قضايا مختارة (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
حكم محكمة الموضوع
محكمة جنايات الخرطوم شمال
محاكمة: عمر حسن أحمد البشير
البلاغ رقم 40/2019م
الوقائع:
تتلخص وقائع هذا البلاغ أنه وبتاريخ 16/أبريل/2019م وبناءً على معلومات وبموجب خطاب النيابة العامة صدر أمر تفتيش من النيابة لتفتيش مقر الرئيس المعزول المتهم الماثل أمام المحكمة ببيت الضيافة بالقيادة العامة للقوات المسلحة وبتنفيذ أمر التفتيش تم العثور على مبالغ مالية بيانها كالآتي: 351,770 دولار أمريكي ومبلغ 6,997,500 يورو زائداً مبلغ 5000,000 جنيه ودفتر شيكات باسم المتهم على بنك النيلين للتنمية الصناعية فرع الأمم المتحدة بالحساب 011262 ودفتر شيكات آخر باسم المتهم لدى بنك الإمارات وحقيبة سفر سمسنايد كبيرة بلون فضي ، تم ضبط المعروضات بعدها تم رصد المبالغ المضبوطة وإرسالها لبنك السودان المركزي للحفظ وذلك حسب إيصال الاستلام مستند الاتهام رقم (5) ومن ثم تم القبض على المتهم بتاريخ 5/مايو/2019م وتم استجوابه بيومية التحري على الصفحات 11/12/13/14 وبتاريخ 16/مايو/2019م تم تدوين الاعتراف القضائي للمتهم بيومية التحري ، وبتاريخ 11/يونيو/2019م تم توجيه التهمة للمتهم تحت المادتين (5/9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م ، والمادتين (6/7) والمادتين (3/8) من أمر الطوارئ رقم 6/لسنة 2019م وأثناء التحري تم فصل الاتهام في مواجهة المتهمين طارق سر الختم وحاتم حسن بخيت لعدم القبض عليهما ولوجودهما خارج السودان وبعد فصل الاتهام تم تقديم المتهم للمحاكمة تحت مواد الاتهام المذكورة ، وذلك إعمالاً لما أرسته سابقة حكومة السودان //ضد// محمود حامد وآخرين بقرار الاستئناف /م أ ش/أ س ج/59/1983م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي: (أن عدم العثور على باقي المتهمين أو عدم وصول التقارير النهائية عن بعض المصابين لا يبرر تجديد مدة الحراسة لأحد المتهمين متى اقتنع القاضي بسلامة التحريات ولا مبرر لبقائه مدة أطول).
وقد استهلت إجراءات المحاكمة في المحاكمة غير الإيجازية وفقاً لأحكام المادة (139) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ووفقاً لمنشور المحاكم الجنائية رقم (11) للمحاكمات غير الإيجازية أمام القضاة ، وذلك بتقديم خطبة الاتهام بواسطة النائب العام لجمهورية السودان عبر رئيس هيئة الاتهام رئيس النيابة العامة ياسر بشير البخاري ومن ثم تم سماع المتحرى والمُبلغ وثلاثة من شهود الاتهام ، وبناءً على طلب الاتهام تم قفل قضية الاتهام وشرعت المحكمة مباشرة في استجواب المتهم بعدما تلُي عليه اعترافه المدون بيومية التحري ، وبموجب قرار مسبب وإعمالاً لأحكام المادة (143) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م تم تحرير ورقة الاتهام للمتهم تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقروءة مع المادتين (5/9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م والمواد 6(ج/7/9) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م وأمر الطوارئ رقم 6/ لسنة 2019م والمادة (3) المتعلقة بحيازة النقد الوطني ، وجاء الرد على التهمة وفقاً لأحكام المادة (144) من قانون الإجراءات الجنائية بعد ما تمت تلاوتها على المتهم ، وجاء الرد بأنه غير مذنب تحت مواد الاتهام ، وكان خط الدفاع بأن المتهم كان رئيساً بجمهورية السودان وقد خوله الدستور الانتقالي لسنة 2005م وبحكم مسؤوليته التعامل مع جهة سيادية في دولة لها علاقات إستراتجية والشخصية الأولى في الدولة ، وأنه قدر بأن لا يرفض الرسالة ، وأن المتهم لم يطلب هذا المبلغ كما أنه لم يستخدمه لأي أغراض شخصية ، وأن المتهم ليس موظفاً عاماً وأنه لم يتعامل بالنقد الأجنبي بالبيع أو الشراء ، وكان يدعم بعض الشركات العاملة في إستيراد القمح بحكم مسؤوليته وأن التعامل الذي تم لم يتم بصفة شخصية والتعامل تم مع شركة (سين) للغلال التي توفر نسبة 44% من حاجة البلاد ، وفيما يتعلق بمبلغ الخمسة ملايين جنيه لا تخص المتهم ولم يحتفظ بهـا لأغراض شخصية وكان استلامها لتحقيق الأمن الغذائي أثناء أزمة الخبز ، كما أن المتهم لم يخالف قانون النقد الأجنبي ولا اللوائح والمنشورات الصادرة من بنك السودان ، وكما لم يخالف الضوابط المنصوص عليها في أمر الطوارئ ولم يثر ثراءً حراماً وقد تصرف في المبلغ للمصلحة العامة ومهام خاصة ، وأن لديهم عدداً من الشهود والمستندات تؤكد ما تم الدفع به ، وبناءً على ذلك تم تحديد جلسة لسماع شهود الدفاع وتقديم المستندات ، ومن خلال سماع شهود الدفاع قدمت العديد من الطلبات ، ومن ضمن الطلبات المقدمة الطلب المتعلق بتعديل ورقة الاتهام ، وإعمالاً لأحكام المادة (147) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م تم تعديل ورقة الاتهام باستبعاد المادة (9) المتعلقة بإقرار الذمة الواردة بقانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م ، وكما تم إسقاط الاتهام المتعلق بالفقرة (3) من أمر الطوارئ رقم 6/ لسنة 2019م والتي نصت على حظر حيازة وتخزين العملة الوطنية التي تجاوزت مبلغ مليون جنيه وذلك وفقاً لما جاء بالقرار الصادر بالرقم 220/لسنة 2019م بتاريخ 27/يوليو/2019م من رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول/عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان والذي قرر تعديل أمر الطوارئ رقم 6/ لسنة 2019م بحذف المادة (3) المتعلقة بحيازة العملة الوطنية وإسقاط العقوبات والمصادرات التي تمت بموجبها وإعادتها لأصحابها ، اعتباراً من 11/ابريل/2019م ونسبة لذلك وبما أن البلاغ قيد بتاريخ 16/أبريل/2019م أصبح هذا المبلغ خارجاً عن نطاق الحظر ، مع الإبقاء على حجز المبلغ الذي تم ضبطه بالعملة الوطنية لارتباطه بجريمة التعامل بالنقد الأجنبي ، والإبقاء على الاتهام تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل2015م مقروءة مع المادتين (5/9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م والمادتين (6/ج/7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م وبعدها قررت المحكمة الاستمرار في الإجراءات في مواصلة سماع شهود الدفاع الذين وصل عددهم ثلاثة عشر شاهداً ، وحددت جلسة 5/أكتوبر/2019م لسماع بقية الشهود كفرصة أخيرة ، إلا أن الدفاع تقدم بطلب استئناف لدى محكمة الاستئناف بالاستئناف أ س ج/1080/2019م مستأنفاً ما صدر من قرارات ومطالباً بفحص الدعوى الجنائية وبتاريخ 6/أكتوبر/2019م جاء قرار محكمة الاستئناف أمراً بشطب الطلب مع الأمر بإعادة الأوراق لموالاة السير في الإجراءات وبعد إعادة الأوراق تم تحديد جلسة 19/اكتوبر/2019م مع الأمر بإعلان الأطراف وبقية شهود الدفاع وفي الجلسة المحددة تم سماع شاهد الدفاع الرابع عشر وبناءً على طلب الدفاع تم تحديد جلسة 26/أكتوبر/2019م لإعلان بقية شهود الدفاع وفي الجلسة المحددة لم يحضر شاهد الدفاع مدير ديوان المراجعة العام لجمهورية السودان ، وحددت جلسة 2/نوفمبر/2019م لإعادة إعلان الشاهد المذكور حيث اتضح بأنه كان متواجداً خارج السودان في مهمة رسمية ومن ثم تحديد جلسة 16/ نوفمبر/2019م والتي تم فيها سماع الشاهد المذكور ، وبعدها تم تقديم طلب من ممثل هيئة الدفاع يلتمس فيه الإمهال لإعلان الشاهد طارق سر الختم وبعد الرد والتعقيب قررت المحكمة رفض الطلب ، مع الأمر بقفل قضية الدفاع وبناءً على طلب الاتهام والدفاع حددت جلسة 24/نوفمبر/2019م لتقديم مرافعة الاتهام الختامية والتي أوضحت صفة الموظف العام وفقاً لما جاء بالمادة الرابعة من قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لسنة 2016م والتي نصت على تعريف الموظف العام والذي يقصد به (كل شخص تعينه سلطة عامة أو ينتخب للقيام بوظيفة عامة سواء كان يشغل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو إدارياً أو قضائياً بصفة دائمة أو مؤقتة مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر بصرف النظر عن أقدمية ذلك الشخص) وقد أوضحت بأن رئيس الجمهورية يمثل رأس السلطة التنفيذية وقمتها وبما لا يدع مجالاً للشك بأنه موظف عام ثم ناقشت المرافعة الختامية البينات المقدمة والمتعلقة بجريمة الثراء الحرام والمشبوه ومن ثم ناقشت عناصر المادة (5) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي والمادة 2(7) من قانون أمر الطوارئ رقم 3/ لسنة 2019م والذي يحظر التعامل بالنقد الأجنبي بيعاً أو شراءً خارج القنوات الرسمية مقروءة مع المادة 2(8) من أمر الطوارئ 6 لسنة 2019م . كما دلفت للحديث عن الحصانة الدستورية وأعمال السيادة والحصانة الإجرائية والموضوعية وفقاً لدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م ومن ثم نفت أعمال السيادة التي دفع بها الدفاع عند الرد على التهمة طالما أن الجرائم موضوع الدعوى الجنائية لا ترتبط بأعمال السيادة وناقشت الاعتراف القضائي الوارد بيومية التحري ومدلوله في البينة المقدمة وفي خاتمة المطاف أوضح بأن الاتهام قد أستطاع إثبات جـرم المتهم فوق مرحلة الشك المعقول هذا مجمل ما جاء بمرافعة الاتهام الختامية.
وبتاريخ 8/ديسمبر/2019م جاءت مرافعة الدفاع الختامية مستعرضة لما جاء بيومية التحري والخلل الذي لازم التحريات وإخفاء بعض المستندات التي تقف شاهداً لمصلحة المتهم وذلك بعد ما قامت بسرد الوقائع الخاصة بالبلاغ الجنائي والتعامل الذي تم من قبل النيابة في حق شهود الدفاع مع التطرق للمآثر التي قدمها المتهم لجمهورية السودان ومناقشة الأوضاع السياسية السابقة لإجراءات البلاغ وبعد قيد الدعوى الجنائية كما ناقشت أمر الاعتراف القضائي ووجهت اتهاماً لاذعاً لكل من النيابة والقضاة الذين قاموا بتدوين الاعتراف القضائي للمتهم من داخل سجن كوبر العمومي ووصفتهم بالانحياز السياسي لمن سموا أنفسهم قوى الحرية والتغيير والمخاصمة السياسية للمتهم وسيرهم في موكب تأييد القوى السياسية بميدان الاعتصام ومشاركتهم في الإضراب السياسي الذي دعت له تلك الجهات السياسية يومي 28/29 من شهر يونيو/2019م وبفقدان حيادهما واستقلالهما القضائي وبذلك يعتري الاعتراف الشبهة وتحيط به ، وكما أوضحت مرافعة الدفاع الختامية بطلان إجراءات التفتيش الذي تم والذي على ضوئه تم العثور على المبالغ المضبوطة وكما نفت صفة الموظف العام بالنسبة للمتهم وذلك من خلال ما هو وارد في تعريف الموظف العام بالقانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م طالما أنه رئيس للجمهورية تم انتخابه بواسطة الشعب ولم يتم تعيينه بواسطة سلطة عامة وفقاً لما جاء بنص المادة (3) من القانون الجنائي ، كما دلفت لدستور السودان الانتقالي حول مساءلة رئيس الجمهورية إذا ما أرتكب جريمة أو انتهاكاً للقانون فإن الاختصاص ينعقد للمحكمة الدستورية دون غيرها من المحاكم وعلى ضوء ذلك نفت اختصاص هذه المحكمة في محاكمة المتهم بهذه الصفة ومن ثم ناقشت عناصر مواد الاتهام وإثبات عدم إمكانية الاتهام لإثبات عناصرها في حق المتهم وكما ناقشت البينة المقدمة من الاتهام والمستندات المقدمة وبينة الدفاع والتي سوف نتطرق إليها بإذن الله كل ما اقتضى الأمر ذلك هذا مجمل ما جاء بوقائع الدعوى الجنائية وقبل البدء في مناقشة مواد الاتهام من الناحية القانونية كان لابد من التطرق لمرافعة الدفاع الختامية والتي أوردت أسباباً لا تمت لإجراءات التقاضي بشئ بالنسبة للقضاة الذين دونوا الاعتراف القضائي على الرغم من أن هناك قاضياً واحداً بمحضر يومية التحري ورموه بأنه سياسي ناشط وسافر الخصومة للمتهم ومشاركته في الوقفات الاحتجاجية ضد المتهم وعلى الرغم من أننا كنا نود أن نغض الطرف عن ذلك الحديث والذي تم تداوله في وسائل الإعلام من قبل هيئة الدفاع ، وبما أنه قد عادت هيئة الدفاع من إيراده مرة آخري بمرافعة الدفاع الختامية كان لزاماً علينا التصدي له مستصحبين ما جاء بمنشور المحاكم الجنائية رقم (23) بأن التقليد الراسخ بأن القضاء له احترامه وهيبته وعدم التجريح فيه ولا بد من الابتعاد عن كل ما يشين ويشرخ فيه ، طالما أن القضاء السوداني ظل راسخاً وشامخاً كشموخ توتيل والبركل ومرة ، ويعلم بذلك القاصي والداني وما للقضاء السوداني من العزة والرفعة في جميع المحافل الإقليمية والدولية وأن المتهم نفسه وطيلة الثلاثة عقود من الزمان ظل فخوراً بذلك وقد وجد منه العديد من الأنواط والأوسمة وما كان لهيئة الدفاع أن تقول بذلك ، طالما جاء في عظمة القضاء وشرفه ما رؤى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين) ويعلق أبن فرحون على هذا الحديث بقوله هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته ، ومن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه وهو دليل على طاعة من قضى بالحق إذ جعله ذبيح الحق امتحاناً ، لتعظيم المثوبة له امتناناً ، فالقاضي لما استسلم لحكم الله وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتها ، فلم تأخذه في الله تعالى لومة لائم حتى قادهم إلى أمر الحق وكلمة العدل وكفهم عن دواعي الهوى و العناد جعل ذبيح الحق لله وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة).
ومن أجل ذلك أحاط حكام الدولة الإسلامية القضاء بكل مظاهر الإجلال والتكريم وصانوه من تدخلهم ضماناً للحق وإرساءً للعدل ، فلم يسعوا إلى تحويل الأحكام لصالحهم ولصالح من يحبون وإنما كفلوا لأحكام القضاة الاحترام والنفاذ وقد عزز الخلفاء الراشدون مكانة القضاة وطالبوهم بأقصى درجات العدل في المساواة بين الناس حاكمهم ومحكوميهم ومساواتهم في إجراءات التقاضي مع الرعية وقد تخاصم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الصحابي الجليل أبى بن كعب في ملكية بستان فحكّما زيد بن ثابت فأتياه في منزله فلما دخلا عليه قال له عمر جئناك لتقضى بيننا وفي بيته يأتي الحكم فتنحى له زيد عن صدر فراشه وقال هنا يا أمير المؤمنين فقال عمر جرت يا زيد في أول قضائك ولكن أجلسني مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى أبي وأنكر عمر فقال زيد لأبي اعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره فحلف عمر ، ثم حلف عمر وقال (لا يدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عامة المسلمين عنده سواء) هذا نوع من أنواع المساواة في إجراءات التقاضي ، وقد نصّ دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م على استقلالية القضاء في المادة (128) حيث جاءت الفقرة الأولى تقول (القضاة مستقلون في أداء واجباتهم ولهم الولاية القضائية الكاملة فيما يلي اختصاصاتهم ولا يجوز التأثير عليهم في أحكامهم) وجاءت الفقرة الثانية توضح بأن القضاة يصونون الدستور وحكم القانون ويقيمون العدل بجد وتجرد ودون خشية أو محاباة ومن خلال ما تم سرده نجد أن اختصاص هذه المحكمة قائم على ما جاء بنص المادة 60(1) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 م والتي قررت بأن ( يتمتع رئيس الجمهورية والنائب الأول بحصانة في مواجهة أي إجراءات قانونية ولا يجوز اتهامهما أو مقاضاتهما في أي محكمة أثناء فترة ولأيتهما) ومن خلال هذا نجد أن الحصانة لرئيس الجمهورية تقوم أثناء توليه لذلك المنصب وبزواله تزول الحصانة الإجرائية والموضوعية وهنا قد زالت تلك الصفة من المتهم قبل قيد الإجراءات القانونية وتقديمه للمحاكمة . أما مقاضاته أمام المحكمة الدستورية فهذا يكون عندما يتولى المنصب واتهامه في تلك الفترة وهذا ما أوضحته الفقرة الثانية من المادة (60) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م حيث نصت على الآتي:
(دون إخلال بأحكام البند (1) أعلاه يجوز اتهام رئيس الجمهورية أو النائب الأول أمام المحكمة الدستورية في حالة الخيانة العظمى أو الانتهاك الجسيم لأحكام هذا الدستور أو السلوك المشين المتعلق بشؤون الدولة شريطة صدور قرار بذلك من ثلاثة أرباع جميع أعضاء الهيئة التشريعية القومية) ومن خلال تلك النصوص وبما أن صفة المتهم رئيساً لجمهورية السودان قد زالت في صبيحة 11/ابريل/2019م وذلك من خلال البيان الذي أذاعه الفريق أول عوض ابنعوف بتنحية المتهم من رئاسة الجمهورية وبذلك تكون هذه المحكمة مختصة ، طالما أن أعمال السيادة قد زالت ونتج عنها الاتهام موضوع هذا البلاغ بضبط المبالغ المذكورة بحوزته بعد سقوط حكمه.
أما ما جاء حول إجراءات التحري وما لازمها من إخفاقات وفقاً لوصف مرافعة الدفاع الختامية سوف يتم النظر إليه عند مناقشة أسباب القرار طالما أن البينة التي يعتد بها البينة الواردة أمام المحكمة لا الواردة بيومية التحري وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد// إبراهيم الغالي سليمان بالطعن م ع/م ك/30/1976م.
أسباب القرار:
من خلال ما تم سرده لوقائع الدعوى الجنائية ، نجد أن المتهم يواجه إتهاماً تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقروءة مع المادتين (5/9) من قانون التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م ، بجانب المادتين (6/ج/7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م وللوصول للقرار السليم كان لابد من مناقشة عناصر مواد الاتهام ولا يتم ذلك إلا بمناقشة كل مادة على حدة ، حتى نقرر مدى استطاعة الاتهام من إثبات مخالفة المتهم لها أم لا.
وقبل مناقشة المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م والتي تتعلق بواقعة الاتفاق والاشتراك الجنائي في الجريمة وتنفيذها ، كان لا بد من إثبات المخالفة الجنائية أولاً لأحكام المادة (5) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م والتي تقرأ على النحو التالي:
1- لا يجوز التعامل بالنقد الأجنبي إلا من الأشخاص المرخص لهم والمصارف والجهات المعتمدة.
2- يعد مرتكباً جريمة الإتجار بالنقد الأجنبي كل من يخالف أحكام البند (1).
3- تحدد اللوائح التعامل بالنقد الأجنبي واستيراده وتصديره.
4- يكون استيراد وتصدير الضمانات المالية والكبونات وفق ما تحدده اللوائح.
ومن خلال هذا النص وحتى نصل للقرار السليم كان لا بد من طرح الأسئلة الآتية والإجابة عليها من خلال ما قدم في قضيتي الاتهام والدفاع.
- هل تعامل المتهم بالنقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية المحددة وفقاً للوائح البنك المركزي؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال كان لا بد من معرفة مدلول النقد الأجنبي والذي عرفته لائحة تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1999م تعديل2013م يقصد به العملة الأجنبية والشيكات والتحويلات والحوالات المصرفية المقدمة بعملات أجنبية والقابلة للصرف . ومن خلال هذا التعريف ولما أفاد به شاهد الدفاع العاشر بدر الدين حسن جبرالله مندوب بنك السودان المركزي والذي أوضح بأن التعامل في النقد الأجنبي يعني البيع والشراء وعمليات أُخرى كالتمويل واستبدال نقد بنقد يعتبر تعاملاً ويدخل تحت البيع والشراء وكما أوضح بأن كل المعاملات التي تمت داخل السودان تكون بالعملة المحلية وإذا حصل تعامل بالعملة الأجنبية لا بد من وجود تصديق . وكما أوضح وذكر أيضاً بأن كل الضوابط التي يصدرها البنك المركزي لكل الجهات داخل البنك ملزمة بالتطبيق للضوابط واللوائح وأفاد بأنه موظف بالإدارة العامة للسياسات والبحوث والإحصاء المنوط بها الإشراف على عملية إصدار الضوابط واللوائح التي تنظم عملية التعامل بالنقد الأجنبي لا يوجد بها استثناء لرئيس الجهورية وذلك بقوله على الصفحة (252) من المحضر (أنا كإدارة عامة ما عندي حاجة موجهة لرئيس الجهورية) ومن خلال تلك الإفادة ولما جاء بسابقة حكومة السودان //ضد// دود دينج كوال بالطعن م ع/م ك/29/1979م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي: (يجب أن تقبل أقوال المتهم بالنسبة لروايته عما حدث في مسرح الحادث في الحالة التي لم يكن فيها شخص سواه والمجني عليه باعتبار أنها صحيحة متى كانت غير منافية للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور).
ومن خلال هذا المبدأ وبالرجوع لأقوال المتهم الواردة بمحضر الدعوى الجنائية دون النظر للاعتراف القضائي الوارد بيومية التحري طالما أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ الاعتراف وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد// حيدر عبد الرازق على بالطعن م ع /م ك/120/1978م حيث قررت وأرست المبدأ الذي (تواتر قضاء المحكمة العليا أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المتهم بنصه وظاهره بل لها عند تكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقاً للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها).
عليه وبالرجوع لإفادات المتهم الواردة أثناء المحاكمة وهي الأقوال التي يعتد بها في المحاكمة وأخذها في البينة كما سبق وأن أسلفنا القول نجدها جاءت مؤكده صحة ضبط الأكياس الخاصة بشركة سين للغلال والتي ضبطت بالغرفة الملحقة بالمكتب والموجود بها الخزينة وإحضارها بواسطة المتهم الذي تم فصل الإتهام في مواجهته طارق سر الختم وأفاد المتهم أحضرها طارق سر الختم وأحضر بها القروش ولم يأخذ مبالغ قصادها . وكما أفاد المتهم أيضاً بقوله (قبل هذا الكلام أنا كنت بعطي طارق سر الختم قروش لأنو كان محتاج لعملة أجنبية لكي يجمعها للموردين للقمح ومقابلها مرات يحضر لي قروش سودانية).
وكما أفاد أيضاً (أنا مرات بعطي طارق سر الختم دولار أو يورو ويحضر لي عملة سودانية ولم يحضر لي مستند وكان يحضر ويحول بالعملة الأجنبية للشركات الموردة ، كما أفاد المتهم أيضاً (نحن أصلاً مع طارق ما عارف كان يدفع المبلغ بالسعر الرسمي أو السعر الموازى لأنو هو كان بستلم بالعملة الأجنبية ويعطيني بالعملة المحلية لأنو كان عنده العملة المحلية كافية وهو كان بحضر لي مبالغ وأنا بستلمها).
كل تلك التعاملات التي وردت على لسان المتهم تعتبر مخالفة للائحة تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي ، طالما أن عمليات التمويل لا تتم إلا بواسطة المصارف المحلية والتي يجوز لها منح التمويل وأن تصدر الضمانات بالنقد الأجنبي لتنفيذ عمليات تخص الحساب الجاري ووفقاً للأسس المصرفية السليمة التي تنص عليها القوانين المنظمة لذلك ، وكما لا يجوز منح أي ضمانات لتغطية مخاطر سعر الصرف أو أي دعم من أي نوع متعلق بعمليات الحساب الجاري وهذا ما قررته اللوائح التي لا يوجد بها استثناء خاص برئيس الجمهورية وإنما هي ضوابط عامة على الكافة الالتزام بها ، وكما أن هذا الإدعاء بالتمويل يناقض إفادات شاهد الدفاع التاسع طارق عبد القادر شكري برتبة اللواء بجهاز المخابرات الوطني والذي أوضح في إفادته وهو على اليمين بأن أهم الجهات التي تتابع الدقيق والقمح هي إدارة السلع الإستراتيجية بوزارة المالية وهى مسؤولة مسؤولية مباشرة عن القمح بالإضافة لبنك السودان لان المكون الأجنبي يتم توفيره بواسطة بنك السودان ، ويتم العمل كفريق عمل وتتم الرئاسة لوزارة المالية والفريق مكون من المالية ممثله في إدارة السلع الإستراتيجية وبنك السودان الإدارة الخاصة بتوفير النقد الأجنبي وهيئة الأمن الاقتصادي والمطاحن الخمسة الكبيرة ، وكما أفاد بأن المطاحن الخمسة تتلقى الدعم من وزارة المالية وهى شركات خاصة . وكما أفاد بشأن توفير الدعم حصل اتفاق بأن وزارة المالية توفر العملة الأجنبية وتشتري من المطاحن بسعر 270 دولار للطن لكي تتم المحافظة على سعر الخبز وقدم الاتفاقية مستند دفاع ، وكما أوضح بأن وزارة المالية وبنك السودان يقومان بتمويل المبالغ بالعملة الحرة للطن مبلغ 270 دولار وتحول في حسابات المطاحن . والمطاحن لديها حسابات تعرض لبنك السودان وتتم المتابعة مع بنك السودان ووزارة المالية وبذلك يعتبر أي تعامل مخالفاً لهذه المنظومة مخالفة للائحة التعامل بالنقد الأجنبي فيما يتعلق بأمر التمويل والدعم . وكما أن التعاملات الأخرى والتي قام بها المتهم والمشتملة على التبرعات لجامعة أفريقيا العالمية وقناة طيبه والسلاح الطبي تمت بالعملة الأجنبية وفقاً لما جاء بإفادات شهود الدفاع والمستندات التي قدمت من قبل الدفاع ولم يقدم معها التصديق الخاص بذلك التعامل من الجهة المختصة حيث أفاد الشاهد العاشر في قضية الدفاع مندوب بنك السودان بأن كل المعاملات التي تتم داخل السودان تكون بالعملة المحلية ، وإذا حصل تعامل بالعملة الأجنبية لا بد من وجود تصديق . لذا أن كل تلك الأفعال والتعاملات التي تمت بالنقد الأجنبي تعتبر مخالفة لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م واللوائح المنظمة للتعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1999م تعديل 2013م.
طالما أن إقرار المتهم ضد مصلحته ليس سوى استثناء من قاعدة عدم قبول البينة السماعية ، فإنه يجب ألا يكون مبهماً وغامضاً وقابلاً لأكثر مـن تفسير حتى يمكن قبوله ، وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد// حمزة عبد الماجد الأعوج بالاستئناف م أ/أ ن ج/40/1977م.
وكما عرفت المادة (15) فقرة (1) من قانون الإثبات لسنة 1994م بأن الإقرار هو اعتراف شخص بواقعة تثبت مسؤولية مدعى بها عليه - وقد جاءت المادة (21) من قانون الإثبات تقرر بأن (يكون الإقرار حجة قاطعة على المقر وهو يسري في المعاملات في حق من يخلف المقر فيما أقر به).
ومن خلال ما تم سرده ولما جاء بمرافعة الدفاع الختامية بالصفحة (30) حيث ورد فيها (وعلى فرض أن المتهم سلّم مدير شركة سين ملايين الدولارات ولو بدون أي مقابل بالعملة المحلية لما كان ذلك جريمة لأن شركة سين توفر نسبة 44% من احتياجات البلاد من الدقيق وذلك حسب البينة التي قدمها الدفاع ولم تناهض بأي بينة أخرى ومن واجبات الرئيس دعمها ودعم غيرها من الشركات التي تضطلع بواجبات وطنية ، كما أنه لو ثبت أن الرئيس المتهم قام بتسليم المقابل بالجنيه السوداني لما كان ذلك جريمة ولا شبهة جريمة ، فإذا جاز لجهاز الأمن والمخابرات أن يتدخل ويدعم من موارده بالنقد الأجنبي شركات الدقيق فالرئيس أولى من جهاز الأمن بذلك ، فهو رئيس مجلس الأمن القومي وفق قانون الأمن القومي لسنة 2013م ناهيك عن أنه رئيس الجمهورية وأنه المسؤول التنفيذي الأول في البلاد والمنوط به حماية الأمن القومي للبلاد) هذا ما جاء بمرافعة الدفاع الختامية وهذا الدفع جاء متجاهلاً لما نص عليه الدستور الانتقالي لسنة 2005م في المادة (26) فقرة (ج) والتي نصت على أن (تؤدى أجهزة الحكم على كل المستويات مهامها وتمارس صلاحياتها بحيث أن لا يتغول أي منها على صلاحيات ووظائف المستويات الأخرى وأن لا يتولى أي منها صلاحيات أو وظائف منحت لمستوى آخر إلا وفقاً لهذا الدستور) . وبما أن عملية الدعم قد منحت لجهات سبق وأن تم تحديدها فإن تدخل الرئيس المتهم بهذه الكيفية يكون في غير محله ويعتبر مخالفة للقوانين المعمول بها ومخالفة للدستور، طالما أنه أدى القسم المنصوص عليه في المادة (56) من الدستور الانتقالي لسنة 2005م والذي جاء فيه بأن يكون مخلصاً وصادقاً في ولايته لجمهورية السودان وأن يؤدي واجباته ومسؤولياته بجد وأمانة وبطريقة شورية لترقية ورفاهية وتقدم الأمة وأن يلتزم بالدستور ويحميه ويحافظ عليه وأن يراعي قوانين جمهورية السودان ، إلا أنه ومن خلال تلك المعاملات قد خالف الدستور والقوانين المعمول بها فيما يتعلق بالتعامل بالنقد الأجنبي والذي جاءت نصوصه شاملة ومحدده ولا يوجد استثناء خاص في اللوائح لرئيس الجهورية وبذلك نقرر بأن الاتهام قد استطاع إثبات جريمة التعامل بالنقد الأجنبي فوق مرحلة الشك المعقول وإثبات مخالفة المتهم للمادة (5/2) من قانون التعامل بالنقد لسنة 1981م واللوائح المنظمة للتعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1999م تعديل 2013م.
وبما أن الاتهام قد جاء مقترناً بنص المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م والتي جاءت وتقرأ على النحو التالي (إذا أرتكب شخصان أو أكثر جريمة تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم يكون كل واحد منهم مسؤولاً عنها كما لو كان قد ارتكبها وحده ويعاقب بالعقوبة المقررة لها).
ومن خلال هذا النص وبما أن المتهم يقر بواقعة تعامله بالنقد الأجنبي مع المتهم الهارب طارق سرالختم وأن المتهم طارق سر الختم يقوم باستبدال العملة الوطنية بالعملة الأجنبية ’ وكان ذلك التعامل يتم بين المتهم وطارق سر الختم وبما أن الشريك هو الشخص الذي تفترض صلته واشتراكه في الجرم سواء كان بطريق مباشر أو غير مباشر وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد// شرف الدين محمد عبد العال بالطعن م ع/م ك/7/1975م وقد أثبتت وقائع الدعوى ذلك التعامل بوجود الأكياس التابعة لشركة سين للغلال مبعثرة بالغرفة الملحقة بالمكتب والتي تم العثور بداخلها على النقود السودانية والأجنبية وقد أكد المتهم نفسه تلك الواقعة عندما أفاد بأن تلك الأكياس أحضرت بها المبالغ السودانية لاستبدالها بالعملة الأجنبية ، وهي بذلك تعضد أقوال المتهم ، وطالما أن شهادة الشريك لا ترفض لمجرد أنه شريك ولكن درجت المحاكم على أخذها بحذر وسارت على وجوب تعزيزها في جزئية أساسية بأي نوع من أنواع الأدلة المقبولة قانوناً وهذا ما قررته وأرسته السابقة المشار إليها بعالية وكما أكد ذلك شاهد الدفاع الثاني اللواء ركن معاش ياسر بشير عبدالله بان المبلغ المضبوط بالعملة السودانية أحضره طارق سر الختم وقدم مستند دفاع يوضح وضع هذا المبلغ أمانة ولم يأخذ مقابله أي شئ ومن خلال إفادات المتهم يتضح لنا بأن هنالك اتفاقاً مشتركاً بين المتهم والمتهم الهارب طارق سر الختم في استبدال العملة المحلية بالعملة الأجنبية المتمثلة في الدولار واليورو طالما أن المتهم نفسه لا يعلم بكيفية تحويل المبلغ هل بالسعر الرسمي أو الموازى ويستلم المبلغ دون عدّ ودون مستندات توضح بأن الاستبدال تم عبر القنوات الرسمية وهذا ما يوافق ما أرسته سابقة حكومة السودان //ضد// فضل المولى بدوى الأمين وأخر بالطعن م ع/م ك/118/1975م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي (لتحقق توافر القصد المشترك بين المتهمين لا بد أن يسبق ذلك أتفاق أو تنسيق لارتكاب الجرم ويستخلص هذا القصد من سلوك المتهمين والظروف التي تحيط بالجريمة). وبذلك نقرر استطاعة الاتهام إثبات مخالفة المتهم للمادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل2015م طالما أنه (لا يمكن أن تتبدل واقعة الاشتراك والاتهام الجنائي لمجرد أن المتهم الأخر هرب وفصلت محاكمته لأن واقعة الاتفاق الجنائي والاشتراك في تنفيذه هي أحد عناصر الجريمة ذاتها وتظل ملازمة لكل من اتفق وشارك في القتل بموجب ذلك الاتفاق) وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد//ب/أ.ن.م بالطعن م ع/غ إ/إعدام/4/2014م.
- أما حول الاتهام تحت المادة (9) من قانون التنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م وهي المادة العقابية لمخالفة قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي والتي جاءت تنص بالآتي (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أخرى يكون الشخص عرضه لها بموجب أي قانون آخر يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون أو أي لائحة تصدر بموجبه أو أي أمر يصدر بموجب تلك اللائحة على الوجه الآتي:
(أ ) السجن مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً ومصادرة النقد الأجنبي موضوع الجريمة.
(ب) بالإضافة لتوقيع العقوبات المنصوص عليها في الفقرة (أ) يجب على المحكمة مصادرة أي مركبة أو وسيلة نقل أو أي بضائع أو وسيلة حفظ أموال عند ارتكاب الجريمة متى ما ثبت أن المركبة أو وسيلة النقل أو وسيلة حفظ الأموال مملوكة للجاني أو كان مالكها عالماً بارتكاب الجريمة ولم يبلغ السلطة المختصة وفقاً لأحكام قانون الإجراءات الجنائية . ومن خلال هذا النص والتعريف للعقوبة يجعل مبلغ الخمسة ملايين جنيه عرضة للمصادرة طالما أنه كان يمثل البضاعة عند التداول بالنقد الأجنبي واستبدال النقود بالنقود وفقاً لما جاء بقانون الجمارك لسنة 1986م تعديل 2010م حيث جاءت المادة الثانية توضح بأن البضائع يقصد بها جميع الأموال المنقولة بما في ذلك الحيوانات والنقد والأوراق المالية.
هذا فيما يتعلق بالاتهام تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقروءة مع المادتين 5(2) ،(9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م واللوائح المنظمة.
- أما فيما يتعلق بالاتهام تحت المادتين 6(ج) ،(7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م ، ولما لهذه الجرائم من خطورة حيث نجد لها الأثر المباشر في الإضرار بالاقتصاد الوطني وكما لها تأثير يفوق الجرائم التقليدية إذ ينتج عنها أنواع من الفساد المالي والإداري فتصاحبها زيادة في ثروات البعض أضعافاً مضاعفة ويكون السعي فيها لطلب المال دون تفريق بين الحلال والحرام والمال المشبوه وقد جاءت الشريعة السمحاء بمحاربه الجريمة بأنواعها المختلفة لذا دعت للعمل والسعي في طلب الرزق وابتغاء الفضل من الله لمحاربة الفقر والبطالة والظلم والاحتكار وحفظ مصالح العباد ولذا أمر المولى عز وجل في سورة البقرة الآية (188) بقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).
ومن خلال هذا السرد ولما جاء بنص المادة (6) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م نجدها تقرأ على النحو التالي (يقصد بالثراء الحرام كل مال يتم الحصول عليه بأيٍ من الطرق الآتية:
(أ ) من المال العام بدون عوض أو بغبن فاحش أو بالمخالفة لأحكام القوانين أو القرارات التي تضبط سلوك العمل في الوظيفة العامة.
(ب) استغلال سلطة الوظيفة العامة أو نفوذها بوجه ينحرف بها عن الأغراض المشروعة والمصالح العامة.
(ج) الهدية المقدرة التي لا يقبلها العرف أو الوجدان السليم أو القرض لأي موظف عام من جانب شخص له أي مصلحة مرتبطة بالوظيفة العامة أو من يتعاملون معها.
(د) نتيجة لمعاملات ربوية بكافة صورها أو معاملات وهمية أو صورية تخالف الأصول الشرعية للمعاملات.
وبعد الاطلاع على هذا النص نجده قد أوضح الطرق التي تؤدي إلى الثراء الحرام ولم يعرّف النص الثراء الحرام والذي جاء تعريفه في قاموس المعجم الوسيط واللغة العربية المعاصرة بأن (الثراء هو كثرة المال) وكما عرف الفقهاء الثراء الحرام هو ما طالب الشارع بتركه على وجه الحتم والإلزام وما يثاب تاركه امتثالاً ، ويستحق العقوبة فاعله ومن خلال هذا التعريف نجد أن المشرّع السوداني قد حرم كثرة المال الذي يتم الحصول عليه بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة (6) ومنها ما جاء بالفقرة (ج) والتي تحدثت عن الهدية المقدرة والتي لا يقبلها العرف أو الوجدان السليم أو القرض لأي موظف عام من جانب أي شخص له أي مصلحة مرتبطة بالوظيفة العامة أو ممن يتعاملون معها . وقبل الدخول في مناقشة هذا النص كان لا بد من تعريف الموظف العام طالما أن مرافعة الدفاع الختامية ومن خلال التأويل والتفسير للفظ الموظف العام بالقانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م في المادة (3) أوضحت بأن الموظف العام يعنى كل شخص تم تعيينه بواسطة سلطة عامة للقيام بوظيفة عامة سواء أكان التعيين بمقابل أم دون مقابل وبصفة مؤقتة أو دائمة وترى هيئة الدفاع بأن هذا التعريف يخرج رئيس الجمهورية من نطاق تعريف الموظف العام وفقاً لأحكام قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م والقانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م.
طالما أن رئيس الجمهورية ينتخبه مجموع الشعب ولا يتم تعيينه بواسطة سلطة عامة بخلاف الموظف العام الذي يتم تعيينه في السلطة العامة ولا ينتخب بواسطة الشعب وهذا مفهوم قاصر لا يمكن الأخذ به والارتكان إليه طالما أن القانون الجنائي لسنة 1991م قد جاء بعد قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م وهنا لا بد من الإطلاع وإعمالاً لكل القوانين والدساتير التي جاءت بعد قانون الثراء الحرام والمشبوه والتي تعرف الموظف العام ومنها المادة (49) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م والتي أوضحت مكونات السلطة التنفيذية القومية من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء القومي وقد أوضحت المادة (51) فقرة (1) من الدستور تكوين رئاسة الجمهورية من رئيس الجمهورية ونائبين وكما أن المادة التاسعة من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م قد شملت تطبيق هذا القانون على رئيس الجمهورية ونائبيه ومستشاريه ، الوزراء ووزراء الدولة وأي شخص يشغل أي منصب بدرجة وزير، وزير دولة وولاة الولايات ، نوابهم ، معتمدي المحليات وأي شخص يقرر رئيس الجمهورية إضافته.
كما أن المادة الرابعة من قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لسنة 2016م نصت وعرّفت الموظف العام يقصد به (كل شخص تعينه سلطة عامة أو ينتخب للقيام بوظيفة عامة سواء كان يشغل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو إدارياً أو قضائياً بصفة دائمة أو مؤقتة مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر بصرف النظر عن أقدمية ذلك الشخص).
ومن خلال هذا السرد نقرر بأن المتهم وبصفته رئيساً لجمهورية السودان سابقاً ما كان إلا موظفاً عاماً.
وبإثبات صفة الموظف العام في حق المتهم نطرح السؤال الآتي (هل أتى المتهم بأي فعل من الأفعال المذكورة بالفقرة (ج) من المادة (6)؟ وللإجابة على هذا السؤال كان لا بد من الرجوع لقضيتي الاتهام والدفاع لمناقشة ما جاء بالسؤال المطروح ، ونبدأ بما جاء في قضية الاتهام حيث أفاد المبلغ العقيد ركن موسى عبد الرحمن أحمد بأنه قد تم تكليفه بتاريخ 12/أبريل/2019م بالقيام بتأمين مكان إقامة المتهم ومارس نشاطه مع القوة المكلفة بالحراسة ، وبتاريخ 16/أبريل/2019م تم استدعاؤه بواسطة مدير إدارة الأمن العسكري والذي منحه التفويض لاستصدار أمر التفتيش وهو مستند الاتهام رقم (2) لتفتيش مقر إقامة المتهم بصفته الرئيس السابق لجمهوريه السودان وبموجب ذلك التفويض تمكن من استصدار أمر التفتيش من النيابة العامة وهو أمر التفتيش الخاص الصادر بتاريخ 16/4/2019م الذي قدم مستند اتهام رقم (1) وبتاريخ 18/أبريل/2019م تم ترحيل المتهم لسجن كوبر وكان هنالك فريق تفتيش مكون بقيادة الرائد عبد العظيم وآخرين بغرض التفتيش لمقر إقامة المتهم وبإجراء عمليه التفتيش تم العثور على مبالغ ماليه عبارة عن نقد أجنبي باليورو والدولار بداخل شنطة ومبلغ سوداني داخل الغرفة الملحقة بمكان إقامة المتهم وهو المكتب الملحق بقصر الضيافة وأفاد بحصيلة المبلغ بعدما تم رصده وهو مبلغ 351,770 دولار ومبلغ 6,997,500 يورو زائد مبلغ خمسة ملايين جنيه سوداني وتم توضيحها بواسطة أعضاء اللجنة وهي لجنة حصر المعروضات وقدم مستند اتهام رقم (6) وقد وجه مدير الأمن العسكري بتسليم المبالغ التي تم ضبطها للنيابة العامة وفي هذا الصدد جاءت إفادات شاهد الاتهام الأول وكيل أول النيابة معتصم عبد الله محمود حيث أفاد بأنه بتاريخ 16/أبريل/2019م تلقى عريضة من جهاز الاستخبارات العسكرية بموجب تفويض من إدارة الأمن العسكري مفادها بأن هنالك مبالغ مالية وعملات أجنبية بمنزل المتهم وموجودة بطريقة غير مشروعة وتم تحريك الإجراءات تحت المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية بالرقم 26/2019م وبعد استجواب المبلغ تم إصدار أمر التفتيش للبحث عن تلك المبالغ ، وكما أفاد بأن هنالك معلومة قد وردت إليه بأن هنالك مساعي لتهريب هذا المبلغ عبر شخص لخارج مقر إقامة المتهم وأفاد أنه وبتاريخ 18/4/2019م تلقى اتصالاً من اللواء صديق مدير الاستخبارات العسكرية أبلغه بأنه قد تم العثور على المبالغ المذكورة وتم التحرك لقصر الضيافة ووجد المبالغ موجودة بداخل غرفة هي أشبه بمخزن وأوصاف الغرفة وما بداخلها عبارة عن أدراج حديدية على الجدار بكامل جدار الحائط الجنوبي بأرقام ومفاتيح ومصحف كبير الكتروني وكراسي جلوس مبعثرة ودرجين من الناحية الشمالية في منتصف الغرفة وتوجد شنطة بها المبالغ الأجنبية عبارة عن يورو ودولار وهنالك مبالغ مالية من العملة الوطنية ذات عدد كبير وتم إحضار ماكينات ومحاسب لرصد وحساب المبالغ المضبوطة وكانت حصيلة العدّ ، المبالغ المذكورة بعاليه ، وهذا ما أكده أيضاً شاهد الاتهام الثاني الرائد عبد العظيم طه محمد طه والذي أفاد بأنه كان من ضمن اللجنة المكونة من هيئة الاستخبارات العسكرية وبتاريخ 18/ابريل/2019م تحركوا لمنزل المتهم الرئيس السابق وبعد مغادرته سمحوا لهم بالدخول لداخل المنزل لإجراءات التفتيش ويفيد بأن إجراءات التفتيش كانت عادية حوالي السـ7:30ـاعة صباحاً ، وتم تفتيش المكتب الموجود بالمنزل والمكتب ملحق معه عدد من المكاتب ومضيفه ملحقة به أثناء عملية التفتيش ومن ضمن المكاتب هنالك مكتب ملحق وجد به عدد من الأدراج الكابنت ويفيد بأنه لحظة ضبط المبالغ لم يكن حاضراً إلا أنه حضر ووجد هذه المبالغ موجودة بالشنطة على الأرض وكانت عبارة عن مبالغ يورو ودولار وعملة محلية وتم تكوين لجنة لحساب المبالغ وبعدها سلمت لبنك السودان ، هذا ما جاء في قضية الاتهام والذي يؤكد العثور على المبالغ المذكورة بالمكتب الملحق بمكان إقامة المتهم بقصر الضيافة والخاص بالمتهم وهذا ما أكده شاهد الدفاع الثاني اللواء معاش ياسر بشير عبدالله والذي أوضح بأن المبالغ المالية موضوع هذه المحاكمة كانت موجودة بمكتب الرئيس في بيت الضيافة والمكتب عبارة عن عدد (2) صالون للمقابلات الرسمية وصالون للانتظار بالإضافة للمكتب الأساسي الذي يمارس فيه المتهم العمل الروتيني الخاص بالدولة والمكتب ملحق معه الغرفة التي ضبط فيها هذا المبلغ وهذه الغرفة خاصة بالمتهم وأنه كمدير مكتب لا علاقة له بها . وبالرغم من الدفع الذي تقدمت به هيئة الدفاع حول بطلان التفتيش لعدم التقييد بضوابط التفتيش المنصوص عليها في المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ومن ثم كل الإجراءات التي تمت بموجب هذا التفتيش إلا أنه لا يمكن قبول هذا الدفع طالما أن المتهم نفسه لم يضار من الإجراءات وأنه يقر بوجود المبلغ بالمكان المحدد والذي ضبط به هذا المبلغ وهذا ما أكده أيضاً شاهد الدفاع الثاني وإن كان هنالك عيوب شكلية فإنها لا تبطل البينة المتحصل عليها من ذلك التفتيش وهذا ما قررته سابقة حكومة السودان //ضد// محمد دياب محمد على وآخر بالاستئناف م أ/أ س ج/369/1980م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي:
(إذا شابت إجراءات التفتيش عيوب شكلية غير جوهرية لا يضار منها المتهم في دفاعه ولا تؤثر في النتيجة النهائية لوزن البينات المقدمة فيجب ألا يحول العيب الشكلي في إجراءات التفتيش بين المحكمة وإدانة المتهم).
- كل ذلك كان في وقت عمت فيه المظاهرات احتجاجاً على غلاء المعيشة في العديد من المدن السودانية والتي كانت تسعى بشكل جلي إلى حزمة من الإصلاحات الاقتصادية ووقف تدهور غلاء المعيشة للغالبية العظمى من السكان مع نقص في أوراق النقد الوطني والأجنبي ووقف العملاء في طوابير ولساعات طويلة أمام البنوك وماكينات صرف النقود للحصول على ما يسد رمقهم وصرف رواتبهم - كل هذا كان في وقت فيه المتهم رئيساً للجهورية والمسؤول الأول عما يلحق بكل مواطن من رفاهية أو ضيق عيش ، بعيداً عما روي عن السلف الصالح وقد روي فيما أخرج عن سالم بن عبد الله (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول إني لخائف أن أسأل عما بك) ومن خلال ما ذكر نجد أن الاتهام قد استطاع إثبات البينة المبدئية والتي تبرر استمرار الدعوى الجنائية في مواجهة المتهم وعليه أن يثبت مشروعية ذلك المال وطريقة اكتسابه وفقاً لأحكام القانون وتقديم التصرفات المعقولة في الحصول عليه وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان//ضد//جبر عبدالله الجاك بالاستئناف م أ/أ ن ج/387/1974م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي (أي قضيه لا تعتبر صالحة للمحاكمة إلا إذا كانت هنالك تهمة مبدئية ضد المتهم ولكن التهمة المبدئية لا تعنى إثبات كل أركان الجريمة إذ أن هنالك بعض الأركان التي يمكن إثباتها بالبينة الظرفية التي قد تشمل فشل المتهم في تقديم تفسير معقول لتصرفاته).
وبما أن المتهم عليه هنا أن يثبت حصوله علي تلك المبالغ بعيداً عن الطرق والوسائل المحددة بالمادة (6) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م ، وباستجواب المتهم بين دفتي هذا المحضر أفاد بأن تلك المبالغ والتي كانت مبلغ 25,000,000 دولار وقد وصلت إليه من الأمير محمد بن سلمان بصفة شخصية ولأغراض خاصة وتم استلامها بواسطة مدير مكتبه شاهد الدفاع الرابع حاتم حسن بخيت والذي تربطه بالمتهم صلة القرابة ويفيد المتهم بأن هذا المبلغ لم يكن من الممكن أن يودع لدى بنك السودان أو وزارة المالية إذ أن الجهة التي قدمته لم ترغب في إظهار اسمها وإذا تم توريده لا بد من توضيح المصدر لهذا المبلغ . وهذا ما أوضحه وأكده شاهد الدفاع الرابع عندما قام بتوضيح كيفية إحضار المبلغ واستلامه والذي كان بالعملة الأجنبية المتمثلة في اليورو والتي تعادل مبلغ خمسة وعشرين مليون دولار وعلى الرغم من ذلك وجدت بحوزة المتهم مبلغ 351,770 دولار بخلاف العملة باليورو ولم يقدم المتهم تبريراً واضحاً بوجود العملة بالدولار معه ، وبذلك يكون المتهم بحكم منصبه قد استلم الهدية المقدرة والتي لا يقبلها العرف أو الوجدان السليم ، وعدم قبول العرف لهذه الهدية والوجدان السليم بني على إفادات المتهم نفسه عندما ذكر الآتي (ونحنا هذا المبلغ والخيارات كان ممكن نرفض هذا المبلغ لكن لديها آثار سالبة علي العلاقات أو ممكن نعتبر هذا المبلغ مبلغ شخصي خاصة بأن هذا المبلغ استلمه مدير مكتبي ولدى معه قرابة ويمكن أن نضع هذا المبلغ في أي موقع من المواقع خارج المواقع الرسمية) وهذا المبلغ والحديث حوله يثير الشك والريبة حيث منعت الشريعة الإسلامية السمحاء ونهت عن قبول تلك الهدايا التي تقدم للمسؤول والموظف العام وصاحب السلطة والجاه وخير دليل على ذلك لما رؤى عن أبى حميد الساعدي قال استعمل رسول الله صلي الله عليه وسلم رجلاً على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حسابه قال: هذا مالكم وهذا ما أهدى لي : فقال رسول الله صلي الله وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً ، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولأني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحداً منكم شيئاً بغير حقه لا لقي الله يحمله يوم القيامة فلا عرفنا أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض ابطه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني).
- ومن خلال إفادات شهود الدفاع الذين تم سماعهم بناءً على طلب هيئة الدفاع أثبت جلهم بأن المتهم قد خالف القوانين المعمول بها بجمهورية السودان على الرغم من أدائه للقسم باحترام الدستور والقوانين المعمول بها وعدم الخروج عنها وأن يتجنب الفساد والتخريب ويحول دون حدوثها وأن يلتزم بالقانون وتتضح تلك المخالفات لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م واللوائح المنظمة وقانون الجمارك لسنة 1989م تعديل 2010م وقانون المراجعة العام لسنة 2015م.
واللوائح والضوابط المالية بوزارة المالية والاقتصاد الوطني - حيث تعتبر تلك المخالفات من قبيل استغلال السلطة وفقاً للفقرة (أ) من المادة (6) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م والتي أوضحت إحدى الطرق للثراء الحرام الحصول على الثراء من المال العام بدون عوض أو بغبن فاحش أو بالمخالفة لأحكام القوانين أو القرارات التي تضبط العمل في الوظيفة العامة).
ونجد أول تلك المخالفات ، مخالفة اللائحة الخاصة بالتعامل بالنقد الأجنبي في الفصل الثالث منها والتي توضح بأنه يجوز لأي شخص بموافقة المحافظ أو من يفوضه أن يتعامل في النقد الأجنبي بأي من الوسائل الآتية: ومنها استيراد أو تصدير النقد الأجنبي أو التصرف فيه - وبما أنه ومن خلال إفادات شاهد الدفاع الرابع وإقرار المتهم نفسه بأن محافظ بنك السودان لا علم له بهذا المبلغ ولم يصدر موافقة باستيراده ودخوله للسودان عبر مطار الخرطوم طالما أن اللوائح والضوابط تصدر لكافة مؤسسات الدولة ولا يوجد استثناء خاص برئيس الجهورية.
- كما أن وصول تلك المبالغ ودخولها في السودان جاء مخالفاً لقانون الجمارك وهذا ما أوضحه شاهد الدفاع الثالث عقيد شرطة جمارك معاوية عمر سعيد عبدالله والذي أوضح بأنه إذا كانت الرسالة لرئاسة الجهورية صحبة راكب بالنسبة لهم كل أعمال رئيس الجمهورية أعمال سيادة تخضع لخطاب من رئاسة الجمهورية لرئاسة الهيئة ويتم الإجراء وفقاً للتوجيهات التي ترد إليهم من رئاسة الهيئة وهذه الرسالة لا يعلمون محتواها حيث لم تصلهم إفادة من الهيئة ، وكما أن شاهد الدفاع الرابع لم يفد بذلك الإخطار.
- كما أن المخالفة لقانون المراجعة القومي لسنة 2015م جاءت في إفادات الشاهد الثالث عشر النور مكرم عبد الرحمن النجومي والذي أُطلع على بعض مستندات الدفاع ولاحظ أن الدعم قد جاء من رئاسة الجمهورية مثل الدعم المقدم لجامعة أفريقيا العالمية مستند الدفاع رقم (1) والذي قدم نقداً بالعملة الأجنبية باليورو وقد أوضح بأنه (من حساب رئاسة الجمهورية ما في قروش بتتحول ويكون هنالك تحويل بنكي لأي جهة ولا يمكن تحويل المبلغ نقداً) . وكما أفاد بأنه (دعم جامعة أفريقيا العالمية ليست من البنود المخصصة للدعم أو غيرها وهذا الدعم خلاف البنود المخصصة لصرف النقد الأجنبي) . وكما أفاد وأوضح بأن الأموال المجنبة حسب قانون الديوان تعتبر مخالفة للإجراءات المالية - وأضاف بأن أي مال عام حسب قانون الإجراءات المالية يفترض أن يدخل الحساب في وزارة المالية - وقد يكون الحساب المجنب من إيرادات وقد يكون تبرعات أو إعانات أو هبات خارج الموازنة ويفترض أن تدخل الحساب وتمر حسب الدورة المالية ، وهذا يدل دلالة واضحة على مخالفة المتهم لأحكام قانون المراجعة القومي لسنة 2015م عندما تم استلام المبلغ والتصرف فيه بالكيفية التي أوضحها شهود الدفاع والمستندات المرفقة التي لا تمت للدورة المالية والمستندية بصلة حسب إفادات شاهد الدفاع الخامس عشر الطاهر عبد القيوم المراجع العام لجمهورية السودان ، إذ أن تلك المستندات التي قدمت لم تعرض على المراجع العام للقيام بدوره بمراجعتها في وقت المراجعة وكما أوضح أيضاً نفس الشاهد بأن الأموال التي ليست لديها مصدر وبالعملة الأجنبية ، يتطلب القانون معرفة مصدر العملات الأجنبية على أساس تفادى غسل الأموال ، أو تبييض الأموال كل تلك الإفادات والمستندات التي قدمت في قضيتي الاتهام والدفاع توضح بأن المبالغ المضبوطة بحوزة المتهم قد تم استيرادها والتصرف فيها بما يخالف القوانين والنظم والضوابط المالية ، مستقلاً في ذلك سلطة الوظيفة العامة ونفوذها مما أدى للانحراف بها من الأغراض المشروعة والمصالح العامة وهذا ما أوضحته الفقرة (ب) من المادة (6) والتي تعتبر من إحدى طرق وسبل الثراء الحرام - عليه ومما سبق ذكره نقرر استطاعة الاتهام من إثبات مخالفة المتهم للمادة (6) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م فوق مرحلة الشك المعقول . طالما أن الدفاع قد فشل في إثبات أسباب الإباحة لاستلام هذا المبلغ والتصرف فيه وفقاً لأحكام القوانين المعمول بها بجمهورية السودان وهذا ما قالت به سابقة حكومة السودان //ضد// عباس محمد سلام بالطعن م ع/م ك/7/1972م والتي قررت وأرست المبدأ الآتي (يقع على الاتهام وحده عبء إثبات جرم المتهم وراء مرحلة الشك المعقول ويقع على المتهم عبء إثبات توفر موانع المسؤولية أو أسباب الإباحة ولكن بمستوى إثبات معين لا يرقى للإثبات وراء مرحلة الشك المعقول مع استفادة المتهم من أي شئ يرد في الإثبات لصالحه)
ومع انعدام وجود أسباب موانع المسؤولية أو أسباب الإباحة وعدم ورود شئ في البينات المقدمة لصالح المتهم . وبعد مناقشة مواد الاتهام المذكورة بعاليه تبقى لنا مناقشة المادة (7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م والتي جاءت تقول (يقصد بالثراء المشبوه كل ما يطرأ على أي شخص ولا يستطيع بيان أي وجه مشروعة لاكتسابه).
وبما أن كلمة ثراء لقد سبق وأن عُرفت بأنها كثرة المال وأن كلمة مشبوه وفقاً لقاموس المعجم الوسيط وتهذيب اللغة ولسان العرب بأنها المشكوك في أمره ومن خلال هذا التعريف وبعد ما سلمنا لما أفاد به المتهم حول وصول الهدية المقدرة له والتي أثبت وصولها واستلامها شاهد الدفاع الرابع وأنها كانت باليورو بما يوازي مبلغ خمسه وعشرين مليون دولار ولقد ضبط متبقي المبلغ وهو مبلغ 6,997,500 يورو بعد ما أوضح المتهم بأنه تصرف بباقي المبلغ بالتبرعات والدعم وهذا ما تعلق بجريمة الثراء الحرام وفقاً لأحكام المادة (6) - أما المال المشبوه والذي يعتبر ثراء مشبوهاً هو مبلغ 351,770 دولار والتي لم يستطع المتهم إثبات مشروعيتها ووجودها بحوزته طالما أن القانون قد ألزم رئيس الجمهورية ونائبيه ومستشاريه والوزراء ووزراء الدولة أو أي شخص يشغل أي منصب الخ النص بأن يقدم إقرار بالمبالغ التي بحوزته بعد ثلاثه أشهر من تاريخ انتهاء الخدمة وبما أن هذا المبلغ لم يقدم حوله التبرير المنطقي والسليم حتى إجراءات هذه الدعوى الجنائية عليه نقرر مخالفة المتهم للمادة (7) من قانون مكافحة الثراء الحرام.
وبعد ما قامت المحكمة بمناقشة جميع مواد الإتهام وتوصلت لمخالفة المتهم لجميع المواد المذكورة وهذا إعمالاً لما أرسته سابقة حكومة السودان //ضد// أحمد آدم إيدام وآخرين بالطعن م ع/م ك/196/1974م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي (الواجب على المحكمة يقضي بأن يدان المتهم في كل التهم الموجهة إليه إذا كانت كل تهمة تتعلق بفعل منفصل أتى به المتهم رغم أن الأفعال كانت مرتبطة بنفس النشاط الذي قام به).
ومن خلال هذا المبدأ نقرر إدانة المتهم عمر حسن أحمد البشير تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقروءة مع المادتين 5/2/9 من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م وإدانته تحت المادتين (6/7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م.
الظروف المخففة:
المدان عمره فوق السبعين من العمر وليست لديه ظروف أخرى.
الظروف المشددة:
الأمر متروك للمحكمة.
مذكرة حول العقوبة
بما أن المحكمة قد توصلت لإدانة المتهم تحت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م مقروءة مع المادتين (5/9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م والمادتين (6/7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م ومن خلال ما قدم بشأن الظروف المخففة والمشددة التي قدمت أمام هذه المحكمة ، وبما أن هذه الجرائم قد أسهمت وكمثيلاتها في أزمة النقد الأجنبي وأدخلت البلاد في تحديات اقتصادية أدت إلى ارتفاع أسعار السلع وتسببت في تدهور قيمة العملة الوطنية وانعكس ذلك في عدم مقدرة الدولة في توفير حياة كريمة للمواطن مما حدا بالمدان نفسه وبتاريخ السادس والعشرين من شهر فبراير/2019م بإصدار أمر الطوارئ رقم 2/لسنة 2019م والخاص بتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي وتحديد ضوابط خروج النقد والذهب حيث جاءت المادة السابعة من الأمر المذكور مشددة في العقوبة حيث نصت علي الآتي(بالإضافة لأي عقوبة منصوص عليها في أي قانون آخر كل من يرتكب أو يشارك أو يعاون أو يسهل أو يسمح بارتكاب أي من الأفعال المحظورة بموجب هذا الأمر يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن عشر سنوات والغرامة مع الأمر بمصادرة العملة سواء كانت سودانية أو أجنبية والذهب الخام والمشغول الذي تم ضبطه بالمخالفة لهذا الأمر ومصادرة أي وسيلة تم استخدامها في ارتكاب الفعل المحظور) وليس ببعيد عن الأذهان لما تلقاه المرحوم مجدي محجوب محمد أحمد في نوفمبر/1989م أبان استلام المدان مقاليد الحكم في البلاد والحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت في المحكمة الخاصة رقم (1) إثر إدانته بالتعامل بالنقد الأجنبي ، وبذلك حق على المدان قول الله عزّ وجلّ (يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وفي تفسير هذه الآية (ليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلي الواجبين، وهما أمر غيره ونهيه وأمر نفسه ونهيها فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر ، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر فليس في رتبة الأول وهو دون الآخر، وأيضاً فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله فاقتيادهم بالأفعال أبلغ من اقتيادهم بالأقوال المجردة).
- ومن خلال أمر الطوارئ والمادة (9) من قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 1981م فإن الأموال المضبوطة تكون عرضة للمصادرة ، أما فيما يتعلق بنصوص المادتين (6/7) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م وبعد ما ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن جميع الأموال بالنقد الأجنبي جاءت بالثراء الحرام والمشبوه وبما أن الجهات التي تم التبرع لها لم يتم اختصامها في الدعوى وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية لها سلطة مدنية في استرداد تلك المبالغ إلا أن ذلك مشروط في الحالة التي تتم فيها مخاصمة تلك الجهات بضمهم للخصومة وفي حالة عدم تحقق هذا الشرط لا تملك هذه السلطة وإنما تكون للمحكمة المدنية ، وهذا ما قررته وأرسته سابقة حكومة السودان //ضد// ج .م.ي.و بقرار الفحص م ع/ف ج/45/2016م مراجعة 40/2017م.
إلا أن ذلك لا يسقط الحق في المطالبة بتلك المبالغ أن كان هنالك مقتضى وبالأخص الأموال التي لم تذهب للمصلحة العامة وهذا وفقاً لأحكام المادة 164(1) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م والتي جاءت وتقرأ على النحو التالي (دون المساس بأي إجراءات جنائية يكون جائزاً اتخاذها ، كل شخص ولو كان غير مميز عند صدور هذا القانون قد أثرى علي حساب الغير يلتزم في حدود ما أثرى به بتعويض هذا الغير عما لحقه من خسارة ، ويبقى هذا الالتزام قائماً ولو زال الإثراء فيما بعد ، أو انتهت صلة المثري بالغير أو توفى الشخص المثري.
وقد جاءت الفقرة الثانية توضح بأن كلمة الغير الواردة بالفقرة الأولى تشمل الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري ، طالما أن المادة (166) من قانون المعاملات المدنية قد أوضحت بأنه ما أعتبر ثراءً حراماً لا يورث بواسطة المحاكم ولا يمتلك بالتقادم ولا ينتقل بالهبة ولا الوصية ولا بالبيع والتصرفات الأخرى الناقلة للملكية.
وكما جاءت الفقرة الثانية من المادة المذكورة مقرره عدم سقوط دعوى الإثراء بلا سبب مشروع بمرور الزمن وجاءت الفقرة الثالثة توضح من يتولى دعوى الإثراء بلا سبب مشروع هو وزير العدل إذا كان الشخص المضرور هو الدولة بناءً على طلب أي مواطن سوداني أو من تلقاء نفسه.
- أما فيما يتعلق بالعقوبة وبما أن المادة 9(أ) من قانون التعامل بالنقد الأجنبي قررت عقوبة السجن لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو الغرامة أو بالعقوبتين معاً ، وأن العقوبة بشأن الثراء الحرام والمشبوه وفقاً لما نصت عليه المادة (15) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه السجن لمدة لا تتجاوز عشر سنوات أو بالغرامة لا تجاوز ضعف مبلغ المال موضوع الثراء الحرام أو بالعقوبتين معاً مع الأمر بمصادرة المال موضوع الثراء الحرام والمشبوه وفقاً لأحكام المادة (14).
وبما أن هذه الجرائم ووفقاً لمنشور المحاكم الجنائية رقم (69) والذي أوضح مبادئ توقيع العقوبة حيث جاءت الفقرة السادسة من المنشور تنص على الآتي (في حالة الجرائم ضد القوانين الخاصة وعلى وجه الخصوص جرائم المال كتهريب العملة وجرائم الصالح العام تأخذ المحكمة في اعتبارها أن الهدف من سن تلك القوانين المحافظة على الاقتصاد الوطني والتوازن الاجتماعي ومنع الإثراء بلا سبب وذلك يتحقق بردع الجاني وتخويف غيره بهدف منع تكرار الجريمة ، إلا أننا وبالنظر لهذه الدعوى الجنائية نجد أن المدان قد وصل عمره خمسة وسبعين عاماً ولم يناهض الاتهام في ذلك وبما أن دساتير وقوانين السودان المتعاقبة قد أوضحت بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني وهذا ما قالت به سابقة حكومة السودان //ضد// إبراهيم بشير إبراهيم بالطعن م ع/ط ج/31/1973م ووفقاً لأحكام المادة 33(4) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م والتي نصت علي الآتي (فيما عدا حد الحرابة لا يجوز الحكم بالسجن على من بلغ السبعين من عمره) ، وبما أن النص قد حدد بأن يتقاضى عن فترة السجن بالتغريب فإذا عدل عن حكم السجن أو سقط ببلوغ عمر السبعين تسرى على الجاني عقوبة التغريب لمدة السجن المقررة وهذا ما قالت به أيضاً سابقة حكومة السودان //ضد//أ ذ بالطعن م ع/ط ج/95/2002م حيث قررت وأرست المبدأ الآتي (فيما عدا حد الحرابة لا يجوز توقيع عقوبة السجن لمن بلغ السبعين من العمر) . وبما أن النص قد حدد بأن يستعاض عن فترة السجن بالتغريب ، إلا أن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه هنا ، طالما أن الفقرة الثانية من المادة (33) من القانون الجنائي قد جعلت التغريب هو تحديد إقامة الجاني بعيداً عن منطقة ارتكاب الجريمة ، وهذا ما أجمع عليه الفقهاء والذين عرفوا التغريب ويعنى النفي عن البلد الذي وقعت فيه الجناية ، وبما أن المدان وعند لحظة ارتكاب الجرائم المشار إليها كان رئيساً لجهورية السودان ، مما يعتبر أي بقعة في أرضه قد تأثرت بتلك الجرائم ولا تملك المحكمة سلطة النفي والإبعاد خارج الأراضي السودانية طالما أنه سوداني الجنسية ولا يمكن إبعاد السوداني بحكم قضائي خارج السودان.
وهذا بدوره يقودنا لنص المادة (48) من القانون الجنائي لسنة 1991م تعديل 2015م والتي تتحدث عن التدابير المقررة للشيوخ إذ نصت على الآتي (دون مساس بتطبيق العقوبات الحدية وأحكام القصاص يجوز للمحكمة بعد الإدانة اتخاذ التدابير الآتية بشأن الشيخ الذي بلغ السبعين من عمره متى رأت ذلك مناسباً:
- تسليم الشيخ لوليه أو أي شخص مؤتمن بعد التعهد بحسن رعايته.
- تغريبه مدة لا تجاوز مدة السجن المقررة عقوبة لجريمته.
(ج) إيداعه إحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية لمدة لا تجاوز سنتين.
وبما أن المدان لديه بلاغات أخرى قيدت ضده حيث وصلنا بتاريخ 28/أغسطس/2019م خطاب التسليم بالرقم: ن ع/ن خ ش/مخاطبات/2019م من وكيل نيابة الخرطوم شمال في البلاغ 5650/2019م.
وحتى يصبح التدبير ذا أثر حقيقي وذلك بتحقيق الردع الخاص وللتكفير بالنسبة للمدان فيما ارتكبه في حق نفسه قبل التكفير عما ارتكبه في حق الجماعة ، وكما له أن يحقق الردع العام وهو منع السلبيات التي تحدثها التدابير الخفيفة في نفوس الأفراد المعرضين للإغراءات في نفس ظروف المدان والذين يشجعهم ما وقع على المدان من تدبير على المضي في تنفيذ جرائمهم مأملين أن التدبير سيكون اسمياً) . وهذا ما قررته وأرسته سابقه حكومة السودان //ضد// مصطفى محمد إبراهيم بالاستئناف م أ/م ك/248/1977م وعلى ضوء تلك المبادئ سوف نقرر اتخاذ التدبير والذي من شأنه تحقيقها.
تدابير وفقاً لأحكام المادة (48) من القانون الجنائي
لسنة 1991م تعديل 2015م
- يودع المدان عمـر حسـن أحمـد البشير بإحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية لمدة عامين . على أن تحسب المدة بعد انقضاء التحريات في البلاغ 5650/2019م والخاص بخطاب التسليم الوارد إلينا بتاريخ 28/أغسطس/2019م.
- مصادرة المبالغ التي تم ضبطها بالعملة الوطنية والأجنبية والمحددة بمستند الاتهام رقم 5/6 لصالح حكومة السودان.
الصادق عبد الرحمن الفكي أحمـد
قاضي محكمة الاستئناف المكلف
م14/12/2019

