حكومة السودان ضد عوض السيد آدم عبد الرحمن
المحكمة العليا
القضاة :
السيد/ حنفي إبراهيم احمد نائب رئيس القضاء رئيساً
السيد/ علي يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ أحمد جعفر حامد قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عوض السيد آدم عبد الرحمن
م ع/م ك/ 96/ 1987
المبادئ:
قانون جنائي – الاستفزاز الشديد المفاجئ – عبء إثباته يكفي وجود شك معقول – المادة 253 قانون العقوبات لسنة 1983م
قانون جنائي – الاستفزاز – بالقول أو الفعل – أثره فقد السيطرة على النفس قانون جنائي – الاستفزاز الشديد المفاجئ – العلاقة بين فعل المتهم والاستفزاز – عدم ضرورة التناسب
1/ جرى القضاء واستقر على أنه لا يتطلب من المتهم إثبات دفع الاستفزاز الشديد المفاجئ فوق مرحلة الشك المعقول بل يكفي إثبات أركانه بالترجيح أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الاعتقاد بصحة الترجيح
2/ أن الاستفزاز قد ينشأ من الكلمات كما ينشأ من الأفعال متى كان من شأنها أن يفقد الشخص القدرة على كبح جماح غضبه وتحمله على التهجم على مصدر الاستفزاز
3/ ليس من الضروري أن يتناسب رد الفعل من جانب المتهم مع الاستفزاز الشديد المفاجئ
الحكــــم
التاريخ : 20/3/1988م
القاضي / علي يوسف الولي :
عرضت لنا إجراءات محاكمة هذه القضية إعمالا لنص المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م لتأييد الحكم بالإعدام الذي أنزلته المحكمة الكبرى المنعقدة بأمدرمان الجديدة على المتهم عوض السيد آدم عبد الرحمن لقتله المرحوم احمد موسى محمد قتلاً عمداً مخالفاً بذلك المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م (جريمة القتل العمد)
نوجز الوقائع في أنه بتاريخ 15/4/1406هـ الموافق 27/12/1985م كان المتهم عوض السيد آدم عبد الرحمن والمرحوم احمد موسى محمد وآخرون يحتسون الخمر في منزل المدعو كمال من أبناء النوبة المجاور لسوق أبي خالد بأمدرمان ودار النقاش بين أولئك الندماء حول فن الزراعة وطبيعتها ثم خرج المتهم في حوالي الساعة السابعة مساء من المنزل ولحق به المرحوم وكان في طريقهما إلى سوق أبي خالد للعشاء وأثناء ذلك قال المرحوم للمتهم أنه أي المتهم لا يعرف شيئاً عن الزراعة واحتدم النقاش وعندما وصلا إلى تربيزة المدعو محمد فضل الله بريمة حيث تباع (الشية) قام المرحوم بإساءة المتهم بقوله (أنت لوطي) وضرب المرحوم المتهم (بونيه) على خده الأيمن وتدخل الحاضرون وحجزوهما وفصلوهما عن بعضهما البعض إلا أن المتهم أخذ سكين محمد فضل الله بريمة التي كانت تستعمل في قطع اللحمة وكانت موضوعة على تربيزة (الشية) وطعن بها المرحوم طعنة واحدة في جنبه الأمامي من القفص الصدري حتى أحدثت إصابة في قلبه وسببت له نزيفاً داخلياً حاداً كان السبب المباشر في وفاته في الحال
الأســـباب
أجدني أرى أن المتهم عوض السيد آدم عبد الرحمن قد ارتكب جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأنه استظل بظل دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ والمغير لوصف جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من ذات القانون والذي ينزل بها إلى جريمة القتل شبه العمد والوارد في المادة 249(1) من نفس القانون وذلك على ضوء البينة الشرعية في إقرار أو اعتراف المتهم القانوني الصحيح الصريح غير المرجوع فيه حتى هذه اللحظة وليس على ضوء البينة الشرعية في شهادة الشهود ذات النصاب الشرعي وفقاً لمقتضيات الشريعة الإسلامية السمحاء المستمد منها قانون العقوبات لسنة 1983م نصاً وروحاً
معلوم أن جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) لا تثبت إلا بعد توافر البينة الشرعية شأنها في ذلك الجريمة الحدية والبينة الشرعية تشمل الشهادة ذات النصاب الشرعي أي شهادة شاهدين اثنين على الأقل وذات عدالة أي صادرة من شاهدين عدلين ومباشرة أي ذات الأصالة والرؤيا والمشاهدة والمعاينة والبعيدة كل البعد والمجردة كل التجرد والخالية كل الخلو من شبهة تهمة المصلحة والمنفعة والخصومة والعداوة والقرابة وعدم الفهم والإدراك ونقصان العقل وضعفه ومن شبهة تهمة الضلال كما أن البينة الشرعية تشمل أيضا الإقرار الصحيح الصريح غير المرجوع فيه
ويلاحظ أن المشرع السوداني لم ينص على طرق إثبات الجرائم التي توجب عقوبة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) وفيما دون النفس ( جريمة الجرح العمد) كما نص صراحة على ذلك في حالة جرائم الحدود في المواد 77 و 78 و 79 من قانون الإثبات لسنة 1973م والمادة 316(2) من قانون العقوبات لسنة 1983م ولكن فقهاء الإسلام قد أجمعوا على أن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) وفقاً لنصوص الشريعة الإسلامية الغراء هو عدد شاهدين اثنين على الأقل فقد قال الفقيه العالم عبد القادر عوده في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي الجزء الثاني ص 315 – 316 ما يلي :
(يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان)
وذلك لأن القصاص إراقة دم ثم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء ومن يشترط الشاهدين فيما يوجب القصاص لا يفرق بين القصاص في النفس والقصاص فيما دون النفس ووجب في إثبات الجريمة الموجبة للقصاص مطلقاً شهادة رجلين عدلين
وقال أيضاً الفقيه عبد القادر عودة في نفس مرجعه المذكور الجزء الأول ص 82 –83 ما يلي :
" من حيث إثبات الجريمة : تشترط الشريعة إثبات جرائم الحدود والقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة وبقية جرائم الحدود والقصاص لا تثبت إلا بشهادة شاهدين على الأقل وقال الأستاذ عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه "نظام للعقوبات" 1385 هـ - 1965 على ص 112 مايلي :-
" لإثبات القتل لا بد من بينة البينة شاهدان اثنان وهذا يعني أن القتل يثبت بشاهدين فإن وجد شاهدان اثنان يثبت القتل وإلا فلا ولا خلاف في ذلك "
والحجة والسند والدليل على أن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" يجب أن يكون شاهدين على الأقل بنص الأحاديث الشريفة الواردة في تواتر السنة المطهرة فعن رافع بن خريج قال :
أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا فانطلق أولياؤه إلى النبي (ص) فذكروا ذلك له فقال :" لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم"
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن مخيصة الأصفر اصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال النبي (ص) : "أقم شاهدين على من قتله ادفعه إليكم برمته"
فإذا نقص نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس "جريمة القتل العمد" عن شاهدين اثنين أو كانت الشهادة غير مباشرة أي كانت (لوثاً) أي قرائن أحوال أو بينات ظرفية أنشأت ما يسمى – فقيهاً – بالإثبات بالقسامة أو ملابسات أحاطت بوقائع الحادث إذا لم يكن دليل في القضية إلا الشهادة أي ليس هناك إقرار قانوني صحيح صريح غير مرجوع فيه ووجد القاضي مع ذلك وبرغم ذلك في الشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي أو في تلك البينات الظرفية أو في تلك الشهادة غير المباشرة ما يقنع به القاضي ويكون عقيدته وما يركن إليه الضمير ويصدقه ويطمئن إليه الوجدان بإدانة المتهم بجريمة القتل فإن الجريمة الثابتة تكون هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م درئاً واسقاطاً للقصاص بسبب شبهة الإثبات وليست جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفي" تحت المادة 251 من ذات القانون وذلك تأسيساً على قيام شبهة انعدام ثبوت تلك الجريمة الأخيرة بشهادة الشهود وفقاً للنصاب المطلوب شرعاً وإذا كانت شبهة الإثبات في قضايا الحدود المتلفة فقط لأعضاء الجسم تدرأ الحد في حالة ثبوت الجريمة دون النصاب الشرعي للشهادة وتنزل بالجريمة الحدية إلى جريمة غير حدية فإنه من باب أولى أن شبهة الإثبات في قضايا القصاص في النفس وهي المتلفة للنفس والمهلكة والمنهية للحياة كلها أن تسقط القصاص في حالة ثبوت الجريمة دون النصاب الشرعي للشهادة ويتعين أن تنزل بجريمة القصاص في النفس " جريمة القتل العمد" إلى جريمة القتل شبه العمد ففي قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو وآخر نشرة الأحكام العدد الثاني 1986م ص 48 وجدت المحكمة العليا أن الجريمة التي ارتكبها المتهم الأول آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات 1983 وليست جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" تحت المادة 251 من ذات القانون وذلك لعدم توافر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة مما خلق شبهة عدم الإثبات بالشهادة مما أدى إلى سقوط ودرء القصاص وقال الأستاذ عبد الرحمن المالكي المحامي في مرجعه كتاب نظام العقوبات المشار إليه آنفاً ص 113 – 114 ما يلي :-
" وعلى ذلك فبينة القتل هي شاهدين إلا أن نص الرسول (ص) على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كان فيها شبهة والرسول (ص) قال :"ادرؤا الحدود بالشبهات:"
وقال الفقيه عبد القادر عوده في كتابه المشار إليه سابقاً التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 118 ما يلي:-
"وبهذه المناسبة يحسن أن يفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات في جريمة القتل فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهة قامت في فعل الجاني أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت لجريمة من جرائم الحدود ويعاقب الجاني بدلاً من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة في جرائم الحدود جميعاً على هذه الصور ولكن تطبيق القاعدة في جرائم القتل نادر مع إمكانه فهي تقريباً معطلة التطبيق وإن كانت في الواقع تطبق معنى لا صورة لأن القتل وهو فعل واحد قسم إلى أنواع مختلفة : عمد شبه عمد وخطأ فالشبهة في القتل تحول نوع القتل إلى ماهو أدنى منه وتدرأ الحد الأعلى بالحد الأدنى فكأن القاعدة تطبق معنى لا صورة "
فالشبهة التي يعرفها فقهاء الشريعة الإسلامية السمحاء بالثابت وليس بالثابت إذا كانت في الإثبات بالشهادة أو كانت في الإثبات بالإقرار وكانت تؤدي أحياناً إلى تبرئة المتهم من الجرائم ذات العقوبات المقدرة المحددة شرعاً كالقصاص والحدود إلا أنها تؤدي في كثير من الأحوال إلى ثبوت جرائم غير حدية وجرائم غير القصاص فقد جاء في كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر 1374 أ – 1955 ص 34 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :-
فإذا لم توجد الأدلة اللازمة لإثبات الجريمة وإقامة الحد على المتهم أو وجدت ولكنها لم تستجمع الشرائط الواجب توافرها لتكون منتجة في إثبات الجرائم ذات العقوبات المقدرة ووجد القاضي مع ذلك في القضية المعروضة عليه من الأدلة ما يقتنع به ويكون عقيدته بالإدانة فإنه يحكم بناء على هذه الأدلة التي اقتنع بها بالعقوبة التعزيرية المناسبة فالأمر خاضع لتقرير القاضي في هذا المجال فإن درء الحد للشبهة قد لا يؤدي إلى البراءة بل إلى الحكم بعقوبة تعزيرية لأن الشبهة وإن كانت في مجال الحدود والقصاص تأخذ حكم الحقيقة وتمنع من إقامة العقوبة المقدرة على المتهم إلا أنها قد لا تؤدي إلى منع العقوبات الأخرى إذا لم تمنع وصف الجريمة عن الفعل المرتكب
وقد ورد في نفس المرجع المذكور وفي نفس الصفحة ما يلي :-
"أما الحالات التي لا تؤدي فيها الشبهة في الإثبات إلى البراءة فمثالها أن يكون دليل الإثبات هو الإقرار وعدل عنه المتهم بعد أن اعترف فإن العقوبة المقدرة لا تطبق عليه للشبهة في الإثبات ولكن يجوز تعزيره بعقوبة أو عقوبات أخرى مناسبة إن الإقرار مع العدل يبقى دليلا يرجح فيه الصدق فيصلح دليلا لاقامة العقوبة على المتهم لان الانسان لا يتهم نفسه في العادة بجريمة يرتكبها
وجاء ايضا في نفس المرجع المذكور على ص 32 –33 ما يلي :-
"وإذا ترتب على قيام الشبهة درء العقوبة المقدرة على المتهم فإن الامر بعد ذلك لا يعدو احد حالتين :
فإما ان يترتب على درء العقوبة المقدرة تبرئة المتهم مما اسند اليه وهنا لا تستبدل عقوبة اخرى بالعقوبة أو العقوبات التي درئت بالشبهة وإما أن يؤدى ذلك إلى تطبيق عقوبة أخرى غير العقوبة المقدرة إذا لم يكن من شأن الشبهة التي ثارت ان تزيل عن الفعل المرتكب وصف الجريمة وفي هذه الحالة لا يستطيع القاضي أن يقضي بالبراءة بل عليه أن يقضي بعقوبة أو عقوبات أخرى تناسب الحالة المعروضة عليه وهذه العقوبات الأخيرة هي ما يسمى بالتعزيرات ويترتب على وجود الشبهة في الإثبات بالنسبة للجرائم ذات العقوبات المحددة أن تندرئ هذه العقوبات ولكن قد يكون من نتيجة ذلك تبرئة المتهم كلية وقد يكون من نتيجته ان تنتقل الحال من العقوبات المقدرة إلى نطاق العقوبات غير المقدرة وهي التعزيرات
وقال العالم عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص ص214 ما يلي :
تختلف النتائج التي تترتب على الأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات ففي بعض الأحيان يؤدى تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد وتبرئة المتهم من الجريمة المنسوبة إليه وفي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلى درء عقوبة الحد واحلال عقوبة تعزيرية محلها
وإذا قيل أن القصاص حق من حقوق الآدميين ومن ثم لا يسقط بالشبهة في الإثبات لأن الشبهة تسقط وتدرأ فقط حقوق الله تعالى وهي الحدود فإن الرد كما قال أحد الفقهاء – بأن ما من حق لآدمي إلا لله فيه حق إذ من حق الله على كل مكلف ترك أذاه لغيره فيكون القصاص حق من حقوق الله كالحدود سواء بسواء وان كان حق العبد غالبا فيه واذا كانت الحدود هي العقوبات التي قدرها وحددها مقدماً الشارع الإسلامي فإنها تشمل القصاص لأن القصاص قدره وحدده الشارع الإسلامي أيضاً مقدماً فقد جاء في كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية المشار إليه سابقا ص 57 – 58 ما يلي :
"ويمكن أن تسمى عقوبة القصاص حدا لأن هذه العقوبة حددها الشارع مقدما وكلمة الحد لها معنى واسع فمحارم الله تعالى تسمى بالحدود لقوله تعالى :" تلك حدود الله فلا تقربوها" وما حدده الشارع وقدره كالمواريث وتزويج الأربع تسمى بالحدود لقوله تعالى "تلك حدود الله فلا تعتدوها" وكل ما قدره الشارع يعتبر حداً
أما تسمية عقوبات بعينها حدوداً دون ان يدخل فيها القصاص فهو عرف واصطلاح جرى عليه الفقهاء وإلا فإن القصاص كالحدود مقدر ويمنع من ارتكاب الجرائم أما أنه من حق الأفراد وأن ذلك يعطيه اسماً خاصة متميزاً عن الحدود فهذا غير مسلم به إذ لا صلة ولا مناسبة بين تسمية العقوبة بالحد وكونها حقا لله أو الفرد وكل ما يمكن بسببه تسمية الحد حداً يوجد القصاص الذي هو محدد من الشارع ويمنع من الجرائم كالحد سواء بسواء
وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 207 ما يلي :-
" القاعدة العامة في الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات والحدود هي العقوبات المقدرة ويدخل تحت الحدود العقوبات المقدرة لجرائم الحدود والعقوبات المقررة لجرائم القصاص
وفي نفس المرجع الجزء الثاني ص 21 جا ء ما يلي :
" يعتبر القتل قصاصاً حداً من حدود الله ولكنه حد مقدر حقاً للأفراد وليس حقاً مقدراً لله أي الجماعة ومن ثم فرقنا بينه وبين جرائم الحدود المقدرة حقاً لله"
ولم يدان كل من وجهت له تهمة ارتكاب جريمة القتل العمد " جريمة القصاص في النفس" بجريمة القتل شبه العمد ولو أخلى سبيله فقط تأسيساً على أن جريمة القتل العمد لم تثبت بالشهادة الشرعية أي لأن نصاب شهادة الشهود لم يكتمل وفقاً لمقتضيات الشريعة الإسلامية الغراء لإثبات جريمة القتل العمد إن لم يكن دليل في القضية إلا الشهادة أي ليس هنالك إقرار قانوني صحيح صريح غير مرجوع فيه – لفلت ذلك المجرم من العقاب ومن يد العدالة ومن ثم لاجهضت ولا هدرت وانهارت قواعد العدل والانصاف وإذا كانت الشريعة الإسلامية السمحاء لا تشترط لإثبات جريمة القتل شبه العمد أي نصاب معين من الشهود كما هو الحال في حالة جريمة القصاص في النفس إذا لم يكن في القضية دليل شرعي آخر إلا الشهادة فإن ذلك من شأنه أن يبرر الإدانة بجريمة القتل شبه العمد بالشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي لإثبات جريمة القتل العمد
إن الشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي في جريمة القتل يحوطها -بطبيعتها- الشك المعقول من كل جانب – ذلك الشك الذي ينبغي أن يفسر لصالح المتهم وفقاً للقاعدة الذهبية الضاربة في جذور قانون الإثبات الجنائي ومن ثم لا بد أن يدان المتهم بناء على تلك الشهادة الناقصة التي يطمئن لها وجدان المحكمة ويصدقها ويركن لها الضمير بجريمة القتل شبه العمد الجريمة الأقل والاخف والأدنى درجة وذلك على سبيل براءة الذمة والتحوط والتثبت لأن التحوط واجب والتثبت ضروري قبل الإدانة بجريمة خطيرة ومتلفة للنفس ومنهية للحياة كجريمة القتل العمد فالمحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله أحمد عبد الله مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 492 قضت بأنه في كل الحالات التي يصعب فيها تحديد ما إذا كانت الجريمة التي ارتكبها المتهم قتلاً عمداً أو قتلاً جنائياً "قتل شبه العمد فإنه يجب ما إذا كانت الجريمة التي ارتكبها المتهم قتلاً عمداً أو قتلاً جنائياً " قتل شبه العمد فإنه يجب إدانة المتهم بالجريمة الأقل والأخف اعمالاً لقاعدة تفسير الشك في صالح المتهم وذلك قبل تطبيق نظام الشريعة الإسلامية السمحاء بكثير
إن ضرورة إثبات جريمة القصاص في النفس " جريمة القتل العمد " بشهادة شاهدين اثنين عدلين على الأقل – إن لم يكن في القضية دليل إلا شهادة الشهود – ضرورة اقتضتها فلسفة طرق الإثبات في الشريعة الإسلامية السمحاء كما اقتضاها مبدأ العدالة والانصاف الذي قررته وارسته الشريعة الإسلامية الغراء التي من أهدافها الأساسية بسط العدل بين كافة الناس- ذلك المبدأ الذي يقضي إلزام القاضي بدرء واسقاط الحدود بالشبهات والذي يقضي بأن ينال المتهم محاكمة عادلة ومنصفة حتى لا يؤخذ بالشبهات ولا يقضي عليه بالظنون وحتى لا يدان إلا بعد ثبوت الجريمة ضده بدليل قاطع بعد تخطي مرحلة كل شك معقول أو غير معقول خصوصاً في حالة محاكمة جرائم القصاص والحدود المهلكة للنفس والمتلفة لأعضاء الجسم حيث يتوجب على القاضي التيقن والتثبت والاستيثاق في الأحكام والتأكد من سلامتها وفق المعايير الشرعية – ذلك المبدأ الذي يقضي بأن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 217 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي :-
"من المبادئ العامة المقررة في الشريعة أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة واصل هذا المبدأ قول الرسول عليه السلام :" الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" ومعنى هذا المبدأ أنه لا يصلح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب الجريمة فإذا ثمة شلك في أن الجاني ارتكب الجريمة أو في انطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للجاني وجب العفو على الجاني"
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله (ص) " ادرأوا الحدود بالشبهات ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم"
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي (ص) قال : "ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من يخطئ في العقوبة"
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله (ص) "ادرأو الحدود بالشبهات"
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه السلام قال :"ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً"
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :
"لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات"
وقال على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه :" إذا وقع في الحد عسى ولعل فقد بطل"
وروي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا :" إذا اشتبه عليه الحد فادرأه"
ففي هذه القضية التي بين أيدينا نجد شاهد الاتهام الأول والمتحري ملازم أول عصام الدين عبد الرحمن قام بالتحريات ولم يعاين الحادث وشاهد الاتهام الثاني رمضان عبد الرحمن مرسال يؤكد في إفادته بأنه لم يشاهد المتهم عندما طعن المرحوم فشهادة هذين غير جديرة بإثبات واقعة أن المتهم طعن المرحوم لأنها شهادة غير مباشرة تفتقر إلى عنصر الأصالة والرؤيا والمشاهدة والمعاينة وإما شهادة المتحري فقد رفضتها المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية – ابريل – مايو – يونيو 1984م ص 36 في قولها :
"المتحري ليس بشاهد أصلاً لأنه حكي للمحكمة إجراءات الشكوى والبلاغ وما قام به وأنه لم يشاهد ولم يعاين الحادثة وينبغي استبعاده
إذا كانت المادة 27 من قانون الإثبات تعرف البينة بأنها هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء ومواجهة الخصوم فإن ذلك النص يقضي بوضوح وصراحة وجلاء بضرورة أن تكون شهادة الشاهد مباشرة خصوصاً لإثبات مثل هذه الجريمة الخطيرة المتلفة للنفس والمهلكة والمنهية للحياة والرسول (ص) يقول لشاهد مؤكداً أن الشهادة لا بد أن تكون مباشرة وبالعين "وإذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع"
ونجد المنشور الجنائي رقم 97/83 ينص فيما ينص على أنه لا بد أن يكون الشاهد قد عاين المشهود به"
ولكن شاهد العيان الوحيد في هذه القضية هو الهادي عبد الله محمد فقد رأى راي العين ان المتهم طعن المرحوم بسكين في صدره ولكنها شهادة "يتيمة" وناقصة عن النصاب الشرعي المطلوب شرعا لإثبات جريمة القتل العمد على نحو ما سلف بيانه ولولا وجود إقرار او اعتراف المتهم القانوني الصحيح الصريح غير المرجوع فيه على نحو ما سوف أبين أدناه لاختلف موقف هذه القضية ولربما اسقطت شبهة الاثبات بالشهادة القصاص ولادين المتهم بناء على تلك الشهادة الناقصة بجريمة القتل شبه العمد على نحو ما قد أسلفت بيانه
جاء في إقرار أو اعتراف المتهم لقاضي الجنايات على يومية التحري صفحة (10) بتاريخ 4/1/1986م
" وقبل أن نصل السوق المرحوم تناقش معاي وقال لي إ نت بتعرف عن الزراعة شنو اشتد النقاش وانا مشيت خليته ووصلت جوار السوق ووقفت جوار تربيزة وجاء المرحوم حصلني وبدون سبب ضربني بونيه على خشمي وتدخل بعض الناس وحجزونا "
وفي محل الشاي كان المدعو فضل الله واقف وكان عنده سكين يقطع بيها في شية وفضل الله أداني السكين وقال لي اطعن بيها الزول ده وأنا شلت السكين وطعنت بها المرحوم أنا طعنت المرحوم طعنة واحدة فقط بالسكين أنا طعنت المرحوم من الأمام لكن لا أعرف على وجه التحديد الموضع في جسمه الذي طعنته فيه السكين التي طعنت بها المرحوم اداني ليها المدعو فضل الله المرحوم ضربني بونيه وشتمني ولا أستحضر العبارة التي رددها عندما شتمني أنا طعنت المرحوم عشان ضربني بونيه
وسبق المتهم بتاريخ 2/1/1986م أفاد المتحري بما أثبته التحري بالآتي :-
" وعند مكان العشاء المرحوم حصلني وضربني في خدي اليمين وأنا طوالي شلت السكين من محمد فضل الله وطعنته في جسمه أنا طلعت من بيت الشراب ومشيت محل العشاء عندما وصلت مكان العشاء حضر المرحوم قال لي أنت لوطي وضربني بونيه وأنا طوالي شلت السكين من محمد فضل الله قال لي اطعن المرحوم وأنا طعنته طوالي السكين خاصة بتقطيع اللحمة السكين كان موضوعة في التربيزة السكين مداها لي محمد فضل الله
بتاريخ 23/8/1978م في يوم المحاكمة أمام محكمة الكبرى قال المتهم : " كنت قاعد في بيت واحد اسمه كمال بشرب مريسة وبجواري قاعدين خمسة انفار وكانوا قاعدين بتكلموا في موضوع الزراعة ومن الجماعة الخمسة ديل في ثلاثة قاموا طلعوا وأنا قمت طلعت من بيت الشراب وراء الجماعة ديل طوالي لقيت الأشخاص الثلاثة ديل كانوا واقفين في الشارع وطوالي بدون يتناقشوا معاي طوالي سبوني يا لوطي ونبذوني الثلاثة أشخاص وبعد شويه جاء أحمد الجمل وأحمد ماجوك حصلوهم وواحد فهيم طوالي راح ضربني بونيه وده المرحوم نفسه وأنا مشيت منهم وحصلوني في الشارع ورموني في الأرض الخمسة وأنا قمت ومشيت طوالي لحدى ما وصلت تربيزة محمد فضل الله وكلمت محمد فضل الله قلت ليه ضربوني 5 انفار وقال لي عندك حاجة تدافع بها وقلت ليه ما عندي وبعد شوية الخمسة أنفار ديل تاني جوني بجوار التربيزة وأنا شلت السكين من التربيزة بتاعت محمد فضل الله ولما الجماعة ديل حاولوا يضربوني وفي واحد فيهم شايل عكاز وكنت عاوز اصرف العكاز بالسكين والسكين ضربت المرحوم في وجهه ما اقدر احددها وبعد داك انا مشيت طوالي بالسكين ما ضربت المرحوم أنا ما متأكد من الزول الكان شايل عكاز وما عارف إذا كان المرحوم أو لا
ويلاحظ أن المتهم المذكور في كل مراحل اعترافه يقر بأنه دخل في مشاجرة مع المرحوم وأقر بأنه طعنه لدى قاضي الجنايات ولدى المتحري بالسكين إلا أنه نكل عن هذه الجزئية من اعترافه لدى المحكمة الكبرى عندما أفاد بأن السكين هي التي طعنت المرحوم بعد أن (صرف) بها العكاز الذي اراد المرحوم أن يضربه به أن هذا العدول عن جزئية من جزئيات إقرار المتهم لدى قاضي الجنايات ينبغي ألا يقدح في أن ذلك الإقرار صحيح وصريح وقانوني لأنه بعد العدول بات اقراراً جزئياً اقتنرت به وقائع تتعلق بظروف الجريمة التي يرى المتهم أنها حتماً تستلزم عدم وقوع الجريمة وكان لا بد أن نفرق بين العدول عن الإقرار أو الاعتراف كله والذي يؤدي إلى الشبهة في الإثبات التي تدرأ وتسقط القصاص وبين العدول عن جزئية من جزئيات الإقرار أو الاعتراف والذي لا أثر له على فعالية وقيمة ووزن الإقرار أو الاعتراف لا يؤدى إلى شبهة في الإثبات ففي حالة جريمة القتل من أقر أو اعترف بأنه دخل في مشاجرة مع المرحوم وقتله ثم رجع عن إقراره في مرحلة لاحقة وانكر دخوله في المشاجرة مع المرحوم وانكر قتله أو انكر تواجده في مسرح الجريمة كلية فإن ذلك عدول تام عن الإقرار ويشكل شبهة تؤدي إلى سقوط القصاص إذا لم يكن دليل في القضية إلا الإقرار أي ليس هنالك شهادة ذات نصاب شرعي ولكن من أقر بأنه دخل في مشاجرة مع المرحوم وقتله ثم رجع عن جزئية من جزئيات ذلك الإقرار بأن أثار بعض الوقائع المتعلقة بظروف الجريمة التي يرى أنها حتماً تستلزم عدم وقوعها بأن مثلاً كما هو الحال في هذه القضية التي بين أيدينا – أفاد بأن الآلة هي التي طعنت المرحوم فإن رجوعه لا أثرله ولا شبهة بالإثبات فيه والأمثلة للاعتراف الجزئي كثيرة لا يسعنا المجال هنا لردها كلها ولكن نسوق على سبيل المثال حالة من أقر بدخوله في المشاجرة مع المرحوم وقتله ثم في مرحلة لاحقة أبقى على اقراره بالدخول في المشاجرة والمعركة إلا أنه دفع بأن المرحوم قتله أحد الشهود الذين باشروا الحادث أو ارتطم المرحوم بالأرض أو على حجر بعد أن سقط من مكان عال أو حالة من يدفع بالقتل الخطأ أو عن طريق الصدفة تحت المادة 250 عقوبات أو حالة من يدفع بأن المرحوم سقط على الآلة التي تستعمل في القتال بينه وبين المرحوم أو أن الآلة هي التي سقطت عليه أو طعنته من تلقاء نفسها أو حالة المتهم الذي يقر بارتكاب جريمة القتل إلا أنه يدفع بأنه استظل بظل أحد أسباب الاباحة التي تعفيه نهائياً عن المسألة الجنائية كالجنون وعدم بلوغ الحلم وحق الدفاع الشرعي وغيرها أو حالة من يقر بارتكاب جريمة القتل إلا أنه يدفع بأنه استفاد من الدفوع الستة والتي تنزل بها إلى جريمة القتل شبه العمد والواردة في الاستثناءات بالمادة 249 عقوبات وهذا الإقرار الجزئي يخضع للقاعدة العامة بالنسبة لقبول الإقرار أو الاعتراف كبينة باستثناء أنها المعروفة ففي قضية حكومة السودان ضد دود دينج كوال – مجلة الأحكام القضائية 1979 ص 112 – قضت المحكمة العليا بأن تجزئة الإقرار تصح إذا انصب الاقرار على ارتكاب الجريمة ثم اقترنت به وقائع تتعلق بظروف الجريمة
إن القاعدة العامة بالنسبة لقبول الإقرار أو الاعتراف كبينة هي ضرورة الركون والارتكاز اليه ككل دون تجزئة لأنه لا يجوز – عدالة وانصافا- أخذ ما هو ضد المتهم وترك وطرح ما هو في صالحه في الإقرار ولكن جرى وتواتر واستقر وانتهى القضاء إلى استثناءات معينة لهذه القاعدة العامة :-
فمحكمة الموضوع أن ترفض وتطرح أي جزء من الإقرار أو الاعتراف يجافي العقل وينافي المنطق السليم والمجري الطبيعي للأمور العادية ومنطق الأشياء وقرائن الأحوال والظروف والملابسات المحيطة بالوقائع ففي قضية حكومة السودان ضد دود المشار اليها آنفاً قضت المحكمة العليا بأنه يجب أن يقبل اعتراف المتهم عما حدث في مسرح الحادث في الحالة التي لم يكن فيها شخص سواه والمجني عليه باعتبار أنه صحيح متى كان غير مناف للعقل والمنطق والمجري العادي للأمور وفي قضية حكومة السودان ضد مصطفى عبد الله موسى – مجلة الأحكام القضائية 1976 ص 620 قضت المحكمة العليا بأنه لمحكمة الموضوع قبول الإعتراف أو قبول ذلك الجزء منه الذي يتفق مع الأدلة الأخرى ومجريات الأمرو الطبيعية والمنطق السليم وفي قضية حكومة السودن ضد حسين عبد الرحمن سليمان مجلة الأحكام القضائية ص 755 قضت المحكمة العليا بأن القاعدة العامة هي أخذ أقوال المتهم ككل دون تجزئة إذا لا يصح أخذ ماهو ضده وترك ما هو في صالحه طالما كانت لا تتعارض وطبائع الأشياء وفي قضية حكومة السودان ضد عباس محمد سلام مجلة الأحكام القضائية 1973م ص 255 قضت المحكمة العليا بأن المحكمة لا تأخذ بأقوال المتهم متى كانت مخالفة لثابت في الأدلة أو مخالفة للمنطق والعقل
ففي القضية التي بين أيدينا نكول المتهم عن إقراره لقاضي الجنايات بأنه هو الذي طعن المرحوم بالسكين ودفعه بأن السكين هي التي طعنته بعد أن صرف بها عكاز المرحوم الذي أراد أن يضربه به – لا يقبله منطق و يجافي المجرى الطبيعي للأمور العادية لان الطعنة النجلاء الغائرة التي أصابت قلب المرحوم بالسكين لا يمكن أن يستقيم عقلاً أن تحدث بمجرد سقوط السكين بصورة عفوية على جسم المرحوم فالمنطق لا ينطق والعقل لا يقبل بذلك التعليل الواهي وقول المتهم بأن المدعو محمد فضل الله هو الذي أعطاه السكين وأمره بأن يطعن المرحوم غير مقبول لأنه قول غير معقول إذ لا توجد عداوة أو خلاف سابق بين المرحومم والمدعو محمد فضل الله منذ أن تحركا من المنزل الذي كان الجميع يحتسون فيه المريسة بل أن ما يتفق مع قرائن الأحوال والظروف والملابسات أن المتهم أخذ السكين من التربيزة – كما أفاد للمحكمة الكبرى – حيث كانت تقطع بها (الشية) في تلك اللحظات
ولمحكمة الموضوع أن ترفض ذلك الجزء من الاعتراف الذي لا يطابق الحقيقة لوجود بينات أخرى تناهضه وتدحضه ولأنه متضارب ومتناقص وغير متسق مع بعضه البعض في جميع مراحل إجراءات القضية ولأنه يشكل ادعاءات وافتراءات كاذبة وباطلة لا تقوم على أساس ولأنه تلفيق حشره المتهم حشراً ليبرر به افعاله الاجرامية ففي قضية حكومة السودان ضد متشاور احمد النيل وآخرين (مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 311) قضت المحكمة العليا بأن القاعدة العامة في قبول الاعتراف هي أخذه ككل دون تجزئة ولكن عند تقييم الاعتراف ينظر فيما إذا كان هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الاعتراف فإذا وجدت مثل هذه البينة يجب إلغاء ذلك الجزء من الاعتراف (وفي قضية حكومة السودان ضد ختم محمد حسن مجلة الأحكام القضائية 1973م ص 403) قالت المحكمة العليا ما يلي :-
"ليس هنالك شاهد عيان حضر ما حدث بين المتهم والمتوفي وفي هذه الحالة يعول على اعتراف المتهم نفسه والقاعدة العامة هي اخذ اعتراف المتهم ككل دون تجزئة أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه وأما إذا كانت هنالك بينات أخرى تناهض أي جزء من الاعتراف يجب إلغاء ذلك الجزء على أنه غير جدير بالاعتبار للبعد عن الحقيقة ومجافاته للواقع"
وفي قضيتي حكومة السودان ضد حيدر عبد الرازق على مجلة الأحكام القضائية لسنة 1978 ص 379 وحكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها سابقاً قضت المحكمة العليا بأنه تواتر قضاء المحكمة العليا بأن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المتهم بنصه وظاهره بل لها عند تكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ منه ما تراه مطابقاً للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها وفي قضية حكومة السودان ضد الطيب موسى بادي مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م ص 316 قالت المحكمة العليا ما يلي :-
"إن قبول الاعتراف بشكل عام لا يعني بالضرورة تصديق كل جزئيات والمحكمة بعد قبول الاعتراف لها سلطة تقديرية مطلقة في اعطاء كل الوزن والأهمية لبعض الأجزاء وعدم إعطاء أي وزن أو الالتفات للأجزاء التي تشير الدلائل إلى أن المتهم حشرها حشراً لتبرير أفعاله"
ففي القضية التي أمامنا أن رواية المتهم بأن خمسة أشخاص بمن فيهم المرحوم لحقوا به في طريقه من المنزل الذي كانوا يحتسون فيه الخمر ورموه على الأرض وسبوه واساءوا له بقولهم (يا لوطي) رواية مرفوضة لأنها لا تطابق الحقيقة وحشرها المتهم حشرا في افادته امام المحكمة الكبرى بعد مضي اكثر من عام ونصف على تاريخ وقوع الحادث وذلك ليبرر بها أفعاله فلم يقل بتلك الرواية لا لدى قاضي الجنايات ولا لدى المتحري مما يدل على انها تلفيق وافتراء نصدق المتهم في روايته بأن المرحوم لحق به عند تربيزة المدعو فضل الله في سوق أبي خالد وبادره بالسب بقول (انت لوطي) وضربه بونيه على خده الأيمن أمام ذلك الجمع من زبائن تربيزة محمد فضل الله للعشاء فلم يقدم الاتهام من الادلة ما ينفي ذلك كما أن شاهد العيان الوحيد الهادي عبد الله محمد إذا لم يؤكد ذلك فإنه قد لا يسمع ولا يرى ما دار بين المرحوم والمتهم بسبب زحمة الزبائن امام تربيزة محمد فضل الله الذي كان يبيع عليها ذلك الشاهد (الشية) للعشاء وقد لا يعتبر لذلك انتباها بقدر ما أنه كان مشغولاً في البيع والشراء فالذي يتفق مع الواقع والحقيقة أن المرحوم سب المتهم بقوله (انت لوطي) ثم ضربه بونيه امام الناس على خده سبب النقاش الحاد الذي وقع بينهما قبيل وصولهما إلى سوق أبي خالد بخصوص الزراعة وفن الزراعة
بقى أن أناقش الأركان الثلاثة التي تنهض عليها جريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م وذلك على ضوء إقرار أو اعتراف المتهم المذكور بعد تمحيصه وتنقيحه على النحو الذي سلف بيانه
فواقعة طعن للمرحوم بالسكين التي اختطفها من تربيزة المدعو محمد فضل الله في سوق أبي خالد ثابتة من إقرار أو اعتراف المتهم
ورابطة السببية بين واقعة الطعن وواقعة وفاة المرحوم متينة وليس فيها خلاف من خلال التقرير الطبي وحالة المرحوم الصحية السليمة قبيل الطعن
وقصد المتهم الجنائي نستخلصه من السكين التي بطبيعتها آلة قاتلة خصوصاً تلك التي كانت تقطع بها "الشية" لا بد أن تكون حادة كما نستشفه من المكان في جسم المرحوم الذي أصابه المتهم وهو الصدر حيث يرقد القلب الذي ادماه المتهم بتلك الطعنة النجلاء الغائرة كما نستقيه من الأثر البعيد والعميق الذي تركته تلك الإصابة في قلب المرحوم حيث أدمته وسببت نزيفاً حاداً استحكم واستمر حتى أردى القتيل قتيلاً في الحال ومثل هذه الإصابة الخطيرة بمثل تلك الآلة القاتلة في صدر المرحوم وهو أكثر أجزاء الجسم حيوية وحساسية لا تدع مجالاً للشك في أن المتهم لا بد قد كان يعلم أنه بتلك الإصابة سوف يتسبب في وفاة المرحوم كأمر مرجح وليس مجرد محتمل أن الرجل المعقول العادي الرشيد لا بد أن يصاب بدهشة بالغة وباستغراب شديد وبذهول عميق إذا قيل له أن تلك الإصابة النجلاء الغائرة في قلب المرحوم في ذلك الموضع الحيوي والحساس والمقتل من جسم المرحوم وبذلك السلاح القاتل وبتلك القوة والعنف والقوة لم تؤد إلى وفاة المرحوم
عليه لتوافر أركان جريمة القتل العمد فإن إدانة المتهم المذكور بصفة مبدئية تحت المادة 251 من قانون العقوبات 1983م جاءت في محلها ولا غبار عليها
بقي أن أناقش من أسباب الإباحة التي تعفي المدان عوض السيد آدم عبد الرحمن نهائياً عن المساءلة الجنائية ما هو مناسب في ظروف هذه القضية
فالمدان المذكور ليس حدثاً عندما ارتكب هذه الجريمة فقد كان عمره يفوق 18 عاما سن بلوغ الحلم التي حددها المنشور الجنائي 306/84 ومن ثم المدان لا يستفيد من سبب الاباحة الوارد في المادة 49 من قانون العقوبات لسنة 1983م
أيضاً المدان المذكور لم يعد مجنونا عندما ارتكب الحادث لانه لم يدفع بذلك ولم يتبين للمحكمة من خلال البينات والظروف والملابسات التي احاطت بوقائع الحادث ومن ثم فانه لا يستفيد من سبب الاباحة الواردة في المادة 50 من قانون العقوبات لسنة 1983م
أيضاً أن المدان ليس في حالة دفاع عن نفسه أو عن غيره أو عن مسألة أو عن مال عندما قتل المرحوم لافتقار عنصر هام من عناصر انطباق ذلك الحق وهو الخشية التي تقوم على أسباب معقولة بان المرحوم سوف يسبب له الموت أو على الأقل الأذى الجسيم من جراء اعتدائه عليه فالمدان المذكور يحدثنا في اقراره بأن المرحوم صفعة بونية على خده الأيمن ولكن حجزهما وفصلهما الحاضرون وكل منهما ذهب في شانه ولذلك فليس هنالك ما يجعل المدان يخشى أن يسبب له المرحوم الموت أو الأذى الجسيم فقد زال عنه الخطر ولا حاجة به أن يخطف السكين من تربيزة المدعو محمد فضل الله ليسدد بها تلك الطعنة القاتلة في قلب المرحوم ومن ثم فان المدان لا يستفيد من سبب الاباحة الوارد في المادة 55 من قانون العقوبات لسنة 1983م بعد ذلك انتقل إلى مناقشة دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ والمخفف والمغير لوصف جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م والذي ينزل بها إلى جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من ذات القانون الوارد في الاستثناء الأول من المادة 249 من نفس القانون وذلك باعتبار أن شروط انطباقه ثابتة في ظروف وملابسات وعلى ضوء بينات القضية التي أبدينا وقائعها
أنه – كما جرى وتواتر واستقر القضاء- لا يتطلب من المتهم إثبات دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ فوق مرحلة الشك المعقول بل يكفي إثبات أركانه بالترجيح أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الاعتماد بثبوت تلك الأركان ففي قضية حكومة السودان وول نوك أدوير مجلة الأحكام القضائية 1983م ص 273 قضت المحكمة العليا بأنه ليس على المتهم اثبات دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ وراء مرحلة الشك المعقول بل يكفي أن تنشأ الظروف والملابسات والقرائن التي ترجح صحة روايته وبما أن دفع الاستفزاز الشديد والمفاجئ هو أحد الدفوع الواردة في الاستثناء بالمادة 249 من قانون العقوبات – فإنه لا يلزم على المتهم – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد الجاك فرج الله مجلة الاحكام القضائية لسنة 1978 ص 350 اثباته فوق مرحلة الشك المعقول إنما يكفي طرح أدلة يمكن أن يستخلص منها استخلاصاً سائغاً عناصره وأن الإثبات المطلوب من المتهم لهذا الدفع كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد دود دينج كوال المشار إليها سابقا – بوصفه أحد الدفوع الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات هو أن يبرر قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباته فوق مرحلة الشك المعقول
والأركان التي ينهض عليها هذا الدفع والثابتة في هذه القضية التي بين أيدينا هي :-
1/ صدور فعل أو قول استفزازي من المرحوم للمتهم ؟
فقد صدقنا المدان المذكور في روايته بأن المرحوم بادره بقوله (انت لوطي) ولا شك أن ذلك القول يقود للطعن الجارح في صميم كرامة المدان وفي رجولته ونخوته وفحولته كرجل إذا أن اللفظ يعني أن المدان يأتوه مرضاء الشذوذ الجنسي شهوة دون النساء ومن ثم فقد كان اللفظ استفزازياً بأن هز مشاعر المدان وافقده اعصابه وصوابه واخرجه عن أطواره ومعلوم أن الاستفزاز ينبني على الكلمات كما ينبني على الأفعال سواء بسواء لأنه – كما قضت المحكمة العليا في قضية وول نوك ادوير المشار إليها سابقا- بأنه هو أي فعل غير مشروع أو أية اهانة يكون من شأنها أن تفقد الشخص القدرة على كبح جماح غضبه وتحمله على التهجم على مصدر الاستفزاز أما الفعل الاستفزازي الذي قام به المرحوم تجاه المدان هو عندما صدقناه بأن المرحوم صفعه بالبونية على خده الأيمن في سوق أبي خالد في حضور عدد كبيرمن الزبائن الوافدين لشراء العشاء من تربيزة المدعو محمد فضل الله التي تباع عليها (الشية) ولا شك أن ذلك الصفع مشين مشين ومهين ومسئ لشخص المدان في ظل تلك الظروف
2/ وقوع ذلك الفعل أو ذلك القول على المتهم بطريقة مفاجئة؟ :
إن القاعدة أنه إذا مضت مدة طويلة بين وقوع الفعل أو القول المثير وبين لحظة ارتكاب الجريمة ينتفي عنصر (الفجائية) لأن مضي المدة الطويلة يعيد إلى المتهم تحكمه في تصرفاته بحيث تجعله يقلب الأمور على وجهها السليم ويبرد دمه ويعود له صوابه وعقله ولذلك ينبغي أن تقع الجريمة فوراً ومباشرة بمجرد حدوث الاستفزاز
ففي القضية التي بين أيدينا فوجئ المدان بما قاله المرحوم وبفعله تجاهه لأنه لم يتوقع أن يصدر ذلك من المرحوم الذي كان يعتقد أن كل شئ انتهى عند حده في الطريق
قبل وصولهما إلى سوق أبي خالد ثم أن المدان قام بطعن المرحوم بالسكين دون أن يكون هنالك فاصل زمني طويل فقد اختطف السكين من على تربيزة المدعو محمد فضل الله بعد أن فصله الحاضرون من المرحوم وحجزهوما وقام بطعنة في التو والحين
3/ شدة الفعل أو القول الاستفزازي في وقعة على نفس المتهم :
يجب أن يثير الفعل أو القول الاستفزازي المتهم اثارة عنيفة وفي قضية حكومة السودان ضد ابراهيم محمد علي –مجلة الأحكام القضائية 1973م ص 295 قضت المحكمة العليا بأن العبرة في الإثارة العنيفة ليست بنوع الموقف أو تفاصيله ولكن العبرة بالمشاعر التي يولدها الموقف والمشهد المحيط به في نفس المتهم وبتكاتف الظروف الكافية لجعل الشخص العادي يفقد توازنه وقدرته على ضبط أعصابه
فالمرحوم في هذه القضية التي أمامنا أساء إلى المدان أمام عدد كبير من الناس في السوق وصفعه أمامهم ولذلك فإن الموقف أو المشهد كان كافياً لجعل المدان يفقد توازنه وقدرته على ضبط أعصابه والتحكم في تصرفاته
4/ فقدان المتهم السيطرة على نفسه بالاستفزاز بمعيار الرجل المعقول العادي الرشيد
يجب أن يكون الفعل أو القول الاستفزازي كفيلاً يجعل الرجل المعقول العادي الرشيد في موقف وظروف وبيئة وفي مستوى عقلية المتهم يفقد السيطرة على تملك أعصابه ويخرج عن أطواره ويغيب عنه صوابه بصفة مؤقتة وفي قضية حكومة السودان ضد محمد فضل المولى وآخرين مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 326 قضت المحكمة العليا بأنه عند قياس الحالة الفجائية العنيفة يكون المعيار هو معيار الرجل العادي في المستوى الثقافي للمتهم ومن بيئة وفي قضية حكومة السودان ضد جلاب محمد علي مجلة الاحكام القضائية 1978 ص 288- قضت المحكمة العليا بأن مسألة ما إذا كان الاستفزاز شديداً ومفاجئاً بدرجة تكفي لعدم اعتبار القتل قتلاً عمداً مسألة وقائع ينظر فيها للظروف والملابسات مع مراعاة طبيعة الفعل وحالة المتهم مقياساً بمعيار الشخص العادي في مثل وضعه وعقليته
ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من إقرار المدان المذكور أنه هو والمرحوم وآخرون كانوا قبيل الحادث يحتسون الخمر لساعات طوال في منزل صديق له يدعى كمال ولذلك فإن المدان وهو يعيش في ذلك الدرك الأدنى من المستوى الاجتماعي لا بد ان تستفزه بمعيار الرجل العادي في بيئته وفي ظروفه – مثل تلك الألفاظ البذيئة التي وجهها اليه المرحوم ولا بد أن يشعر بأن احساس بالاساءة والاهانة لحق به لصفع المرحوم له على خده بالبونيه أيضاً
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما إذا كان عدم التناسب بين الفعل الذي قام به المدان بأن طعن المرحوم طعنة غائرة نجلاء في صدره حتى أدمت قلبه وانزفت دماً غزيراً أودى بحياته في الحال وبين الإثارة العنيفة إلى الاستفزاز الشديد والمفاجئ الذي سببه المرحوم له بأن شتمه وأساء له بأن وصفه بأن الرجال يأتونه شهوة دون النساء وبأن صفعة على خده بالبونيه امام عدد كبير من الناس وفي السوق – ما إذا كان عدم التناسب المذكور يحرمه ويجرده من الاستفادة من الدفع تحت المادة 249(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م؟؟
إن الاجابة على السؤال أراني أجدها بالنفي فما دام أنه ثبت أن المدان المذكور قد استفز المرحوم استفزازاً عنيفاً وشديداً وخطيراً لدرجة أنه فقد السيطرة على نفسه وكبح جماحها فإن تناسب رد فعله مع ذلك الاستفزاز العنيف غير وارد والمدان غير مطالب به ففي قضية حكومة السودان ضد عبد الرحيم المرضي بريمة مجلة الأحكام القضائية 1974م ص 450 قضت محكمة الاستئناف الدائرة الاولى "(1) القاضي الطيب العباسي (2) القاض التجاني الزبير (3) القاضي مبارك إمام" بأنه ليس من شروط انطباق المادة 249 (1) من قانون العقوبات أن يكون هنالك تناسبا بين الفعل والاثارة (العنيفة) لأن الإثارة إذا كانت بسيطة أو تافهة فإنها لا تعتبر (عنيفة)
وقال القاضي التجاني الزبير في تلك السابقة على ص 451-452 ما يلي :-
"ولقد وجدت المحكمة الكبرى أن المتهم أثير اثارة عنفية ومفاجئة ولكنها حرمته الاستفادة من الاستثناء الأول للمادة 249 عقوبات لأن رد الفعل لا يتناسب مع الإثارة
المادة 249(1) عقوبات تتحدث عن قوة السيطرة على النفس لسبب الإثارة العنيفة المفاجئة ولم تشر إلى أي شئ عن التناسب بين الإثارة ورد الفعل
إن المادة 249 (1) عقوبات تنطبق إذا كان الشخص قد فقد السيطرة على نفسه بسبب الإثارة العنيفة المفاجئة ولو أراد المشرع أن يضيف جديداً يناسب القصاص مع الإثارة لفعل ذلك واعتقادي أن تطبيق القاعدة معناها اضافة نص جديد في قانوننا وليست شرحاً لذلك القانون بسبب أنها تضع قيداً على المتهم حتى يمكن أن يستفيد من استثناء الإثارة وهي قاعدة لغير مصلحة المتهم
الناحية الأخرى إذا ثبت فعلاً أن المتهم كان قد فقد السيطرة على نفسه بسبب عنف الإثارة وفجائيتها فلا يتوقع من ذلك المتهم أن يتصرف بطريقة تجعل رد فعله يتناسب والإثارة العنيفة وفقدان السيطرة على النفس
لذلك فإما أن تكون الإثارة بسيطة وتافهة وفي هذه الحالة لا تكون عنيفة ولا يستفيد المتهم من الاستثناء أو تكون عنيفة ومفاجئة تفقد السيطرة على النفس ويستفيد المتهم من الاستثناء مهما كان نوع وطبيعة رد فعله على تلك الإثارة
وعلى ضوء ما أشرنا إليه وما دامت المحكمة الكبرى قد وجدت أن المتهم كان في حالة إثارة عنيفة ومفاجئة افقدته السيطرة على نفسه فإن موضوع عدم تناسب قصاصه مع الإثارة لا يحرمه من الاستفادة من الاستثناء الاول في المادة 249(1) عقوبات وقال القاضي مبارك امام في نفس السابقة على ص 453 ما يلي :
"لا شك عندي اطلاقاً في صحة ماخلص إليه زميلي التجاني من أن شروط تناسب رد الفعل مع الإثارة غير وارد على الإطلاق في تطبيق البند الأول من المادة 249 من قانون العقوبات السوداني لسبب بسيط هو أن المشرع السوداني – فيما يبدو – قد تعمد اسقاط هذا الشرط من البند المذكور ويلاحظ أن هذا البند هو الوحيد من بين بنود المادة 249 ق ع س الذي لا ينص على أي شرط في تطبيقه والحكمة في ذلك كما هو واضح أن الإثارة المطلوبة في البند هي الإثارة العنيفة المفاجئة – لا تترك للمتهم مجالاً لمراعاة أي شرط فإذا وجد المتهم مثلا القتيل في اتصال في اتصال جنسي مع زوجته وطعنه مائة طعنة فلا يمكن حرمانه من الدفع المنصوص عنه في البند الأول باعتبار أن رد الفعل كان أكثر من الإثارة
ولذلك أرى أن تطبيق نظرية ضرورة تناسب رد الفعل مع الاستفزاز الشديد والمفاجئ مرفوضة للأسباب الآتية :-
1/ لم يرد هذا الشرط في المادة 249(1) من قانون العقوبات لسنة 1983م كما هو واضح في جلاء من نصها كالآتي :-
"يعد القتل قتلاً شبه عمد إذا سبب الجاني – وقد فقد موت الشخص الذي استفزه أو موت شخص آخر خطأ أو مصادفة"
ولكن نجد أن المشرع أورد في شرط تناسب رد الفعل مع الاعتداء أو العدوان في حالة ممارسة حق الدفاع الشرعي تحت المادة 55 من قانون العقوبات لنسة 1983م وفي حالة تجاوز ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال تحت المادة 249(1) من ذات القانون كما نجد أن المشرع أورد شرط تناسب رد الفعل في حالة المعركة المفاجئة بألا يستغل الجاني الظروف وإلا يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي كما نجد كثير من السوابق القضائية أن القضاء استقر على رفض نظرية ضرورة تناسب رد الفعل مع الإثارة العنيفة في حالة تطبيق دفع الاستفزاز الشديد المفاجئ ففي قضية حكومة السودان ضد حوة بنت محمد شريف (1953) (م أ/ أ ج/ 347/53) – غير مدونة – حدث خلاف في المطالبة بمبلغ 800 مليماً المتهمة ضربت المرحوم بفأس على رأسه ووقع على ركبته ولم تكتف بذلك بل ضربته مرة أخرى بفأس على مؤخرة عنقه واردته قتيلاً في الحال – واستفادت من الاستثناء بالرغم من أن الإثارة لا تتناسب والعنف الذي استعمل
2/ إن اصرار المحاكم على قبول نظرية التناسب بين رد الفعل والاستفزاز الشديد والمفاجئ يعني اضافة نص جديد في القانون وبذلك تخلق المحاكم من نفسها مشرعاً مما يتنافى والقاعدة الدستورية التي تنص على ضرورة فصل السلطات تحقيقاً لروح العدل والانصاف
3/ أن فرض التناسب بين رد الفعل على كاهل المتهم وبين الاستفزاز الشديد والمفاجئ يضر ضرراً بليغاً بالمتهم في دفاعه إن الأمر المنطقي والمعقول أنه عندما يكون الإنسان قد أثيرت حفيظته بالفعل أو القول الاستفزازي لا يكون هادئ البال ولا يكون مستقر العقل والنفس والفكر ومن ثم ينبغي ألا يتوقع منه أن يحسب خطواته وتصرفاته بمعيار متزن ويجب ألا نطالبه بأن يأتي برد فعل بقدر ما وقع عليه بمعيار ميزان الذهب من الاستفزاز والاثارة إن نظرية التناسب بين رد الفعل والإثارة تضر بموقف المتهم لأنها تطرح أمامه خياراً مستحيلاً وتقوده إلى طريق مسدود لأنه إذا ثبت أنه فقد السيطرة على نفسه بسبب عنف الاثارة فلا يستطيع وقد خرج عن طوره وفقد أعصابه وفقد بصفة مؤقتة عقله – أن يتصرف بطريقة تجعل رد فعله يتناسب وما لحقه من استفزاز شديد وعنيف واثارة بالغة وقد ذكر رئيس القضاء لندسي في قضية حكومة السودان ضد عبيد عبد الله (1950) م أ / أ ج/ 84/50 – غير مدونة- إن الشخص عندما يفقد السيطرة على نفسه فمن غير المعقول أن يتوقع منه أن يبقى (جنتلمان) وأن يكون قصاصه بطريقة مهذبة
لهذه الأسباب فإن المدان عوض السيد آدم عبد الله لا بد أن يستفيد من دفع الاستفزاز الشديد المفاجئ تحت المادة 249(1) من قانون العقوبات 1983م مما ينزل بالجريمة التي ارتكبها المذكور من القتل العمد تحت المادة 250 إلى جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من ذات القانون
إذا العقوبة التي يتعين على محكمة الموضوع انزالها في حالة هذه الجريمة تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م هي الدية الكاملة المغلظة الواردة في المنشور الجنائي 91/83 والذي حددها ما بين عشرين وثلاثين ألف جنيه
ويجب على محكمة الموضوع عند تقديرها أن تضع في حسبانها انخفاض الجنيه وسوء الحالة المعيشية والغلاء الطاحن الذي تعاني منه البلاد هذه الأيام كما يجب أن تضع في اعتبارها الظروف والملابسات الأخرى المحيطة بوقائع القضية والدية الكاملة والمغلظة تدفع من مال المدان أو تدفعها نيابة عنه عائلته أي أهله وذوه وأقاربه وعشيرته أو تدفع من بيت المال أي خزينة الدولة في حالة العجز التام عن دفعها ويبقى المدان بالحبس مالم تدفع الدية الكاملة المغلظة والدية ليست كالغرامة فلا يجوز للمحكمة أن توقع عقوبة تعزيرية كالسجن أو غيره بدلا عنها في حالة عدم دفعها لأن الدية كما قضى في قضية حكومة السودان ضد مختار التاج أو نفيسة نشرة الاحكام الرباعية يوليو – اغسطس – سبتمبر 1985 ص 37 هي تعويض مستحق لا يسقط بقضاء فترة الحبس أو بعقوبة تعزيرية أخرى أنما لا بد من دفعها متى قررها الإمام ولا تسقط إلا بالعفو أو إذا دفعها ولي الأمر نيابة عن المحكوم الغارم والدية لا تسقط الا بتنازل جميع أولياء الدم عنها فتنازل أحد الأولياء الدم لا يسقطها كما هو الحال في حالة تنازل واحد من أولياء الدم عن القصاص وكذلك إذا عثر على بعض أولياء الدم وتنازلوا عن الدية ولكن لم يعثر على الباقين فإن الدية لا تسقط في حق الغائبين وفي حالة أن يكون أولياء الدم مجهولين – كما هو الحال في هذه القضية التي بين أيدينا ولم يعثر عليهم وتعذرت معرفة مكان اقامتهم رغم البحث الشديد المضني لتسليمهم الدية فإنها يجب أن تورد لخزينة الدولة ليحتفظ بها حتى ظهورهم أو العثور عليهم لأن الدولة وارث ما لا وارث له
القاضي/ أحمد جعفر حامد القاضي/ حنفي ابراهيم احمد

