تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
07-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

07-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2010
  4. حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

سعادة السيد/ محمــد حمـــد أبوســن

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد/د.عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/محجــوب الأمـين الفكــي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ عبـد الله العــوض محمــد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ

2- ب . م .ع .ا .آ

3- ا . ج . ف . ي

م ع/ غ إ/إعدام/63/2010م

 

قانون الإثبات لسنة 1994م - المادة (21) منه – إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة  – الاتفاق الجنائي – الإقرار به – إصابة المجني عليه حال الاتفاق الجنائي – حكمها – حق المتهم في الاستعانة بمحام – سكوته عن حقه في طلب محام - حكمه.

 

المبادئ:

 

1- إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ينبىء بصدق ما أقر به إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة فيكون إقراره حجة قاطعة عليه.

 

2- لا فرق في ظل ما أقر به المتهم من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره.

3- حق المتهم في الاستعانة بمحام حق دستوري وقانوني فإن لم يطلب المتهم إمهاله لإحضار محام أو تعيين محام له لإعساره فإن قبوله الاستمرار فـي المحاكمة يعني تنازله ضمنياً عن حقه في الاستعانة بمحام.

 

الحكــم

 

القاضي: عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي

التاريخ: 21/9/2010م

 

بتاريخ 11/11/2009م أصدرت محكمة الجنايات العامة بالجنينة – ولاية غرب دارفور – حكمها بإدانة المتهمين الثاني علي أحمد طريح الملقب بعلي السيسي والثالث بحر محمد عبدالله آدم الملقب بأبوقطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف بجريمة القتل العمد تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بموجب المادة 130(1) مقروءة مع المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م وقضت عليهم بإعدام كل واحد منهم شنقاً حتى الموت قصاصاً ، كما قضت بتبرئة المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم من ذات التهمة المذكورة المنسوبة إليه وبإخلاء سبيله فوراً وبرفع الأوراق للمحكمة العليا للتأييد أو خلافه بعد انقضاء مدة الاستئناف وبمصادرة خزنة الكلاشنكوف الفارغة المعروضات لصالح سلاح الأسلحة بالخرطوم وبتسليم العربة البوكس المعروضات لقوات اليوناميد وبتسليم العربة التيكو المعروضات للمتهم الأول المذكور هارون آدم حسين وبإبادة بقية المعروضات.

كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تلخصت في أنه بتاريخ 28/5/2009م وفي حوالي الساعة الرابعة مساءً قام المتهمون – المدانون المذكورون عاليه – وتنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بالتحرك من أورمتا إلى الجنينة مستقلين العربة من نوع تيكو خاصة المتهم الأول معتزمين نهب إحدى السيارات التابعة لقوات اليونميد ، وخلال تجوالهم شاهدوا سيارة بوكس دبل كابينة على متنها خمسة ضباط تابعين لقوات اليونميد فطلبوا من المتهم الأول سائق عربة التيكو متابعتها ، فلما توقفت عربة البوكس التابعة لليونميد بحي الشاطئ - بالجنينة – أمام منزل المواطن الدارفوري كبرو محمد عبدالكريم ، أمر المتهمون سائق عربتهم بالتوقف قريباً من عربة قوات اليونميد – ووقتئذٍ كان ثلاثة من ضباط اليونميد قد نزلوا من عربتهم البوكس ودخلوا إلى منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم للتفاوض معه فـي استئجار منزله لقوات اليونميد ، أما الاثنان الآخران وهما شاهدا الاتهام الأول والثاني فقد آثرا البقاء في سيارة اليونميد ، وأثناء بقائهما في تلك السيارة هرع إليهما المتهم الثاني شاهراً سلاحه الكلاشنكوف متهدداً ومتوعداً وآمراً الضابطين بالنزول وترك السيارة ، فأصيب الضابطان بالفزع وفرا هاربين للنجاة بجلدهما إلى داخل منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، عندئذٍ استولى المتهمون على سيارة اليونميد فانتقل أربعتهم إليها ، لما رأى صاحب المنزل ما بالضابطين من رعبٍ أدرك أن خطراً تهددهما فسارع إلـى الخارج فإذا بالمتهمين قد تأهبوا للانطلاق بالسيارة المنهوبة ، لم يرتعب المواطن كبرو محمد عبدالكريم من الأسلحة النارية الفتاكة المعبأة والمصوبة نحوه فاندفع نحو المتهمين وهو يقسم بالله بأنه لن يسمح أن يضام ضيوفه – على حد تعبيره – أو أن تنهب سيارتهم من أمام منزله ، فغالبهم وتمكن من السيطرة على عجلة القيادة وعندئذٍ تمادى المتهمون في التمرغ في وحل أرجاسهم فأطلق المتهم الثالث بحر محمد عبد الله الملقب بأبي قطعة ، الرصاص من سلاحه الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم الذي وقع صريعاً في الحال ، وعلى إثر سماع صوت الطلق الناري خرج شاهد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم من منزله فوجد المجني عليه صريعاً ، فسارع بـدوره لمنع المتهمين من نهب السيارة ، فداهمها وبدأ يغالب لانتزاع البندقية الكلاشنكوف التي كان يحملها المتهم الثاني ، إلاَّ أن المتهم الرابع قد سدّد إليه ضربةً بدبشك بندقيته الكلاشنكوف فطرحه أرضاً ، وانطلق المتهمون بالسيارة المنهوبة ، ومن ثمّ فتح البلاغ وتحرك رجال الإدارة الأهلية في فزع مستخدمين خبراتهم وتمكنوا خلال سويعات من القبض على المتهمين الذين أرشد إليهم المتهم الأول صاحب عربة التيكو التي أقلتهم لمسرح الأحداث ، وبعد إجراء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الحكم المذكور في مبتدأ هذه الوقائع .

فتقدم المحكوم عليهم طاعنين لدى محكمة استئناف ولاية غرب دارفور التي أصدرت حكمها في 31/1/2010م بتأييد الإدانة الصادرة في حق المتهمين المذكورين ، وبإلغاء العقوبة المحكوم بها وبإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتوقيع العقوبة المناسبة بعد اتخاذ الإجراء الوارد في أسباب الحكم ، حيث كان قد تبيّن لمحكمة الاستئناف عدم قيام محكمة الموضوع بأخذ رأي الوارثة مريم يوسف التليب بالوجه الشرعي عن أبنائها القصر بشأن القصاص أو الدية أو العفو ، ومن ثمّ سارت محكمة الموضوع في الإجراءات واستكملت ذلك الإجراء بالوجه الشرعي ثم أصدرت حكمها في 4/3/2010م بمعاقبة كل واحد من المتهمين الثاني والثالث والرابع – المذكورين آنفاً – بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً وبرفع الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد أو خلافه ، مع إصدار بقية الأوامر المذكورة في مبتدأ هذه الوقائع . وبتقديم الأوراق إلى المحكمة العليا كان هذا النظر وفقاً لمقتضيات أحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، وخلال نظرنا للأوراق تقدم المحكوم عليهم بطلبات أعربوا فيها عن النظر إليهم بعين الرحمة ، وبأنهم غير مقتنعين بالأحكام التي صدرت في حقهم ، ولم يضف المحكوم عليهم وجهاً آخر سوى ما كان من المتهمين الثاني والرابع اللذين ذكرا بأنهما وقت حدوث الجرم محل المحاكمة لم يكونا بمدينة الجنينة حيث ذكر المتهم الثاني بأنه كان مع محاميه مطالباً سماع شهادته ، وسوف نتناول بالمناقشة ما كان منتجاً من طلباتهم ودفوعهم ضمن أسباب حكمنا بإذن الله .

 

الأسباب

 

الحكم المرفوع إلينا للتأييد – أو خلافه –  قد استوفى شرائط المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها ومن حيث صيرورته نهائياً.

وفي موضوعه فقد خلصت دراستنا المتأنية لأوراق الدعوى وأقوالها وأدلتها ودفوعها ودفاعها إلى ما يلي :

أولاً : الوقائع الثابتة التي لا مراء فيها تجعلنا نقرر باطمئنان صحة ما قررته المحاكم الأدنى – محكمتا الموضوع والاستئناف – من ثبوت الركن المادي لجريمة القتل في حق المتهمين الثاني علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – والثالث بحر محمد عبدالله آدم – الملقب بأبي قطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف - حيث ثبت إتيانهم للركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة - ، فالعنصر الأول المتمثل في النشاط الإجرامي بدأه المتهمون المذكورون بتتبع عربة اليونميد وقد تبع ذلك وقائع عديدة حتى انتهى الأمر إلى إطلاق الرصاص من البندقية الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بالأدلة المباشرة وبالأدلة غير المباشرة التي تضافرت مع بعضها لتفيد يقيناً ثبوت عنصر النشاط الإجرامي في حق المتهمين الثلاثة المذكورين.

 

فأما الأدلة المباشرة فقد تمثلت في اعترافات المتهمين – وهي إقرارات غير قضائية وأخرى قضائية – حيث أقر المتهم الثالث –  بحر محمد عبدالله –  بإقرار غير قضائي جاء فيه ما نصه:

( الحاصل أنا كنت قاعد في سوق أورمتا وجاء إلى الغالي  وإسماعيل محمد وعلي سيسي وسائق التيكو وقالوا لي : ( هناك عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة .. لقينا عربية تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي سيسي قال لنا : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ، جاء زول طالع من البيت مسك الدركسون ... نعم المسلحين الغالي وإسماعيل محمد وعلي سيسي ، نعم السلاح كان كلاشات ... نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم أنا الذي ضربت المرحوم ، نعم نحن خططنا للعملية دي كلنا ، نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ، أنا ضربت المرحوم في رأسه ، الكلاش كان في المجموع ، الكلاش الذي ضربت به المرحوم بتاع الغالي ، علي كان عنده بندقية وكان ماسكها المرحوم وأنا ضربت المرحوم ... أنا وإسماعيل والغالي وعلي هددنا الناس اللي في العربية ...) ( راجع صفحات 8/9/10 من محضر التحري) ، وقد أدلى هذا المتهم الثالث بحر محمد عبدالله باعتراف قضائي استوفى شرائطه ومنه ما نصه :

 (... الحاصل أنا ومعي واحد اسمه علي السيسي ومعنا الغالي جويد وإسماعيل والخامس بتاع تيكو ما بعرف اسمه في يوم الخميس الفائت حوالي الساعة الرابعة مساءً تحركنا إلى حي الشاطئ وكان معنا كلاشات ثلاثة ، واحد شايلو الغالي وواحد شايلو علي السيسي والثالث شايلو إسماعيل ... لقينا عربية المنظمة ... قام علي السيسي نزل وثبت العربية ، قام سيد البيت جاء جاري مارق برهّ ، وأنا كان عندي مسدس 6 ملم والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه وأنا فكيت طلقة من المسدس في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وقاموا جروا ، أنا اسمي بحر محمد عبدالله وملقب بأبوقطعة ... أنا شغال عسكري تابع لحرس الحدود شغال منذ أربع سنوات ورتبتي جندي ، علي السيسي الذي أقصده هو علي أحمد الطريح وهو الذي خطط .. لمن بدأ الضرب بتاع التيكو ساق عربيته وفات ... )( راجع صفحات 20/21/22 من محضر التحري ) هذان الإقراران قد استوفيا شرائطهما الشرعية وقد استوفى الاعتراف القضائي كافة شرائطه المقررة وفقاً لأحكام المادتين 16/19 من قانون الإثبات لسنة 1994م فضلاً عن أنه جاء خلواً من المؤثرات التي تفضي إلى طرح دلالة الإقرار من تكذيب ظاهرالحال لدلالته ، أو الإدلاء به نتيجة إغراء أو إكراه ، ولا قيمة لما دفع به المتهم المذكور خلال استجوابه بوساطة المحكمة من ادعاء الإكراه وبأن إقراره كان نتيجة التعذيب وبأنه قد تمّ ربطه من رجليه وتعليقه في حديدة بمكان بناءٍ وصاروا يضربونه حتى حسبوه قد مات وأنه قد اعترف بسبب ذلك فتلك دفوع لا قيمة لها ، لأنه لم يقدم ما يثبتها ـ أو ما يبعث الشك بشأن صحتها ـ من بينات خبرة طبية أو من شهود معاينة ، بل إن المتهم قد نسج ذلك الدفع ووقائعه بعد أن استحكمت حلقات الوقائع بخناقه ، علماً بأنه عند مخاطبته بالتهمة المنسوبة إليه قد ذكر بأن خط دفاعه الإنكار المجرد وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ومن ثم يذهب دفعه أدراج الرياح ، هذا فضلاً عن أن إقراره قد تضمن تفصيلات لوقائع النازلة محل المحاكمة تنبئ بصدق ما أقر به ، إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ، كما أنه لا قيمة لمحاولة المتهم المذكور التنصل من واقعة قيامه بإطلاق الرصاص على رأس المجني عليه ، حيث لا فرق ـ في ظل ما أقر به من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره ، علماً بأن المتهم لم ينف بصورة جازمة إصابته للمجني عليه ، ولا تقبل الدفوع إلاّ إذا كانت جازمة ، وبناءً عليه يكون اعتراف المتهم المذكور حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

أما المتهم الثاني – علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – فقد أقر إقراراً غير قضائي جاء فيه ما نصه : ( ... ركبنا كلنا في العربية التيكو وجئنا حي الشاطئ ... وجئنا محل العربية ، وأبوقطعة والغالي هددوا الركاب ونزلوهم من العربية وركبنا نحن في العربية ، وطلع المرحوم قال لينا : ما تشيلوا العربية ومسك الدركسون ، وأبوقطعة كان واقف قدام العربية وضرب المرحوم ... الكلام ده كان يوم الخميس الساعة الرابعة تقريباً ... نعم وروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... نعم جينا حي الشاطئ وتتبعنا العربية تابعة لليونميد حتى وقفت قدام البيت ... نعم أبو قطعة وإسماعيل هددوا الناس ... المرحوم طلع من البيت ومسك دركسون العربية وقال ما تشيلوها ... وأبو قطعة قام ضرب المرحوم ... ( راجع صفحتي 7/8 من محضر التحري) ، وعند مثوله أمام القاضي – في مرحلة التحري – أنكر المتهم علي أحمد طريح ما سبق أن أقر به مدعياً بأنه لم يكن موجوداً في مسرح الحادث وبأنه أقر بسبب الضغط عليه ، مستشهداً بشاهدي دفاع هما اسحق حازم عيسى ومنير سليمان أبكر ، وبالاستماع إليهما في مرحلة المحاكمة لم يشهد له أحدهما بشئ يثبت عدم وجوده بمحل النازلة وقت حدوثهـا ، ولا بشئ مما يبعث الشك في وجـوده بمكان النازلة محل المحاكمة وقت حدوثها ( راجع صفحات 111 حتى 117 من محضر المحاكمة ) ومن ثم فلا قيمة لإنكاره ولا قيمة لدفعه ، الأمر الذي يجعل إقراره من غير شائبة تشوبه فيكون حجة قاطعة في حقه وفقاً لما تقضي به المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

 

ثم إن المتهم الرابع – الغالي جويد فيقان يوسف – أيضاً قد أقر إقراراً غير قضائي منه ما نصه : (الحاصل تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم سائق التيكو وإسماعيل ... دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها وبعد ما وقفت قام علي نزل هدد الخواجات ... والمرحوم جاء طالع من البيت ومسك بندقية علي وأنا جئت خشيت بين علي والمرحوم وقام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي وجراه أبوقطعة ونحن ركبنا العربية وطلعنا بيها ... الكلام ده كان يوم الخميس حوالي الساعة الرابعة عصراً ، نعم اللي كان عنده سلاح أنا وإسماعيل وعلي ، نعم أبو قطعة ما عنده سلاح ولكن السلاح الضرب به المرحوم شاله – أخذه – من إسماعيل ، نعم أبوقطعة ضرب المرحوم بكلاش ... أنا ما عارف ضربه كم طلقة ولكن سمعت مجموع ... ) ( راجع صفحتي 10/11 من محضر التحري) وبذات المعنى مع اختلاف العبارات جاء الإقرار القضائي الذي أدلى به هذا المتهم ( راجع صفحات 23/24/25/26 من محضر التحري) ، غير أنه في مرحلة المحاكمة وعند استجوابه بوساطة المحكمة قد أنكر إتيانه شيئاً مما كان قد أقر به ، مدعياً أنه قد أقر بسبب الإكراه والضرب بالعصا وبالكهرباء ، وحين خاطبته المحكمة بالتهمة المنسوبة إليه أجاب بأن خط دفاعه الإنكار المطلق وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ولا قيمة لادعاء مجرد بالإكراه والضرب والصعق بالكهرباء ، ومن ثم يكون إقراره حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

تلك الأدلة المباشرة المتمثلة في الإقرارات الآنفة الذكر تثبت بلا مراء ، إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي الموصوف آنفاً ، مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأنه.

 

أما الأدلة غير المباشرة التي أثبتت أيضاً إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي المتمثل في تتبع المتهمين لسيارة اليونميد حتى حدوث إطلاق الرصاص على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثم نهب السيارة التابعة لليونميد ، فقد تمثلت في العديد من القرائن ، بدءً من قرينة بينة الشريك ، حيث أدلى المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم بتفاصيل وقائع النازلة ذاكراً بأنه أخذ المتهمين الغالي جويد وبحر عبدالله – أبوقطعة – وعلي السيسي وإسماعيل بسيارته التيكو من سوق أورمتا إلى حي الشاطئ بالجنينة وأنزلهم بمسرح الحادث بالقرب من العربة بوكس دبل كابينة التابعة لليونميد ، ثم غادر المكان وعقب مغادرته سمع من ورائه صوت ذخيرة – رصاص – ووصف المتهم نوع الأسلحة التي كان يحملها المتهمون وملابسهم التي كانوا يرتدونها ( راجع صفحات 6 و13، 14، 15 من محضر التحري وصفحات 85 حتى 91 من محضر المحاكمة ) وبجانب أقوال المتهم المذكور فقد أدلى المتهمون الثاني والثالث والرابع بما يثبت اشتراكهم مع بعضهم في إتيان النشاط الإجرامي للنازلة محل المحاكمة ، وقد وضح ذلك من خلال إقراراتهم التي سبق لنا إيراد نصوصها ، وتلك الأقوال بجملتها تدخل في معنى ( بينة الشريك) وتأخذ حكم القرينة وفقاً لأحكام المادة (50) من قانون الإثبات لسنة 1994م ، وقد استقر قضاؤنا على التعويل على بينة الشريك والاعتداد بها ما دامت متناسقة وتتفق مع منطق الأشياء . ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد آدم عثمان وآخرين – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 240) وتعدّ بينة الشريك (قرينة بسيطة) ويلزم تعضيدها بدليل آخر مستقل ومن ثم فيجوز تأسيس الإدانة بموجبها ، شريطة أن تتوافق البينة المعضدة مع بينة الشريك في جزئية جوهرية من الوقائع محل المحاكمة ، أو الوقائع المحتفة بها ، إذ قضت المحكمة العليا السودانية بأنه : ( لا يشترط أن تعزز أقوال الشريك كلها ، بل يكفي أن تعزز أقوال الشريك ولو في جزئية مهمة بأي نوع من أنواع الأدلة والبراهين المقبولة قانوناً ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد مجذوب محمد – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 230 – وراجع قضية حكومة السودان //ضد// عزالدين علي هارون – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 215 وقضية حكومة السودان //ضد// حامد أحمد سليمان – مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م صفحة 465) . وهكذا فإن تساندت البينة المعضدة مع بينة الشريك فإن المنطق القضائي يقتضي إفضاء ذلك إلى الاقتناع القضائي ،  لما يلزمه من بعث الطمأنينة في نفس القاضي ، وذلك على النحو المتحقق في هذه الدعوى الجنائية حيث توافقت معها = أي مع بينة الشريك = البينات المعضدة المتمثلة في الأدلة المباشرة التي سبق لنا إيرادها ، وكذا توافقت معها القرائن القضائية المستخلصة استخلاصاً سائغاً من القدر المشهود به في شهادات شاهدي  الاتهام الأول والثاني – ضابطا اليونميد – حيث شهدا بأن المتهمين قد أنزلوهما من العربة التيكو وهددوهما بالكلاشنكوف إلى أن تركا لهم سيارة اليونميد ودخلا منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، وأنه على أثر دخولهما إلى المنزل خرج المجني عليه لمنع المتهمين من نهب سيارة اليونميد وأنهما عند ذلك سمعا صوت إطلاق النار وصياح النسوة وبخروجهما من المنزل وجدا المجني عليه قد فارق الحياة بسبب الطلق الناري ومن ثم ذهب المتهمون بالسيارة المنهوبة ( راجع شهادة شاهد الاتهام الأول عاصم هاني سلمان – ضابط أردني باليونميد – بصفحة 35 – 39 ، وشهادة شاهد الاتهام الثاني محمد عقلة القضاة – الضابط الأردني باليونميد – بصفحات من 40 حتى 44 من محضر المحاكمة ) .  ويستخلص من هذا القدر المشهود به أن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه المذكور ، حيث ثبت أنهم –  دون سواهم – الذين كانوا بمسرح الحادث وأنهم دون سواهم الذين نهبوا سيارة اليونميد وفقاً للثابت بشهادة شاهـد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم ( راجع صفحات من 59 حتى 63 من محضر المحاكمة) ، ويلزم من خلال تلك الوقائع الثابتة وتزامنها مع واقعـة إطلاق النار على المجني عليه ، القول بأن المتهمين المذكورين دون غيرهم هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه.

 

وبجانب القرائن المستخلصة من الشهادات الآنفة الذكر ، فهنالك ما يستخلص من شهادة شاهد الاتهام الخامس – صدام محمد عبدالكريم – حيث شهد بكل وقائع النازلة محل المحاكمة بدءً من معاينته لوصول عربة التيكو إلى أمام منزل المجني عليه المذكور ووقوفها بالقرب من عربة اليونميد وتعرفه على رقم عربة التيكو والإبلاغ عنها ، وبتبيّنه من عدد الذين كانوا على متن العربة التيكو وما كانوا يحملونه من سلاح ونزول المتهم الثاني من تلك العربة التيكو بالقرب من عربة اليونميد ، وأنه بعد معاينته لكل ذلك دخل إلى منزله وفور ذلك سمع صوت إطلاق الرصاص وأصوات ( جوطة ) فخرج من منزله ووجد عربة التيكو قد غادرت المكان ، وكذا عربة اليونميد كانت قد نهبت وغادرت لاتجاه (صباح) – على حدّ تعبيره – ( راجع صفحات من 64 حتى 69 من محضر المحاكمة) . وحيث ثبت أن مسرح الحادث لم يكـن فيه وقتئذٍ سوى أولئك المتهمين الذين أقلتهم عربة التيكو ، وكان إطلاق الرصاص على المجني عليه مقارناً للحظة وجودهم ، فيستخلص استخلاصاً سائغاً بأن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، وذات هذه القرينة هي التي تستخلص من شهادة شاهد الاتهام السادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم ، حيث شهد بأنه وقت حدوث النازلة كان بمنزل فراش – مأتم – بالقرب من منزل المجني عليه ، وأنه - عقب سماع صوت الرصاص هرع فشاهد عربة اليونميد المنهوبة مسرعة من المكان وشاهد بداخلها المتهم (أبوقطعة) الذي كان يقودها وأنه يعرف المتهم المذكور شخصياً كما أنه شاهد بداخلها المتهمين علي السيسي والغالي جويد (راجع شهادة شاهد الاتهام المذكور بصفحات 70 – 75 من محضر المحاكمة) . وتلك الوقائع المشهود بها مما يسوغ لنا أن نستخلص منها أن المتهمين المذكورين وحدهم - دون سواهم - الذين أطلقوا النار على المجني عليه ، وبتضافر تلك القرائن القضائية مع بعضها وتساندها – وتعزيزها لبينة الشريك – فإن مجموع الأدلة التي توفرت في هذه الدعوى الجنائية تعدّ جازمةً – قطعية الدلالة – في إثبات النشاط الإجرامي الموصوف في حق المتهمين المذكورين ، فضلاً عن أنها تدحض بلا مراء كل دفاع حاول المتهمون التدثر به.

 

ثم إن العنصر الثاني للركن المادي لجريمة القتل والمتمثلة في النتيجة التي تمخضت عن إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، قد ثبت بدلالة شهادات الشهود الآنف ذكرهم وبدلالة التقرير الطبي ، وكان المجني عليه وقت النازلة محل المحاكمة آدمياً حياً معصوم الدم ، خرج من داره إلى المتهمين المذكورين وهو بتمام عافيته ويحلف بالإيمان المغلظة بأنه لن يدع لأحد أن يهين ضيوفه في عقر داره مستصغراً (المنّية لئلا يوصم بالدنيةِ ) وتمكن من مغالبة المتهمين ومن السيطرة على عجلة قيادة سيارة ضباط اليونميد التي انتهبها المتهمون بعد أن أزهقوا روحه ، حيث ثبت إزهاق روحه بدلالة شهادة شهود الاتهام – الأول ضابط اليونميد – عاصم هاني سلمان بصفحة 37 من محضر المحاكمة والثاني محمد عقلة القضاة – ضابط اليونميد – بصفحة 42 من محضر المحاكمة ، وشهادات شهود الاتهام الثالث التيجاني الأمين بركة والرابع جمال الدين محمد عبدالكريم والخامس صدام محمد عبدالكريم والسادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم حيث تزامن مجيئهم لمسرح النازلة محل المحاكمة عقب سماع صوت إطلاق الرصاص على المجني عليه المذكور ، ومثلهم كان الشاكي عمر يوسف التليب ( راجع صفحة 26 من محضر المحاكمة ).

 

ولاستكمال عناصر الركن المادي لجريمة القتل ، فيجب استبانة مدى توفر العنصر الثالث المتمثل في رابطة السببية بين الفعل – النشاط الإجرامي الموصوف – وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه المذكور ، ويتحقق ثبوت علاقة السببية عندما تكون النتيجة ناجمة عن النشاط الإجرامي ، دون تدخل أي عنصر خارجي في تسبيب تلك النتيجة ، وبحيث تكون الرابطة بين النشاط الإجرامي وبين النتيجة واضحة ومباشرة تماماً كوضوح ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// عبدالرحمن عبدالعزيز إبراهيم – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 128) وفي هذه الدعوى الجنائية فقد ثبتت رابطة السببية بين النشاط الإجرامي الموصوف الذي أتاه المتهمون المذكورون وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بدلالة شهادات الشهود المذكورين آنفاً ، وبدلالة التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث أفاد بأن سبب الوفاة عيار ناري في الرأس مدخله من الجهة الأمامية ومخرجه من الجهة اليسرى للرأس أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفـاة ، وبناءً عليه تكون علاقة السببية ثابتة في هذه الدعوى الجنائية وفقاً للمعيار المستقر قضاءً ويكون والحال هذا قد ثبت الركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة – في حق المتهمين المذكورين ثبوتاً يقينياً مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأن هذا الركن.

 

ثانياً: نطرح السؤال الجوهري التالي ، هل ينسب إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل إلى متهم بعينه من المتهمين المذكورين أو أنه كان ثمة اتفاق جنائي بينهم بحيث ينسب إليهم جميعاً ؟ ونجيب جازمين بأن إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل ينسب إلى المتهمين جميعاً ، أعني المتهمين الثاني والثالث والرابع المذكورين آنفاً ، حيث ثبت اتفاقهم الجنائي وتدبيرهم المسبق لارتكاب ذلك الفعل وما يتمخض عنه في سبيل تنفيذه . ولاستبانة تحقق الاتفاق الجنائي بين المتهمين نعرض للمعايير التي وضعها التشريع للقول بتوفر الاتفاق الجنائي ، كما نعرض لتفصيل ذلك مما استقر عليه القضاء ، ثم نستعرض الوقائع الثابتة للتبيّن من مدى توفر تلك المعايير في حق المتهمين المذكورين.

لقد نصت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م على أنه : ( إذا ارتكب شخصان أو أكثر جريمة تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم ، يكون كل واحد منهم مسئولاً عنها ، كما لو كان قد ارتكبها وحده ويعاقب بالعقوبة المقررة لها قانوناً ) وهذه المادة الآنفة الذكر تتكون من عنصرين بتوفرهما يتحقق ثبوت الاتفاق الجنائي ، أولهما : اشتراك شخصين أو أكثر في ارتكاب جريمة ، وثانيهما : أن يكون ارتكابهم للفعل تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم . وقد استقر قضاؤنا على أن القصد المشترك بين المتهمين يثبت بثبوت التدبير المسبق بينهم لارتكاب الفعل ، ويفترض وجود ذلك الاتفاق المسبق عند وجودهم بمسرح الحادث وقت ارتكاب الفعل ، ويكون الوجود فعلياً بالإسهام في الفعل ، أو حكمياً بالتواجد على قرب مناسب وقت ارتكاب الفعل ، بحيث يمكن معه تقديم المساعدة عند الضرورة وذلك بغرض تحقيق القصد المشترك ، ولا يقتصر القصد المشترك على الأفعال الإجرامية التي تناولها الاتفاق وحدها ، بل تشمل أيضاً كل الأفعال التي ارتكبت في سبيل تنفيذها طالما كانت مألوفة تبعاً للمجرى العادي للأمور ، ولا يشترط إثبات دور كل واحد من الجناة على حده ، بل يكفي أن يكون حصل الفعل بناءً على القصد المشترك . ( راجع قضية حكومة السودان//ضد// حسن علي محمود – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م ص 374).

على ضوء ما ذكر نجد أن الاتفاق الجنائي بين المتهمين لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف قد ثبت بدلالة الإقرارات التي أدلى بها المتهمون المذكورون ، حيث جاء في الإقرار غير القضائي الذي أدلى به المتهم الثاني علي أحمد طريح ما نصه : ( جاء إلىّ أبوقطعة قال لي عندنا مشوار ، مشينا البيت لقينا الغالي جويد وإسماعيل مجر ورفعناهم معنا ، نعم أخبروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... جئنا حي الشاطئ وشفنا العربية التابعة لليونميد وتبعناها حتى وقفت قدام البيت ... ( راجع صفحة 7 من محضر التحري ) وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – إقراراً غير قضائي – بما نصه : ( ... جاء إلىّ الغالي وإسماعيل مجر وعلي السيسي وسائق التيكو وقالو في عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة ، لاقينا في الجنينة عربة تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي السيسي قال : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ... نعم السلاح كان كلاشات ... نعم نحن دايرين نهب عربية نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم خططنا للعملية دي كلنا ... نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ... ( راجع صفحات 8 ، 9 ، 10 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الرابع الغالي جويد فيقان أقراراً غير قضائي بما نصه : ( تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم وإسماعيل مجر ورحنا الجنينة – دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها ... ... ( واسترسل في إقراره حتى قال : ( قام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي ...) (راجع صفحتي 10 ، 11 من محضر التحري) وقد كرر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ذات ما سبق أن أقر به في إقراره القضائي معرباً صراحة بأن الذي خطط للعملية هو علي السيسي أي علي أحمد طريح : ( راجع صفحات 20 ، 21 ، 22 من محضر التحري) ... ثم إن القصد المشترك ثابت في حق المتهمين المذكورين من خلال المستفاد من إسهامهم الفعلي في تنفيذ النشاط الإجرامي الموصوف ، حيث ثبت وجودهم جميعاً في مسرح الجريمة ، بل ثبت من خلال إقرار المتهم الرابع الغالي جويد قيامهم بإطلاق النار حيث جاء في إقراره غير القضائي : ( ... أنا ما عارف ضربوه كم طلقة ، ولكن سمعت مجموع ) ( راجع صفحة 11 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله إقراراً قضائياً جاء فيه ما نصه: ( كان معنا كلاشات ثلاثة واحد شايله الغالي وواحد شايله علي السيسي والثالث شايله إسماعيل مجر ... أنا كان عندي مسدس 6 ملم ، والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه ، وأنا فكيت من المسدس طلقة في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وجروا ) ( راجع صفحتي 20 ، 21 من محضر التحري) وهكذا يتبيّن أن وجود المتهمين لم يكن حكمياً ، بل كان فعلياً وقد تجاوز حدود الوجود في مسرح الجريمة إلى الاشتراك الفعلي في النشاط الإجرامي حيث استخدموا أسلحتهم النارية التي عربدت في مسرح الجريمة فأردت المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم قتيلاً ومن ثم غادروا المكان بعد تمكنهم من نهب سيارة اليونميد الآنفة الذكر ، الأمر الذي يكون معه اتفاقهم الجنائي لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف ثابتاً يقيناً بالوجه المنصوص عليه قانوناً وفقاً لأحكام المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م ووفقاً للمعايير التي أرستها الأحكام القضائية التي سبق لنا تبيانها آنفاً . هذا رغم أنه ثبت أن الطلقة التي أصابت المجني عليه المذكور قد سددت من البندقية التي كانت بطرف المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – حيث كان هو الذي أصاب المجني عليه في رأسه ثبت ذلك بإقراره غير القضائي المدوّن بصفحتي 9 ،10 من محضر التحري وبدلالة بينة الشريك – أقوال المتهمين الثاني علي أحمد طريح في صفحة 8 من محضر التحري والرابع الغالي جويد في صفحة 11 من محضر التحري ، وهي إقرارات وأقوال تبيّن من خلالها أن المتهم بحر محمد عبدالله كان يقف قدام العربة الخاصة باليونميد ووقتئذ كان المجني عليه مسيطراً على عجلة القيادة ، ويعضد صحة إقرار المتهم المذكور ويعزز دلالة بينة الشريك ما جاء في التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث جاء فيه بأن العيار الناري الذي أصاب المجني عليه قد دخل إلى الرأس من الجهة الأمامية وخرج من الجهة اليسرى للرأس ، وذلك ما يتفق مع الوضعية التي كان يقف فيها المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – ورغم ثبوت ذلك الإسناد إلاّ أنه وحيث ثبت الاتفاق الجنائي بين المتهمين بالنحو المشروع من قبل ، فيكون كل واحد منهم – أي من المتهمين الثاني والثالث والرابع مسئولاً عن الجريمة محل المحاكمة كما لو ارتكبها وحده ، ولا يعنينا أمر المتهم الهارب إسماعيل مجر – مطر – الذي فصلت محاكمته ، باعتبار أنه ما زال هارباً ومن حقه أن ينال محاكمة عادلة حين القبض عليه ، بحيث تكفل له حقوقه كاملة في الإدلاء بدفوعه ودفاعه فذاك حق طبيعي مقدس.

 

ثالثاً: بشأن الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ، نطرح السؤال الجوهري التالي : هل ثبت في حق المتهمين المذكورين الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ـ بعنصريه الإرادة والعلم – أو قل هل ثبت في حقهم القصد الجنائي الخاص؟ .

والجواب بالإيجاب ، حيث القصد أمر ذهني ولا يمكن إثباته إلاّ بإقرار الجاني أو بالقرائن المحتفة بنشاطه الإجرامي ، وقد اختط فقهاء الشريعة الإسلامية – بلا خلاف نعلمه بينهم – ومن بعدهم القضاء السوداني ، معيار نوع السلاح المستخدم في النشاط الإجرامي ومدى قوة إصابة الجسد ومدى حيوية الجزء المصاب من الجسم ، لدرك القصد الجنائي الخاص ، ففي( المغنى لابن قدامة) : ( وجملة ذلك أن العمد نوعان : أحدهما أن يضربه بمحددٍ ، وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان وما في معناه ، مما يحدّد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب ، فهذا كله إذا جرح جرحاً كبيراً فمات فهو قتل عمد ، لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه ، فأما إن جرحه جرحاً صغيراً كشرطة الحجام أو غرزه بإبرةٍ أو شوكةٍ ، نظرت : فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأذن فمات فهو عمد أيضاً لأن الإصابة بذلك في المقتل ... ... وإن كان في غير مقتل نظرت فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير ، لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير ... ... النوع الثاني : القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله ، فهذا عمد موجب للقصاص أيضاً ، وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي واسحق وأبو يوسف ومحمد ... ) (راجع المغنى لابن قدامة جزء 11 صفحتي 446 ، 447 طبعة هجر لسنة 1992م) وهذه المعايير هي ذاتها التي اختطها القضاء السوداني ، ففي قضية : ( حكومة السودان //ضد// عيسى علي أحمد ) قالت المحكمة العليا بأنه : ( لقياس ما إذا كان تسبيب الموت نتيجة راجحة للفعل أو محتملة ، وبالتالي ما إذا كان قتلاً عمداً أو جنائياً ، يقتضي أن تأخذ المحكمة في الاعتبار الأداة التي استعملت لتسبيب الأذى ، وكيفية استعمالها ، والموقع الذي وقعت فيه من الجسم ) . ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1972م ص 230) وفي قضية : ( حكومة السودان//ضد// خير السيد عجب سيدو) قالت المحكمة العليا : (المعيار الذي اختطته المحاكم في السودان هو معيار حيوية العضو أو الجزء من جسم الإنسان ، بمعنى التصاقه الحميم بأسباب الحياة لذلك الجسم ، حيث تنعدم الحياة بدونه) ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 287) وحيث إن الإصابة التي سددت للمجني عليه قد كانت على أكثر أجزاء جسم الإنسان حيوية ، وهي الرأس ، وكانت الأداة المستخدمة هي المدفع الكلاشنكوف وهو من أكثر أنواع الأسلحة فتكاً بالجسم ، وقد أفاد التقرير الطبي ـ مستند اتهام رقم (2) بأن الطلق الناري قد أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفاة ، فيكون والحال هذا قد ثبت القصد الجنائي الخاص المتمثل في قصد إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم أو على الأقل العلم بأن الموت نتيجة راجحة لذلك الفعل وليست نتيجة محتملة . وبناءً عليه يكون صحيحاً ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانة المتهمين المذكورين بجريمة القتل العمد – مبدئياً –.

 

رابعاً: هل يستفيد المتهمون بشئ من المبيحات التي تعفي من المسئولية الجنائية أو بشئ من موانع التجريم المنصوص عليها بالمواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، فإن لم يتوفر شئ من ذلك في حقهم ، فهل يتوفر في حقهم شئ من الاستثناءات التي تعدل وصف الجريمة من العمدية إلى شبه العمد وفقاً لأحكام المادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م؟ .

والجواب بشأن المبيحات المعفية من المسئولية الجنائية وموانع التجريم ، فإن المتهمين لا يستفيدون بشئ من ذلك ، فهم بالغون سن المسئولية الجنائية حيث يبلغ المتهم الثاني علي أحمد طريح 25 سنة من العمر ويبلغ المتهم الثالث بحر محمد عبدالله 22 سنة من عمره ويبلغ المتهم الرابع الغالي جويد فيقان 28 سنة من عمره ، وكانوا وقت ارتكاب الجريمة مدركين لماهية أفعالهم ولنتائجها وكانوا قادرين على السيطرة على تصرفاتهم وكانوا بتمام الإدراك والوعي فلم يكن بأحدهم ثمة عاهة عقلية بأيٍ من أسبابها ، سوى إغواء الشيطان فاتخذوه لأمرهم مِلاكاً واصطفاهم الشيطان لنفسه أشراكاً فباض في عقولهم وفرّخ في صدورهم فاجترحوا من القبح ما يقشعر له بدن الشيطان ، ثم إنهم لم يكونوا مكرهين ولا في حالة ضرورة ولا في أداء واجب ، بل كان المتهم الثالث بحر محمد عبدالله من منسوبي قوات الشعب المسلحة – حرس الحدود – وقت ارتكاب الجرم فخان الواجب وأخلّ بشرف العسكرية ، ولا كان المتهمون في حالة دفاع شرعي بل جاءوا صائلين يملأون الأرض رُعباً ويسعون في الأرض فساداً ونعجب أنه لم توجه إليهم التهمة تحت المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م – جريمة الحرابة المعاقب عليها بموجب المادة 168(أ ) من ذات القانون حيث كانت عناصر الحرابة متوفرة في حقهم ـ وكان المتهمون مختارين وقت ارتكاب الجرم محل المحاكمة ، ولم يلجئهم إلى الجرم شئ يتوقون خطره ولا كان فعلهم عرضاً واقعاً بحسن نية خلال عمل مشروع ، ولا كان عن رضاء من المجني عليه ولا كان ثمة خطأ في الوقائع يجعلهم يحسبون أنهم مأذونون فيما فعلوا . ومن ثم فإنهم لا يستفيدون شيئاً من أحكام المواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، كما أنه لا يتحقق في حق أحدٍ منهم شئُ ُ من الاستثناءات المنصوص عليها بالمادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م فلا كانت ثمة سلطة مخولة لهم في فعلهم ، ولا كان ثمة دفاع عن النفس أصلاً حتى يتصور تجاوزهم حدوده ولا كانوا في حالة استفزاز شديد مفاجئ ولا في معركة مفاجئة ، فهم قد جاءوا واصطنعوا المعركة وخاضوها بمفردهم من المبتدأ وحتى المنتهى ومن ثم فلا يتحقق في حقهم شئ من استثناءات المادة 131(2) مـن القانون الجنائي لسنة 1991م ، الأمر الذي يكون صحيحاً معه ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانتهم بجريمة القتل العمد بموجب أحكام المادة 130(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م مقروءة مع المادة (21) من ذات القانون مما يستوجب تأييد تلك الإدانة.

 

 

 

 

وحيث طلب أولياء الدم الثابتون بالإعلام الشرعي رقم 245/إعلامات/2009م الصادر من محكمة الجنينة الشرعية في 13/7/2009م طلبوا القصاص بالوجه الشرعي – بالأصالة والوصاية المقررة بالإعلام ـ وحيث إنه قد انتفى في حق المتهمين أي مسقط من مسقطات القصاص المنصوص عليها بالمادة (31) من القانون الجنائي لسنة 1991م فتكون العقوبة المحكوم بها في حقهم بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً بموجب أحكام المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م صحيحة مستوجبة للتأييد ومن ثم فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة فنرى تأييد الإدانة والعقوبة المحكوم بها على المتهمين المذكورين.

 

ختاماً أرى أن أسجل – بإيجاز – بعض الحواشي المستوحاة من وقائع هذه النازلة محل المحاكمة ، وذلك من قبيل الاعتزاز ببعض تلك الوقائع ، والأسى مما تبعثه بعضها في النفس ، فالحاشية الأولى : تستلزم الإشادة برجال الإدارة الأهلية بغرب دارفور فإنهم حين أوكل إليهم الأمر نقضوا غزل الجناة وحلوا عقده فتمكنوا من القبض على المتهمين خلال سويعات – بوساطة خبرتهم ونفيرهم – ونأسى على حقبة من عقد سبعينيَّات القرن العشرين رفع فيها أقوام شعاراً أسموه ( تصفية الإدارة الأهلية) فوجد ذلك الشعار الكئيب أُذناً صاغية لدى من كان على سدة الحكم ، ولعمري فإنه إبان ظللّت الإدارة الأهلية أرض بلادنا ، فقد كان المواطن السوداني يبيت آمناً في سربه ، معافاً في بدنه ، عنده قوت يومه – وكفى.

أما الحاشية الثانية : فتستلزم الاعتزاز بذلك المواطن الدارفوري – الشهيد كبرو محمد عبدالكريم – الـذي ذهب فداءً وشهيداً ومدافعاً لقيم الرجولة والشهامة ، فتصدى وهو أعزل للمتهمين الذين كان يتسلح ثلاثة منهم بمدافع الكلاشنكوف ورابع بمسدس 6 ملم ، وكانت كلها أسلحة معبأة مصوبة نحوه وتُنذر بشر مُستطير ـ بل عربدت في المكان فملأته ناراً ، ولم يعبأ ذلك البطل بشئ من ذلك الخطر ، فجاء يذود عن ضيوفه بعزيمةٍ تزول معها الجبال ولا يزول ، وهو يحلف أيماناً مغلظة أنه لا يهان ولا يضام ضيوفه في عقر داره ، وكأني بأبويه قد كشفا من وراء حجب السنين ذلك فأحسنا حين أسمياه (كبرو) ، ولا أقل منه أَخوه (جمال الدين محمد عبدالكريم) الذي هرع إلى المكان غوثاً ضرغاماً ولحق بالمتهمين وعربتهم المنهوبة تسارع للفرار ، فصارع أحد المتهمين لينتزع منه سلاحه الكلاشنكوف ولولا أن متهماً آخر ضربه بدبشك الكلاشنكوف ، ولولا أن تلك الضربة مع دفع السيارة المنهوبة قد أعجزاه عن انتزاع السلاح لكان ذلك الفارس قد أشبع الجناة ثبوراً ، فما أروع فروسية أولئك الرجال ، فهل لحماية مثل هذا الشعب يؤتى بجنود من وراء الحدود قلوبهم وجلة مرتعبة ، يحسبون كل صيحة عليهم ، فبئس الحماة أولئك.

 

والحاشية الثالثة : أنه قد بلغ السيل الزبى من بعض الناعقين الذين يصمون القضاء السوداني بأنه: (غير راغب وغير قادر) لمحاكمة جرائم دارفور ، فهذا حكم صادر في حق ثلاثة منهم في مرحلة التأييد وفي المراحل الأدنى لهذه الدعوى الجنائية تمت تبرئة رابعهم ـ هارون آدم حسين ـ وخامسهم ما زال هارباً ينتظر مصيره ، ثم إن المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ينتسب إلى القوات النظامية ، وقد صدرت من بين أيدينا عشرات الأحكام في حق صنوهم من العسكريين وغير العسكريين من العابثين بأمن البلاد والعباد في دارفور ، فأنى يقال بأن القضاء السوداني غير راغب وغير قادر ؟ متى يذعن الظالمون في دول الغرب فيعرضون عن الهوى ؟ أو ليس لهذا الليل البهيم من صبح أبلج ، أوليس فـي الهداية والعدل سعة فما لهم كيف يحكمون ... حسبنا الله ونعم الوكيل .

 

القاضي: عبد الله العوض محمد

التاريخ: 26/9/2010م

أوافق.

 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير

التاريخ: 27/9/2010م

 

أوافق فالجريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد والاشتراك بالتخطيط والوجود في مسرح الجريمة فرجوع الجناة عن إقراراتهم القضائية وغير القضائية لا يفيدهم شيئاً في مواجهة الأدلة والبينات الأخرى كما أن الرجوع في الاعترافات سمة لهذه الجرائم عندما يلعق الجناة الحسرة والندم بعد أن يواجهوا مصيرهم . وأضيف لما أورده الأخ د. شرفي من تعليق حول هذه الحادثة أنها ليست الحادثة الأولى التي يرتكبها ضعاف النفوس والجهلة من أمثال هؤلاء وذلك كله بسبب الأسلحة النارية التي أصبحت شيئاً مشاعاً في يد الكبير والصغير مما يستلزم إصدار قانون يقضي بنزع الأسلحة النارية في هذا الإقليم ينص فيه على عقوبات تصل إلى الإعدام مما يساعد كثيراً في استتباب الأمن واختفـاء مثل هذه الظواهر من نهب وحرابة وغيرها عانـى منها الناس كثيراً.

     

القاضي: محمد حمد أبوسن

التاريخ: 30/9/2010م

 

أبدأ بالرد على ما ورد في طلبات المدانين الثلاثة المقدمة لنا لمناهضة تأييد الحكم في مواجهتهم فالمدان علي طريح إسحق ينكر ارتكاب الحادث ويقول إِنه وقت الحادث كان مع المحامي منير سليمان وطلب منا الرجوع إليه للتأكد من ذلك.

لقد استمعت محكمة الموضوع لشاهده الذي أشار إليه كما استمعت لشاهد دفاع آخر وهو إسحق جازم عيسى ، صحيح أن محكمة الموضوع لم تتطرق لأقوال شاهدي الدفاع إلا أن ذلك يعني ضمناً رفضها لما وجدت في قضية الاتهام من بينات قوية في مواجهة المدان وأن ما ورد في إفادة شاهدي الدفاع لا يكفي لمناهضة تلك البينات.

أما المدان بحر محمد عبدالله آدم فيقول في طلبه إنه برئ وبالتالي غير مقتنع بالحكـم الصادر ضده وأن محاكمته قد تمت دون حضور محامٍ للدفاع عنه . إن حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ حق دستوري وقانوني وكان يمكن قبول دفع المدان لو طلب من المحكمة إمهاله لإحضار محامٍ أو تعيين محامٍ له بوساطة وزارة العدل لإعساره كان يمكن قبول هذا الدفع لو رفضت محكمة الموضوع طلبه . فالمحضر لا يكشف عن مثل هذا الطلب منه وبالتالي فإن قبوله الاستمرار في المحاكمة بالصورة التي تمت يعني تنازله ضمنياً عن حقه في المطالبة بالاستعانة بمحامٍ.

 

وجاء في طلب المدان الغالي جويد فيقان بأنه لم يكن موجوداً وقت الحادث وأشار إلى أسماء ثلاثة أشخاص طالباً الرجوع إليهم لإثبات ادعائه.

 

وبرجوعي للمحضر فقد أفاد المدان بعد أن رد على التهمة بالنفي بأنه ليس لديه شهود دفاع ولهذا لا يمكن الاستجابة لطلبه في هذه المرحلة بعد أن أفاد صراحة من قبل بعدم وجود شهود دفاع له.

 

إزاء ما تقدم أجد نفسي على اتفاق تام مع الإخوة الذين سبقوني في إبداء الرأي في تأييد الإدانة لتوافر البينات الكافية لإثبات كل عناصر المادة (130) من القانون الجنائي والمتمثلة في أقوال الشهود والبينات الظرفية واعترافات المدانين القضائية المرجوع عنها مؤخراً وذلك للأسباب المفصلة في مذكرة أخي د . شرفي الضافية وأن الحادث وقع تحقيقاً للقصد المشترك بينهم الثلاثة.

 

كما لم يتوافر أي سبب من أسباب الإباحة وموانع المسئولية الجنائية المنصوص عليها في المواد 9ـ 18 من القانون الجنائي أو أيَّ من الأسباب المخففة للمسئولية الجنائية الواردة في الاستثناءات المنصوص عليها في المادة (131) من نفس القانون.

 

أوافق أيضاً على تأييد العقوبة في مواجهة المدانين الثلاثة وذلك لتمسك جميع أولياء الدم بالقصاص.  

 

القاضي: محجوب الأمين الفكي

التاريخ: 3/10/2010م

أوافق ليست لديَّ إضافة للأسباب التي أوردها زملائي الذين سبقوني في إبداء الرأي لتأييد الإدانة والعقوبة.

 

الأمر النهائي:

 

نؤيد الإدانة والعقوبة.

 

 

محمـد حمـد أبوسـن

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

3/10/2010م

▸ حكومة السودان //ضد// خ . م . س م ع/ ط ج/157/2010م فوق حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2010
  4. حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

سعادة السيد/ محمــد حمـــد أبوســن

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد/د.عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/محجــوب الأمـين الفكــي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ عبـد الله العــوض محمــد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ

2- ب . م .ع .ا .آ

3- ا . ج . ف . ي

م ع/ غ إ/إعدام/63/2010م

 

قانون الإثبات لسنة 1994م - المادة (21) منه – إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة  – الاتفاق الجنائي – الإقرار به – إصابة المجني عليه حال الاتفاق الجنائي – حكمها – حق المتهم في الاستعانة بمحام – سكوته عن حقه في طلب محام - حكمه.

 

المبادئ:

 

1- إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ينبىء بصدق ما أقر به إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة فيكون إقراره حجة قاطعة عليه.

 

2- لا فرق في ظل ما أقر به المتهم من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره.

3- حق المتهم في الاستعانة بمحام حق دستوري وقانوني فإن لم يطلب المتهم إمهاله لإحضار محام أو تعيين محام له لإعساره فإن قبوله الاستمرار فـي المحاكمة يعني تنازله ضمنياً عن حقه في الاستعانة بمحام.

 

الحكــم

 

القاضي: عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي

التاريخ: 21/9/2010م

 

بتاريخ 11/11/2009م أصدرت محكمة الجنايات العامة بالجنينة – ولاية غرب دارفور – حكمها بإدانة المتهمين الثاني علي أحمد طريح الملقب بعلي السيسي والثالث بحر محمد عبدالله آدم الملقب بأبوقطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف بجريمة القتل العمد تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بموجب المادة 130(1) مقروءة مع المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م وقضت عليهم بإعدام كل واحد منهم شنقاً حتى الموت قصاصاً ، كما قضت بتبرئة المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم من ذات التهمة المذكورة المنسوبة إليه وبإخلاء سبيله فوراً وبرفع الأوراق للمحكمة العليا للتأييد أو خلافه بعد انقضاء مدة الاستئناف وبمصادرة خزنة الكلاشنكوف الفارغة المعروضات لصالح سلاح الأسلحة بالخرطوم وبتسليم العربة البوكس المعروضات لقوات اليوناميد وبتسليم العربة التيكو المعروضات للمتهم الأول المذكور هارون آدم حسين وبإبادة بقية المعروضات.

كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تلخصت في أنه بتاريخ 28/5/2009م وفي حوالي الساعة الرابعة مساءً قام المتهمون – المدانون المذكورون عاليه – وتنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بالتحرك من أورمتا إلى الجنينة مستقلين العربة من نوع تيكو خاصة المتهم الأول معتزمين نهب إحدى السيارات التابعة لقوات اليونميد ، وخلال تجوالهم شاهدوا سيارة بوكس دبل كابينة على متنها خمسة ضباط تابعين لقوات اليونميد فطلبوا من المتهم الأول سائق عربة التيكو متابعتها ، فلما توقفت عربة البوكس التابعة لليونميد بحي الشاطئ - بالجنينة – أمام منزل المواطن الدارفوري كبرو محمد عبدالكريم ، أمر المتهمون سائق عربتهم بالتوقف قريباً من عربة قوات اليونميد – ووقتئذٍ كان ثلاثة من ضباط اليونميد قد نزلوا من عربتهم البوكس ودخلوا إلى منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم للتفاوض معه فـي استئجار منزله لقوات اليونميد ، أما الاثنان الآخران وهما شاهدا الاتهام الأول والثاني فقد آثرا البقاء في سيارة اليونميد ، وأثناء بقائهما في تلك السيارة هرع إليهما المتهم الثاني شاهراً سلاحه الكلاشنكوف متهدداً ومتوعداً وآمراً الضابطين بالنزول وترك السيارة ، فأصيب الضابطان بالفزع وفرا هاربين للنجاة بجلدهما إلى داخل منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، عندئذٍ استولى المتهمون على سيارة اليونميد فانتقل أربعتهم إليها ، لما رأى صاحب المنزل ما بالضابطين من رعبٍ أدرك أن خطراً تهددهما فسارع إلـى الخارج فإذا بالمتهمين قد تأهبوا للانطلاق بالسيارة المنهوبة ، لم يرتعب المواطن كبرو محمد عبدالكريم من الأسلحة النارية الفتاكة المعبأة والمصوبة نحوه فاندفع نحو المتهمين وهو يقسم بالله بأنه لن يسمح أن يضام ضيوفه – على حد تعبيره – أو أن تنهب سيارتهم من أمام منزله ، فغالبهم وتمكن من السيطرة على عجلة القيادة وعندئذٍ تمادى المتهمون في التمرغ في وحل أرجاسهم فأطلق المتهم الثالث بحر محمد عبد الله الملقب بأبي قطعة ، الرصاص من سلاحه الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم الذي وقع صريعاً في الحال ، وعلى إثر سماع صوت الطلق الناري خرج شاهد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم من منزله فوجد المجني عليه صريعاً ، فسارع بـدوره لمنع المتهمين من نهب السيارة ، فداهمها وبدأ يغالب لانتزاع البندقية الكلاشنكوف التي كان يحملها المتهم الثاني ، إلاَّ أن المتهم الرابع قد سدّد إليه ضربةً بدبشك بندقيته الكلاشنكوف فطرحه أرضاً ، وانطلق المتهمون بالسيارة المنهوبة ، ومن ثمّ فتح البلاغ وتحرك رجال الإدارة الأهلية في فزع مستخدمين خبراتهم وتمكنوا خلال سويعات من القبض على المتهمين الذين أرشد إليهم المتهم الأول صاحب عربة التيكو التي أقلتهم لمسرح الأحداث ، وبعد إجراء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الحكم المذكور في مبتدأ هذه الوقائع .

فتقدم المحكوم عليهم طاعنين لدى محكمة استئناف ولاية غرب دارفور التي أصدرت حكمها في 31/1/2010م بتأييد الإدانة الصادرة في حق المتهمين المذكورين ، وبإلغاء العقوبة المحكوم بها وبإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتوقيع العقوبة المناسبة بعد اتخاذ الإجراء الوارد في أسباب الحكم ، حيث كان قد تبيّن لمحكمة الاستئناف عدم قيام محكمة الموضوع بأخذ رأي الوارثة مريم يوسف التليب بالوجه الشرعي عن أبنائها القصر بشأن القصاص أو الدية أو العفو ، ومن ثمّ سارت محكمة الموضوع في الإجراءات واستكملت ذلك الإجراء بالوجه الشرعي ثم أصدرت حكمها في 4/3/2010م بمعاقبة كل واحد من المتهمين الثاني والثالث والرابع – المذكورين آنفاً – بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً وبرفع الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد أو خلافه ، مع إصدار بقية الأوامر المذكورة في مبتدأ هذه الوقائع . وبتقديم الأوراق إلى المحكمة العليا كان هذا النظر وفقاً لمقتضيات أحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، وخلال نظرنا للأوراق تقدم المحكوم عليهم بطلبات أعربوا فيها عن النظر إليهم بعين الرحمة ، وبأنهم غير مقتنعين بالأحكام التي صدرت في حقهم ، ولم يضف المحكوم عليهم وجهاً آخر سوى ما كان من المتهمين الثاني والرابع اللذين ذكرا بأنهما وقت حدوث الجرم محل المحاكمة لم يكونا بمدينة الجنينة حيث ذكر المتهم الثاني بأنه كان مع محاميه مطالباً سماع شهادته ، وسوف نتناول بالمناقشة ما كان منتجاً من طلباتهم ودفوعهم ضمن أسباب حكمنا بإذن الله .

 

الأسباب

 

الحكم المرفوع إلينا للتأييد – أو خلافه –  قد استوفى شرائط المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها ومن حيث صيرورته نهائياً.

وفي موضوعه فقد خلصت دراستنا المتأنية لأوراق الدعوى وأقوالها وأدلتها ودفوعها ودفاعها إلى ما يلي :

أولاً : الوقائع الثابتة التي لا مراء فيها تجعلنا نقرر باطمئنان صحة ما قررته المحاكم الأدنى – محكمتا الموضوع والاستئناف – من ثبوت الركن المادي لجريمة القتل في حق المتهمين الثاني علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – والثالث بحر محمد عبدالله آدم – الملقب بأبي قطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف - حيث ثبت إتيانهم للركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة - ، فالعنصر الأول المتمثل في النشاط الإجرامي بدأه المتهمون المذكورون بتتبع عربة اليونميد وقد تبع ذلك وقائع عديدة حتى انتهى الأمر إلى إطلاق الرصاص من البندقية الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بالأدلة المباشرة وبالأدلة غير المباشرة التي تضافرت مع بعضها لتفيد يقيناً ثبوت عنصر النشاط الإجرامي في حق المتهمين الثلاثة المذكورين.

 

فأما الأدلة المباشرة فقد تمثلت في اعترافات المتهمين – وهي إقرارات غير قضائية وأخرى قضائية – حيث أقر المتهم الثالث –  بحر محمد عبدالله –  بإقرار غير قضائي جاء فيه ما نصه:

( الحاصل أنا كنت قاعد في سوق أورمتا وجاء إلى الغالي  وإسماعيل محمد وعلي سيسي وسائق التيكو وقالوا لي : ( هناك عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة .. لقينا عربية تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي سيسي قال لنا : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ، جاء زول طالع من البيت مسك الدركسون ... نعم المسلحين الغالي وإسماعيل محمد وعلي سيسي ، نعم السلاح كان كلاشات ... نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم أنا الذي ضربت المرحوم ، نعم نحن خططنا للعملية دي كلنا ، نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ، أنا ضربت المرحوم في رأسه ، الكلاش كان في المجموع ، الكلاش الذي ضربت به المرحوم بتاع الغالي ، علي كان عنده بندقية وكان ماسكها المرحوم وأنا ضربت المرحوم ... أنا وإسماعيل والغالي وعلي هددنا الناس اللي في العربية ...) ( راجع صفحات 8/9/10 من محضر التحري) ، وقد أدلى هذا المتهم الثالث بحر محمد عبدالله باعتراف قضائي استوفى شرائطه ومنه ما نصه :

 (... الحاصل أنا ومعي واحد اسمه علي السيسي ومعنا الغالي جويد وإسماعيل والخامس بتاع تيكو ما بعرف اسمه في يوم الخميس الفائت حوالي الساعة الرابعة مساءً تحركنا إلى حي الشاطئ وكان معنا كلاشات ثلاثة ، واحد شايلو الغالي وواحد شايلو علي السيسي والثالث شايلو إسماعيل ... لقينا عربية المنظمة ... قام علي السيسي نزل وثبت العربية ، قام سيد البيت جاء جاري مارق برهّ ، وأنا كان عندي مسدس 6 ملم والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه وأنا فكيت طلقة من المسدس في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وقاموا جروا ، أنا اسمي بحر محمد عبدالله وملقب بأبوقطعة ... أنا شغال عسكري تابع لحرس الحدود شغال منذ أربع سنوات ورتبتي جندي ، علي السيسي الذي أقصده هو علي أحمد الطريح وهو الذي خطط .. لمن بدأ الضرب بتاع التيكو ساق عربيته وفات ... )( راجع صفحات 20/21/22 من محضر التحري ) هذان الإقراران قد استوفيا شرائطهما الشرعية وقد استوفى الاعتراف القضائي كافة شرائطه المقررة وفقاً لأحكام المادتين 16/19 من قانون الإثبات لسنة 1994م فضلاً عن أنه جاء خلواً من المؤثرات التي تفضي إلى طرح دلالة الإقرار من تكذيب ظاهرالحال لدلالته ، أو الإدلاء به نتيجة إغراء أو إكراه ، ولا قيمة لما دفع به المتهم المذكور خلال استجوابه بوساطة المحكمة من ادعاء الإكراه وبأن إقراره كان نتيجة التعذيب وبأنه قد تمّ ربطه من رجليه وتعليقه في حديدة بمكان بناءٍ وصاروا يضربونه حتى حسبوه قد مات وأنه قد اعترف بسبب ذلك فتلك دفوع لا قيمة لها ، لأنه لم يقدم ما يثبتها ـ أو ما يبعث الشك بشأن صحتها ـ من بينات خبرة طبية أو من شهود معاينة ، بل إن المتهم قد نسج ذلك الدفع ووقائعه بعد أن استحكمت حلقات الوقائع بخناقه ، علماً بأنه عند مخاطبته بالتهمة المنسوبة إليه قد ذكر بأن خط دفاعه الإنكار المجرد وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ومن ثم يذهب دفعه أدراج الرياح ، هذا فضلاً عن أن إقراره قد تضمن تفصيلات لوقائع النازلة محل المحاكمة تنبئ بصدق ما أقر به ، إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ، كما أنه لا قيمة لمحاولة المتهم المذكور التنصل من واقعة قيامه بإطلاق الرصاص على رأس المجني عليه ، حيث لا فرق ـ في ظل ما أقر به من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره ، علماً بأن المتهم لم ينف بصورة جازمة إصابته للمجني عليه ، ولا تقبل الدفوع إلاّ إذا كانت جازمة ، وبناءً عليه يكون اعتراف المتهم المذكور حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

أما المتهم الثاني – علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – فقد أقر إقراراً غير قضائي جاء فيه ما نصه : ( ... ركبنا كلنا في العربية التيكو وجئنا حي الشاطئ ... وجئنا محل العربية ، وأبوقطعة والغالي هددوا الركاب ونزلوهم من العربية وركبنا نحن في العربية ، وطلع المرحوم قال لينا : ما تشيلوا العربية ومسك الدركسون ، وأبوقطعة كان واقف قدام العربية وضرب المرحوم ... الكلام ده كان يوم الخميس الساعة الرابعة تقريباً ... نعم وروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... نعم جينا حي الشاطئ وتتبعنا العربية تابعة لليونميد حتى وقفت قدام البيت ... نعم أبو قطعة وإسماعيل هددوا الناس ... المرحوم طلع من البيت ومسك دركسون العربية وقال ما تشيلوها ... وأبو قطعة قام ضرب المرحوم ... ( راجع صفحتي 7/8 من محضر التحري) ، وعند مثوله أمام القاضي – في مرحلة التحري – أنكر المتهم علي أحمد طريح ما سبق أن أقر به مدعياً بأنه لم يكن موجوداً في مسرح الحادث وبأنه أقر بسبب الضغط عليه ، مستشهداً بشاهدي دفاع هما اسحق حازم عيسى ومنير سليمان أبكر ، وبالاستماع إليهما في مرحلة المحاكمة لم يشهد له أحدهما بشئ يثبت عدم وجوده بمحل النازلة وقت حدوثهـا ، ولا بشئ مما يبعث الشك في وجـوده بمكان النازلة محل المحاكمة وقت حدوثها ( راجع صفحات 111 حتى 117 من محضر المحاكمة ) ومن ثم فلا قيمة لإنكاره ولا قيمة لدفعه ، الأمر الذي يجعل إقراره من غير شائبة تشوبه فيكون حجة قاطعة في حقه وفقاً لما تقضي به المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

 

ثم إن المتهم الرابع – الغالي جويد فيقان يوسف – أيضاً قد أقر إقراراً غير قضائي منه ما نصه : (الحاصل تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم سائق التيكو وإسماعيل ... دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها وبعد ما وقفت قام علي نزل هدد الخواجات ... والمرحوم جاء طالع من البيت ومسك بندقية علي وأنا جئت خشيت بين علي والمرحوم وقام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي وجراه أبوقطعة ونحن ركبنا العربية وطلعنا بيها ... الكلام ده كان يوم الخميس حوالي الساعة الرابعة عصراً ، نعم اللي كان عنده سلاح أنا وإسماعيل وعلي ، نعم أبو قطعة ما عنده سلاح ولكن السلاح الضرب به المرحوم شاله – أخذه – من إسماعيل ، نعم أبوقطعة ضرب المرحوم بكلاش ... أنا ما عارف ضربه كم طلقة ولكن سمعت مجموع ... ) ( راجع صفحتي 10/11 من محضر التحري) وبذات المعنى مع اختلاف العبارات جاء الإقرار القضائي الذي أدلى به هذا المتهم ( راجع صفحات 23/24/25/26 من محضر التحري) ، غير أنه في مرحلة المحاكمة وعند استجوابه بوساطة المحكمة قد أنكر إتيانه شيئاً مما كان قد أقر به ، مدعياً أنه قد أقر بسبب الإكراه والضرب بالعصا وبالكهرباء ، وحين خاطبته المحكمة بالتهمة المنسوبة إليه أجاب بأن خط دفاعه الإنكار المطلق وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ولا قيمة لادعاء مجرد بالإكراه والضرب والصعق بالكهرباء ، ومن ثم يكون إقراره حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

تلك الأدلة المباشرة المتمثلة في الإقرارات الآنفة الذكر تثبت بلا مراء ، إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي الموصوف آنفاً ، مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأنه.

 

أما الأدلة غير المباشرة التي أثبتت أيضاً إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي المتمثل في تتبع المتهمين لسيارة اليونميد حتى حدوث إطلاق الرصاص على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثم نهب السيارة التابعة لليونميد ، فقد تمثلت في العديد من القرائن ، بدءً من قرينة بينة الشريك ، حيث أدلى المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم بتفاصيل وقائع النازلة ذاكراً بأنه أخذ المتهمين الغالي جويد وبحر عبدالله – أبوقطعة – وعلي السيسي وإسماعيل بسيارته التيكو من سوق أورمتا إلى حي الشاطئ بالجنينة وأنزلهم بمسرح الحادث بالقرب من العربة بوكس دبل كابينة التابعة لليونميد ، ثم غادر المكان وعقب مغادرته سمع من ورائه صوت ذخيرة – رصاص – ووصف المتهم نوع الأسلحة التي كان يحملها المتهمون وملابسهم التي كانوا يرتدونها ( راجع صفحات 6 و13، 14، 15 من محضر التحري وصفحات 85 حتى 91 من محضر المحاكمة ) وبجانب أقوال المتهم المذكور فقد أدلى المتهمون الثاني والثالث والرابع بما يثبت اشتراكهم مع بعضهم في إتيان النشاط الإجرامي للنازلة محل المحاكمة ، وقد وضح ذلك من خلال إقراراتهم التي سبق لنا إيراد نصوصها ، وتلك الأقوال بجملتها تدخل في معنى ( بينة الشريك) وتأخذ حكم القرينة وفقاً لأحكام المادة (50) من قانون الإثبات لسنة 1994م ، وقد استقر قضاؤنا على التعويل على بينة الشريك والاعتداد بها ما دامت متناسقة وتتفق مع منطق الأشياء . ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد آدم عثمان وآخرين – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 240) وتعدّ بينة الشريك (قرينة بسيطة) ويلزم تعضيدها بدليل آخر مستقل ومن ثم فيجوز تأسيس الإدانة بموجبها ، شريطة أن تتوافق البينة المعضدة مع بينة الشريك في جزئية جوهرية من الوقائع محل المحاكمة ، أو الوقائع المحتفة بها ، إذ قضت المحكمة العليا السودانية بأنه : ( لا يشترط أن تعزز أقوال الشريك كلها ، بل يكفي أن تعزز أقوال الشريك ولو في جزئية مهمة بأي نوع من أنواع الأدلة والبراهين المقبولة قانوناً ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد مجذوب محمد – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 230 – وراجع قضية حكومة السودان //ضد// عزالدين علي هارون – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 215 وقضية حكومة السودان //ضد// حامد أحمد سليمان – مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م صفحة 465) . وهكذا فإن تساندت البينة المعضدة مع بينة الشريك فإن المنطق القضائي يقتضي إفضاء ذلك إلى الاقتناع القضائي ،  لما يلزمه من بعث الطمأنينة في نفس القاضي ، وذلك على النحو المتحقق في هذه الدعوى الجنائية حيث توافقت معها = أي مع بينة الشريك = البينات المعضدة المتمثلة في الأدلة المباشرة التي سبق لنا إيرادها ، وكذا توافقت معها القرائن القضائية المستخلصة استخلاصاً سائغاً من القدر المشهود به في شهادات شاهدي  الاتهام الأول والثاني – ضابطا اليونميد – حيث شهدا بأن المتهمين قد أنزلوهما من العربة التيكو وهددوهما بالكلاشنكوف إلى أن تركا لهم سيارة اليونميد ودخلا منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، وأنه على أثر دخولهما إلى المنزل خرج المجني عليه لمنع المتهمين من نهب سيارة اليونميد وأنهما عند ذلك سمعا صوت إطلاق النار وصياح النسوة وبخروجهما من المنزل وجدا المجني عليه قد فارق الحياة بسبب الطلق الناري ومن ثم ذهب المتهمون بالسيارة المنهوبة ( راجع شهادة شاهد الاتهام الأول عاصم هاني سلمان – ضابط أردني باليونميد – بصفحة 35 – 39 ، وشهادة شاهد الاتهام الثاني محمد عقلة القضاة – الضابط الأردني باليونميد – بصفحات من 40 حتى 44 من محضر المحاكمة ) .  ويستخلص من هذا القدر المشهود به أن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه المذكور ، حيث ثبت أنهم –  دون سواهم – الذين كانوا بمسرح الحادث وأنهم دون سواهم الذين نهبوا سيارة اليونميد وفقاً للثابت بشهادة شاهـد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم ( راجع صفحات من 59 حتى 63 من محضر المحاكمة) ، ويلزم من خلال تلك الوقائع الثابتة وتزامنها مع واقعـة إطلاق النار على المجني عليه ، القول بأن المتهمين المذكورين دون غيرهم هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه.

 

وبجانب القرائن المستخلصة من الشهادات الآنفة الذكر ، فهنالك ما يستخلص من شهادة شاهد الاتهام الخامس – صدام محمد عبدالكريم – حيث شهد بكل وقائع النازلة محل المحاكمة بدءً من معاينته لوصول عربة التيكو إلى أمام منزل المجني عليه المذكور ووقوفها بالقرب من عربة اليونميد وتعرفه على رقم عربة التيكو والإبلاغ عنها ، وبتبيّنه من عدد الذين كانوا على متن العربة التيكو وما كانوا يحملونه من سلاح ونزول المتهم الثاني من تلك العربة التيكو بالقرب من عربة اليونميد ، وأنه بعد معاينته لكل ذلك دخل إلى منزله وفور ذلك سمع صوت إطلاق الرصاص وأصوات ( جوطة ) فخرج من منزله ووجد عربة التيكو قد غادرت المكان ، وكذا عربة اليونميد كانت قد نهبت وغادرت لاتجاه (صباح) – على حدّ تعبيره – ( راجع صفحات من 64 حتى 69 من محضر المحاكمة) . وحيث ثبت أن مسرح الحادث لم يكـن فيه وقتئذٍ سوى أولئك المتهمين الذين أقلتهم عربة التيكو ، وكان إطلاق الرصاص على المجني عليه مقارناً للحظة وجودهم ، فيستخلص استخلاصاً سائغاً بأن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، وذات هذه القرينة هي التي تستخلص من شهادة شاهد الاتهام السادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم ، حيث شهد بأنه وقت حدوث النازلة كان بمنزل فراش – مأتم – بالقرب من منزل المجني عليه ، وأنه - عقب سماع صوت الرصاص هرع فشاهد عربة اليونميد المنهوبة مسرعة من المكان وشاهد بداخلها المتهم (أبوقطعة) الذي كان يقودها وأنه يعرف المتهم المذكور شخصياً كما أنه شاهد بداخلها المتهمين علي السيسي والغالي جويد (راجع شهادة شاهد الاتهام المذكور بصفحات 70 – 75 من محضر المحاكمة) . وتلك الوقائع المشهود بها مما يسوغ لنا أن نستخلص منها أن المتهمين المذكورين وحدهم - دون سواهم - الذين أطلقوا النار على المجني عليه ، وبتضافر تلك القرائن القضائية مع بعضها وتساندها – وتعزيزها لبينة الشريك – فإن مجموع الأدلة التي توفرت في هذه الدعوى الجنائية تعدّ جازمةً – قطعية الدلالة – في إثبات النشاط الإجرامي الموصوف في حق المتهمين المذكورين ، فضلاً عن أنها تدحض بلا مراء كل دفاع حاول المتهمون التدثر به.

 

ثم إن العنصر الثاني للركن المادي لجريمة القتل والمتمثلة في النتيجة التي تمخضت عن إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، قد ثبت بدلالة شهادات الشهود الآنف ذكرهم وبدلالة التقرير الطبي ، وكان المجني عليه وقت النازلة محل المحاكمة آدمياً حياً معصوم الدم ، خرج من داره إلى المتهمين المذكورين وهو بتمام عافيته ويحلف بالإيمان المغلظة بأنه لن يدع لأحد أن يهين ضيوفه في عقر داره مستصغراً (المنّية لئلا يوصم بالدنيةِ ) وتمكن من مغالبة المتهمين ومن السيطرة على عجلة قيادة سيارة ضباط اليونميد التي انتهبها المتهمون بعد أن أزهقوا روحه ، حيث ثبت إزهاق روحه بدلالة شهادة شهود الاتهام – الأول ضابط اليونميد – عاصم هاني سلمان بصفحة 37 من محضر المحاكمة والثاني محمد عقلة القضاة – ضابط اليونميد – بصفحة 42 من محضر المحاكمة ، وشهادات شهود الاتهام الثالث التيجاني الأمين بركة والرابع جمال الدين محمد عبدالكريم والخامس صدام محمد عبدالكريم والسادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم حيث تزامن مجيئهم لمسرح النازلة محل المحاكمة عقب سماع صوت إطلاق الرصاص على المجني عليه المذكور ، ومثلهم كان الشاكي عمر يوسف التليب ( راجع صفحة 26 من محضر المحاكمة ).

 

ولاستكمال عناصر الركن المادي لجريمة القتل ، فيجب استبانة مدى توفر العنصر الثالث المتمثل في رابطة السببية بين الفعل – النشاط الإجرامي الموصوف – وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه المذكور ، ويتحقق ثبوت علاقة السببية عندما تكون النتيجة ناجمة عن النشاط الإجرامي ، دون تدخل أي عنصر خارجي في تسبيب تلك النتيجة ، وبحيث تكون الرابطة بين النشاط الإجرامي وبين النتيجة واضحة ومباشرة تماماً كوضوح ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// عبدالرحمن عبدالعزيز إبراهيم – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 128) وفي هذه الدعوى الجنائية فقد ثبتت رابطة السببية بين النشاط الإجرامي الموصوف الذي أتاه المتهمون المذكورون وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بدلالة شهادات الشهود المذكورين آنفاً ، وبدلالة التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث أفاد بأن سبب الوفاة عيار ناري في الرأس مدخله من الجهة الأمامية ومخرجه من الجهة اليسرى للرأس أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفـاة ، وبناءً عليه تكون علاقة السببية ثابتة في هذه الدعوى الجنائية وفقاً للمعيار المستقر قضاءً ويكون والحال هذا قد ثبت الركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة – في حق المتهمين المذكورين ثبوتاً يقينياً مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأن هذا الركن.

 

ثانياً: نطرح السؤال الجوهري التالي ، هل ينسب إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل إلى متهم بعينه من المتهمين المذكورين أو أنه كان ثمة اتفاق جنائي بينهم بحيث ينسب إليهم جميعاً ؟ ونجيب جازمين بأن إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل ينسب إلى المتهمين جميعاً ، أعني المتهمين الثاني والثالث والرابع المذكورين آنفاً ، حيث ثبت اتفاقهم الجنائي وتدبيرهم المسبق لارتكاب ذلك الفعل وما يتمخض عنه في سبيل تنفيذه . ولاستبانة تحقق الاتفاق الجنائي بين المتهمين نعرض للمعايير التي وضعها التشريع للقول بتوفر الاتفاق الجنائي ، كما نعرض لتفصيل ذلك مما استقر عليه القضاء ، ثم نستعرض الوقائع الثابتة للتبيّن من مدى توفر تلك المعايير في حق المتهمين المذكورين.

لقد نصت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م على أنه : ( إذا ارتكب شخصان أو أكثر جريمة تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم ، يكون كل واحد منهم مسئولاً عنها ، كما لو كان قد ارتكبها وحده ويعاقب بالعقوبة المقررة لها قانوناً ) وهذه المادة الآنفة الذكر تتكون من عنصرين بتوفرهما يتحقق ثبوت الاتفاق الجنائي ، أولهما : اشتراك شخصين أو أكثر في ارتكاب جريمة ، وثانيهما : أن يكون ارتكابهم للفعل تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم . وقد استقر قضاؤنا على أن القصد المشترك بين المتهمين يثبت بثبوت التدبير المسبق بينهم لارتكاب الفعل ، ويفترض وجود ذلك الاتفاق المسبق عند وجودهم بمسرح الحادث وقت ارتكاب الفعل ، ويكون الوجود فعلياً بالإسهام في الفعل ، أو حكمياً بالتواجد على قرب مناسب وقت ارتكاب الفعل ، بحيث يمكن معه تقديم المساعدة عند الضرورة وذلك بغرض تحقيق القصد المشترك ، ولا يقتصر القصد المشترك على الأفعال الإجرامية التي تناولها الاتفاق وحدها ، بل تشمل أيضاً كل الأفعال التي ارتكبت في سبيل تنفيذها طالما كانت مألوفة تبعاً للمجرى العادي للأمور ، ولا يشترط إثبات دور كل واحد من الجناة على حده ، بل يكفي أن يكون حصل الفعل بناءً على القصد المشترك . ( راجع قضية حكومة السودان//ضد// حسن علي محمود – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م ص 374).

على ضوء ما ذكر نجد أن الاتفاق الجنائي بين المتهمين لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف قد ثبت بدلالة الإقرارات التي أدلى بها المتهمون المذكورون ، حيث جاء في الإقرار غير القضائي الذي أدلى به المتهم الثاني علي أحمد طريح ما نصه : ( جاء إلىّ أبوقطعة قال لي عندنا مشوار ، مشينا البيت لقينا الغالي جويد وإسماعيل مجر ورفعناهم معنا ، نعم أخبروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... جئنا حي الشاطئ وشفنا العربية التابعة لليونميد وتبعناها حتى وقفت قدام البيت ... ( راجع صفحة 7 من محضر التحري ) وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – إقراراً غير قضائي – بما نصه : ( ... جاء إلىّ الغالي وإسماعيل مجر وعلي السيسي وسائق التيكو وقالو في عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة ، لاقينا في الجنينة عربة تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي السيسي قال : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ... نعم السلاح كان كلاشات ... نعم نحن دايرين نهب عربية نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم خططنا للعملية دي كلنا ... نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ... ( راجع صفحات 8 ، 9 ، 10 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الرابع الغالي جويد فيقان أقراراً غير قضائي بما نصه : ( تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم وإسماعيل مجر ورحنا الجنينة – دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها ... ... ( واسترسل في إقراره حتى قال : ( قام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي ...) (راجع صفحتي 10 ، 11 من محضر التحري) وقد كرر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ذات ما سبق أن أقر به في إقراره القضائي معرباً صراحة بأن الذي خطط للعملية هو علي السيسي أي علي أحمد طريح : ( راجع صفحات 20 ، 21 ، 22 من محضر التحري) ... ثم إن القصد المشترك ثابت في حق المتهمين المذكورين من خلال المستفاد من إسهامهم الفعلي في تنفيذ النشاط الإجرامي الموصوف ، حيث ثبت وجودهم جميعاً في مسرح الجريمة ، بل ثبت من خلال إقرار المتهم الرابع الغالي جويد قيامهم بإطلاق النار حيث جاء في إقراره غير القضائي : ( ... أنا ما عارف ضربوه كم طلقة ، ولكن سمعت مجموع ) ( راجع صفحة 11 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله إقراراً قضائياً جاء فيه ما نصه: ( كان معنا كلاشات ثلاثة واحد شايله الغالي وواحد شايله علي السيسي والثالث شايله إسماعيل مجر ... أنا كان عندي مسدس 6 ملم ، والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه ، وأنا فكيت من المسدس طلقة في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وجروا ) ( راجع صفحتي 20 ، 21 من محضر التحري) وهكذا يتبيّن أن وجود المتهمين لم يكن حكمياً ، بل كان فعلياً وقد تجاوز حدود الوجود في مسرح الجريمة إلى الاشتراك الفعلي في النشاط الإجرامي حيث استخدموا أسلحتهم النارية التي عربدت في مسرح الجريمة فأردت المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم قتيلاً ومن ثم غادروا المكان بعد تمكنهم من نهب سيارة اليونميد الآنفة الذكر ، الأمر الذي يكون معه اتفاقهم الجنائي لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف ثابتاً يقيناً بالوجه المنصوص عليه قانوناً وفقاً لأحكام المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م ووفقاً للمعايير التي أرستها الأحكام القضائية التي سبق لنا تبيانها آنفاً . هذا رغم أنه ثبت أن الطلقة التي أصابت المجني عليه المذكور قد سددت من البندقية التي كانت بطرف المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – حيث كان هو الذي أصاب المجني عليه في رأسه ثبت ذلك بإقراره غير القضائي المدوّن بصفحتي 9 ،10 من محضر التحري وبدلالة بينة الشريك – أقوال المتهمين الثاني علي أحمد طريح في صفحة 8 من محضر التحري والرابع الغالي جويد في صفحة 11 من محضر التحري ، وهي إقرارات وأقوال تبيّن من خلالها أن المتهم بحر محمد عبدالله كان يقف قدام العربة الخاصة باليونميد ووقتئذ كان المجني عليه مسيطراً على عجلة القيادة ، ويعضد صحة إقرار المتهم المذكور ويعزز دلالة بينة الشريك ما جاء في التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث جاء فيه بأن العيار الناري الذي أصاب المجني عليه قد دخل إلى الرأس من الجهة الأمامية وخرج من الجهة اليسرى للرأس ، وذلك ما يتفق مع الوضعية التي كان يقف فيها المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – ورغم ثبوت ذلك الإسناد إلاّ أنه وحيث ثبت الاتفاق الجنائي بين المتهمين بالنحو المشروع من قبل ، فيكون كل واحد منهم – أي من المتهمين الثاني والثالث والرابع مسئولاً عن الجريمة محل المحاكمة كما لو ارتكبها وحده ، ولا يعنينا أمر المتهم الهارب إسماعيل مجر – مطر – الذي فصلت محاكمته ، باعتبار أنه ما زال هارباً ومن حقه أن ينال محاكمة عادلة حين القبض عليه ، بحيث تكفل له حقوقه كاملة في الإدلاء بدفوعه ودفاعه فذاك حق طبيعي مقدس.

 

ثالثاً: بشأن الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ، نطرح السؤال الجوهري التالي : هل ثبت في حق المتهمين المذكورين الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ـ بعنصريه الإرادة والعلم – أو قل هل ثبت في حقهم القصد الجنائي الخاص؟ .

والجواب بالإيجاب ، حيث القصد أمر ذهني ولا يمكن إثباته إلاّ بإقرار الجاني أو بالقرائن المحتفة بنشاطه الإجرامي ، وقد اختط فقهاء الشريعة الإسلامية – بلا خلاف نعلمه بينهم – ومن بعدهم القضاء السوداني ، معيار نوع السلاح المستخدم في النشاط الإجرامي ومدى قوة إصابة الجسد ومدى حيوية الجزء المصاب من الجسم ، لدرك القصد الجنائي الخاص ، ففي( المغنى لابن قدامة) : ( وجملة ذلك أن العمد نوعان : أحدهما أن يضربه بمحددٍ ، وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان وما في معناه ، مما يحدّد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب ، فهذا كله إذا جرح جرحاً كبيراً فمات فهو قتل عمد ، لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه ، فأما إن جرحه جرحاً صغيراً كشرطة الحجام أو غرزه بإبرةٍ أو شوكةٍ ، نظرت : فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأذن فمات فهو عمد أيضاً لأن الإصابة بذلك في المقتل ... ... وإن كان في غير مقتل نظرت فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير ، لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير ... ... النوع الثاني : القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله ، فهذا عمد موجب للقصاص أيضاً ، وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي واسحق وأبو يوسف ومحمد ... ) (راجع المغنى لابن قدامة جزء 11 صفحتي 446 ، 447 طبعة هجر لسنة 1992م) وهذه المعايير هي ذاتها التي اختطها القضاء السوداني ، ففي قضية : ( حكومة السودان //ضد// عيسى علي أحمد ) قالت المحكمة العليا بأنه : ( لقياس ما إذا كان تسبيب الموت نتيجة راجحة للفعل أو محتملة ، وبالتالي ما إذا كان قتلاً عمداً أو جنائياً ، يقتضي أن تأخذ المحكمة في الاعتبار الأداة التي استعملت لتسبيب الأذى ، وكيفية استعمالها ، والموقع الذي وقعت فيه من الجسم ) . ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1972م ص 230) وفي قضية : ( حكومة السودان//ضد// خير السيد عجب سيدو) قالت المحكمة العليا : (المعيار الذي اختطته المحاكم في السودان هو معيار حيوية العضو أو الجزء من جسم الإنسان ، بمعنى التصاقه الحميم بأسباب الحياة لذلك الجسم ، حيث تنعدم الحياة بدونه) ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 287) وحيث إن الإصابة التي سددت للمجني عليه قد كانت على أكثر أجزاء جسم الإنسان حيوية ، وهي الرأس ، وكانت الأداة المستخدمة هي المدفع الكلاشنكوف وهو من أكثر أنواع الأسلحة فتكاً بالجسم ، وقد أفاد التقرير الطبي ـ مستند اتهام رقم (2) بأن الطلق الناري قد أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفاة ، فيكون والحال هذا قد ثبت القصد الجنائي الخاص المتمثل في قصد إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم أو على الأقل العلم بأن الموت نتيجة راجحة لذلك الفعل وليست نتيجة محتملة . وبناءً عليه يكون صحيحاً ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانة المتهمين المذكورين بجريمة القتل العمد – مبدئياً –.

 

رابعاً: هل يستفيد المتهمون بشئ من المبيحات التي تعفي من المسئولية الجنائية أو بشئ من موانع التجريم المنصوص عليها بالمواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، فإن لم يتوفر شئ من ذلك في حقهم ، فهل يتوفر في حقهم شئ من الاستثناءات التي تعدل وصف الجريمة من العمدية إلى شبه العمد وفقاً لأحكام المادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م؟ .

والجواب بشأن المبيحات المعفية من المسئولية الجنائية وموانع التجريم ، فإن المتهمين لا يستفيدون بشئ من ذلك ، فهم بالغون سن المسئولية الجنائية حيث يبلغ المتهم الثاني علي أحمد طريح 25 سنة من العمر ويبلغ المتهم الثالث بحر محمد عبدالله 22 سنة من عمره ويبلغ المتهم الرابع الغالي جويد فيقان 28 سنة من عمره ، وكانوا وقت ارتكاب الجريمة مدركين لماهية أفعالهم ولنتائجها وكانوا قادرين على السيطرة على تصرفاتهم وكانوا بتمام الإدراك والوعي فلم يكن بأحدهم ثمة عاهة عقلية بأيٍ من أسبابها ، سوى إغواء الشيطان فاتخذوه لأمرهم مِلاكاً واصطفاهم الشيطان لنفسه أشراكاً فباض في عقولهم وفرّخ في صدورهم فاجترحوا من القبح ما يقشعر له بدن الشيطان ، ثم إنهم لم يكونوا مكرهين ولا في حالة ضرورة ولا في أداء واجب ، بل كان المتهم الثالث بحر محمد عبدالله من منسوبي قوات الشعب المسلحة – حرس الحدود – وقت ارتكاب الجرم فخان الواجب وأخلّ بشرف العسكرية ، ولا كان المتهمون في حالة دفاع شرعي بل جاءوا صائلين يملأون الأرض رُعباً ويسعون في الأرض فساداً ونعجب أنه لم توجه إليهم التهمة تحت المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م – جريمة الحرابة المعاقب عليها بموجب المادة 168(أ ) من ذات القانون حيث كانت عناصر الحرابة متوفرة في حقهم ـ وكان المتهمون مختارين وقت ارتكاب الجرم محل المحاكمة ، ولم يلجئهم إلى الجرم شئ يتوقون خطره ولا كان فعلهم عرضاً واقعاً بحسن نية خلال عمل مشروع ، ولا كان عن رضاء من المجني عليه ولا كان ثمة خطأ في الوقائع يجعلهم يحسبون أنهم مأذونون فيما فعلوا . ومن ثم فإنهم لا يستفيدون شيئاً من أحكام المواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، كما أنه لا يتحقق في حق أحدٍ منهم شئُ ُ من الاستثناءات المنصوص عليها بالمادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م فلا كانت ثمة سلطة مخولة لهم في فعلهم ، ولا كان ثمة دفاع عن النفس أصلاً حتى يتصور تجاوزهم حدوده ولا كانوا في حالة استفزاز شديد مفاجئ ولا في معركة مفاجئة ، فهم قد جاءوا واصطنعوا المعركة وخاضوها بمفردهم من المبتدأ وحتى المنتهى ومن ثم فلا يتحقق في حقهم شئ من استثناءات المادة 131(2) مـن القانون الجنائي لسنة 1991م ، الأمر الذي يكون صحيحاً معه ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانتهم بجريمة القتل العمد بموجب أحكام المادة 130(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م مقروءة مع المادة (21) من ذات القانون مما يستوجب تأييد تلك الإدانة.

 

 

 

 

وحيث طلب أولياء الدم الثابتون بالإعلام الشرعي رقم 245/إعلامات/2009م الصادر من محكمة الجنينة الشرعية في 13/7/2009م طلبوا القصاص بالوجه الشرعي – بالأصالة والوصاية المقررة بالإعلام ـ وحيث إنه قد انتفى في حق المتهمين أي مسقط من مسقطات القصاص المنصوص عليها بالمادة (31) من القانون الجنائي لسنة 1991م فتكون العقوبة المحكوم بها في حقهم بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً بموجب أحكام المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م صحيحة مستوجبة للتأييد ومن ثم فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة فنرى تأييد الإدانة والعقوبة المحكوم بها على المتهمين المذكورين.

 

ختاماً أرى أن أسجل – بإيجاز – بعض الحواشي المستوحاة من وقائع هذه النازلة محل المحاكمة ، وذلك من قبيل الاعتزاز ببعض تلك الوقائع ، والأسى مما تبعثه بعضها في النفس ، فالحاشية الأولى : تستلزم الإشادة برجال الإدارة الأهلية بغرب دارفور فإنهم حين أوكل إليهم الأمر نقضوا غزل الجناة وحلوا عقده فتمكنوا من القبض على المتهمين خلال سويعات – بوساطة خبرتهم ونفيرهم – ونأسى على حقبة من عقد سبعينيَّات القرن العشرين رفع فيها أقوام شعاراً أسموه ( تصفية الإدارة الأهلية) فوجد ذلك الشعار الكئيب أُذناً صاغية لدى من كان على سدة الحكم ، ولعمري فإنه إبان ظللّت الإدارة الأهلية أرض بلادنا ، فقد كان المواطن السوداني يبيت آمناً في سربه ، معافاً في بدنه ، عنده قوت يومه – وكفى.

أما الحاشية الثانية : فتستلزم الاعتزاز بذلك المواطن الدارفوري – الشهيد كبرو محمد عبدالكريم – الـذي ذهب فداءً وشهيداً ومدافعاً لقيم الرجولة والشهامة ، فتصدى وهو أعزل للمتهمين الذين كان يتسلح ثلاثة منهم بمدافع الكلاشنكوف ورابع بمسدس 6 ملم ، وكانت كلها أسلحة معبأة مصوبة نحوه وتُنذر بشر مُستطير ـ بل عربدت في المكان فملأته ناراً ، ولم يعبأ ذلك البطل بشئ من ذلك الخطر ، فجاء يذود عن ضيوفه بعزيمةٍ تزول معها الجبال ولا يزول ، وهو يحلف أيماناً مغلظة أنه لا يهان ولا يضام ضيوفه في عقر داره ، وكأني بأبويه قد كشفا من وراء حجب السنين ذلك فأحسنا حين أسمياه (كبرو) ، ولا أقل منه أَخوه (جمال الدين محمد عبدالكريم) الذي هرع إلى المكان غوثاً ضرغاماً ولحق بالمتهمين وعربتهم المنهوبة تسارع للفرار ، فصارع أحد المتهمين لينتزع منه سلاحه الكلاشنكوف ولولا أن متهماً آخر ضربه بدبشك الكلاشنكوف ، ولولا أن تلك الضربة مع دفع السيارة المنهوبة قد أعجزاه عن انتزاع السلاح لكان ذلك الفارس قد أشبع الجناة ثبوراً ، فما أروع فروسية أولئك الرجال ، فهل لحماية مثل هذا الشعب يؤتى بجنود من وراء الحدود قلوبهم وجلة مرتعبة ، يحسبون كل صيحة عليهم ، فبئس الحماة أولئك.

 

والحاشية الثالثة : أنه قد بلغ السيل الزبى من بعض الناعقين الذين يصمون القضاء السوداني بأنه: (غير راغب وغير قادر) لمحاكمة جرائم دارفور ، فهذا حكم صادر في حق ثلاثة منهم في مرحلة التأييد وفي المراحل الأدنى لهذه الدعوى الجنائية تمت تبرئة رابعهم ـ هارون آدم حسين ـ وخامسهم ما زال هارباً ينتظر مصيره ، ثم إن المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ينتسب إلى القوات النظامية ، وقد صدرت من بين أيدينا عشرات الأحكام في حق صنوهم من العسكريين وغير العسكريين من العابثين بأمن البلاد والعباد في دارفور ، فأنى يقال بأن القضاء السوداني غير راغب وغير قادر ؟ متى يذعن الظالمون في دول الغرب فيعرضون عن الهوى ؟ أو ليس لهذا الليل البهيم من صبح أبلج ، أوليس فـي الهداية والعدل سعة فما لهم كيف يحكمون ... حسبنا الله ونعم الوكيل .

 

القاضي: عبد الله العوض محمد

التاريخ: 26/9/2010م

أوافق.

 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير

التاريخ: 27/9/2010م

 

أوافق فالجريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد والاشتراك بالتخطيط والوجود في مسرح الجريمة فرجوع الجناة عن إقراراتهم القضائية وغير القضائية لا يفيدهم شيئاً في مواجهة الأدلة والبينات الأخرى كما أن الرجوع في الاعترافات سمة لهذه الجرائم عندما يلعق الجناة الحسرة والندم بعد أن يواجهوا مصيرهم . وأضيف لما أورده الأخ د. شرفي من تعليق حول هذه الحادثة أنها ليست الحادثة الأولى التي يرتكبها ضعاف النفوس والجهلة من أمثال هؤلاء وذلك كله بسبب الأسلحة النارية التي أصبحت شيئاً مشاعاً في يد الكبير والصغير مما يستلزم إصدار قانون يقضي بنزع الأسلحة النارية في هذا الإقليم ينص فيه على عقوبات تصل إلى الإعدام مما يساعد كثيراً في استتباب الأمن واختفـاء مثل هذه الظواهر من نهب وحرابة وغيرها عانـى منها الناس كثيراً.

     

القاضي: محمد حمد أبوسن

التاريخ: 30/9/2010م

 

أبدأ بالرد على ما ورد في طلبات المدانين الثلاثة المقدمة لنا لمناهضة تأييد الحكم في مواجهتهم فالمدان علي طريح إسحق ينكر ارتكاب الحادث ويقول إِنه وقت الحادث كان مع المحامي منير سليمان وطلب منا الرجوع إليه للتأكد من ذلك.

لقد استمعت محكمة الموضوع لشاهده الذي أشار إليه كما استمعت لشاهد دفاع آخر وهو إسحق جازم عيسى ، صحيح أن محكمة الموضوع لم تتطرق لأقوال شاهدي الدفاع إلا أن ذلك يعني ضمناً رفضها لما وجدت في قضية الاتهام من بينات قوية في مواجهة المدان وأن ما ورد في إفادة شاهدي الدفاع لا يكفي لمناهضة تلك البينات.

أما المدان بحر محمد عبدالله آدم فيقول في طلبه إنه برئ وبالتالي غير مقتنع بالحكـم الصادر ضده وأن محاكمته قد تمت دون حضور محامٍ للدفاع عنه . إن حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ حق دستوري وقانوني وكان يمكن قبول دفع المدان لو طلب من المحكمة إمهاله لإحضار محامٍ أو تعيين محامٍ له بوساطة وزارة العدل لإعساره كان يمكن قبول هذا الدفع لو رفضت محكمة الموضوع طلبه . فالمحضر لا يكشف عن مثل هذا الطلب منه وبالتالي فإن قبوله الاستمرار في المحاكمة بالصورة التي تمت يعني تنازله ضمنياً عن حقه في المطالبة بالاستعانة بمحامٍ.

 

وجاء في طلب المدان الغالي جويد فيقان بأنه لم يكن موجوداً وقت الحادث وأشار إلى أسماء ثلاثة أشخاص طالباً الرجوع إليهم لإثبات ادعائه.

 

وبرجوعي للمحضر فقد أفاد المدان بعد أن رد على التهمة بالنفي بأنه ليس لديه شهود دفاع ولهذا لا يمكن الاستجابة لطلبه في هذه المرحلة بعد أن أفاد صراحة من قبل بعدم وجود شهود دفاع له.

 

إزاء ما تقدم أجد نفسي على اتفاق تام مع الإخوة الذين سبقوني في إبداء الرأي في تأييد الإدانة لتوافر البينات الكافية لإثبات كل عناصر المادة (130) من القانون الجنائي والمتمثلة في أقوال الشهود والبينات الظرفية واعترافات المدانين القضائية المرجوع عنها مؤخراً وذلك للأسباب المفصلة في مذكرة أخي د . شرفي الضافية وأن الحادث وقع تحقيقاً للقصد المشترك بينهم الثلاثة.

 

كما لم يتوافر أي سبب من أسباب الإباحة وموانع المسئولية الجنائية المنصوص عليها في المواد 9ـ 18 من القانون الجنائي أو أيَّ من الأسباب المخففة للمسئولية الجنائية الواردة في الاستثناءات المنصوص عليها في المادة (131) من نفس القانون.

 

أوافق أيضاً على تأييد العقوبة في مواجهة المدانين الثلاثة وذلك لتمسك جميع أولياء الدم بالقصاص.  

 

القاضي: محجوب الأمين الفكي

التاريخ: 3/10/2010م

أوافق ليست لديَّ إضافة للأسباب التي أوردها زملائي الذين سبقوني في إبداء الرأي لتأييد الإدانة والعقوبة.

 

الأمر النهائي:

 

نؤيد الإدانة والعقوبة.

 

 

محمـد حمـد أبوسـن

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

3/10/2010م

▸ حكومة السودان //ضد// خ . م . س م ع/ ط ج/157/2010م فوق حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 2010 الى 2019
  3. العدد 2010
  4. حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

سعادة السيد/ محمــد حمـــد أبوســن

قاضي المحكمة العليا

رئيساً

سعادة السيد/د.عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/محجــوب الأمـين الفكــي

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ عبـد الله العــوض محمــد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد/ الرشيـد التـوم محمـد خـير

قاضي المحكمة العليا

عضواً

 

 

حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ

2- ب . م .ع .ا .آ

3- ا . ج . ف . ي

م ع/ غ إ/إعدام/63/2010م

 

قانون الإثبات لسنة 1994م - المادة (21) منه – إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة  – الاتفاق الجنائي – الإقرار به – إصابة المجني عليه حال الاتفاق الجنائي – حكمها – حق المتهم في الاستعانة بمحام – سكوته عن حقه في طلب محام - حكمه.

 

المبادئ:

 

1- إقرار المتهم بتفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ينبىء بصدق ما أقر به إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة فيكون إقراره حجة قاطعة عليه.

 

2- لا فرق في ظل ما أقر به المتهم من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره.

3- حق المتهم في الاستعانة بمحام حق دستوري وقانوني فإن لم يطلب المتهم إمهاله لإحضار محام أو تعيين محام له لإعساره فإن قبوله الاستمرار فـي المحاكمة يعني تنازله ضمنياً عن حقه في الاستعانة بمحام.

 

الحكــم

 

القاضي: عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي

التاريخ: 21/9/2010م

 

بتاريخ 11/11/2009م أصدرت محكمة الجنايات العامة بالجنينة – ولاية غرب دارفور – حكمها بإدانة المتهمين الثاني علي أحمد طريح الملقب بعلي السيسي والثالث بحر محمد عبدالله آدم الملقب بأبوقطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف بجريمة القتل العمد تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بموجب المادة 130(1) مقروءة مع المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م وقضت عليهم بإعدام كل واحد منهم شنقاً حتى الموت قصاصاً ، كما قضت بتبرئة المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم من ذات التهمة المذكورة المنسوبة إليه وبإخلاء سبيله فوراً وبرفع الأوراق للمحكمة العليا للتأييد أو خلافه بعد انقضاء مدة الاستئناف وبمصادرة خزنة الكلاشنكوف الفارغة المعروضات لصالح سلاح الأسلحة بالخرطوم وبتسليم العربة البوكس المعروضات لقوات اليوناميد وبتسليم العربة التيكو المعروضات للمتهم الأول المذكور هارون آدم حسين وبإبادة بقية المعروضات.

كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تلخصت في أنه بتاريخ 28/5/2009م وفي حوالي الساعة الرابعة مساءً قام المتهمون – المدانون المذكورون عاليه – وتنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم بالتحرك من أورمتا إلى الجنينة مستقلين العربة من نوع تيكو خاصة المتهم الأول معتزمين نهب إحدى السيارات التابعة لقوات اليونميد ، وخلال تجوالهم شاهدوا سيارة بوكس دبل كابينة على متنها خمسة ضباط تابعين لقوات اليونميد فطلبوا من المتهم الأول سائق عربة التيكو متابعتها ، فلما توقفت عربة البوكس التابعة لليونميد بحي الشاطئ - بالجنينة – أمام منزل المواطن الدارفوري كبرو محمد عبدالكريم ، أمر المتهمون سائق عربتهم بالتوقف قريباً من عربة قوات اليونميد – ووقتئذٍ كان ثلاثة من ضباط اليونميد قد نزلوا من عربتهم البوكس ودخلوا إلى منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم للتفاوض معه فـي استئجار منزله لقوات اليونميد ، أما الاثنان الآخران وهما شاهدا الاتهام الأول والثاني فقد آثرا البقاء في سيارة اليونميد ، وأثناء بقائهما في تلك السيارة هرع إليهما المتهم الثاني شاهراً سلاحه الكلاشنكوف متهدداً ومتوعداً وآمراً الضابطين بالنزول وترك السيارة ، فأصيب الضابطان بالفزع وفرا هاربين للنجاة بجلدهما إلى داخل منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، عندئذٍ استولى المتهمون على سيارة اليونميد فانتقل أربعتهم إليها ، لما رأى صاحب المنزل ما بالضابطين من رعبٍ أدرك أن خطراً تهددهما فسارع إلـى الخارج فإذا بالمتهمين قد تأهبوا للانطلاق بالسيارة المنهوبة ، لم يرتعب المواطن كبرو محمد عبدالكريم من الأسلحة النارية الفتاكة المعبأة والمصوبة نحوه فاندفع نحو المتهمين وهو يقسم بالله بأنه لن يسمح أن يضام ضيوفه – على حد تعبيره – أو أن تنهب سيارتهم من أمام منزله ، فغالبهم وتمكن من السيطرة على عجلة القيادة وعندئذٍ تمادى المتهمون في التمرغ في وحل أرجاسهم فأطلق المتهم الثالث بحر محمد عبد الله الملقب بأبي قطعة ، الرصاص من سلاحه الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم الذي وقع صريعاً في الحال ، وعلى إثر سماع صوت الطلق الناري خرج شاهد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم من منزله فوجد المجني عليه صريعاً ، فسارع بـدوره لمنع المتهمين من نهب السيارة ، فداهمها وبدأ يغالب لانتزاع البندقية الكلاشنكوف التي كان يحملها المتهم الثاني ، إلاَّ أن المتهم الرابع قد سدّد إليه ضربةً بدبشك بندقيته الكلاشنكوف فطرحه أرضاً ، وانطلق المتهمون بالسيارة المنهوبة ، ومن ثمّ فتح البلاغ وتحرك رجال الإدارة الأهلية في فزع مستخدمين خبراتهم وتمكنوا خلال سويعات من القبض على المتهمين الذين أرشد إليهم المتهم الأول صاحب عربة التيكو التي أقلتهم لمسرح الأحداث ، وبعد إجراء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الحكم المذكور في مبتدأ هذه الوقائع .

فتقدم المحكوم عليهم طاعنين لدى محكمة استئناف ولاية غرب دارفور التي أصدرت حكمها في 31/1/2010م بتأييد الإدانة الصادرة في حق المتهمين المذكورين ، وبإلغاء العقوبة المحكوم بها وبإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتوقيع العقوبة المناسبة بعد اتخاذ الإجراء الوارد في أسباب الحكم ، حيث كان قد تبيّن لمحكمة الاستئناف عدم قيام محكمة الموضوع بأخذ رأي الوارثة مريم يوسف التليب بالوجه الشرعي عن أبنائها القصر بشأن القصاص أو الدية أو العفو ، ومن ثمّ سارت محكمة الموضوع في الإجراءات واستكملت ذلك الإجراء بالوجه الشرعي ثم أصدرت حكمها في 4/3/2010م بمعاقبة كل واحد من المتهمين الثاني والثالث والرابع – المذكورين آنفاً – بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً وبرفع الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد أو خلافه ، مع إصدار بقية الأوامر المذكورة في مبتدأ هذه الوقائع . وبتقديم الأوراق إلى المحكمة العليا كان هذا النظر وفقاً لمقتضيات أحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، وخلال نظرنا للأوراق تقدم المحكوم عليهم بطلبات أعربوا فيها عن النظر إليهم بعين الرحمة ، وبأنهم غير مقتنعين بالأحكام التي صدرت في حقهم ، ولم يضف المحكوم عليهم وجهاً آخر سوى ما كان من المتهمين الثاني والرابع اللذين ذكرا بأنهما وقت حدوث الجرم محل المحاكمة لم يكونا بمدينة الجنينة حيث ذكر المتهم الثاني بأنه كان مع محاميه مطالباً سماع شهادته ، وسوف نتناول بالمناقشة ما كان منتجاً من طلباتهم ودفوعهم ضمن أسباب حكمنا بإذن الله .

 

الأسباب

 

الحكم المرفوع إلينا للتأييد – أو خلافه –  قد استوفى شرائط المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها ومن حيث صيرورته نهائياً.

وفي موضوعه فقد خلصت دراستنا المتأنية لأوراق الدعوى وأقوالها وأدلتها ودفوعها ودفاعها إلى ما يلي :

أولاً : الوقائع الثابتة التي لا مراء فيها تجعلنا نقرر باطمئنان صحة ما قررته المحاكم الأدنى – محكمتا الموضوع والاستئناف – من ثبوت الركن المادي لجريمة القتل في حق المتهمين الثاني علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – والثالث بحر محمد عبدالله آدم – الملقب بأبي قطعة والرابع الغالي جويد فيقان يوسف - حيث ثبت إتيانهم للركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة - ، فالعنصر الأول المتمثل في النشاط الإجرامي بدأه المتهمون المذكورون بتتبع عربة اليونميد وقد تبع ذلك وقائع عديدة حتى انتهى الأمر إلى إطلاق الرصاص من البندقية الكلاشنكوف على رأس المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بالأدلة المباشرة وبالأدلة غير المباشرة التي تضافرت مع بعضها لتفيد يقيناً ثبوت عنصر النشاط الإجرامي في حق المتهمين الثلاثة المذكورين.

 

فأما الأدلة المباشرة فقد تمثلت في اعترافات المتهمين – وهي إقرارات غير قضائية وأخرى قضائية – حيث أقر المتهم الثالث –  بحر محمد عبدالله –  بإقرار غير قضائي جاء فيه ما نصه:

( الحاصل أنا كنت قاعد في سوق أورمتا وجاء إلى الغالي  وإسماعيل محمد وعلي سيسي وسائق التيكو وقالوا لي : ( هناك عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة .. لقينا عربية تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي سيسي قال لنا : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ، جاء زول طالع من البيت مسك الدركسون ... نعم المسلحين الغالي وإسماعيل محمد وعلي سيسي ، نعم السلاح كان كلاشات ... نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم أنا الذي ضربت المرحوم ، نعم نحن خططنا للعملية دي كلنا ، نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ، أنا ضربت المرحوم في رأسه ، الكلاش كان في المجموع ، الكلاش الذي ضربت به المرحوم بتاع الغالي ، علي كان عنده بندقية وكان ماسكها المرحوم وأنا ضربت المرحوم ... أنا وإسماعيل والغالي وعلي هددنا الناس اللي في العربية ...) ( راجع صفحات 8/9/10 من محضر التحري) ، وقد أدلى هذا المتهم الثالث بحر محمد عبدالله باعتراف قضائي استوفى شرائطه ومنه ما نصه :

 (... الحاصل أنا ومعي واحد اسمه علي السيسي ومعنا الغالي جويد وإسماعيل والخامس بتاع تيكو ما بعرف اسمه في يوم الخميس الفائت حوالي الساعة الرابعة مساءً تحركنا إلى حي الشاطئ وكان معنا كلاشات ثلاثة ، واحد شايلو الغالي وواحد شايلو علي السيسي والثالث شايلو إسماعيل ... لقينا عربية المنظمة ... قام علي السيسي نزل وثبت العربية ، قام سيد البيت جاء جاري مارق برهّ ، وأنا كان عندي مسدس 6 ملم والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه وأنا فكيت طلقة من المسدس في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وقاموا جروا ، أنا اسمي بحر محمد عبدالله وملقب بأبوقطعة ... أنا شغال عسكري تابع لحرس الحدود شغال منذ أربع سنوات ورتبتي جندي ، علي السيسي الذي أقصده هو علي أحمد الطريح وهو الذي خطط .. لمن بدأ الضرب بتاع التيكو ساق عربيته وفات ... )( راجع صفحات 20/21/22 من محضر التحري ) هذان الإقراران قد استوفيا شرائطهما الشرعية وقد استوفى الاعتراف القضائي كافة شرائطه المقررة وفقاً لأحكام المادتين 16/19 من قانون الإثبات لسنة 1994م فضلاً عن أنه جاء خلواً من المؤثرات التي تفضي إلى طرح دلالة الإقرار من تكذيب ظاهرالحال لدلالته ، أو الإدلاء به نتيجة إغراء أو إكراه ، ولا قيمة لما دفع به المتهم المذكور خلال استجوابه بوساطة المحكمة من ادعاء الإكراه وبأن إقراره كان نتيجة التعذيب وبأنه قد تمّ ربطه من رجليه وتعليقه في حديدة بمكان بناءٍ وصاروا يضربونه حتى حسبوه قد مات وأنه قد اعترف بسبب ذلك فتلك دفوع لا قيمة لها ، لأنه لم يقدم ما يثبتها ـ أو ما يبعث الشك بشأن صحتها ـ من بينات خبرة طبية أو من شهود معاينة ، بل إن المتهم قد نسج ذلك الدفع ووقائعه بعد أن استحكمت حلقات الوقائع بخناقه ، علماً بأنه عند مخاطبته بالتهمة المنسوبة إليه قد ذكر بأن خط دفاعه الإنكار المجرد وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ومن ثم يذهب دفعه أدراج الرياح ، هذا فضلاً عن أن إقراره قد تضمن تفصيلات لوقائع النازلة محل المحاكمة تنبئ بصدق ما أقر به ، إذ لا تتطابق عن طريق المصادفة المحضة الوقائع المقر بها مع تفصيلات وقائع النازلة محل المحاكمة ، كما أنه لا قيمة لمحاولة المتهم المذكور التنصل من واقعة قيامه بإطلاق الرصاص على رأس المجني عليه ، حيث لا فرق ـ في ظل ما أقر به من اتفاق جنائي أن تكون الرصاصة التي أصابت المجني عليه هي التي انطلقت من سلاحه أو من سلاح غيره ، علماً بأن المتهم لم ينف بصورة جازمة إصابته للمجني عليه ، ولا تقبل الدفوع إلاّ إذا كانت جازمة ، وبناءً عليه يكون اعتراف المتهم المذكور حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

أما المتهم الثاني – علي أحمد طريح اسحق – الملقب بعلي السيسي – فقد أقر إقراراً غير قضائي جاء فيه ما نصه : ( ... ركبنا كلنا في العربية التيكو وجئنا حي الشاطئ ... وجئنا محل العربية ، وأبوقطعة والغالي هددوا الركاب ونزلوهم من العربية وركبنا نحن في العربية ، وطلع المرحوم قال لينا : ما تشيلوا العربية ومسك الدركسون ، وأبوقطعة كان واقف قدام العربية وضرب المرحوم ... الكلام ده كان يوم الخميس الساعة الرابعة تقريباً ... نعم وروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... نعم جينا حي الشاطئ وتتبعنا العربية تابعة لليونميد حتى وقفت قدام البيت ... نعم أبو قطعة وإسماعيل هددوا الناس ... المرحوم طلع من البيت ومسك دركسون العربية وقال ما تشيلوها ... وأبو قطعة قام ضرب المرحوم ... ( راجع صفحتي 7/8 من محضر التحري) ، وعند مثوله أمام القاضي – في مرحلة التحري – أنكر المتهم علي أحمد طريح ما سبق أن أقر به مدعياً بأنه لم يكن موجوداً في مسرح الحادث وبأنه أقر بسبب الضغط عليه ، مستشهداً بشاهدي دفاع هما اسحق حازم عيسى ومنير سليمان أبكر ، وبالاستماع إليهما في مرحلة المحاكمة لم يشهد له أحدهما بشئ يثبت عدم وجوده بمحل النازلة وقت حدوثهـا ، ولا بشئ مما يبعث الشك في وجـوده بمكان النازلة محل المحاكمة وقت حدوثها ( راجع صفحات 111 حتى 117 من محضر المحاكمة ) ومن ثم فلا قيمة لإنكاره ولا قيمة لدفعه ، الأمر الذي يجعل إقراره من غير شائبة تشوبه فيكون حجة قاطعة في حقه وفقاً لما تقضي به المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

 

ثم إن المتهم الرابع – الغالي جويد فيقان يوسف – أيضاً قد أقر إقراراً غير قضائي منه ما نصه : (الحاصل تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم سائق التيكو وإسماعيل ... دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها وبعد ما وقفت قام علي نزل هدد الخواجات ... والمرحوم جاء طالع من البيت ومسك بندقية علي وأنا جئت خشيت بين علي والمرحوم وقام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي وجراه أبوقطعة ونحن ركبنا العربية وطلعنا بيها ... الكلام ده كان يوم الخميس حوالي الساعة الرابعة عصراً ، نعم اللي كان عنده سلاح أنا وإسماعيل وعلي ، نعم أبو قطعة ما عنده سلاح ولكن السلاح الضرب به المرحوم شاله – أخذه – من إسماعيل ، نعم أبوقطعة ضرب المرحوم بكلاش ... أنا ما عارف ضربه كم طلقة ولكن سمعت مجموع ... ) ( راجع صفحتي 10/11 من محضر التحري) وبذات المعنى مع اختلاف العبارات جاء الإقرار القضائي الذي أدلى به هذا المتهم ( راجع صفحات 23/24/25/26 من محضر التحري) ، غير أنه في مرحلة المحاكمة وعند استجوابه بوساطة المحكمة قد أنكر إتيانه شيئاً مما كان قد أقر به ، مدعياً أنه قد أقر بسبب الإكراه والضرب بالعصا وبالكهرباء ، وحين خاطبته المحكمة بالتهمة المنسوبة إليه أجاب بأن خط دفاعه الإنكار المطلق وبأنه ليس لديه شهود دفاع ، ولا قيمة لادعاء مجرد بالإكراه والضرب والصعق بالكهرباء ، ومن ثم يكون إقراره حجة قاطعة في حقه وفقاً لمقتضيات المادة (21) من قانون الإثبات لسنة 1994م.

تلك الأدلة المباشرة المتمثلة في الإقرارات الآنفة الذكر تثبت بلا مراء ، إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي الموصوف آنفاً ، مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأنه.

 

أما الأدلة غير المباشرة التي أثبتت أيضاً إتيان المتهمين المذكورين للنشاط الإجرامي المتمثل في تتبع المتهمين لسيارة اليونميد حتى حدوث إطلاق الرصاص على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثم نهب السيارة التابعة لليونميد ، فقد تمثلت في العديد من القرائن ، بدءً من قرينة بينة الشريك ، حيث أدلى المتهم الأول هارون آدم حسين إبراهيم بتفاصيل وقائع النازلة ذاكراً بأنه أخذ المتهمين الغالي جويد وبحر عبدالله – أبوقطعة – وعلي السيسي وإسماعيل بسيارته التيكو من سوق أورمتا إلى حي الشاطئ بالجنينة وأنزلهم بمسرح الحادث بالقرب من العربة بوكس دبل كابينة التابعة لليونميد ، ثم غادر المكان وعقب مغادرته سمع من ورائه صوت ذخيرة – رصاص – ووصف المتهم نوع الأسلحة التي كان يحملها المتهمون وملابسهم التي كانوا يرتدونها ( راجع صفحات 6 و13، 14، 15 من محضر التحري وصفحات 85 حتى 91 من محضر المحاكمة ) وبجانب أقوال المتهم المذكور فقد أدلى المتهمون الثاني والثالث والرابع بما يثبت اشتراكهم مع بعضهم في إتيان النشاط الإجرامي للنازلة محل المحاكمة ، وقد وضح ذلك من خلال إقراراتهم التي سبق لنا إيراد نصوصها ، وتلك الأقوال بجملتها تدخل في معنى ( بينة الشريك) وتأخذ حكم القرينة وفقاً لأحكام المادة (50) من قانون الإثبات لسنة 1994م ، وقد استقر قضاؤنا على التعويل على بينة الشريك والاعتداد بها ما دامت متناسقة وتتفق مع منطق الأشياء . ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد آدم عثمان وآخرين – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 240) وتعدّ بينة الشريك (قرينة بسيطة) ويلزم تعضيدها بدليل آخر مستقل ومن ثم فيجوز تأسيس الإدانة بموجبها ، شريطة أن تتوافق البينة المعضدة مع بينة الشريك في جزئية جوهرية من الوقائع محل المحاكمة ، أو الوقائع المحتفة بها ، إذ قضت المحكمة العليا السودانية بأنه : ( لا يشترط أن تعزز أقوال الشريك كلها ، بل يكفي أن تعزز أقوال الشريك ولو في جزئية مهمة بأي نوع من أنواع الأدلة والبراهين المقبولة قانوناً ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// محمد مجذوب محمد – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 230 – وراجع قضية حكومة السودان //ضد// عزالدين علي هارون – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 215 وقضية حكومة السودان //ضد// حامد أحمد سليمان – مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م صفحة 465) . وهكذا فإن تساندت البينة المعضدة مع بينة الشريك فإن المنطق القضائي يقتضي إفضاء ذلك إلى الاقتناع القضائي ،  لما يلزمه من بعث الطمأنينة في نفس القاضي ، وذلك على النحو المتحقق في هذه الدعوى الجنائية حيث توافقت معها = أي مع بينة الشريك = البينات المعضدة المتمثلة في الأدلة المباشرة التي سبق لنا إيرادها ، وكذا توافقت معها القرائن القضائية المستخلصة استخلاصاً سائغاً من القدر المشهود به في شهادات شاهدي  الاتهام الأول والثاني – ضابطا اليونميد – حيث شهدا بأن المتهمين قد أنزلوهما من العربة التيكو وهددوهما بالكلاشنكوف إلى أن تركا لهم سيارة اليونميد ودخلا منزل المواطن كبرو محمد عبدالكريم ، وأنه على أثر دخولهما إلى المنزل خرج المجني عليه لمنع المتهمين من نهب سيارة اليونميد وأنهما عند ذلك سمعا صوت إطلاق النار وصياح النسوة وبخروجهما من المنزل وجدا المجني عليه قد فارق الحياة بسبب الطلق الناري ومن ثم ذهب المتهمون بالسيارة المنهوبة ( راجع شهادة شاهد الاتهام الأول عاصم هاني سلمان – ضابط أردني باليونميد – بصفحة 35 – 39 ، وشهادة شاهد الاتهام الثاني محمد عقلة القضاة – الضابط الأردني باليونميد – بصفحات من 40 حتى 44 من محضر المحاكمة ) .  ويستخلص من هذا القدر المشهود به أن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه المذكور ، حيث ثبت أنهم –  دون سواهم – الذين كانوا بمسرح الحادث وأنهم دون سواهم الذين نهبوا سيارة اليونميد وفقاً للثابت بشهادة شاهـد الاتهام الرابع جمال الدين محمد عبدالكريم ( راجع صفحات من 59 حتى 63 من محضر المحاكمة) ، ويلزم من خلال تلك الوقائع الثابتة وتزامنها مع واقعـة إطلاق النار على المجني عليه ، القول بأن المتهمين المذكورين دون غيرهم هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه.

 

وبجانب القرائن المستخلصة من الشهادات الآنفة الذكر ، فهنالك ما يستخلص من شهادة شاهد الاتهام الخامس – صدام محمد عبدالكريم – حيث شهد بكل وقائع النازلة محل المحاكمة بدءً من معاينته لوصول عربة التيكو إلى أمام منزل المجني عليه المذكور ووقوفها بالقرب من عربة اليونميد وتعرفه على رقم عربة التيكو والإبلاغ عنها ، وبتبيّنه من عدد الذين كانوا على متن العربة التيكو وما كانوا يحملونه من سلاح ونزول المتهم الثاني من تلك العربة التيكو بالقرب من عربة اليونميد ، وأنه بعد معاينته لكل ذلك دخل إلى منزله وفور ذلك سمع صوت إطلاق الرصاص وأصوات ( جوطة ) فخرج من منزله ووجد عربة التيكو قد غادرت المكان ، وكذا عربة اليونميد كانت قد نهبت وغادرت لاتجاه (صباح) – على حدّ تعبيره – ( راجع صفحات من 64 حتى 69 من محضر المحاكمة) . وحيث ثبت أن مسرح الحادث لم يكـن فيه وقتئذٍ سوى أولئك المتهمين الذين أقلتهم عربة التيكو ، وكان إطلاق الرصاص على المجني عليه مقارناً للحظة وجودهم ، فيستخلص استخلاصاً سائغاً بأن المتهمين المذكورين هم الذين أطلقوا النار على المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، وذات هذه القرينة هي التي تستخلص من شهادة شاهد الاتهام السادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم ، حيث شهد بأنه وقت حدوث النازلة كان بمنزل فراش – مأتم – بالقرب من منزل المجني عليه ، وأنه - عقب سماع صوت الرصاص هرع فشاهد عربة اليونميد المنهوبة مسرعة من المكان وشاهد بداخلها المتهم (أبوقطعة) الذي كان يقودها وأنه يعرف المتهم المذكور شخصياً كما أنه شاهد بداخلها المتهمين علي السيسي والغالي جويد (راجع شهادة شاهد الاتهام المذكور بصفحات 70 – 75 من محضر المحاكمة) . وتلك الوقائع المشهود بها مما يسوغ لنا أن نستخلص منها أن المتهمين المذكورين وحدهم - دون سواهم - الذين أطلقوا النار على المجني عليه ، وبتضافر تلك القرائن القضائية مع بعضها وتساندها – وتعزيزها لبينة الشريك – فإن مجموع الأدلة التي توفرت في هذه الدعوى الجنائية تعدّ جازمةً – قطعية الدلالة – في إثبات النشاط الإجرامي الموصوف في حق المتهمين المذكورين ، فضلاً عن أنها تدحض بلا مراء كل دفاع حاول المتهمون التدثر به.

 

ثم إن العنصر الثاني للركن المادي لجريمة القتل والمتمثلة في النتيجة التي تمخضت عن إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، قد ثبت بدلالة شهادات الشهود الآنف ذكرهم وبدلالة التقرير الطبي ، وكان المجني عليه وقت النازلة محل المحاكمة آدمياً حياً معصوم الدم ، خرج من داره إلى المتهمين المذكورين وهو بتمام عافيته ويحلف بالإيمان المغلظة بأنه لن يدع لأحد أن يهين ضيوفه في عقر داره مستصغراً (المنّية لئلا يوصم بالدنيةِ ) وتمكن من مغالبة المتهمين ومن السيطرة على عجلة قيادة سيارة ضباط اليونميد التي انتهبها المتهمون بعد أن أزهقوا روحه ، حيث ثبت إزهاق روحه بدلالة شهادة شهود الاتهام – الأول ضابط اليونميد – عاصم هاني سلمان بصفحة 37 من محضر المحاكمة والثاني محمد عقلة القضاة – ضابط اليونميد – بصفحة 42 من محضر المحاكمة ، وشهادات شهود الاتهام الثالث التيجاني الأمين بركة والرابع جمال الدين محمد عبدالكريم والخامس صدام محمد عبدالكريم والسادس عبدالعزيز دخرو محمد عبدالكريم حيث تزامن مجيئهم لمسرح النازلة محل المحاكمة عقب سماع صوت إطلاق الرصاص على المجني عليه المذكور ، ومثلهم كان الشاكي عمر يوسف التليب ( راجع صفحة 26 من محضر المحاكمة ).

 

ولاستكمال عناصر الركن المادي لجريمة القتل ، فيجب استبانة مدى توفر العنصر الثالث المتمثل في رابطة السببية بين الفعل – النشاط الإجرامي الموصوف – وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه المذكور ، ويتحقق ثبوت علاقة السببية عندما تكون النتيجة ناجمة عن النشاط الإجرامي ، دون تدخل أي عنصر خارجي في تسبيب تلك النتيجة ، وبحيث تكون الرابطة بين النشاط الإجرامي وبين النتيجة واضحة ومباشرة تماماً كوضوح ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب ( راجع قضية حكومة السودان //ضد// عبدالرحمن عبدالعزيز إبراهيم – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1977م صفحة 128) وفي هذه الدعوى الجنائية فقد ثبتت رابطة السببية بين النشاط الإجرامي الموصوف الذي أتاه المتهمون المذكورون وبين النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم ، ثبت ذلك بدلالة شهادات الشهود المذكورين آنفاً ، وبدلالة التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث أفاد بأن سبب الوفاة عيار ناري في الرأس مدخله من الجهة الأمامية ومخرجه من الجهة اليسرى للرأس أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفـاة ، وبناءً عليه تكون علاقة السببية ثابتة في هذه الدعوى الجنائية وفقاً للمعيار المستقر قضاءً ويكون والحال هذا قد ثبت الركن المادي لجريمة القتل – بعناصره الثلاثة – في حق المتهمين المذكورين ثبوتاً يقينياً مما يتعين معه تقرير صحة ما خلصت إليه المحاكم الأدنى بشأن هذا الركن.

 

ثانياً: نطرح السؤال الجوهري التالي ، هل ينسب إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل إلى متهم بعينه من المتهمين المذكورين أو أنه كان ثمة اتفاق جنائي بينهم بحيث ينسب إليهم جميعاً ؟ ونجيب جازمين بأن إتيان هذا الركن المادي لجريمة القتل ينسب إلى المتهمين جميعاً ، أعني المتهمين الثاني والثالث والرابع المذكورين آنفاً ، حيث ثبت اتفاقهم الجنائي وتدبيرهم المسبق لارتكاب ذلك الفعل وما يتمخض عنه في سبيل تنفيذه . ولاستبانة تحقق الاتفاق الجنائي بين المتهمين نعرض للمعايير التي وضعها التشريع للقول بتوفر الاتفاق الجنائي ، كما نعرض لتفصيل ذلك مما استقر عليه القضاء ، ثم نستعرض الوقائع الثابتة للتبيّن من مدى توفر تلك المعايير في حق المتهمين المذكورين.

لقد نصت المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م على أنه : ( إذا ارتكب شخصان أو أكثر جريمة تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم ، يكون كل واحد منهم مسئولاً عنها ، كما لو كان قد ارتكبها وحده ويعاقب بالعقوبة المقررة لها قانوناً ) وهذه المادة الآنفة الذكر تتكون من عنصرين بتوفرهما يتحقق ثبوت الاتفاق الجنائي ، أولهما : اشتراك شخصين أو أكثر في ارتكاب جريمة ، وثانيهما : أن يكون ارتكابهم للفعل تنفيذاً لاتفاق جنائي بينهم . وقد استقر قضاؤنا على أن القصد المشترك بين المتهمين يثبت بثبوت التدبير المسبق بينهم لارتكاب الفعل ، ويفترض وجود ذلك الاتفاق المسبق عند وجودهم بمسرح الحادث وقت ارتكاب الفعل ، ويكون الوجود فعلياً بالإسهام في الفعل ، أو حكمياً بالتواجد على قرب مناسب وقت ارتكاب الفعل ، بحيث يمكن معه تقديم المساعدة عند الضرورة وذلك بغرض تحقيق القصد المشترك ، ولا يقتصر القصد المشترك على الأفعال الإجرامية التي تناولها الاتفاق وحدها ، بل تشمل أيضاً كل الأفعال التي ارتكبت في سبيل تنفيذها طالما كانت مألوفة تبعاً للمجرى العادي للأمور ، ولا يشترط إثبات دور كل واحد من الجناة على حده ، بل يكفي أن يكون حصل الفعل بناءً على القصد المشترك . ( راجع قضية حكومة السودان//ضد// حسن علي محمود – مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م ص 374).

على ضوء ما ذكر نجد أن الاتفاق الجنائي بين المتهمين لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف قد ثبت بدلالة الإقرارات التي أدلى بها المتهمون المذكورون ، حيث جاء في الإقرار غير القضائي الذي أدلى به المتهم الثاني علي أحمد طريح ما نصه : ( جاء إلىّ أبوقطعة قال لي عندنا مشوار ، مشينا البيت لقينا الغالي جويد وإسماعيل مجر ورفعناهم معنا ، نعم أخبروني أنهم عندهم عربية دايرين ينهبوها ... جئنا حي الشاطئ وشفنا العربية التابعة لليونميد وتبعناها حتى وقفت قدام البيت ... ( راجع صفحة 7 من محضر التحري ) وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – إقراراً غير قضائي – بما نصه : ( ... جاء إلىّ الغالي وإسماعيل مجر وعلي السيسي وسائق التيكو وقالو في عربية جاءت من تشاد حقت زغاوة أرح نشيلها ، وركبنا التيكو وجئنا الجنينة ، لاقينا في الجنينة عربة تابعة لمنظمة راكبين فيها خواجات ، وقام علي السيسي قال : أرحكم نشيل العربية دي ، ونحن تبعنا العربية لحد ما وقفت قدام الباب ونزل علي والغالي ثبتوا العربية ... نعم السلاح كان كلاشات ... نعم نحن دايرين نهب عربية نعم المرحوم وقع في المقعد الأمامي ، نعم المرحوم جريناه أنا وإسماعيل ، نعم المرحوم رميناه في الأرض ... نعم خططنا للعملية دي كلنا ... نعم أنا عندما ضربت المرحوم كنت واقف قدام العربية ... ( راجع صفحات 8 ، 9 ، 10 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الرابع الغالي جويد فيقان أقراراً غير قضائي بما نصه : ( تحركنا أنا وبحر وعلي سيسي وهارون آدم وإسماعيل مجر ورحنا الجنينة – دايرين أي سيارة تابعة لمنظمة ، ولقينا عربة في الشارع تابعة لمنظمة اليونميد قابلناها في حي الشاطئ بوكس دبل كابينة راكبين فيها خواجات وتبعناها ... ... ( واسترسل في إقراره حتى قال : ( قام أبوقطعة ضرب المرحوم في رأسه والمرحوم وقع في الكرسي ...) (راجع صفحتي 10 ، 11 من محضر التحري) وقد كرر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ذات ما سبق أن أقر به في إقراره القضائي معرباً صراحة بأن الذي خطط للعملية هو علي السيسي أي علي أحمد طريح : ( راجع صفحات 20 ، 21 ، 22 من محضر التحري) ... ثم إن القصد المشترك ثابت في حق المتهمين المذكورين من خلال المستفاد من إسهامهم الفعلي في تنفيذ النشاط الإجرامي الموصوف ، حيث ثبت وجودهم جميعاً في مسرح الجريمة ، بل ثبت من خلال إقرار المتهم الرابع الغالي جويد قيامهم بإطلاق النار حيث جاء في إقراره غير القضائي : ( ... أنا ما عارف ضربوه كم طلقة ، ولكن سمعت مجموع ) ( راجع صفحة 11 من محضر التحري) ، وقد أقر المتهم الثالث بحر محمد عبدالله إقراراً قضائياً جاء فيه ما نصه: ( كان معنا كلاشات ثلاثة واحد شايله الغالي وواحد شايله علي السيسي والثالث شايله إسماعيل مجر ... أنا كان عندي مسدس 6 ملم ، والبنادق الثلاثة اشتغلوا لكن البندق اللي ضرب المرحوم أنا ما عارفه ، وأنا فكيت من المسدس طلقة في جهة الخواجات اللي كانوا شايلين كلاشات وجروا ) ( راجع صفحتي 20 ، 21 من محضر التحري) وهكذا يتبيّن أن وجود المتهمين لم يكن حكمياً ، بل كان فعلياً وقد تجاوز حدود الوجود في مسرح الجريمة إلى الاشتراك الفعلي في النشاط الإجرامي حيث استخدموا أسلحتهم النارية التي عربدت في مسرح الجريمة فأردت المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم قتيلاً ومن ثم غادروا المكان بعد تمكنهم من نهب سيارة اليونميد الآنفة الذكر ، الأمر الذي يكون معه اتفاقهم الجنائي لإتيان النشاط الإجرامي الموصوف ثابتاً يقيناً بالوجه المنصوص عليه قانوناً وفقاً لأحكام المادة (21) من القانون الجنائي لسنة 1991م ووفقاً للمعايير التي أرستها الأحكام القضائية التي سبق لنا تبيانها آنفاً . هذا رغم أنه ثبت أن الطلقة التي أصابت المجني عليه المذكور قد سددت من البندقية التي كانت بطرف المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – حيث كان هو الذي أصاب المجني عليه في رأسه ثبت ذلك بإقراره غير القضائي المدوّن بصفحتي 9 ،10 من محضر التحري وبدلالة بينة الشريك – أقوال المتهمين الثاني علي أحمد طريح في صفحة 8 من محضر التحري والرابع الغالي جويد في صفحة 11 من محضر التحري ، وهي إقرارات وأقوال تبيّن من خلالها أن المتهم بحر محمد عبدالله كان يقف قدام العربة الخاصة باليونميد ووقتئذ كان المجني عليه مسيطراً على عجلة القيادة ، ويعضد صحة إقرار المتهم المذكور ويعزز دلالة بينة الشريك ما جاء في التقرير الطبي – مستند اتهام رقم (2) – حيث جاء فيه بأن العيار الناري الذي أصاب المجني عليه قد دخل إلى الرأس من الجهة الأمامية وخرج من الجهة اليسرى للرأس ، وذلك ما يتفق مع الوضعية التي كان يقف فيها المتهم الثالث بحر محمد عبدالله – الملقب بأبوقطعة – ورغم ثبوت ذلك الإسناد إلاّ أنه وحيث ثبت الاتفاق الجنائي بين المتهمين بالنحو المشروع من قبل ، فيكون كل واحد منهم – أي من المتهمين الثاني والثالث والرابع مسئولاً عن الجريمة محل المحاكمة كما لو ارتكبها وحده ، ولا يعنينا أمر المتهم الهارب إسماعيل مجر – مطر – الذي فصلت محاكمته ، باعتبار أنه ما زال هارباً ومن حقه أن ينال محاكمة عادلة حين القبض عليه ، بحيث تكفل له حقوقه كاملة في الإدلاء بدفوعه ودفاعه فذاك حق طبيعي مقدس.

 

ثالثاً: بشأن الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ، نطرح السؤال الجوهري التالي : هل ثبت في حق المتهمين المذكورين الركن المعنوي لجريمة القتل العمد ـ بعنصريه الإرادة والعلم – أو قل هل ثبت في حقهم القصد الجنائي الخاص؟ .

والجواب بالإيجاب ، حيث القصد أمر ذهني ولا يمكن إثباته إلاّ بإقرار الجاني أو بالقرائن المحتفة بنشاطه الإجرامي ، وقد اختط فقهاء الشريعة الإسلامية – بلا خلاف نعلمه بينهم – ومن بعدهم القضاء السوداني ، معيار نوع السلاح المستخدم في النشاط الإجرامي ومدى قوة إصابة الجسد ومدى حيوية الجزء المصاب من الجسم ، لدرك القصد الجنائي الخاص ، ففي( المغنى لابن قدامة) : ( وجملة ذلك أن العمد نوعان : أحدهما أن يضربه بمحددٍ ، وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان وما في معناه ، مما يحدّد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب ، فهذا كله إذا جرح جرحاً كبيراً فمات فهو قتل عمد ، لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه ، فأما إن جرحه جرحاً صغيراً كشرطة الحجام أو غرزه بإبرةٍ أو شوكةٍ ، نظرت : فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأذن فمات فهو عمد أيضاً لأن الإصابة بذلك في المقتل ... ... وإن كان في غير مقتل نظرت فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير ، لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير ... ... النوع الثاني : القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله ، فهذا عمد موجب للقصاص أيضاً ، وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي واسحق وأبو يوسف ومحمد ... ) (راجع المغنى لابن قدامة جزء 11 صفحتي 446 ، 447 طبعة هجر لسنة 1992م) وهذه المعايير هي ذاتها التي اختطها القضاء السوداني ، ففي قضية : ( حكومة السودان //ضد// عيسى علي أحمد ) قالت المحكمة العليا بأنه : ( لقياس ما إذا كان تسبيب الموت نتيجة راجحة للفعل أو محتملة ، وبالتالي ما إذا كان قتلاً عمداً أو جنائياً ، يقتضي أن تأخذ المحكمة في الاعتبار الأداة التي استعملت لتسبيب الأذى ، وكيفية استعمالها ، والموقع الذي وقعت فيه من الجسم ) . ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1972م ص 230) وفي قضية : ( حكومة السودان//ضد// خير السيد عجب سيدو) قالت المحكمة العليا : (المعيار الذي اختطته المحاكم في السودان هو معيار حيوية العضو أو الجزء من جسم الإنسان ، بمعنى التصاقه الحميم بأسباب الحياة لذلك الجسم ، حيث تنعدم الحياة بدونه) ( مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1974م صفحة 287) وحيث إن الإصابة التي سددت للمجني عليه قد كانت على أكثر أجزاء جسم الإنسان حيوية ، وهي الرأس ، وكانت الأداة المستخدمة هي المدفع الكلاشنكوف وهو من أكثر أنواع الأسلحة فتكاً بالجسم ، وقد أفاد التقرير الطبي ـ مستند اتهام رقم (2) بأن الطلق الناري قد أدى إلى تهشم كامل للجمجمة وخروج المخيخ ومن ثم الوفاة ، فيكون والحال هذا قد ثبت القصد الجنائي الخاص المتمثل في قصد إزهاق روح المجني عليه كبرو محمد عبدالكريم أو على الأقل العلم بأن الموت نتيجة راجحة لذلك الفعل وليست نتيجة محتملة . وبناءً عليه يكون صحيحاً ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانة المتهمين المذكورين بجريمة القتل العمد – مبدئياً –.

 

رابعاً: هل يستفيد المتهمون بشئ من المبيحات التي تعفي من المسئولية الجنائية أو بشئ من موانع التجريم المنصوص عليها بالمواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، فإن لم يتوفر شئ من ذلك في حقهم ، فهل يتوفر في حقهم شئ من الاستثناءات التي تعدل وصف الجريمة من العمدية إلى شبه العمد وفقاً لأحكام المادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م؟ .

والجواب بشأن المبيحات المعفية من المسئولية الجنائية وموانع التجريم ، فإن المتهمين لا يستفيدون بشئ من ذلك ، فهم بالغون سن المسئولية الجنائية حيث يبلغ المتهم الثاني علي أحمد طريح 25 سنة من العمر ويبلغ المتهم الثالث بحر محمد عبدالله 22 سنة من عمره ويبلغ المتهم الرابع الغالي جويد فيقان 28 سنة من عمره ، وكانوا وقت ارتكاب الجريمة مدركين لماهية أفعالهم ولنتائجها وكانوا قادرين على السيطرة على تصرفاتهم وكانوا بتمام الإدراك والوعي فلم يكن بأحدهم ثمة عاهة عقلية بأيٍ من أسبابها ، سوى إغواء الشيطان فاتخذوه لأمرهم مِلاكاً واصطفاهم الشيطان لنفسه أشراكاً فباض في عقولهم وفرّخ في صدورهم فاجترحوا من القبح ما يقشعر له بدن الشيطان ، ثم إنهم لم يكونوا مكرهين ولا في حالة ضرورة ولا في أداء واجب ، بل كان المتهم الثالث بحر محمد عبدالله من منسوبي قوات الشعب المسلحة – حرس الحدود – وقت ارتكاب الجرم فخان الواجب وأخلّ بشرف العسكرية ، ولا كان المتهمون في حالة دفاع شرعي بل جاءوا صائلين يملأون الأرض رُعباً ويسعون في الأرض فساداً ونعجب أنه لم توجه إليهم التهمة تحت المادة (167) من القانون الجنائي لسنة 1991م – جريمة الحرابة المعاقب عليها بموجب المادة 168(أ ) من ذات القانون حيث كانت عناصر الحرابة متوفرة في حقهم ـ وكان المتهمون مختارين وقت ارتكاب الجرم محل المحاكمة ، ولم يلجئهم إلى الجرم شئ يتوقون خطره ولا كان فعلهم عرضاً واقعاً بحسن نية خلال عمل مشروع ، ولا كان عن رضاء من المجني عليه ولا كان ثمة خطأ في الوقائع يجعلهم يحسبون أنهم مأذونون فيما فعلوا . ومن ثم فإنهم لا يستفيدون شيئاً من أحكام المواد من 8 – 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م ، كما أنه لا يتحقق في حق أحدٍ منهم شئُ ُ من الاستثناءات المنصوص عليها بالمادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م فلا كانت ثمة سلطة مخولة لهم في فعلهم ، ولا كان ثمة دفاع عن النفس أصلاً حتى يتصور تجاوزهم حدوده ولا كانوا في حالة استفزاز شديد مفاجئ ولا في معركة مفاجئة ، فهم قد جاءوا واصطنعوا المعركة وخاضوها بمفردهم من المبتدأ وحتى المنتهى ومن ثم فلا يتحقق في حقهم شئ من استثناءات المادة 131(2) مـن القانون الجنائي لسنة 1991م ، الأمر الذي يكون صحيحاً معه ما خلصت إليه المحاكم الأدنى من إدانتهم بجريمة القتل العمد بموجب أحكام المادة 130(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م مقروءة مع المادة (21) من ذات القانون مما يستوجب تأييد تلك الإدانة.

 

 

 

 

وحيث طلب أولياء الدم الثابتون بالإعلام الشرعي رقم 245/إعلامات/2009م الصادر من محكمة الجنينة الشرعية في 13/7/2009م طلبوا القصاص بالوجه الشرعي – بالأصالة والوصاية المقررة بالإعلام ـ وحيث إنه قد انتفى في حق المتهمين أي مسقط من مسقطات القصاص المنصوص عليها بالمادة (31) من القانون الجنائي لسنة 1991م فتكون العقوبة المحكوم بها في حقهم بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً بموجب أحكام المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م صحيحة مستوجبة للتأييد ومن ثم فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة فنرى تأييد الإدانة والعقوبة المحكوم بها على المتهمين المذكورين.

 

ختاماً أرى أن أسجل – بإيجاز – بعض الحواشي المستوحاة من وقائع هذه النازلة محل المحاكمة ، وذلك من قبيل الاعتزاز ببعض تلك الوقائع ، والأسى مما تبعثه بعضها في النفس ، فالحاشية الأولى : تستلزم الإشادة برجال الإدارة الأهلية بغرب دارفور فإنهم حين أوكل إليهم الأمر نقضوا غزل الجناة وحلوا عقده فتمكنوا من القبض على المتهمين خلال سويعات – بوساطة خبرتهم ونفيرهم – ونأسى على حقبة من عقد سبعينيَّات القرن العشرين رفع فيها أقوام شعاراً أسموه ( تصفية الإدارة الأهلية) فوجد ذلك الشعار الكئيب أُذناً صاغية لدى من كان على سدة الحكم ، ولعمري فإنه إبان ظللّت الإدارة الأهلية أرض بلادنا ، فقد كان المواطن السوداني يبيت آمناً في سربه ، معافاً في بدنه ، عنده قوت يومه – وكفى.

أما الحاشية الثانية : فتستلزم الاعتزاز بذلك المواطن الدارفوري – الشهيد كبرو محمد عبدالكريم – الـذي ذهب فداءً وشهيداً ومدافعاً لقيم الرجولة والشهامة ، فتصدى وهو أعزل للمتهمين الذين كان يتسلح ثلاثة منهم بمدافع الكلاشنكوف ورابع بمسدس 6 ملم ، وكانت كلها أسلحة معبأة مصوبة نحوه وتُنذر بشر مُستطير ـ بل عربدت في المكان فملأته ناراً ، ولم يعبأ ذلك البطل بشئ من ذلك الخطر ، فجاء يذود عن ضيوفه بعزيمةٍ تزول معها الجبال ولا يزول ، وهو يحلف أيماناً مغلظة أنه لا يهان ولا يضام ضيوفه في عقر داره ، وكأني بأبويه قد كشفا من وراء حجب السنين ذلك فأحسنا حين أسمياه (كبرو) ، ولا أقل منه أَخوه (جمال الدين محمد عبدالكريم) الذي هرع إلى المكان غوثاً ضرغاماً ولحق بالمتهمين وعربتهم المنهوبة تسارع للفرار ، فصارع أحد المتهمين لينتزع منه سلاحه الكلاشنكوف ولولا أن متهماً آخر ضربه بدبشك الكلاشنكوف ، ولولا أن تلك الضربة مع دفع السيارة المنهوبة قد أعجزاه عن انتزاع السلاح لكان ذلك الفارس قد أشبع الجناة ثبوراً ، فما أروع فروسية أولئك الرجال ، فهل لحماية مثل هذا الشعب يؤتى بجنود من وراء الحدود قلوبهم وجلة مرتعبة ، يحسبون كل صيحة عليهم ، فبئس الحماة أولئك.

 

والحاشية الثالثة : أنه قد بلغ السيل الزبى من بعض الناعقين الذين يصمون القضاء السوداني بأنه: (غير راغب وغير قادر) لمحاكمة جرائم دارفور ، فهذا حكم صادر في حق ثلاثة منهم في مرحلة التأييد وفي المراحل الأدنى لهذه الدعوى الجنائية تمت تبرئة رابعهم ـ هارون آدم حسين ـ وخامسهم ما زال هارباً ينتظر مصيره ، ثم إن المتهم الثالث بحر محمد عبدالله ينتسب إلى القوات النظامية ، وقد صدرت من بين أيدينا عشرات الأحكام في حق صنوهم من العسكريين وغير العسكريين من العابثين بأمن البلاد والعباد في دارفور ، فأنى يقال بأن القضاء السوداني غير راغب وغير قادر ؟ متى يذعن الظالمون في دول الغرب فيعرضون عن الهوى ؟ أو ليس لهذا الليل البهيم من صبح أبلج ، أوليس فـي الهداية والعدل سعة فما لهم كيف يحكمون ... حسبنا الله ونعم الوكيل .

 

القاضي: عبد الله العوض محمد

التاريخ: 26/9/2010م

أوافق.

 

القاضي: الرشيد التوم محمد خير

التاريخ: 27/9/2010م

 

أوافق فالجريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد والاشتراك بالتخطيط والوجود في مسرح الجريمة فرجوع الجناة عن إقراراتهم القضائية وغير القضائية لا يفيدهم شيئاً في مواجهة الأدلة والبينات الأخرى كما أن الرجوع في الاعترافات سمة لهذه الجرائم عندما يلعق الجناة الحسرة والندم بعد أن يواجهوا مصيرهم . وأضيف لما أورده الأخ د. شرفي من تعليق حول هذه الحادثة أنها ليست الحادثة الأولى التي يرتكبها ضعاف النفوس والجهلة من أمثال هؤلاء وذلك كله بسبب الأسلحة النارية التي أصبحت شيئاً مشاعاً في يد الكبير والصغير مما يستلزم إصدار قانون يقضي بنزع الأسلحة النارية في هذا الإقليم ينص فيه على عقوبات تصل إلى الإعدام مما يساعد كثيراً في استتباب الأمن واختفـاء مثل هذه الظواهر من نهب وحرابة وغيرها عانـى منها الناس كثيراً.

     

القاضي: محمد حمد أبوسن

التاريخ: 30/9/2010م

 

أبدأ بالرد على ما ورد في طلبات المدانين الثلاثة المقدمة لنا لمناهضة تأييد الحكم في مواجهتهم فالمدان علي طريح إسحق ينكر ارتكاب الحادث ويقول إِنه وقت الحادث كان مع المحامي منير سليمان وطلب منا الرجوع إليه للتأكد من ذلك.

لقد استمعت محكمة الموضوع لشاهده الذي أشار إليه كما استمعت لشاهد دفاع آخر وهو إسحق جازم عيسى ، صحيح أن محكمة الموضوع لم تتطرق لأقوال شاهدي الدفاع إلا أن ذلك يعني ضمناً رفضها لما وجدت في قضية الاتهام من بينات قوية في مواجهة المدان وأن ما ورد في إفادة شاهدي الدفاع لا يكفي لمناهضة تلك البينات.

أما المدان بحر محمد عبدالله آدم فيقول في طلبه إنه برئ وبالتالي غير مقتنع بالحكـم الصادر ضده وأن محاكمته قد تمت دون حضور محامٍ للدفاع عنه . إن حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ حق دستوري وقانوني وكان يمكن قبول دفع المدان لو طلب من المحكمة إمهاله لإحضار محامٍ أو تعيين محامٍ له بوساطة وزارة العدل لإعساره كان يمكن قبول هذا الدفع لو رفضت محكمة الموضوع طلبه . فالمحضر لا يكشف عن مثل هذا الطلب منه وبالتالي فإن قبوله الاستمرار في المحاكمة بالصورة التي تمت يعني تنازله ضمنياً عن حقه في المطالبة بالاستعانة بمحامٍ.

 

وجاء في طلب المدان الغالي جويد فيقان بأنه لم يكن موجوداً وقت الحادث وأشار إلى أسماء ثلاثة أشخاص طالباً الرجوع إليهم لإثبات ادعائه.

 

وبرجوعي للمحضر فقد أفاد المدان بعد أن رد على التهمة بالنفي بأنه ليس لديه شهود دفاع ولهذا لا يمكن الاستجابة لطلبه في هذه المرحلة بعد أن أفاد صراحة من قبل بعدم وجود شهود دفاع له.

 

إزاء ما تقدم أجد نفسي على اتفاق تام مع الإخوة الذين سبقوني في إبداء الرأي في تأييد الإدانة لتوافر البينات الكافية لإثبات كل عناصر المادة (130) من القانون الجنائي والمتمثلة في أقوال الشهود والبينات الظرفية واعترافات المدانين القضائية المرجوع عنها مؤخراً وذلك للأسباب المفصلة في مذكرة أخي د . شرفي الضافية وأن الحادث وقع تحقيقاً للقصد المشترك بينهم الثلاثة.

 

كما لم يتوافر أي سبب من أسباب الإباحة وموانع المسئولية الجنائية المنصوص عليها في المواد 9ـ 18 من القانون الجنائي أو أيَّ من الأسباب المخففة للمسئولية الجنائية الواردة في الاستثناءات المنصوص عليها في المادة (131) من نفس القانون.

 

أوافق أيضاً على تأييد العقوبة في مواجهة المدانين الثلاثة وذلك لتمسك جميع أولياء الدم بالقصاص.  

 

القاضي: محجوب الأمين الفكي

التاريخ: 3/10/2010م

أوافق ليست لديَّ إضافة للأسباب التي أوردها زملائي الذين سبقوني في إبداء الرأي لتأييد الإدانة والعقوبة.

 

الأمر النهائي:

 

نؤيد الإدانة والعقوبة.

 

 

محمـد حمـد أبوسـن

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

3/10/2010م

▸ حكومة السودان //ضد// خ . م . س م ع/ ط ج/157/2010م فوق حكومة السودان //ضد//1- ع . أ . ط . إ 2- ب . م .ع .ا .آ 3- ا . ج . ف . ي ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©