حكومة السودان //ضد// مصنع رانيو للمعدات الزراعية
المحكمة العليا
سعادة السيد/ يعقوب حمد عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد / د بدرية عبد المنعم حسونة قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد / عباس خليفة محمد قاضي المحكمة العليا عضوا
حكومة السودان //ضد// مصنع رانيو للمعدات الزراعية
م ع / ط ج / 482 / 1999م
قانون الكمبيالات والشيكات والسندات الاذنية لسنة 1917م - كلمة دعوى تشمل الدعوى الفرعيــة وطلـب المقاصــة - المادة (2) من قانــون الكمبيالات والشيكـات والسندات الاذنية
القانون الجنائي - طبيعة الجريمة - المادة 179 من القانون الجنائي
قانون الشركات - المادة (162) - مدي ارتباطها بمفهوم الدعوى الجنائية
قانون الإثبات لسنة 1993م - القيد بالحكم الجنائي - المادة (52)
وفقاً لنص المادة (2) من قانـــون الكمبيالات والشيكات والسندات الاذنية لسنة 1917م يجوز إقامة الدعوى الجنائية المتعلقة بالمفلس نفسه منه أو عليه
جريمة إصدار شيك لا يقابله رصيد في طبيعتها جريمة نصب
نص المادة 162من قانون الشركات لا ينطبق إلاّ علي الدائنين العاديين وأصحاب حقوق الامتياز العامة وينطبق أيضاً علي الدعاوى والإجراءات التي من شأنها أن تحقق مصلحة خاصة للدائن الذي يقوم بها
الدعوى الجنائية توقف الدعوى المدنية وليس العكس
المحكمة المدنية ملزمة في المعاملات بالتقيد بالحكم الجنائي في الوقائع التي فصل فيها ذلك الحكم سواء كان ضرورياً للفصل في ذلك الحكم أو لم يكن
ليس للأحكام الصادرة من المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلي فاعلها
يشترط لوقف الدعوى المدنية بناءً علـي الدعوى الجنائية أن تكــون الدعوى الجنائية قد رفعت وأن تكون المسئولية قد نشأت في كل من الدعويين عن جريمة واحــدة
الحكـــم
القاضي : دبدرية عبد المنعم حسونة
التاريـخ : 1 / 10 /1999م
من حيث الشكل :
هذا طلب طعن تقدم به محامي الطاعن في قرار محكمة الاستئناف ولاية الخرطوم الصادر بتاريخ 4/9/1999م والطعن قدم في 14/9/1999م لذلك فهو مقبول شكلاً
من حيث الموضوع :
ينعي مقدم الطلب علي الحكم مخالفته للقانون وذلك لتأييد محكمة الاستئناف حكم محكمة الموضوع الصادر برفض طلب المصفي بإيقاف إجراءات الدعوى الجنائية بسبب إجراءات التصفية
يقول مقدم الطلب أن المادة 162 من قانون الشركات مادة أمر وجوبية التطبيق والتي تنص :
" متي صدر أمر بتصفية الشركة فلا يجوز السير في أي قضية أو أي إجراء قانوني آخر أو البدء فيه ضد الشركة إلا بإذن من المحكمة وبالشروط التي تقررها "
وبما أن محكمة التصفية قد استعملت صلاحياتها لمصلحة مقدم الطلب ( الطاعن ) كان يستوجب علي محكمة الموضوع الانصياع لهذا الأمر ووقف الإجراءات
وان الحديث عن المادة 179 لا يعدو أن يكون حديثاً عن إجراءات جنائية وان المادة 162 من قانون الشركات قد تحدثت عن أي قضية ولم تفرز بين القضايا الجنائية والمدنية وإن النص يعتبر قطعي الدلالة علي المراد منه وملزماً لكل المحاكم وعليه يطالب : بإلغاء قرار محكمة الاستئناف ووقف إجراءات البلاغ رقم 73/99 أمام محكمة المصارف طبقاً للمادة 162 من قانون الشركات
ملخص الوقائع
بتاريخ 17/1/1998م : ابلغ الشاكي بنك المزارع بموجب عريضة للسيد وكيل النيابة يفيد أن المتهم مصنع رانيو للمعدات الزراعية حرر له ثلاث شيكات جملتها 87/514/42 جنيه وعند تقديمها للصرف بتواريخ 30/10/1997م و 30/11/1997م و 30/12/1997م ارتدت لعدم وجود رصيد - تم تحريك الإجراءات وعرضت الدعوى أمام المحكمة الجنائية واستمعت المحكمة لقضية الاتهام وتم استجواب المتهم وحررت تهمة في مواجهة المتهم تحت المادة / 179 من القانون الجنائي واستمعت لقضية الدفاع
بتاريخ 24/6/1999م أصدر السيد قاضي المحكمة العامة أمر بوقف إجراءات البلاغ رقم 73/ 98لوجود إجراءات تصفية للشركة أمام المحكمة للفصل في الطلب نري الآتي :
بفحص محضر الدعوى والإجراءات انه بتاريخ 2/6/1999م أصدر السيد قاضي المحكمة العامة قرار بتصفية شركة مصنع رانيو للمعدات الزراعية المحدود تصفية اختيارية تحت إشراف المحكمة
لذلك لا بد من تعريف المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية إن الغرض من المسئولية الجنائية صون المجتمع من كل ما ينجم عنه إيذاءه وحمايته من الإخلال بالقواعد التي يقيم عليها نظامه - وللوصول إلي هذا الغرض كان عقاب من يندم علي شيء من ذلك زجراً له وردعاً لغيره وتلك العقوبة في المسئولية الجنائية يجب لتوقيعها تعرف نية الفرد أو قصده ولهذا ولما هو مفروض من حرية الفرد في المجتمع كانت القاعدة الكلية التي من مقتضاها أن لا عقاب إلا بنص
أما المسئولية المدنية : فإنه لا يفترض فيها وقوع الضرر بالمجتمع وإنما المضرور يكون فرداً بعينه لا يملك غير المطالبة بإصلاح ما أصابه من ضرر ومبناها الإخلال بما كفلته الشرائع لذلك الفرد من حقوق
والسؤال ما هو حكم الدعوى العمومية المرفوعة أمام المحكمة الجنائية أثناء سير الدعوى المدنية بمراجعة تاريخ رفع الدعوى الجنائية نري أنها تم تحريكها يوم 17/1/1998م ودعوى التصفية الاختيارية كان في يوم 22/6/1999م أي بعد أكثر من سنه من سير الدعوى الجنائية
تنص المادة 25 من قانون الإثبات لسنة 1994م( تتقيد المحكمة في دعاوى المعاملات بالحكم الجنائي في الوقائع التي فصل فيها الحكم )
معني ذلك أنه إذا ترتب علي العمل الواحد مسئوليتان جنائية ومدنية - ففي هذه الحالة يوقف سير الدعوى المدنية وعلي المحكمة المدنية أن تأمر بوقف الدعوى حتى يبت في الدعوى الجنائيــة ومن ثم نري أن الدعوى الجنائية توقف الدعوى المدنية وليس العكس لذلك نص المشرع بأن تتقيد المحكمة في دعاوى المعاملات بالحكم الجنائي في الوقائع التي فصل فيها ذلك الحكم ويلاحظ أن الشارع حذف عبارة ( وكان فصله فيها ضرورياً ) التي كانت واردة في المادة المقابلة لها في قانون الإثبات لسنة 1983م الملغي وهي المادة 57 - ويترتب علي هذا الحذف أن المحكمة المدنية ملزمة في المعاملات بالتقيد بالحكم الجنائي في الوقائع التي فصل فيها ذلك الحكم سواء أكان ضرورياً للفصل في ذلك الحكم أم لم يكن
بناء علي ذلك إذا بتت المحكمة الجنائية في الدعوى بحكم حاز هذا الحكم قوة الأمر المقضي به - وتتقيد المحكمة المدنية عندئذ بما أثبتته المحكمة الجنائية في حكمها من وقائع دون أن تتقيد بالتكييف القانوني لهذه الوقائع فقد يختلف التكييف من الناحية المدنية عنه من الناحية الجنائية فليس من المقبول في النظام الاجتماعي أن توقع المحكمة الجنائية العقاب علي شخص من أجل جريمة وقعت منه ثم تأتي المحكمة المدنية فتقضي بأن الفعل المكون للجريمة لم يقع منه في حين أن الشارع قد أحاط الإجراءات أمام المحاكم الجنائية لتعلقها بأرواح الناس وحرياتهم وأعراضهم بضمانات أكفل بإظهار الحقيقة مما مقتضاه أن يكون الحكم الصادر بالإدانة أو البراءة محل ثقة الناس كافة بصورة مطلقة لا يصح معها بأي حال إعادة النظر في موضوعه
بناء علي ذلك ليس للأحكام الصادرة من المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجنائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلي فاعلها
وعلي هذا الأساس يتعين علي المحكمة المدنية أن تسلم بما قضي به الحكم الجنائي طبقاً لنص المادة (52) من قانون الإثبات تطبيقاً لقاعدة أن الدعوى الجنائية توقف الدعوى المدنية وهذا مشروط بأن تكون الدعوى الجنائية قد رفعت وأن تكون المسئولية قد نشأت في كل من الدعويين عن جريمة واحدة
هذا فيما يتعلق بتقيد المحكمة في دعاوى المعاملات بالحكم الجنائي وأن الدعوى المدنية لا توقف الدعوى الجنائية فكما قلنا أن الدعوى الجنائية المطروحة الآن سابقة علي دعوى التصفية وأن موضوع دعوى التصفية يختلف من موضوع الدعوى الجنائية ننتقل بعد ذلك إلي مناقشة المادة 164 من قانون الشركات ومدي ارتباطها بمفهوم الدعوى الجنائية وهل المقصود بكلمة قضية أو إجراء يشمل الدعوى الجنائية ؟
تنص المادة 162 من قانون الشركات : متي صدر أمر بتصفية الشركة فلا يجوز السير في أية قضية أو أي إجراء قانوني آخر أو البدء فيه ضد الشركة إلا بإذن من المحكمة وبالشروط التي تقررها
لا ينطبق هــذا إلا علـي الدائنين العاديين وأصحاب حقـــوق الامتياز العامــة إذ أن هؤلاء هم الدائنون الذين يكونون الشخص المعنوي الذي يقوم عنهم بالدعاوى والإجراءات - ينطبق هذا أيضاً علــي الدعاوى والإجراءات التي من شأنهـا أن تحقق مصلحـــة خاصــة للدائن الــذي يقــوم بهــا لأن التسابق والتنافس إنما يكــون في تحقيق المصالح الخاصـة
وعليه يمتنع علي الدائن رفع الدعاوى مطالباً بدينه فلا سبيل له إلاّ التقدم به في التفليسة لذلك نصت المادة (2) من قانون الكمبيالات والشيكات والسندات الاذنية سنة 1947م أن كلمة دعوى تشمل الدعوى الفرعية وطلب المقاصاة أما الدعوى الجنائية المتعلقة بنفس المفلس يجوز أقامتها منه أو عليه إذ أن جريمة إصدار شيك لا يقابله رصيد هي في طبيعتها جريمة نصب أي أن الغرض منها هو اغتيال مال الغير فالضرر الذي لحق المستفيد هو نتيجة مباشرة لفعل الساحب ويخول هذا الحق للمستفيد الذي لم يتمكن من قبض قيمة الشيك وله الحق في المطالبة بقيمة الشيك وذلك بالفرعية للدعوى الجنائية
أخيراً نناقش الفرق بين التصفية الاختيارية والتصفية الإجبارية علي سبيل المناقشة فقط
التصفيـة الاختيارية تنص عليهــا المادة 194 مــن قانون الشركات لسنة 1925م ( يجوز تصفية الشركة تصفية اختيارية في الأحوال الآتية :
(أ ) متي انتهت المدة المحددة - إن وجدت - للشركة في نظامها أو إذا وقع الحادث الذي ينص نظام الشركة علي حلها عند وقوعه وأصدرت الشركة في اجتماعها العام قراراً يقضي بتصفيتها تصفية اختيارية
(ب) إذا قررت الشركة بمقتضى قرار خاص أن تصفي تصفية اختيارية
(ج) إذا قررت الشركة بمقتضى قرار عادي أنها ( تستطيع الاستمرار في مباشرة أعمالها لسبب التزاماتها وأنه من المستحسن تصفيتها
من ذلك النص نري أن حل الشركة في هذه الحالة يعتبر فسخ لها وشأن الشركة في ذلك شأن كل عقد ينشئ التزامات متقابلة إذا لم ينفذ جانب ما عليه من التزامات كان للقاضي أن يفسخ العقد أي أن الشركة في هذه الحالة لم تكن في حالة إعسار أو إفلاس إنما التصفية لأمر يرجع للشركة
أما التصفية الاختيارية :
فقد نصت عليها المادة 155-156من قانون الشركات إذا عجزت الشركة من دفع ديونها ورأت المحكمة أن من العدالة والإنصاف تصفية الشركة
فالشركة تنقضي بهلاك مالها بأن يتلف أو يضيع أو تستنفده الخسائر دون أن يتفق الشركاء علي تعويض ما هلك منه بزيادة الحصص ودون أن تعوض الشركة من الهلاك
هذه التفرقة قد تعرضنا إليها لنوضح أن المتهمين قد تعمدوا إلي تصفية الشركة تحت زعم الاستفادة من نص المادة - 162 من قانون الشركات وقصدت أن الفرق بين هذين النوعين من التصفية لتوضيح غرض المتهمين من التصفية ولكن تصفية الشركة بجميع أنواعها لا تأثير لها علي الدعوى الجنائية إذ أن النتيجة المنطقية هي وجوب سيادة الدعوى الجنائية علي الدعوى المدنية إذ يجب أن تعلو مصلحة المجتمع علي الأفراد ولعل أبرز مظاهر سيادة الدعوى الجنائية علي الدعوى المدنية هي حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني وقاعدة وقف الدعوى المدنية لحين الفصل نهائياً في الدعوى الجنائية طبقاً لنص المادة (52) من قانون الإثبات لسنة 1993م
بناء علي ذلك سلامة حكم محكمة الاستئناف والموضوع ولا نري سبباً للتدخل
القاضي : يعقوب حمد عبد الرحمن
التاريـخ : 5/10 /1999م
أوافق الزميلة المحترمة د بدرية فيما ذهبت إليه وأضيف بأن نص المادة 162 لم يقصد منه المشرع بأي حال من الأحوال أن يسبغ حماية علي أي مجرم في أن ينال جزاءه ولا علي مغترف جرم مما يعد جريمة ومن أن يفلت من العقاب ذلك لأن المصلحة العامة والخاصة بحماية المجتمع ومصالحه الحيوية إنما هي أولي بالحماية والرعاية من المصالح الخاصة وبالتالي فإن وقف الإجراءات الجنائية قد رسم لها القانون طريقاً محدداً لا سبيل لتجارة وجعل أمر إيقاف الدعوى الجنائية مرتبطاً بالنائب العام وبشروط محددة ولطالما أن المشرع قد أجاز مساءلة الشخص المعنوي عن الأفعال التي من المتصور أن يغترفها شأنه شأن الشخص الطبيعي وذلك وفقاً لما جاء في نص المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية فإننا نقول بأنه لا سبيل لذلك الشخص المعنوي في أن يفلت من المساءلة وأن يهـرب من الاقتصاص منه مــن قبل المجتمع وذلك مــن فعل جــاء مــن صنعه فلو قلنا بذلك لفسدت الأرض ولعمت الفوضى ولأُكلت أموال الناس بالباطل ولكن من الواضح أن الحكمة من هذا التشريع إنما قصد منها حماية الدائن وأن يتم كل إجراء متعلق بالدعوى المدنية تحت إشراف المحكمة التي اسند لها أمر التصفية وذلك منعاً للدعوى الصورية والتي يهدف منها إلي إسباغ ميزة أو كسب حقــوق الأفــراد بضمهم والهدف من هذا النص إنما هو العمل علي الوقوف علي حجم الديون الثابتة والتي يمكن إثباتها وذلك حتى يمكن قسمة الأموال المتحصلة من الشركة بين الدائنين قسمة الغرماء أي قسمة عادلة بحيث لا يضيع لشخص ولا يكسب دائناً ميزة وأن ينفرد بالإجراءات وينال الأسبقية في الحصول علي حقه كاملاً غير منقوص بينما تضيع حقوق الآخرين
ومِنْ ثَمَّ أجدني متفقاً تماماً مع الزميلين المحترمين في صحة ما ذهبت إليه محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف في تأييدها لقرار محكمة الموضوع لأن الحديث بغير ذلك فيه إهدار لقيم اجتماعية عليا هدف المشرع لحمايتها أكثر من حماية المصالح الخاصة وفي رأينا وبعد أن تتم المحاكمة فإنه لا شيء يمنع من أن نخضع بضم الجزء من الحكم المتعلق بالتعويض بالنسبة لصاحب الحق لأي إجراءات تتعلق بالتصفية إذا رأت المحكمة أن ينفذ بالطريق المدني
القاضي : عباس خليفة محمد
التاريـخ : 9/10/ 1999م
أوافق

