حكومة السودان ضد علوية محمد على و آخر
المحكمة العليا
الدائرة الجنائية
أمام السادة:
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ أحمد جعفر حامد قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد علوية محمد على و آخر
النمرة م ع / ف ح / 202/ 1406هـ
المبادئ:
إجراءات جنائية- التحري المبدئي أو الأولى-جائز قانوناً- المادة 154 أ ج لسنة 1983م
أجراءات جنائية –عبارة (إجراء تحري)- لا تعني دائمًا فتح بلاغ قبل التحري
1/ إن قانون الإجراءات الجنائية السابق لسنة 1974م و الحالي لسنة 1983م لا يمنعان التحري المبدئي بل قد نص عليه في المادة 138 من القانون الملغي و المادة 154 من القانون الحالي
2/ إن عبارة (إجراء تحري) لا تعني دائماً فتح بلاغ قبل التحري و قد جاء في تعريفها في قانون الإجراءات أن تشمل جميع الإجراءات التي تتخذ لتجميع البينات وهذا يعني أنها إجراء لجمع الحقائق سواء فتح بلاغ أو لم يصدر أمر بذلك
ملحوظة المحرر:
ما قرره هذا الحكم بشأن التحري المبدئي الأولي يخالف ما سبق نشره من أحكامه أنظر قضية:
حكومة السودان ضد حياة موسى النور مجلة 1977م ص66
حكومة السودان ضد عمر محمد فضل مجلة 1978م ص257
الحكـــم
القاضي: على يوسف الولي
التاريخ: 20/5/1988م
هذا الطلب تقدم به لنا الشاكي إبراهيم منا السيد أحمد عن طريق الفحص طاعنا في حكم محكمة جنايات الامتداد الجنوبي الخرطوم المؤيد بحكم محكمة استئناف في الخرطوم والقاضي بشطب الاتهام ضد المتهمين (1) علوية محمد علي (2) محمد ضرار بلال تحت المادة 387 من قانون العقوبات 1983م و ذلك أثناء المحاكمة
نوجز الوقائع بأن الشاكي تقدم لقاضي جنايات امتداد الخرطوم جنوب بعريضة ضد المتهمين المذكورين إلا إن قاضي الجنايات سجل على نفس العريضة ما يلي:
"24 رمضان 1405هـ بحضور مقدم العريضة- الشرطة بلاغ 387ع"
عند تقديم المتهمة علوية محمد على وزوجها محمد ضرار بلال أمرت محكمة الجنايات بشطب التهمة وتبين لها إن الشاكي كان يستأجر الجزء الأخر لمنزل المتهمين من المتهمين وعندما هطلت الأمطار بغزارة في غياب الشاكي قام المتهمان وابنهما المدعو فاروق بفتح مصرف للمياه بداخل منزلهم الذي ستأجره الشاكي بعد أن أزاحوا البراميل التي كان يضعها الشاكي كفاصل بين المنزلين
الأسبــــــــــاب
أتفق في شطب الاتهام ضد المذكورين تحت المادة 387 من قانون العقوبات 1983م لسببين:
1/ بطلان أمر قاضي الجنايات بفتح البلاغ
2/ تخلف الركن الأساسي لجريمة التعدي المنزلي وهو القصد الجنائي
1/ بطلان أمر قاضي الجنايات بفتح البلاغ :
عندما أمر قاضي الجنايات بفتح البلاغ تحت المادة 387 من قانون العقوبات 1983م على نفس العريضة الجنائية التي قدمها له الشاكي كان يمارس سلطته القضائية التي تحت المادة 152 من قانون الإجراءات الجنائية 1983م
ومعلوم أنه يتعين على قاضي الجنايات وهو يأخذ علماً بالجريمة بناء على الشكوى الواردة له في العريضة الجنائية أن يتبع بدقة وتثبت وتيقن و تأكد كل الإجراءات القانون و الضوابط المنصوص عنها في المادة 152 من قانون الإجراءات الجنائية 1983م ولكن إذا تجاهلها القاضي كلية أو أغفل بعضاً منها فإن قراره بقبول الشكوى وفتح البلاغ أو قراره برفع الشكوى في تلك المرحلة يصبح قراراً باطلاً لأن تلك الإجراءات و تلك الضوابط ليست فقط شكلية بل هي موضوعية لم يضعها المشرع عبثاً بل لها مدلولها و وزنها و أهميتها في تحقيق العدل والإنصاف و تلك المادة تنص فيما تنص على الأتي:
"على القاضي الذي يأخذ علماً بجريمة بناء على شكوى أن يستوجب الشاكي بعد تحليفه اليمين و أن يدون الشكوى وملخص الاستجواب كتابة في محضر يوقع عليه الشاكي بإمضائه أو ختمه إذا كان يستطيع ذلك"فالتثبت ضروري والتحوط واجب على قاضي الجنايات في حالة ممارسة سلطته القضائية بمقتضى تلك المادة فيجب عليه أن يدقق النظر في كفتي ميزان العدالة بين الشاكي والمشكو ضده فينبغي ألا يجهض شكوي الشاكي وفي نفس الوقت يتعين عليه ألا يعرض المشكو ضد لأتون تطبيق الإجراءات القانونية دون مبرر فإذا قبل قاضي الجنايات الشكوى و أمر بفتح البلاغ دون أن يراعي ويتبع تلك الإجراءات وتلك الضوابط المشار إليها في المادة المذكورة و التي قد تظهر مراعاتها الحقائق واضحة أمام عين قاضي الجنايات بأنه لا توجد الأسباب الكافية و الأسس القانونية التي تنهض عليها الشكوى والتي تبرر السير فيها لو فتح البلاغ فقد يكون النزاع بطبيعته ذا طابع مدني أو إداري قد تكون الشكوى كيدية أو عارية من الدليل فإن قرار قاضي الجنايات بقبول الشكوى في تلك الحالة سيكون مجحفاً يعود على المشكو ضده بالضرر البليغ المادي والمعنوي والاجتماعي لأن فتح البلاغ ضد المشكو ضده له علاقة وثيقة بحريته الشخصية وكرامته الإنسانية من حيث إن فتح البلاغ يمثل في حدا ذاته بداية الإجراءات الجنائية وما يترتب عليها من قبض وتفتيش و وضع بالحراسة رهن التحري أو رهن المحاكمة و غيرها من الإجراءات المقيدة لحريته ففي قضية السودان ضد الأمين داؤود محمد مجلة الأحكام القضائية 1976م ص 681 قضت المحكمة العليا بأن المقصود بالاستجواب هو إن يكون بصورة تفصيلية توضح كل جوانب وأركان الجريمة المدعي وقوعها و من بين ذلك أن تكون واقعة على الشخص الذي تقدم بالعريضة إلي مدى توفر الصفة القانونية رفع لدعوى كما قضت المحكمة العليا في نفس السابقة بأن إغفال مثل هذه لاأشياء تبطل الأمر بفتح البلاغ لأن ما جاء في المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية 1974م "هي نفس المادة 152 من قانون الإجراءات الجنائية" ليست أحكاماً شكلية و إنما هي أمر هام ويجب التقيد بها في كل حالة وقالت المحكمة العليا في السابقة ما يلي:
"ومن إطلاعنا على المحضر لاحظنا إن قاضي الجنايات الذي صرح بفتح البلاغ على العريضة المقدمة من الشاكية لم يقم باستجوابها وفقاً لنص المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية و إنما اكتفى بالجملة التقليدية و حلف الشاكية و أيد ما ورد في العريضة و أيضاً في قضية السودان ضد حياة موسى النور مجلة الأحكام القضائية 1977 ص66 قالت المحكمة العليا ما يلي:
"الإجراءات التي اتخذت في هذه الشكوى التي تقدمت بها الشاكية خاطئة منذ البداية فقد كان لزاماً على السيد القاضي الذي تسلم عريضة الشكوى أن يسير فيها وفقاً للمادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية وذلك بأن يستوجب الشاكية فوراً بعد تحليفها اليمين وأن يدون الشكوى وملخص الاستجواب كتابة في محضر توقع عليه الشاكية أو تختم ولكنه بدلاً من ذلك أعتمد على تعبير مقتضب يشير فيه فقط مجرد إشارة إلي محتويات العريضة- وهذا حسب صيغة المادة المشار إليها لا يكفي و لا يخدم الغرض المطلوب" و في قضية السودان ضد عمر محمد فضل مجلة الأحكام القضائية 1987م ص257 قالت المحكمة العليا ما يلي:
"الإجراء الصحيح عند استلام عريضة الشكوى منصوص عليه في المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية ولو أتبع السيد القاضي ذلك الإجراء لتكشف له منذ البداية الأسباب التي كان يجدر على أساسها شطب العريضة ورفض السير فيها"
ففي البلاغ الذي بين أيدينا نجد إن قاضي الجنايات الذي صرح بفتح البلاغ على العريضة المقدمة من الشاكي لم يقم باستجواب الشاكي وفقاً لمقتضيات نص المادة 152 من قانون الإجراءات الجنائية 1983م فلم يجهد نفسه باستجواب الشاكي على اليمين ولم يدون الاستجواب بصورة تفصيلية توضح بعض جوانب وأركان الجريمة المدعي وقوعها و كيفية وقوعها ومدى توافر ضوابطها بصفة مبدئية ومدى وجود قضية صالحة للتحريات كما أغفل قاضي الجنايات أشياء أخرى جوهرية لم يضعها الشرع في المادة المذكورة عبثاً مثال تدوين ملخص الشكوي وتوقيع الشاكي وختمه وعليه ولأن قاضي الجنايات لم يراع الضوابط و الإجراءات المنصوص عليها في المادة 152 المذكورة فإن قراره بقبول شكوى الشاكي الواردة في العريضة الجنائية باطلاً لا يترتب عليه أي أثر قانوني
2/ تخلف القصد الجنائي الركن الأساسي لجرمه التعدي المنزلي:
قصد المتهم في جريمة التعدي الجنائي لارتكاب أي جريمة أو إزعاج أو مضايقة بدخوله أو بقائه في العقار الذي في حيازة الشاكي من الأركان الأساسية التي تنهض عليها تلك الجريمة ومعلوم إن القصد الجنائي شئ معنوي يستشف ويستخلص من خلال تصرفات وأقوال وأفعال وسلوك المتهم ويستقى من خلال قرائن الأحوال والظروف و الملابسات المحيطة بالوقائع
ففي القضية التي بين أيدينا ثابت بالإقرار إن المتهمين بعد أن اشتدت الأمطار و بلغ السيل الزبي و أحيط بمنزل المتهمين الذي يسكنان فيه وبمنزلهما الذي يستأجره الشاكي قاما ومعهما ابنهما المدعو فاروق بإزاحة البراميل الذي كان يضعها الشاكي كفاصل بين المنزلين وقاموا جميعاً في حضور الجيران بحفر مصرف لخروج الماء المنهمر من المنزلين وتم في النهاية كل شئ على ما يرام من خلال ذلك التصرف والسلوك لا يمكن أن نستدل على قصد المتهمين الإجرامي في منزلهما الذي يستأجره الشاكي لارتكاب أي جريمة أو يتسبب أي إزعاج أو مضايقة للشاكي خصوصاً إذا علمنا إن ذلك قد تم في غياب الشاكي وأسرته و لو لم يتصرف المتهمان ذلك التصرف لأنهار المنزل الذي يسكن فيه الشاكي وعفش وأمتعة الشاكي بداخله وقد يختلف موقف هذه القضية لود دخل المتهمان في داخل غرف المنزل الذي يسكن فيه الشاكي بعد كسر نوافذها و هذا ما لا يستطيع الاتهام إثباته فدخول المتهمين في المنزل الذي يستأجر الشاكي لا يشكل تعدياً جنائياً لأن التعدي الجنائي كما قضي في قضية حكومة السودان ضد محمد على سعيد مجلة الأحكام القضائية 1987م ص434-ليس هو الدخول وحده و إنما الدخول بغرض من الأغراض البينة في المادة 3890 عقوبات هذا فضلاً عن عدم ثبوت "سوء قصد" المتهمين بتصرفاتهم و أفعالهم تلك وفقاً للمعني الوارد في المادة 18 من قانون العقوبات 1983م التي تنص على الأتي:
"يقال عن الشخص أنه فعل شيئاً "سوء قصد" إذا فعله بقصد الحصول على كسب غير مشروع لنفسه أو لغيره أو بقصد تسبيب خسارة غير مشروعة لشخص آخر"
فالمتهمان عندما دخلا في المنزل الذي يستأجره الشاكي لم يسببا كسباً غير مشروع لنفسهما بل الكسب كان مشروعاً بأن أنقذا منزلهما من الانهيار كما لم يسببا للشاكي خسارة بل العكس سببا له منفعة و ميزة عندما أنقذا عفشه و أمتعته من أن تنهار عليها أنقاض المنزل
القاضي: أحمد جعفر حامد
التاريخ: 2/7/1988م
أوافق و أعجب لعدم اتجاه هذا القاضي الذي قبل هذه العريضة الجنائية على علاقتها رغم وضوح طابعها المدني وأمر دونا استجواب مفصل للشاكي بفتح بلاغ جنائي عرض المتهمين بعده للقبض و الإيقاف والتعطيل فترة أعجب لعدم اتجاهه إلي الأمر بأجراء تحريات مبدئية أو اتخاذ إجراءات أولية للتحقق من إن جريمة ما أو حتى مخالفة ما قد ارتكبت قبل إعمال يد القانون بالأمر بفتح البلاغ
وقد يبدو إن عزوف هذا القاضي عن هذا الاتجاه مبعثه ما جاء في السابقة القضائية التي أشار إليها الزميل على الولي وهو يتعرض لما جاء في جزء منها عن أهمية اعتبار نص المادة 136 من قانون الإجراءات قبل إجازة عريضة الشكوى الجنائية و الأمر بفتح البلاغ بموجبها وقد جاء في هذه السابقة: حكومة السودان ضد عمر محمد فضل "المجلة القضائية 1987م صفحة 257" أيضاً بأنه لا يوجد في القانون ما يسمي "بالتحري المبدئي"
و من الواضح أنه رغم وجود هذه السابقة الصريحة فإن معظم المحاكم ظلت تأمر بهذا التحري المبدئي إجلاء للحقائق قبل إطلاق يد القانون الثقيلة ولإقصاء الحرج الذي يستعشره القضاة عندما تقديم شكوى يشتم منا رائحة النزاع المدني أو قد تشير إلي إن للشكوى بعداً كيدياً أو إن المقصود منها قد يكون تعريض شخصيات عامة أو هامة لإجراءات الشرطة أو إثارة الغبار حولهم لأسباب لا علاقة لها بالقانون
فلم تفلح هذه السابقة القضائية في أن تمنع معظم القضاة بأن يمارسوا سلطاتهم الطبيعية و أن يقرروا بأنه من المناسب قبل اتخاذ إجراءات تعرض حرية الأبرياء و سمعتهم لضغط التحقيق و الإيقاف أن يتم التحري المبدئي و الأولي لاستجلاء حقيقة الأمر وبعده يمكن أن تأمر المحكمة بفتح البلاغ أو حفظ الإجراءات ولقد أتخذ هذا الإجراء طابعاً مستمراً تلجأ إليه معظم المحاكم حتى أصبح تقليداً لم يكن من المناسب مقابلته بالرفض دون سبب إذ إن الإصرار عليه من القضاة لا يدل على أنه لأحد وسائل تحقيق العدالة دون تسرع كما إن النتيجة في آخر المطاف هي فتح البلاغ أو حفظ الأوراق دون تجريح وبالتالي فإن حق المتضرر من الطرفين الشاكي أو المتهم في الإستئناف يكون مقبولاً في الحالين" زيادة على ذلك فإنه ليس كل إجراء سكت عنه القانون يعني إلا تبعه المحاكم متى كان إجراءاً سليماً ليس فيها امتهان لكرامة أحد أو تحيز لأحد ومتى كان إجراءاً عادلاً يؤجل الضرر لحين التيقن من أن هناك مسوغاً له ويحقق العدالة للطرفين ولكن هل سكت القانون فعلاً كما ذكرت هذه السابقة
لعله من المناسب إذن أن نناقش خطأ هذه السابقة القضائية التي أشرت إليها والتي صدرت من المحكمة العليا
ومع الاحترام الكامل فإن اعتقادي إن قانون الإجراءات السابق والحالي لا يمنعان التحري المبدئي بل قد نصا عليه خلافاً لما ورد في هذه السابقة فقد جاء في المادة 138 من القانون الملغي التي أصبحت المادة 154 من القانون الحالي ما يلي:
" إذا لم يقتنع القاضي الذي يأخذ علماً بالجريمة المدعي وقوعها بأنها قد ارتكبت أو إذا رأي لأي سبب آخر أنه من المناسب أن يتخذ إجراء فيجوز له إما أن يتولى بنفسه التحري و إما أن يوجه أي قاضي مرؤوساً له أو أي رجل شرطة ليفعل ذلك ويجب بقدر الإمكان أن يباشر هذا التحري بالطريقة وحسب السلطات الواردة في الفصل الثاني عشر لإجراء التحري
والملاحظ هنا بأن المادة أشارت إلي عدم اقتناع القاضي بأن الجريمة قد ارتكبت أو إذا رأي لأي سبب آخر من المناسب أن يتخذ إجراء فكيف يمكن أن نفسر هذه المادة بأنها تفرض على القاضي بأن يأمر بفتح بلاغ مباشر بعد إدعاء أحدهم إن جريمة قد وقعت في الظروف التي أشارت إليها في هذه المادة في صدرها؟ إن التفسير الصحيح لهذه المادة في نظري هو أنها تتيح للقاضي بأن يتخذ إجراءات بالتحري "الأولي" إن شاء سواء بمباشرته للتحري بنفسه أو بتكليف أحد القضاة المرؤسين له أو أي رجل شرطة بهذا التحري
و من الواضح إن عبارة "إجراء تحري" لا تعني دائماً فتح بلاغ قبل وقد جاء في تعريفها في قانون الإجراءات أنها تشمل جميع الإجراءات التي تتخذ لجمع البينات وهذا يعني إنها إجراء لجمع الحقائق سواء تم فتح بلاغ أو لم يصدر أمر بذلك بل هي أحياناً عبارة عن إصدار تكليف بالحضور للمشكو من للتحقيق من بعض المعلومات أو الاستفسار منه سواء كان التكليف بالحضور أمام القضاة الآخرين أو الشرطة أو القاضي نفسه "أنظر كمثال المواد 64 (2) والمادة 81و85 من قانون الإجراءات الملغي أو الحالي" وبالتالي يمكن للقاضي أن يأمر بأجراء تحري مبدئي حتى يمكنه بعده من إصدار أمر بفتح البلاغ إن وجد أن هناك من البينات المبدئية ما يشير إلي إن جريمة قد ارتكبت خلافاً لعدم قناعته السابقة بعدم ارتكاب جريمة أو الأمر بحفظ الأوراق إن وجد إن قناعته كانت في محلها
في هذا البلاغ موضوع هذا الفحص كان واضحاً من العريضة التي قدمت للسيد القاضي في أول الأمر إن خلافات بين الشاكي "المستأجر" وجيرانه أصحاب البيت وإن الشكوى كانت بسبب أنهم كسروا الحائط الذي يفصل بين بيتهم وبيت الشاكي في غيابه لتصريف المياه التي نتجت عن الأمطار كان من الممكن بالاستجواب الدقيق حسب قانون الإجراءات أن تصل محكمة الجنايات لهذه الحقائق أيضاً و أن تحال هذه العريضة لأجراء تحري مبدئي بدلاً من الأمر بفتح بلاغ مباشر وسمات النزاع المدني تطل من حروف الشكوى وأسبابها والعجيب أنه حتى بعد إجراء التحريات واتضاح إن ضابط الشرطة طلب من الشاكي السماح للمتهمين بتصريف المياه عن طريق الجزء الذي يسكنه الشاكي لأنه أقل ارتفاعاً من بيتهم ولأن المجري المعروف لتصريف مياه الأمطار يمر من بيته فقد اتجهت المحكمة لإجراء محاكمة للمتهمين و أرسلت الطفل الصغير ليحاكم أمام محكمة الأحداث "إن الشاكي يستأجر جزءاً من منزل المتهمين و يتحكم في مجري تصريف المياه للبيتين ورغم ذلك أوضح للمحكمة في شهادته أنه رفض لهما تصريف المياه عن طريق منزله و أنه لا يهتم كثيراً لما يحدث لمنزلهما بسبب ارتفاع الأمطار فيه وعدم تصريفها ولا أظن أن لجوئهما لإزاحة ما بناه من حائط أو وضعه من براميل لتصريف المياه في حالة الطوارئ يمكن أن يشكل تعدياً بأي حال من الأحوال
ويكفي أن يعرف هذه الحقيقة إذ يتخيل أنه كان في مكانهم يمكنه بالطبع أن يلجأ للمحاكم المدنية إن كان يرى إمكانية إلزامهم بفتح مجري آخر بعيداً عن منزله ولكن إلي أن يتم ذلك فليس أمامهم إلا اللجوء إلي تصريف مياه الأمطار عن طريق الجزء الذي يحوزه من المنزل طالما إن هذا لا يسبب ضرر له أو لمنزله وطالما أنه عمل ضروري لإزالة خطر أكبر محيق وحتى إذا حدث ضرر فإن أمامه المحاكم المدنية لطلب التعويض لأن القصد الجنائي في هذه الحالة يكون منتفياً
لذلك كله فإنني أتفق مع الزميل على في الأمر بشطب الطلب
القاضي: يوسف دفع الله
التاريخ: 2/7/1988
أوافق على شطب الطلب كما أوافق الزميل أحمد جعفر بخصوص الإجراءات المبدئية فالإجراءات التي يتخذها القاضي الذي يأخذ علماً بالجرائم منصوص عليها في الفصل السادس عشر من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م ففي الجرائم التي ينظرها بناء على شكوى عليه أن يستجيب الشاكي بعد تحليفه اليمينإلي آخر ما هو مبين في المادة 152 من نفس القانون في هذه الحالة ينتهي القاضي إما بالأمر بفتح بلاغ ضد المتهم أو بشطب العريضة لكن هناك حالة أخرى نص عليها المشرع في المادة 154 من نفس القانون وهي الحالة التي لا يصل فيها القاضي إلي قناعة بأن الجريمة قد ارتكبت أو إذا رأي لأي سبب آخر أن من المناسب أن يتخذ أجراء فيجوز له أن يتولى التحري بنفسه و إما أن يوجه قاضي مرؤوس له أو وكيل النيابة أو أي رجل شرطة ليفعل ذلك هذا النوع من التحري يجب بقد الإمكان أن يباشر بالطريقة وحسب السلطات الواردة في الفصل الثاني عشر لإجراء التحري وعبارة بقدر الإمكان تعني إن التحري يمكن أن يأخذ مجراه خلافاً للثوابت المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر وهو ما يسميه قانون الإجراءات الهندية في المادة 202 منه "إرجاء الإجراءات التي تتخذ ضد المتهم" حتى يتبين الأمر بالتحري الجديد و هو ما جري عليه بالتسمية في السودان بالتحري المبدئي المادة 154 إجراءات جنائية لسنة 1983م التي أورد نصها الزميل أحمد جعفر حامد مأخوذة من المادة 202 إجراءات جنائية هندية و التي تنص على الأتي:
Postponement of issue of Process: (1) Any Magistrate, on receipt of an offence of which he is authorised to take cognizance, or which has been made over to him under Sec 192, may, if he thinks fit, postpone the issue of process against thed accused, and either enquire into the case himself or direct an investigation to be made by a police officer, or by such other person as he thinks fit, or for the purpose of deciding whether or not there is sufficient ground for proceedings”
أعود فأوضح بأن إجراء التحري المنصوص عليه في المادة 154 رغم إن المشرع أستحسن أن يكون بنفس الطريقة التي يباشر بها التحري في الفصل الثاني عشر إلا أنه لم يفرضها و رمي إلي شئ جوهري هو أن لا تتخذ الإجراءات التي تقديم من حرية الشخص و تمس كرامته إلا بعد أن تتضح التهمة المبدئية المنسوبة للمتهم والفرق واضح بين هذا التحري وذاك ففي الأول يأمر القاضي بالتحري بعد أن تتضح له التهمة المبدئية وتسير الإجراءات ضد المتهم بما فيها الإجراءات المقيدة للحرية والتفتيش والتحري الثاني لا يختلف عن الأول إلا في إرجاء الإجراءات المقيدة للحرية والتفتيشالخ ضد المتهموقد أشار المشرع إلي التحري في كل من الحالتين المذكورتين فقال في المادة 155 إجراءات جنائية: إن للقاضي أن يرفض السير في القضية إذا رأي بعد استجواب الشاكي (إن وجد) وبعد أن يعطي اعتباراً لنتيجة أي تحر تم طبقاً لأحكام الفصل الثاني عشر أو المادة 154)
لهذا أضم صوتي للزميل العالم أحمد جعفر حامد الذي أوفي نقطة الخلاف حقها وأخلص إلي إن التحري المبدئي جائز قانوناً طبقاً للمادة 154 إجراءات جنائية لسنة 1983م

