجوبي عليها في تلك الحالة وليس جوازياً لمقتضيات العدالةوالانصاف
فالمادة 8 (43) من قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970م تنص على الأتي:
(مع عدم الإخلال لأحكام البنود (1) و (2) و (3) إذا أقتنعت الحكومة بأن شخصاً أستغل أية أرض مملوكة بموجب هذا القانون فيجوز لها أن تراعي ذلك الإستغلال عند إعداد أي مشروع للتنمية أو للتعاون أو أي مشروع أخر يشمل تلك الأراضي و إلي أن يتم إعداد ذلك المشروع عليها أن تعالج الموضوع وفقاً لما تراه عادلاً بما في ذلك دفع التعويض الذي تراه مناسباً في كل حالة بذاتها)
فالطاعن يدعي بأنه أستغل الأراضي موضوع النزاع المملوكة لمدة 40 عاماً و أقام عليها جنينة و أحواضاُ للخضروات ومن ثم فإن الحكومة وفقاً لنص المادة 8 (4) من قانون الأراضي غير المسجلة سنة 1970م يجب أن تمنحه التعويض الذي تراه عادلاً وللطاعن في حالة رفض الحكومة تعويضه التعويض العادل أن يلجأ للمحاكم وبما إن الطاعن لم يذكر إنه شيد أي مباني على الأرض موضوع النزاع فإن تطبيق المادة 8 (2) و (3) من ذات القانون غير وارد

