طه كريم الدين محمد / ضـد/ حكومة السودان
المحكمة العليا
الدائــرة الدســتورية
القضــاة:
السيد / سيد أحمد العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد / عبيــد قسم الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد / محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد / يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد / علي يوسف الوالي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد / صلاح محمد الأمين قاضي المحكمة العليا عضواً
طه كريم الدين محمد / ضـد/ حكومة السودان
م ع/ ق د/1/1983
المحامـون/ عبد الوهاب محمد عبد الوهاب:
(الحكـــم)
التاريخ: 30/3/1987:
تقدم الأستاذ عبد الوهاب محمد عبد الوهاب نيابة عن المدعي أعلاه بعريضة دستورية للمحكمة العليا في 14/11/82 جاء في عريضته أنه بتاريخ 12/1/1979 أصدرت محكمة كبرى بأمدرمان قرارا قضى بشطب تهمة وجهها قاضـي إحالة للمدعي تحت المادة 362ب) من قانون العقوبات لسنة 1983 (إعطاء شيك بدون رصيد) طلب الشاكي في البلاغ الجنائي (محمد أحمد عبد الرحيم) من محكمة الاستئناف فحص قرار المحكمة الكبرى وشطبت محكمة الاستئناف طلب الفحص بتاريخ 6/12/81 في 17/5/82 أصدرت الدائرة الجنائية الثانية بالمحكمة العليا حكما بالأغلبية بقبول طلب فحص قدمه الشاكي وألغت القرار بشطب التهمة وأمرت بإعادة الإجراءات للمحكمة الكبرى بغرض إدانة المدعي وتوقيع عقوبة عليه ثم إضافة العريضة أن قرار الدائرة الجنائية الثانية بالمحكمة العليا يخالف نص المادة 257(4) من قانون الإجراءات الجنائية (لسنة 1974) ومن ثم فيكون باطلا لمخالفته صريح النص القانوني كما أنه يخل بحق المتهم الدستوري الذي كفلته المادة 64 من دستور السودان إذ العدالة لا تتحقق بالخروج على النصوص الإجرائية التي قصد بها تحقيق العدالة الجنائية يلتمس المدعي حماية حقه الدستوري الثابت بالمادة 64 من الدستور وذلك بإبطال قرار المحكمة العليا الدائرة الجنائية
رد ممثل النائب العام نيابة عن حكومة السودان (مدعى عليه) على عريضة الدعوى بمذكرة أولى ثم أردفها بأخرى معدلة جاء فيها ما يلي:-
أ – أن أحكام المحاكم على كافة درجاتها لا تكون محلا للطعون الدستوريـة حتى لو وقعت تلك المحاكم في أخطاء
ب- أن المادة 257(4) تتعلق بسلطة الفحص وهو إجراء تتخذه المحكمة من تلقاء نفسها وبما أن الذي حدث فعلا في هذه القضية هو أن المحكمة لم تطلب محضر الإجراءات الجنائية من تلقاء نفسها بل بناء على طلب الشاكي
ج- قرار المحكمة العليا صدر بموجب السلطة التي يمنحها لها القانون تحت المادة 253 وليست تحت المادة 257(4) إجراءات وأن أخطاء قرار الأغلبية في إطلاق كلمات (طلب فحص) إسماً لعريضة المدعي فالعبرة بالمسميات وليست الأسماء
د- قرار الدائرة الجنائية بالمحكمة العليا لم يخرج من نصوص قانـون الإجراءات وأنه تتم في نطاق سلطة المحكمة التي يمنحها لها القانون وأنه لم يخل بحق المتهم تحت المادة 64 من دستور السودان الدائم
هـ- نرجو أن تقرر المحكمة أن التحديد الزمني لصدور قرار المحكمة تحت المادة 257(4) من قانون الإجراءات يختص بالحالة التي تطلب فيها المحكمة محضر الإجراءات من تلقاء نفسها وليست حين تطلبه بناء على طلب من شخص أو سلطة مختصة أخرى
ورفضت المذكرة كل طلبات المدعي رد محامي المدعي على مذكرة الدفاع رافضاً إياها وموضحاً انه لا يراها تنطوي على دفاع صحيح خاصة وأن أساسها هو وجود تناقض بين العدالة والقانون وطلب تغليب نص قانون استناداً إلى عدالة مزعومة وهو لا يجوز طلبه من المحكمة العليا
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل انتهاك قرار المحكمة العليا المشار إليه حق المدعي الدستوري تحت المادة 64 من دستور السودان الدائم لسنة 1973؟ وإن كان كذلك هل يجوز إبطال القرار؟
بعد مراجعة ملف القضية أجيب على الشق الأول من هذا السؤال بالنفي وذلك لما هو آت من الأسباب:
1- نص المادة 64 من دستور السودان لسنة1973 على ما يأتي: كل شخص متهم بارتكاب جريمة يجب أن يقدم بأسرع فرصة للمحاكمة ومن حقه أن ينال محاكمة عادلة وفق إجراءات القانون: يزعم الأستاذ محامي المدعي أن موكله لم ينل محاكمة عادلة وفق إجراءات القانون وذلك لأن الدائرة الجنائية بالمحكمة العليا خالفت نص المادة 257(4) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م نقضت قرار براءة في طلب فحص بعد مضي أكثر من ثلاثة شهور من صدور قرار البراءة وفي رأيي أن المحاكمة العادلة المشار إليها في المادة المذكورة من الدستور تعني أن يعطى الشخص المعني الفرصة ليقدم دفاعه أو قضيته ومثله محام ويمنح كل الفرص الممكنة لتجهيز قضيته من تحضير لشهوده ومستنداته إلى الوقت الكافي لكتابة مذكراته- ولا أظن أن الأستاذ المحامي يطعن في عدم إعطاء موكله فرصة في هذا الخصوص أما عن عبارة "وفق إجراءات القانون" فلقد تمت المحاكمة وفق إجراءات القانون وصدر القرار بأغلبية من قضاة أكفاء مشهود لهم بالخبرة الطويلة والعلم الغزير في القانون والإجراءات ولم يستطع الأستاذ محامي المدعي أن يقنعنا بأن إجراءاتهم كانت مخالفة للقانون كم سيجيء فيما بعد
2- يصر الأستاذ محامي المدعي الذي قدمه الشاكي للمحكمة العليا كان طلب فحص بالرغم من أن مذكرة الأستاذين علي محمود وسعد ياجي المحامين التي قدماها للمحكمة العليا نيابة عن الشاكي لم تشر إلى أن طلبهما طلب فحص – بل على العكس فلقد جاء في ترقيمهما للطلب (م ع/ط ج/82) و (ط ج) تشر إلى أنه طعن جنائي
ومن ناحية أخرى لماذا يقدمان طلب فحص في حين أنه يمكن أن يتقدما بطعن جنائي عادي للمحكمة العليا بموجب المادة 253 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 974؟ لقد جاءت الإشارة إلى طلب فحص مذكرة الحكم دون مبرر ولو كان الشاكي سيضار من هذا فإن الخطأ لم يكن خطأه بل ينسب للمحكمة التي سمت طلبه بما لم يسمه هو به والطعن للمحكمة العليا لا يحده زمن بموجب القانون المشار إليهوعليه فإن طلب الشاكي للمحكمة العليا كان وفقاً للإجراءات القانونية الصحيحة وكان طعنا جنائياً
3- بالرغم مما جاء بعاليه لا خلاف أن المادة 257(4) تنص في فقرتها الأخيـرة على أنه لا يجوز نقضي قرار بالتأييد لأن أي أمر آخر أصدرته المحكمة العليا موضوع هذه الدعوى صدر بعد أكثر من ثلاثة أشهر وصحيح أن قرار المحكمة العليا موضوع هذه الدعوى صدر بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ صدور القرار ببراءة المدعي (المتهم) ولكن تفسيرنا لهذا النص يختلف عما ذهب إليه الأستاذ محامي المدعين المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 تعني بسلطة الفحص وجاء في صدرها: "يجوز للمحكمة العليا أن تطلب فحص من تلقاء نفسها أي محضر إجراءات جنائية أمام أية محكمة استئنافالخ" وجاء في الفقرة (4) من نفس المادة: "عندمـا تطلب إجراءات بموجب هذه المادة الخ" إذن فإن المادة تشير إلى الحالة التي يطلب فيها محضر الإجراءات بواسطة المحكمة العليا من تلقاء نفسها دون أن يحركها طرف – ولعل المشرع وضع في الاعتبار أن شخصاً ما لن يحتاج للاستعانة بهذه المادة طائعاً كفل له القانون الحق في الطعن بالنقض تحت المادة 253 إجراءات وارد أن يجعل سلطة الفحص تمارس عندما تطلب المحكمة الإجراءات من تلقاء نفسها – مثلا عندمـا ترد إشارة لهذه القضية (موضوع الفحص) في قضية أخرى أمامها وتود أن تلم بما تم فيها أو لأي سبب آخر يجعلها تطلب القضية وبما أن الذي حدث فعلاً في هذه القضية (على افتراض أن الطلب المقدم من الشاكي كان طلب فحص) هو أن المحكمة لم تطلب محضر الإجراءات الجنائية من تلقاء نفسها بل بناء على طلب الشاكي وعليه بجب ألا يضار الشاكي من تأخير نظر الطلب بواسطة المحكمة وإذا قلنا بغير ذلك وقررنا أن الشرط الزمني (نظر القضية خلال ثلاثة شهور) ينطبق في هذه الحالة فتكون قد حرمنا المدعي من حقه الدستوري الذي كفله له الدستور هل يريد المدعي أن تحكم له هذه المحكمة بحماية حقه الدستوري وتمنع نفي الحق عن الشاكي؟ حق الشاكي الدستوري هو حق التقاضي واللجوء للمحاكم ذات الاختصاص أنظر المادة 26 من الدستور الانتقالي لسنة 1985 حيث نصت: "حق التقاضي مكفول للجميع ويكون لأي شخص الحق في اللجوء إلى المحاكم ذات الاختصاص" وعلى فرض أن الشاكي تقدم بطلب فحص للمحكمة العليا يجب ألا يصادر حقه في التقاضي بسبب نص إجرائي لا يد له فيهوربما أراد المشرع بوضعه لهذا النص في هذه المادة 257(4) أن تستقر الأحكام القضائية التي يرضى بها الطرفان ولا يجوز لمحكمة أعلى أن تتدخل فيها بعد مضي اكثر من ثلاثة شهور من تاريخ إصدار الحكم طالما قبله الطرفان
لهذا الأسباب فرادى ومجتمعة أرى أن قرار الدائرة الجنائية بالمحكمة العليا الصادر في 17/5/82 لم يخل حق دستوري للمدعي يجعلنا ننظر في جواز إبطاله وعليه أخلص إلى رفض هذه الدعوى وأقرر شطبها برسومها

