حكومة السودان //ضد// ص م م
حكومة السودان //ضد// ص م م
نمرة القضية: م ع/ مؤبد/12/2006م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2006
المبادئ:
الحكم:
المحكمة العليا
للولايات الوسطى والقضارف
القضاة:
سعادة السيد / مصطفى عبدالقادر عوض الكريم قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / موسـى النيــل المكاشفـي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / سيــد ساتــي زيــادة قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان //ضد// ص م م
م ع/ مؤبد/12/2006م
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - المادة (95) - التفتيش - الطبيعة المستعجلة للتفتيش - تقدير المشرع لها - مداه - عدم حضور الشهود - حكمه
المحامون:
الأستاذ/ الرشيد علي عمر
الأستاذ/ صـلاح فضـل عن طالبة المراجعة
الحكــم
القاضي: سيد ساتي زيادة
التاريخ: 23/3/2006م
وقائع البلاغ موضوع المحاكمة تتلخص في أن :
أن شرطة مكافحة المخدرات وردت إليها معلومة وحوالي الساعة الثامنة من صباح يوم1/11/2005م أن المدان لديه كمية من الحشيش بمنزله بالحلة الجديدة بمدينة كوستي فخفت لإجراء التفتيش بأمر تفتيش عام وبتفتيش منزل المدان عثرت على كمية من الحشيش زنتها 393جراماً فكان البلاغ تحت المادة 15(1) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م سمعت المحكمة البينات وقررت إدانة المدان تحت مادة الاتهام وحكمت عليه بالسجن المؤبد والغرامة مائة ألف دينار وبالعدم السجن سنة أخرى تسري بالتتابع
أيدت محكمة استئناف ولاية النيل الأبيض قرار محكمة أول درجة إدانة وعقوبة ورفعت إلينا الأوراق وفقاً للمادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م مشفوعة بطلب من الأستاذين/ الرشيد علي عمر وصلاح فضل المحاميان نوجز ما جاء فيه فيما يلي:
1- بينات الاتهام مشكوك فيها وكان الواجب تفسير ذلك الشك لمصلحة المدان فلم تستدع الشرطة عند التفتيش شاهدين بحجة سرعة المداهمة مما خلق الشك في شهادة الشرطة
2- لم تُرد محكمة الاستئناف على ما أثرناه من عدم إحضار شهود التفتيش وجاءت بما لم يرد له ذكر في محضر المحاكمة حيث قالت أن المتهم قاوم الشرطة واستعمل سكينه
إن الضابط لكل ما ورد في شهادات رجال الشرطة هو حضور الشهود
3- ليس في استطاعة المتهم إحضار شهود نفي
4- حضر شهود الاتهام قبل يوم من إجراء التفتيش وساوموا المدان وشهد بذلك شهود الدفاع ولم يقدم الاتهام ما ينفي ذلك
وطلبا في نهاية مذكرتهما شطب البلاغ وإخلاء سبيل المدان
نقبل الطلب تطبيقاً للمادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
قضية الاتهام التي بني عليها الاتهام ثم الإدانة كانت بياناتها كالآتي:
1- شهادات خمسة من رجال مكافحة المخدرات بإجراء تفتيش منزل المدان وضبط كميـة الحشيش موضوع البلاغ داخل غرفة كان بها المدان وحده وكان الحشيش داخل حلـة مغطاة بجريدة وعليها سكين
2- تم التفتيش بمقتضى أمر تفتيش عام ودون حضور شاهدين لسرعة التحرك ولكي لا تتسرب المعلومة ولضيق الوقت الخ
3- كان لدى المدان جهاز هاتف سيار (موبايل) أتلفه المدان حسبما جاء بشهادة المتحري بحجة أن به صورة لشخص وفي فمه سيجارة وبه أسماء مجموعة من تجار ومروجي الحشيش وقد اطلع عليه مدير الإدارة
عند تقدير البينات أمام المحكمة أخذت بما جاء بالفقرتين (1) و (2) وأسست الإدانة عليها ولكنها وضعت في اعتبارها أسباباً أخرى جاءت في سياق قرارها منها أن المدان تم تفتيش منزله في مرات سابقات عن الحشيش وأقر بذلك وجاء تعليقها على ما أثاره الدفاع ولا يمكن اختزال البينة في كلمة واحدة هي (التلفيق) ونقف دون ذلك مكتوفي الأيدي وتحت رحمة عيب شكلي وليس جوهري
ودعمت رأيها بالسوابق القضائية الآتية:
1- حكومة السودان /ضد/ دهب شريف دهب المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م على الصفحة (421)
2- حكومة السودان /ضد/ محمد علي دياب / مجلة الأحكام القضائية 1980م ص 174
3- حكومة السودان /ضد/ محمد محمد أبكر/ مجلة الأحكام القضائية لسنة 1998م ص 76
4- ألاحظ أن قاضي محكمة أول درجة كان منفعلاً وساق التبريرات لرتق كل فتق في قضية الاتهام وكرر أهمية عمل الشرطة في حماية المجتمع ورفعة أفرادها عن الشك في شهادتهم كما تحدث عن تجارة الحشيش وآثارها
بلا شك أن المخدرات داء عضال وبـلاء ذو أثر مدمر على أفراد المجتمع وأن مكافحة وملاحقة المتعاملين فيه واجتثاث دابره من أوجب الواجبات من المؤكد أن عمل الشرطة في منع الجريمة واكتشافها أهدافه نبيلة تتمثل في حماية النفس والعرض والمال والأمن في كتاب الله تعالي جاءت أهميته بعد الإطعام ( الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)
إن هذا البلاغ واحد من بلاغات عدة متعددة تم فيها الفصل أمامنا خلال شهرٍ واحدٍ تحت نفس مادة الاتهام والقانون وهذا يدلل على خطورة الجريمة وسعة انتشارها وهو أمر مكروه والحشيش مهلك لمتعاطيه وسحت لمن يتخذه وسيلة للكسب ويمتد أثره الخطير على المجتمع بأكمله
ومع هذا وفي غمرة إحساسنا بعظم الجريمة وخطرها علينا ألا نغفل دورنا في الفصل العادل في الدعاوى ولا نأخذ ما هو ضد المتهم ونترك ما هو لصالحه إن مهمة القضاء عسيرة فالعدل شيمته وردّ الحقوق ودفع المظالم بالقسطاس المستقيم واجبـه ويجب أن لا يقف في تحقيق ذلك مانع قال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
وديننا الحنيف كتاب كريم وسنة مطهرة تفيض آيات القران العظيم وأحاديث الرسول الكريم بالحض على العدل والأمر به والنأي عن الظلم وتحريمه
إن تقدير البينات من صميم اختصاص محكمة أول درجة ولا تتدخل السلطة الأعلى في وزن البينات إلا إذا اشتطت المحكمة إشتطاطاً بيناً أو خالفت قواعد الإثبات أو أخطأت في تطبيقها أو تفسيرها وفي هذه الدعوى أرى أن وزن المحكمة للبينات لازمته أخطاء تقتضي تدخلنا
وفيما يلي نعرض لما نراه بشأن البينة:
أمر التفتيش: أمر التفتيش المقدم أمر تفتيش عام صادر من محكمة جنايات بلدية كوستي وهي نفس المحكمة التي حاكمت البلاغ وقد جاء في البينة إن سبب استخراجه أمراً عاماً كان خوفاً من انتقال الحشيش من مكان إلى آخر ويلاحظ الأمر صادر بتاريخ 31/أكتوبر/2005م وقد أجرى تعديل واضح عليه فقد شطب رقم 31 وكتب أمامه رقم (1) وشطب اسم الشهر أكتوبر وكتب أمامه نوفمبر وظلت السنة كما هي
ربمـا كان المقصود من التعديل ليوافق تاريخ الأمر تاريخ التفتيش والبلاغ وربما يكون ذلك ناتج عن خطأ في التاريخ عند إصداره ولا أدري كيف فات على المحكمة بيان ذلك
المبررات التي سيقت لإصدار أمر تفتيش عام لا تجد عندنا القبول وذلك لأن أمر التفتيش العام يهدر الحريات والحرمات ولذا ينبغي لإصداره أن يكون هناك من الأسباب والدواعي والمعطيات الكافية التي تحمل على إصداره
إن المعلومة التي وردت للشرطة تتعلق بفرد واحد وليس سواه هو المدان وكان الواجب ألا يصدر أمر تفتيش عام وأن الشرطة لم تفتش غير منزل المدان وذكر بعضهم أنهم لم يفتشوا منزلاً آخر لأنهم كانوا صائمين والثابت أنهم لم يفتشوا بمنزل المدان غير غرفة واحدة وحتى هذه الغرفة لم تفتش لاحتمال وجود كمية أخرى كأنما المقصود الكمية المضوبطة وليس سواها - أليس الواجب على شرطة متخصصة أن تبحث أكثر إذا كان لديها علم بأن المـدان من التجار ؟ أليس التاجـر قد يكون لديه كميات أخرى مخـزنة ؟ ولا أجد في الدعوى ما يفيد أن المعلومة كانت متعلقة بكمية حشيش داخل حله ولم يحدد مقدارها فلماذا اكتفت بما وجدت في مكان واحد ولم تفتش الغرفة ذاتها أو باقي أجزاء المنزل خاصة أن القوة شهد من أعضائها ستة شهود
كانت الأسباب لعدم إحضار الشاهدين على التفتيش كالآتي:
1- سرعة الإجراء والوقت مبكر صباحاً
2- خوف تسرب المعلومة
3- عدم وجود شهود
4- كان الهدف من دخول المنزل التأمين ثم إحضار الشهود والمدان لم يعطهم فرصة لذلك ويخلق مشاكل مع الشهود
إذا قبلنا مثل هذه الأعذار فإنها ستظل مبررات متكررة في كل تفتيش يعتريه عيب وبذلك يطلق الحبل على الغارب
فالمعلومة المدعى وصولها جاء في إفادة أحد رجال الشرطة الشهود إنها وصلت قبل ساعة من إجراء التفتيش وقال شاهد آخر إنها كانت قبل ساعتين من التفتيش
وورد أن وقت وصول المعلومة كان الثامنة صباحاً وسجل البلاغ الساعة العاشرة وخمسون دقيقة
إن الشرطة كان أمامها وقت كاف لإحضار الشهود ولكنها لم تكن راغبة في ذلك
إن إلزام الناس بالقانون من يطبقونه وينفذونه فالساعة الثامنة صباحاً ليست وقتاً مبكراً وإذا كان التفتيش بعد ساعة أو ساعتين فيكون تمامه كان في الساعة التاسعة أو العاشرة
والشهود ليسوا بحاجة إلى وقت لتجهيزهم كان التفتيش بأحد أحياء مدينة كوستي (الحلة الجديدة) ومما يدخل في دائرة العلم القضائي إن الساعة التاسعة أو العاشرة وقت ذروة الحركة في المدن فكيف لا يجدون احداً ولم تدلل الشرطة على ما بذلته لإحضار الشاهدين كعرض الشهادة على الشهود رفضهم أو طرقهم لباب أحد الجيران ولم تقم محاولة شئ من ذلك إجراء التفتيش خاصاً أو عاماً ينتهك حرمة وخصوصية المساكن لذا أوجب الدستور الانتقالي في المادة (37) منه أن يتم ذلك وفقاً للقانون
وإذا رجعنا إلى القانون نجد أن النص الذي نظم ذلك هو نص المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م والتي تقرأ : يجري التفتيش وفقاً للضوابط الآتية:
95(1)- يجري التفتيش في حضور شاهدين يكلفان من جانب الشخص المنفذ لأمر التفتيش و يكونان بقدر الإمكان من أقارب المتهم أو المقيمين معه بالمنزل أو الجيران الخ
أن النص ورد بصيغة الوجوب حيث جاء النص بعبارة يجري التفتيش ولم يرد بعبارة يجوز أن يجري التفتيش أو عبارة يجري التفتيش ما أمكن حتى نقل أن النص جـوازي , وصيغة الوجوب لا تعطي خياراً غير العمل بما ورد بالنص وحيثما كان النص ملزماً كانت مخالفته تجعل الإجراء باطلاً
ولكن هناك فارق بين فساد الإجراء المخالف للقانون وبطلانه وبين فساد الإجراء وبطلانه وعدم الأخذ بالبينة المترتبة عليه وبين بطلان الإجراء وقبول البينة الناتجة عنه إذا كانت لا تقود إلا إلى نتيجة واحدة وليس سواها
إن حالة فساد البينة مع فساد الإجراء هي الحالة التي يحدث فيها الالتباس ويكون التمييز صعباً بين الصدق والكذب أما حالة فساد الإجراء وقبول البينة الناجم عنه فإن ذلك يكون في حالة ترابط البينات حتى ولو كانت ظرفية بحبل قوي وسلسلة منتظمة لا ينصرف الذهن إلا لنتيجتها
السوابق القضائية التي استرشدت بها محكمة أول درجة لا تنطبق على وقائع الدعوى ولا يسترشد بالقاعدة التي قررتها السابقة إلا إذا كانت الأسباب التي بني عليها الحكم واحدة وتكييف كل حالة رهين بوقائعها وبيناتها وكل الظروف الأخرى بالرجوع إلى سابقة حكومة السودان ضد دهب شريف دهب وحكومة السودان /ضد/ محمد محمد أبكر نجد أن الموضوع والقاعدة التي قررتها السابقتان هي قبول بينة الكمين وفي السابقتان استعانت بعميل لها كطعم يتعامل مع من يراد كشف جريمته وبعلم القاضي الذي سجل أرقام العملة الورقية قبل إجراء الكمين والضبط وقد ضبط المبلغ المسجلة أرقامه بوساطة القاضي مع المتهم ولم يأت بتفسير مقنع وبعد تسبيب مطول كانت غايته إقرار بينة الكمين
وفي هذه الدعوى ليس هناك مبلغاً مرقماً ضبط مع المدان ولا عميلاً أعان الشرطة على الكشف ليشهد إن المناقشة في السابقتين دارت حول بينة شاهد الكمين وليس بينة رجال الشرطة
أما سابقة حكومة السودان ضد محمد دياب محمد علي وآخر فإن التفتيش تم تنفيذه في حضور شاهدين كما دونت قائمة المضبوطات التي ضبطت لدي المتهمين وكان الطعن مؤسساً على أن المتهمين والشهود لم يوقعوا على قائمة المضبوطات وهذا خلافاً لهذه الدعوى فلا شهود ناهيك أن يكون الطعن في عدم توقيعهم على قائمة المضبوطات إن عدم التوقيع على قائمة المضبوطات مسألة شكلية إذا شهد من لم يوقع على المستند بالواقعة نفسها إن حضور الشاهدين التفتيش فيه ضمانة من جهة محايدة فالشرطة طرف في الدعوى الجنائية وتمثل الاتهام وضمان ممارسة عملها بصورة سليمة بلا انتهاك للحرمات هو ما خطه القانون قفلاً للباب وصداً للشبهات والريب
تمام التفتيش دون حضور شاهدين فوق أنه مخالف للقانون يخلق ظلالاً كثيفة من الشك في ظروف هذه الدعوى بالذات
الثابت من إفادة بعض شهود الاتهام أن منزل المتهم داهموه وفتشوه عدة مرات وذكر المدان ذلك إلا أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن عما أسفرت عنه تلك المداهمات ؟
ينفي الشهود محاكمة المدان أو إدانته في أي بلاغ آخر إن سياق مثل هذا القول هدفه خلق الظروف التي تحمل القاضي على الثقة فيما خالفت فيه الشرطة القانون إن العبارات التي وردت على ألسنة الشهود: المتهم معروف لدينا بتجارة الحشيش أو من مروجيها… يجب أن لا يتعدى ذلك القائلين به وربما يكون ذلك معلوم لآخرين وعلى المحاكم ألا تتأثر به ليكون دافعـاً نفسياً في اتخاذ القرار ومما ورد أيضاً أن المتهم قاوم التفتيش في مرات سابقات وحاول إلحاق الضرر بالشهود كما جاء أن المتهم كان بصدد أخذ السكين عند إجراء التفتيش ولا دليل على ذلك في البينة غير ظن الشرطة بتلك البينة والحديث عن جهاز الهاتف الذي أتلف كلها تأتي في إطار خلق الظروف والملابسات الملائمة في ذهن القاضي لتجاوز مخالفة القانون ولكن الشارع عندما اشترط حضور شاهدين لم يكن ذلك لنقص عدد رجال الشرطة أو رفضهم الشهادة فتعدد شهادات رجال الشرطة في غياب الشهود يجعل اللبس يدور حول كل شئ إذا كان هناك طعناً مؤسساً على أساس سليم إن هدف الشارع من النص وجود رقابة على أداء الشرطة عند مباشرة التفتيش حتى تكون هناك ضمانة لكي لا يتغوَّل ذي نفوذ على من لا سلطة له وبلا شك فإن وضع المتهم يكون سيئاً إذا أخذنا بالنتيجة التي حصل عليها بإجراء خالف قاعدة واجبة الإتباع وتحوم حوله الريبة إذا كانت الشرطة تعلم أن المتهم شخص خطير وله من الأساليب ما يستطيع الإفلات منها كان عليها أن لا تفتح له باباً وأن تراجع سلامة مواقفها في تطبيق القانون وألا تطلب نتيجة ترجوها من خرق القانون
أن الشارع لم يكتف بحضور شاهدين لإجراء التفتيش بل فضَّل أن يكونان من أقارب المتهم أو المقيمين معه بالمنزل أو الجيران وفي ذلك حكمة ابتغاها الشارع فالقريب ومن ساكن المتهم أو جاره أقرب الناس إليه وفي شهادتهم عليه شهادة أقرب أو أشبه من الشهادة على النفس وفيها نفي لكل شبهة قد تدور حول سلامة الإجراء أعطى النص وكيل النيابة أو القاضي تقدير الطبيعة المستعجلة ليتم التفتيش خلافاً لمن فضل النص شهادتهم فيكون الشهود بحسب الحال وليس بالإعفاء من إحضارهم لأي ظرف كان
أما أن يتم التفتيش دون حضور شاهدين فإن في هذا خللاً موضوعياً وليس شكلياً فيبطل الإجراء ويظل فساد الإجراء عيباً يلازم كل شئ سيما إذا كان المتهم سجله ملئ بالعلاقة السيئة مع الشهود عليه فملاحقة المدان وتكرار تفتيشه دون أن يسفر ذلك عن دليل عليه أمر يولد العدواة وتفتيشه أخيراً وفي الظروف التي وردت في الدعوى يجعل علاقة من فتشوه وشهدوا عليه ترقى إلى مستوى الطعن فيها إستناداً إلى المادة (10/2) من قانون الإثبات لسنة 1993م الأمر الذي يدعو إلى أخذها بحذر شديد
إن رجال الشرطة الذين يؤدون المهام التي أشرنا إليها شهادتهم كسائر الشهادات ولا نقول بخصومتهم في كل دعوى وتقوم الخصومة بالطعن الجاد المؤسس الذي تستنتج المحكمة سلامته مما يلقى أمامها من بينات
إن ظرف تكرار تفتيش المتهم تفتيشاً متكرراً وتفتيشه في هذه الدعوى بلا شهود يثير العديد من علامات الاستفهام التي تكون الإجابة عليها فحواها الظن كما أن تقديم بينة على صحة الطعن تضع بينة الاتهام تحت المجهر وتحتم النظر إليها بعين فاحصة تمحيصاً وتدقيقاً لها في جملتها وجزئياتها ثم وضعها على الميزان لوزنها وعلينا من خلال هـذا الفحص والوزن أن نضع في اعتبارنا خطورة الجريمة وأثرها على المجتمع وطريقة ارتكابها وما يحاط بها من سرية وكل ما يتعلق بها وبين خطورة العقوبة على المتهم إذا بني الحكم على أساس مختل ثم تقرر المحكمة مدى اطمئنانها إلى مستوى الإثبات
إن الشاهـد ينقل القاضي الغائب عن مسرح الحدث لحظة حدوثه إلى الحدث فشهادة الشاهد وإن كانت رواية نظرية لما استوعبه بالحواس إلا أن قوة بيانها وصدقها هو الذي يولد عند القاضي الثقة فيها وتصديقها فيتصور الحدث وكأنه شاهده فعلاً
التفتيش يحط حرمة من أجري على مسكنه ويخلق عداوة بين طرفين المفتِشْ والمفتَش والشهادة المحايدة فيها الفيصل القاطع والدفع لكل ما يثار من تشكيك في شهادة القائمين به الشاهد المحايد لا مصلحه له ولا عداوة بينه وبين من فتش ولا يهمه مصير البلاغ كان إدانة أو براءة ولكن دأب الشرطة ممثلة الاتهام في أغلب الأحيان إدانة المتهم ولما كانت شهادتهم اكتنفتها ظروف لا تحمل على الأخذ بها فإن الشك المعقول الناجم عن ذلك يضعف اليقين والشك والشبهة حالة ذهنية تنشأ في ذهن القاضي فتولد التباساً في بينات الدعوى فيتقلب القلب ولا يركن على حال وفي هذه الحالة لا بد من حساب الشكل سلباً على الاتهام وإيجاباً للمتهم
جاء في استجواب المدان أن بعض شهود الاتهام حضروا إليه ليلاً وطلبوا منه مبلغاً من المال قائلين له إننا نعلم أنك تتاجر في الحشيش وعندما رفض الاستجابة لطلبهم قالوا (بنجي نسرقك) ويقول أن هذا الحديث كان في حضور أربعة شهود استشهد باثنين منهما ردت المحكمة شهادتهما لتطابقهما مع رواية المتهم ودون التعرض لرأي المحكمة في شهادتهما بالمناقشـة وسواء كانت هـذه الشهادات صادقة أم كاذبـة فإن الشرطة وحدها هـي التي أوجدت ذلك بعـدم تقيدها بالإجراء السليم والمطلوب قانوناً والذي فيه قطـع لدابر كل ادعاء - خلقت الشرطة شكاً معقولاً ناتجاً عما أسلفنا وتفسيره لمصلحة المدان كان لازماً والإمام أن يخطئ في العفـو خير من أن يخطئ في العقوبة لذا يكون قضاؤنا بإلغاء قراري محكمتي أول وثاني درجة إدانة وعقوبة وإطلاق سراح المتهم وتأييد الأمر بإبادة الحشيش المعروض والله هو الهادي إلى سواء سبيل
القاضي: مصطفى عبدالقادر عوض الكريم
التاريخ: 29/3/2006م
أوافق مولانا/ ساتي مذكرته الضافية تسبيباً ونتيجة إذ أن بينات الدفاع خلقت شكاً يستفيد منه المتهم في ظل غياب البينة المحايدة وكيفية وطريقة التفتيش بصورة غير قانونية وسبق تفتيش المتهم المتكرر سبعين مرة وفي بعض أقوال بينات الاتهام مائة مرة ولم يشر إلى نتيجة ذلك على الرغم من التفتيش السابق والكثير والمتكرر والذي يبدو منه الإصرار على متابعة ومراقبة المتهم بصورة تخرج شهادة الاتهام من طبيعتها المقبولة إلى دائرة الشك الذي يستفيد منه المتهم ويفسر لصالحه لافتراض السلامة وعدم إدانته دون أدنى شك معقول بمادة الاتهام
القاضي: موسى النيل المكاشفي
التاريخ: 30/3/2006م
أوافق على ما انتهى إليه الزميلان نتيجة وتسبيباً
الأمر النهائي:
1- نلغي أحكام المحاكم الأدنى والعقوبة
2- نطلق سراح المتهم فوراً ما لم يكن أمر حبسه في بلاغٍ آخر
3- نؤيد أمر إبادة الحشيش المعروضات
مصطفى عبدالقادر عوض الكريم
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
30/3/2006م

