قضية طلاق للضرر
المحكمة العليا
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ / الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمةالعليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ / الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمةالعليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ / د الشيخ الولي محمد قاضي المحكمةالعليا عضواً
قرار النقض 65/1982
الصادر في يوم الموافق 30/3/1982م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الطلاق للضرر – متى يتم بعث الحكمين – المادة (5) من المنشور61 واستمرار الخصومة – الصلح وبعث الحكمين – الخصومة والإنجاب
1- بعث الحكمين يتم عادة عندما تعجز الزوجة عن إثبات الضرر تشترط المادة (5) من المنشور الشرعي 17 تكرار الشكوى من الضرر
2- تعالج المادة (5) من المنشور 61 حالة استمرار الخصومة لأكثر من سنة الناشئة عن الضرر مع عدم إمكانية تكراره وعدم قدرة الزوج الحصول بالطاعة عليه فإن المنشور 61 لم يرد قيداً على المادة (15) من ا لمنشور الشرعي (17)
3- الصلح الذي يتم بين الزوجين لا يؤثر على صحة بعث الحكمين بموجب المنشور (17) إذ الموجب لبعثهما تكرار الضرر والشكوى وهذا لا يتأتى إلا بالصلح
4- وجود قضية مرفوعة من الزوج على زوجته بطلب الطاعة أثناء السير في طلبها للطلاق للضرر يدحض دفعه بالصلح
5- لا تعارض بين وجود خصومة بين الزوجين وإنجاب الزوجة من زوجها في تاريخ لاحق بحسب طبيعة انتظار الحمل في بطن أمه عليه فلا يصلح الإنجاب دليلاً قاطعاً على استمرار الصلح بين الزوجين
الوقــائع
رفعت المدعية القضية رقم 1058/79 محكمة مدني الابتدائية /ضد/ المدعى عليه طالبة طلاقها منه للضرر وبينت وقائع الدعوى وصادقها المدعى عليه على الزوجية واستمرار العصمة وأنكر باقي الدعوى وكلفت المحكمة المدعية الإثبات فادعت بأنها قد سبق لها أن ادعت وقائع الضرر هذه ضمن دفعها للدعوى التي رفعها عليها المدعى عليه بطلبه الحكم له عليها بالطاعة بالقضية 467/1979 محكمة مدني الابتدائية وعجزت عن إثبات ذلك الدفع وطلبت يمين المدعى عليه فحلف اليمين على نفي الضرر ولا تزال عاجزة عن الإثبات وحيث أنه قد سبق لها أن طلبت التفريق لضرر سابق بالقضية 151/1976 وقد رفضت تلك الدعوى أيضاً لعجز عن الإثبات فقد تكررت من كل ذلك الشكوى – بالضرر وتحقق العجز عن إثباتها فطلبت بناءً عليه إحالة النزاع إلى حكمين بمقتضى المادة (15) من المنشور (17)
المدعى عليه صادقها على سبق دعواها وقائع الضرر التي ادعتها مؤخراً في معرض التحقيق في قضية الطاعة وأنها قد عجزت حينذاك عن الإثبات وحلف اليمين بطلبها على نفيها ثم اطلعت المحكمة على أوراق القضية رقم 151/1976 وتبين لها صحة ما ادعته المدعية وأنها قد رفضت في 23/5/1976 وقررت بناء على كل ذلك بعث الحكمين
بتاريخ 6/5/1980 رفع الحكمان قرارهما إلى المحكمة ويقضي باستحالة استمرار العشرة بين الزوجين وأنهما يريان بناءً عليه التفريق بين الزوجين مقابل ثلاثمائة جنيه يلزم الزوجة أن تدفعها للزوج
في 6/7/1980 ذكرت المحكمة أنها وجدت بالملف عريضة من المدعى عليه مؤرخة في 23/1/1980 يدعي فيها أن الحياة الزوجية قد عادت بين الزوجين إلى سابق حالها واصطلحا بعد رفض المحكمة الدعوى الأولى من ا لمدعية بطلبها الطلاق للضرر وكان نتيجة ذلك أن أنجبا طفلة تاريخ ميلادها 6/3/1979 وصادقت المدعية على ما جاء بالعريضة وإنجابها طفلة منه
أصدرت المحكمة قرارها في 6/7/1980 ويقضي برفض الدعوى مؤسسة ذلك بأن واقعة بعث الحكمين طبقاً للمنشور (17) لم تتحقق وذلك استناداً على المنشور (61) في الفقرة (ج) من المادة الخامسة منه والتي تشترط لذلك عدم المعاشرة بين الزوجين وإنجابهما بسبب ذلك الطفلة المذكورة طعنت المحكوم ضدها بالاستئناف في 7/7/1980 أمام محكمة المديرية بموجب القضية 117/ق س/1980 طالبة إلغاء الحكم وإجازة ما قرره الحكمان مؤسسة ذلك بأن المحكمة الابتدائية قد طبقت الواقعة المنشور (61) مع أن النص الواجب التطبيق هو المادة (15) من المنشور(17) التي تشترط تكرار الشكوى والعجز عن الإثبات وأن المنشور (61) لم يرد قيداً على المادة المذكورة بل جاء ليعالج واقعة تخالف ما عالجه المنشور (17) وهي ثبوت ضرر يمنع الطاعة ولا يبيح الطلاق مع استمرار الخصومة وتعذر التقاء الزوجين
وأجاب المستأنف ضده على الطعن بأن الطعن المدعى به في القضيتين لم يثبت وقد أقسم اليمين على نفيه فالواجب رفض الاستئناف وقرار الحكمين
ثم أصدرت محكمة الاستئناف قرراها المؤرخ 14/1/1981م برفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه
وعللت قراراها بأن الشرط في بعض الحكمين تكرار الضرر وتعدد الشكوى والصلح الذي تم بين الطرفين وطابت الحياة بسببه ثلاث سنوات أو أكثر كان من ثمرته إنجاب طفلة في 6/3/1979 هذا الصلح إنما تم بعد دعوى الضرر الأولى وامتد حتى واقعة الضرر الثانية فينبغي ألا تؤخذ تلك الشكوى التي أعقبها صلح في الاعتبار وعليه فلم يبق سوى الضرر المدعى به مؤخراً ولذا فقد جاء قرار بعث الحكمين في غير محله وقرار المحكمة الابتدائية العدول عنه جاء صحيحاً فينبغي تأييده
في 26/1/1981م طعنت المحكوم ضدها بالنقض في قرار المحكمتين الابتدائية والاستئنافية بموجب القضية 34/1981 مطالبة بإلغاء القرارين والحكم بما قرره الحكمان وأسست طلبهما بما يأتي :
أولاً : إن تكرار الشكوى بالضرر قد تحقق وذلك بموجب القضايا 151/76 و 467/79 و1058/79 مدني الابتدائية كما تحقق العجز عن الإثبات فأصبح بعث الحكمين لازماً وهذا ما قررته المحكمة الابتدائية أولاً
ثانياً : إن واقعة الدعوى هذه إنما تحكمها المادة (15) من المنشور (17) وأن المنشور (61) إنما عالج – فيما عالج – حال رفض دعوى الطلاق للضرر مع ثبوت ضرر لا يستوجب التطبيق مع استمرار الخصومة بين الزوجين وبالتالي فلا ينطبق المنشور (61) على هذه الدعوى
ثالثاُ : إن الصلح الذي تم بين الزوجين لا يهدم الضرر الأول ولا يبطل قرار إحالة النزاع للتحكيم إذا ما حدث ضرر لاحق وتشاق الزوجين بعد الصلح وهو ما حدث في هذه الواقعة إنما الصلح الذي يهدم ويمنع بعث الحكمين فهو الذين يعقب واقعة الضرر الأخيرة وهذا ما لم يحدث
وقد أعلن المطعون ضده بعريضة النقض فلم يرد إلى انقضاء المدة القانونية
الأســباب
قدم الطعن في موعده القانوني فاستوفى شروطه الشكلية وفي الموضوع فإن الطرفين قد اتفقا على تكرار الشكوى بالضرر والعجز عن الإثبات ولكن المحكمتين – الابتدائية والاستئنافية مع اتفاقهما على عدم استيفاء الشروط اللازمة لبعث الحكمين إلا أنهما قد اختلفتا في سبب ذلك فقد ذهبت المحكمة الابتدائية إلى أن الصلح الذي تم بين الزوجين بعد الدعوى الأولى يخالف الفقرة (ج) من المادة (5) من المنشور (61) التي تشترط لبعث الحكمين استمرار الخصومة وعدم المعاشرة بين الزوجين فكأنها بذلك ترى أن بعث الحكمين لا يصح إلا بموجب المادة (5) من المنشور (61) في حين ذهبت محكمة الاستئناف إلى أن الصلح الذي تم بين الزوجين قد أبطل أثر الدعوى الأولى وبذلك لم يبق أثر لتلك الشكوى وبالتالي لم يتحقق التكرار الذي اشترطته المادة (15) من المنشور (17) وذلك على فرض صحة الشكوى الأخيرة وبذلك تطابق قرار المحكمين على رفض الدعوى مع اختلاف الأسباب
إن بعث الحكمين عند عجز الزوجة عن إثبات الضرر إنما تحكمه في الأساس – المادة (15) من المنشور (17) التي تشترط تكرار الشكوى عملاً بأحد قولين في المذهب المالكي إلا أن المشرع قد لاحظ أن العجز عن الإثبات قد يحدث مرة واحدة ولا يتأتى في التكرار باستمرار الخصومة بين الزوجين وعدم قدرة الزوج على الحصول على حكم بالطاعة وذلك إذا ثبت للمحكمة ضرر لا يبرر له طلب الحكم بالطاعة فعالج هذه الواقعة بالمادة (5) من المنشور (61) فأصبح كل من التشريعين يعالج أمراً يخالف ما يعالجه الآخر أما الدعوى في التشريع(17) تتكون من واقعتين أو عدة وقائع أما في المنشور (61) فإنها تنصب على واقعة واحدة إلا أن استمرار الخصومة لمدة سنة على الأقل أباح للزوجة أن تعيد طلبها بالطلاق وللمحكمة أن تبعث الحكمين عند رفض الزوج الطلاق وعليه فإن المنشور (61) لم يرد قيداً على المادة (15) من المنشور (17) بل لا يزال النص في الأخيرة على إطلاقه ومجال تطبيقه يخالف مجال تطبيق التشريع اللاحق ويبدو أن الخلط الذي وقعت فيه المحكمة الابتدائية ناشئ من أن المنشور (61) قد نص في أ كثر من موضع على بعث الحكمين وأن يكون بعثهما وفقاً للمنشور (17) فتبادر إلى المحكمة أن بعث الحكمين الذي جاءت أحكامه في المنشور (17) لا يتم إلا مراعاة لما ورد في المنشور (61) وهو خطأ واضح
إن الصلح الذي تم بين الزوجين لا يؤثر في صحة بعث الحكمين إذا ما تجدد الضرر وتكررت الشكوى لأنه لا يتصور أن يتكرر الضرر إلا بعد الصلح وأن أساس بعث الحكمين الذي يقوم عليه المذهب المالكي وهو مصدر هذا التشريع – إنما هو الإشكال فإذا أشكل الأمر على المحكمة ولم يثبت لها ضرر الزوج أو أحد الزوجين للآخر بالبينة أو الإقرار بعثت الحكمين عملاً بالآية الكريمة والصلح لا يزيل الإشكال إذا ما تكرر الضرر واستمر العجز عن الإثبات – لأن للقاضي – كما ورد في الفقه المالكي أن يسكنها بين قوم صالحين إن لم تكن بينهم ليشهدوا عليه وهذا إنما يكون بعد الشكوى الأولى والسكنى مع الزوج بين قوم صالحين إنما هو استمرار للعشرة وقد ينتج عن هذا الصلح من فشل فلم يرد في المذهب ما يجعل هذا مانعاً من بعث الحكمين جاء في الشرح الكبير – قوله : ويسكنها بين قوم صالحين – وهم من تقبل شهادتهم – إن لم تكن من بينهم هذا فيما ادعت الضرر وتكررت الشكوى وعجزت عن إثبات دعواها وفيما إذا ادعى كل منهما الضرر وتكررت الشكوى وعجزا عن إثباته فمحل تسكينه بينهم إنما هو عند الإشكال وإن أشكل الأمر – أي استمر الإشكال بعد تسكينها بين قوم صالحين أو كانت بينهم ابتداءً أو لم يمكن للسكنى بينهم بعث الحاكم حكمين ( الشرح الكبير 2 ص 350 ) فيبدو مما أوردنا أن المبرر لبعث الحكمين قد تحقق – كما أن التكرار الذي اشترطه المذهب لا يتأتى إلى بمعاودة الزوجين حياتهما واستمرار العشرة بينهما لفترة أخرى وما يترتب على تلك العشرة من فشل لا يمنع بعث الحكمين إذا ما تكررت الشكوى ولذلك فقد خالفت محكمة الاستئناف أحكام المذهب وهو مصدر التشريع – أن المحكمتين قد استندتا على أن إنجاب الطفلة في تاريخ لاحق هو 6/3/1979 دليل على استمرار الحياة الزوجية وامتداد الصلح بين الزوجين إلى ذلك التاريخ ما يناقض دعوى الزوجة الثانية بالضرر وطلبها التفريق وهو مجرد استنتاج لا يقوى إلى درجة الدليل الذي يثبت بالظن القوي فإنه لا تعارض بين وجود خصومة بين الزوجين وإنجاب الزوجة من زوجها في تاريخ لاحق بحسب طبيعة انتظار الحمل في بطن أمه كما أن وجود قضية مرفوعة من الزوج بطلب الحكم على زوجته بالطاعة يدحض هذا ويثبت نقيضه وعليه فقد يثبت بكل ذلك تكرار الشكوى بالضرر من المدعية والعجز عن إثباته وهو أدل مظهر للشقاق بين الزوجين ولا علاج له إلا لما جاء في المادة (15) من المنشور (17) وهو بعث الحكمين الذي دلت عليه الآية الكريمة وهو ما قررته المحكمة الابتدائية أولاً وبذلك جاء حكم المحكمتين مخالفاً لقانون والفقه فوجب إلغاءهما
لـــذلـــــك
قرنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء حكم المحكمتين الابتدائية والاستئنافية والحكم بما قرره الحكمان بطلاق الطاعنة طلاقاً بائناً من المطعون ضده وإلزامها بدفع مبلغ ثلاثمائة جنيه

