حكومة السودان ضد المو الهوى كاسا
المحكمة العليا
القضاة:
السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ يوسف دفع الله قاضي المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد المو الهوى كاسا
م ع / م ك / 64/ 1987م
المبادئ:
قانون جنائي- مسقطات القصاص-تعذر وجود أولياء الدم- المنشور الجنائي رقم 94/1983م
إن شرط استدعاء أولياء الدم يسقط إذا جهل مكان إقامتهم وتعذر أخذ رأيهم لعرض العفو عليهم وعلى المحكمة أن تحكم بالعقوبة الأصلية وهي عقوبة الإعدام
الحكــــــــم
القاضي: يوسف دفع الله:
التاريخ: 19/9/1988م
انعقدت محكمة كبرى بالقضارف برئاسة القاضي الزبير محمد خليل لمحاكمة المتهم المو الهوى كاسا تحت المادة 251 من قانون العقوبات وفي 10/5/1987م أدانته تحت مادة الإتهام وعاقبته بالإعدام شنقاً حتى الموت
أرسلت إلينا إجراءات المحكمة للتأييد بموجب المادة 234 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م
تتحصل الوقائع كما أخذت بها محكمة الموضوع أنه في حوالي الساعة 2 بعد الظهر يوم 24/11/1986م بمعسكر اللاجئين بأم راكوبة بمنطقة القضارف كان المتهم وآخرين يجلسون في بيت الحرمة ملو و هم من الأثيوبيين من قبيلة الأقو فجاء عدد آخر من الأثيوبيين من قبيلة الأمهرا فدخلوا عليهم وقالهم لهم "كس أم لاقو" ولما خرج الأوائل من البيت قام المتهم بطعن المجني عليه المدعو مكتي هفتو مرة واحدة في جنبه الشمال فذهب المجني عليه في الحال وجماعته للشرطة وأبلغوا بالحادث أسعف المجني عليه في الحال لمستشفي دوكة وتوفي بها في اليوم التالي بسبب تلك الطعنة جاء تقرير الطبيب أنه بالكشف الخارحي وجد جرح قطعي نافذ بالبطن الناحية الشمال من الظهر كما وجد نزيف داخلي وتمزق بالإمعاء والكبدة بسبب الوفاة وأن الآلة المستعملة في إرتكاب الحادث هي آلة حادة كالسكين
المتهم ينكر التهمة جملة وتفصيلاً في جميع مراحل القضية وقد تقدم بإستئناف بعد الحكم عليه بواسطة مسئول سجن القضارف يطعن في الحكم بدعوى أنه لم يرتكب الجريمة وقد كان مريضاً لم يخرج من بيته وقت وقوع الحادث
يجدر بنا بادئ ذي بدء أن نجيب على السؤال الهام وهو طعن المتهم المرحوم مكتي هفتو في 4/11/86 بقرية أم راكوبة؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب يمكننا السير في مناقشة بقية عناصر الجريمة الثابت إن الأوراق وما دون بمحضر المحاكمة إن هناك شهود عيان حضروا واقعة الطعن فشاهد الإتهام الأول المدعو هانو تكلو والذي أخذ شهادته في 6/11/86 بواسطة قاضي في حضور المتهم أي قبل بدء المحاكمة قال هذا الشاهد بأنه شاهد المتهم يطعن المجني عليه في ذلك البيت يوم الحادث حيث كان معه عدد كبير من قبيلته وكان المتهم أعزل من أي سلاح وإن المتهم عندما دخل عليهم في ذلك البيت ساهم مع الآخرين وسدد الطعنة للمجني عليه دون أن تبدر من الأخير أي كلمة أو يقم بأي فعل مثل أمام محكمة الموضوع كل من شاهدي الإتهام والدي وسي و أيلو واظائو جلو نقوس و أيدا الشاهد السابق في كل ما سرده من وقائع وأنهما شاهدا واقعة الطعن بواسطة المتهم نفسه دون أي سبب أو حتى حدوث كلام أو فعل معادي من جانب أي منهم هذا ما كان من أمر قضية الإتهام فلننظر إلي قضية الدفاع فقد أنكر المتهم التاهمة وقال إنه كان مريضاً بقرية أم راكوبة ولم يخرج من بيته في ذلك اليوم وقدم شاهدين ليؤيداه في دفاعه ولكن هذين الشاهدين لم يثبتا أنه كان مريضاً لا يستطيع الحراك كما لم يثبتا أنه لم يخرج بالعكس من ذلك فقد شهدا بأنه كان وقت سماع صياح الناس و وقوع الحادث خارج بيته فشاهدة الدفاع الأولى شهدت بأن المتهم كان مريضاً في بيتها ولكنه خرج منه لمكان الحادث وقت وقوعه ليبحث عن والدتها وشاهدة الدفاع الثانية قالت أنها وقت الحادث خرجت من منزلها إلي الطاحونة وتركت فيه المتهم وعند عودتها وجدت المتهم عند باب المنزل
مما تقدم نجد إن الإتهام أفلح في إثبات إرتكاب المتهم للجرم المسند إليه بواسطة ثلاثة شهود عيان جاءت شهادتهم متطابقة ومتماسكة وقد فشل المتهم في إثبات ما أدعاه بانه لم يخرج لمكان الحادث و من ثم فإن قضية الإتهام قد ثبتت بوضوح رغم إن شهادة شاهد الإتهام الذي أخذت شهادته بواسطة قاضي آخر في حضور المتهم قبل المحاكمة يجب أن تؤخذ بحذر و أن لا تعطي نفس الوزن للأقوال التي يدلي بها الشاهد شفاهة أمام المحكمة و أثناء محاكمة المتهم إذ الأصل شفوية المحاكمة فضلاً على إدلاء الشاهد بأقواله أمام المحكمة يتيح لها فرصة تقدير سلوكه ومدى صدقه وعدله كما يسمح لها بمناقشته في أمور قد لا تخطر ببال القاضي الذي أخذ الأقوال في مرحلة التحري
هكذا قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد مايكل فيتر دينق "مجلة الأحكام القضائية السودانية لعام 1978م-ص324"رغم ذلك فشهادة هذا الشاهد تطابقت مع أقوال الشاهدين الآخرين مما يدعونا للإطمئنان إليها
لهذه الأسباب يتأيد لنا من البينات المقدمة إن المتهمة طعن المجني عليه عمداً طعنة أدت إلي وفاته وذلك يستخلص من الآلة المستعملة في إرتكاب الجريمة ومكان الطعنة في الجسم و هو محل مقتل وقوة الطعنة التي أحدثت الأذى الحاصل الموصوف بتقرير الطبيب وحصول الموت بسبب تلك الطعنه بدون تدخل سبب خارجي آخر لهذا كله وجب القول بأن المتهم كان يقصد إلي الموت أو كان على الأقل يعلم إن الموت نتيجة راجحة لفعله هذا يتعين علينا بعد ذلك مناقشة الإستثناءات الواردة تحت م/249 من قانون العقوبات لسنة 1983م و التي تقلب وصف الجريمة من القتل العمد إلي القتل شبه العمد
ومن حيث رفع العقوبة فيه لا ترتفع عن الفاعل لأربعة أسباب هي : 1/ الإكراه 2/ السكر غير الإختياري 3/ الجنون 4/ صغر السن فنجيب على تلك الأسباب بأنهى غير متوفرة في قليل أو كثير حسبما ورد في البينات المقدمة حيث لم يقل به أحد ولم يثره القاضي ولم يدفع به المتهم فعمر المتهم وقت الحادث حوالي 22عاماًأخلص من ذلك إلي أن أسباب الإباحة وموانع المسئولية و أسباب تخفيف العقوبة كل ذلك لا يستفيد منه المتهم في قضيتنا هذه لكل ذلك يتعين إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات "القتل العمد"
ومن حيث العقوبة فقد أبانت محكمة الموضوع إن المتهم لاجئ أثيوبي وكذلك القتيل و لم يعثر على أولياء دم القتيل في معسكر اللاجئيين أو في أي مكان آخر حيث هم في أثيوبيا وخلصت محكمة الموضوع إلي أنه طبقاً للمنشور الجنائي رقم 94/83 إن حق إستدعاء أولياء الدم يسقط إذا جهل مكانهم أو معرفتهم ليعرض عليهم العفو أو الصلح وأنتهت المحكمة إلي الحكم بالإعدام تجدر الإشارة إلي أن بعض الفقهاء يرون إسقاط القصاص في حالة عدم العثور على أولياء الدم ويرى آخرون وجوب القصاص في هذه الحالة وفي ذلك يقول العلامة عبدالقادر عودة في مؤلفه التشريع الجنائي الإسلامي- ص136 ما يلي: إذا كان ولي القتيل مجهولاً لا يجب الحكم بالقصاص في رأي أبي حنيفة لأن وجوب القصاص وجوب للإستيفاء من المجهول متعذر فتعذر الإيجاب له ويخالف في ذلك باقي الأئمة إلا أن المشرع أخذ برأي الجمهور عندما نص في المنشور الجنائي المشار إليه الخاص بمسقطات القصاص على أنه "كما أنبه إلي أنه شرط إستدعاء الأولياء لسؤالهم و عرض العفو عليهم يسقط إذا جهل مكان إقامتهم وتعذر أخذ رأيهم كما لا ينتظر بلوغا الصغير إعمالاً لرأي الجمهور" لما كان ذلك وكانت المنشورات الجنائية بخصوص المذهب أو المذاهب التي تتبعها المحاكم في تطبيق القواعد الشرعية ملزمة للمحاكم عملاً بأحكام المادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية فإنه يتعين في هذه الحالة الحكم بالقصاص
لما تقدم نرى تأييد الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م "القتل العمد" وكذلك عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت
القاضي:علي يوسف الولي
التاريخ: 1/12/1987م
أتفق إن الجريمة التي أقترفها المتهم المو الهوى كاسا هي جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م "جريمة القصاص في النفس" لثبوتها فوق مرحلة الشك المعقول لا بالإقرار أو الإعتراف القانوني الصريح غير المرجع فيه بل بالشهادة ذات النصاب الشرعي وفقاً لمقتضيات الشريعة الإسلامية السمحاء المستمد منها قانون العقوبات لسنة 1983م نصاً و روحاً
معلوم إن جريمة القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) لا تثبت إلا بعد توافر البينة الشرعية شأنها في ذلك شأن الجريمة الحدية والبينة الشرعية تمثل الشهادة ذات النصاب الشرعي أي شهادة شهادين أثنين على الأقل وذات عدالة صادرة من فيهي شاهدين عدلين ومباشرة أي ذات الأصالة والرؤيا والمشاهدة والمعاينة والبعيدة كل البعد والمجرد كل التجرد والخالية كل الخلو من شبهة تهمة المصلحة و المنفعة و الخصومة و العدواة والقرابة وعدم الفهم والإدراك ونقصان العقل وضعفه ومن شبهة تهمة الضلال كما إن البينة الشرعية أيضاً الإقرار الصحيح غير المرجوع فيه
ويلاحظ إن المشرع السوداني لم ينص على طرق لإثبات الجرائم التي توجب القصاص في النفس (جريمة القتل العمد) وفيما دون النفس (جريمة الجرح العمد) كما نص صراحة على ذلك في حالة جرائم الحدود في المواد 77و78و79 من قانون الإثبات لسنة 1983م والمادة 316 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983م ولكن فقهاء الإسلام قد أجمعوا على إن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس "جريمة القتل العمد" وفقاً لنصوص الشريعة الإسلامية الغراء هو عدد شاهدين أثنين على الأقل فقد قال الفقيه العالم عبدالقادر جودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي الجزء الثاني ص315 –316 ما يلي:
"يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلانوذلك لان القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه بإشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء ومن يشترط الشاهدين فيما يوجب القصاص لا يفرق بين القصاص بالنفس والقصاص فيما دون النفس ويوجب إثبات الجريمة الموجبة للقصاص مطلقاًَ شهادة رجلين عدلين"
وقال أيضاً الفقيه عبدالقادر جودة في نفس مرجعه المذكور الجزء الأول ص82-83 ما يلي:
" من حيث إثبات الجريمة: تشترط الشريعة إثبات جرائم الحدود والقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة وبقية جرائم الحدود لا ثتبت إلا بشهادة شاهدين على الأقل"
وقال الأستاذ عبدالرحمن المالكي المحامي في كتابه نظام العقوبات 1385هـ الموافق 1965م ص122 ما يلي:
"لإثبات القتل لابد من البينة والبينة شاهدان أثنان وهذا يعني أن القتل يثبت بشاهدين فإن وجد شاهدان يثبت القتل وإلا فلا ولا خلاف في ذلك"
والحجة والسند والدليل على إن نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" يجب أن شاهدين على الأقل بنص الأحاديث الشريفة الواردة في تواتر السنة المطهرة فعن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً فأنطلق أولياؤه إلي النبي صلي الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: "لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم"
و عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده إن ابن مخيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خبيبر فقال النبي صلي الله عليه وسلم:
" أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته"
فإذا نقص نصاب الشهادة الشرعية لإثبات جريمة القصاص في النفس "جريمة القتل العمد" أو كانت الشهادة غير مباشرة أو كانت "لوثاً" أي قرائن أحوال أو بينات ظرفية أنشأت ما يسمي فقهاً بالإثبات بالقسامة أو ملابسات أحاطت بوقائع الحادث إذا لم يكن دليل في القضية إلا الشهادة أي ليس هنالك إقرار قانوني صريح غير مرجوع فيه و وجد القاضي مع ذلك في الشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي أو في تلك الشهادة غير المباشرة ما يقتنع به القاضي ويكون عقيدته و ما يركن إليه الضمير ويصدقه ويطمئن إليه الوجدان بإدانة المتهم بجريمة القتل فإن الجريمة الثابتة تكون هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القصاص في النفس "القتل العمد" تحت المادة 251 من ذات القانون و ذلك تأسيساً على قيام شبهة إنعدام ثبوت تلك الجريمة الأخيرة بشهادة الشهود وفقاً للنصاب المطلوب شرعاً ففي قضية حكومة السودان ضد آدم أحمد مادبو و آخر نشرة الأحكام العدد الثاني لسنة 1986م ص48 وجدت المحكمة العليا إن الجريمة التي أرتكبها المتهم الاول آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 لسنة 1983م وليست جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" تحت المادة 251 من ذات القانون وذلك لعدم توافر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة مما خلف شبهة عدم الإثبات بالشهادة مما أدي إلي سقوط ودرء القصاص وقال الأستاذ عبدالرحمن المالكي المحامي في مرجعه كتاب نظام العقوبات المشار إليه أنفاً ص113-114 ما يلي:
"و على ذلك فبينة القتل هي شاهدين إلا إن نص الرسول على شاهدين" يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كان فيها شبهة والرسول صلي الله عليه وسلم قال: "أدرؤوا الحدود بالشبهات"
وقال الفقيه العالم عبدالقادر عودة في كتابه المشار إليه سابقاً في التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص118 ما يلي:
"وبهذه المناسبة يحسن أن نفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات في جريمة القتل فمعني هذه القاعدة إن كل شبهة قامت في فعل الجاني أو قصد ه يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود ويعاقب الجاني بدلاً من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة في جرائم الحدود جمعياً على هذه الصورة ولكن تطبيق القاعدة في جرائم القتل نادر مع إمكانه فهي تقريباً معطلة التطبيق و إن كانت في الواقع تطبق معنى لا صورة لأن القتل و هو فعل واحد قسم إلي أنواع مختلفة: عمد شبه عمد و خطأ فالشبهة في القتل تحول نوع القتل إلي ما هو أدني منه وتدرأ الحد الأعلى بالحد الأدني فكأن القاعدة لا تطبق معني لا صورة"
فالشبهة التي يعرفها فقهاء الشريعة الإسلامية بالثابت وليس الثابت إذا كانت بالإثبات بالشهادة أو كانت في الإثبات بالإقرار و إن كانت تؤدي أحياناً إلي تبرئة المتهم من الجرائم ذات العقوبات المقدرة والمحددة شرعاً كالقصاص والحدود إلا أنها تؤدي في كثير من الأحوال إلي ثبوت جرائم غير حدية وجرائم غير القصاص فقد جاء في كتاب التعزيز في الشريعة الإسلامية للدكتور عبدالعزيز عامر 1374هـ الموافق 1955م ص34 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:/
"فإذا لم توجد الأدلة اللازمة لإثبات الجريمة و إقامة الحد على المتهم أو وجدت ولكنها لم تستجمع الشرائط الواجب توافرها لتكون منتجة في إثبات الجرائم ذات العقوبات المقدرة و وجد القاضي مع ذلك في القضية المعروضة عليه مع الأدلة ما يقنع به ويكون عقيدته بإدانة المتهم فإنهم يحكم بناء على هذه الأدلة التي أقتنع بها العقوبة التعزيرية المناسبة فالأمر خاضع لتقدير القاضي في هذا المجال فإن درء الحد للشبهة قد لا يؤدي إلي البراءة بل إلي الحكم بعقوبة تعزيرية لأن الشبهة و إن كانت في مجال الحدود و القصاص تأخذ حكم الحقيقة وتمنع من إقامة العقوبة المقدرة على المتهم إلا أنها قد لا تؤدي إلي منع العقوبات الأخرى إذا لم تمح وصف الجريمة على الفعل المرتكب"
وقد ورد في نفس المرجع المذكور في نفس الصفحة ما يلي:
" أما الحالات التي لا تؤدي فيها الشبهة في الإثبات إلي البراءة فمثالها أن يكون دليل الإثبات هو الإقرار وعدل عنه المتهم بعد أن أعترف فإن العقوبة المقدرة لا تطبق عليه للشبهة بعد أن أعترف فإن العقوبة المقدرة لا تطبق عليه للشبهة في الإثبات ولكن يجوز تعزيره بعقوبة أو عقوبات أخرى مناسبةإن الإقرار مع العدول يبقي دليلاً يرجح فيه الصدق فيصلح دليلاً لإقامة العقوبة على المتهم لأن الإنسان لا يتهم نفسه في العادة بجريمة يرتكبها"
وجاء أيضاً في نفس المرجع المذكور على ص32-33 ما يلي:
" و إذا ترتب على قيام الشبهة درء العقوبة عن المتهم فإن الأمر بعد ذلك لا يعدو أحد حالتين:
فإما أن يترتب على درء العقوبة المقدرة تبرئة المتهم مما أسند إليه و هنا لا تستبدل عقوبة أخرى بالعقوبة أو العقوبات التي درئت بالشبهة و إما أن يؤدي ذلك إلي تطبيق عقوبة أخرى غير العقوبة المقدرة إذا لم يكن من شأن الشبهة التي ثارت أن تزيل عن الفعل المرتكب وصف الجريمة و في هذه الحالة لا يستطيع القاضي أن يقضي بالبراءة بل عليه أن يقضي بعقوبة أو عقوبات أخرى تناسب الحالة المعروضة عليه وهذه العقوبات هي ما يسمي بالتعزيرات ويترتب على وجود الشبهة في الإثبات بالنسبة للجرائم ذات العقوبات المحددة أن تندرئ هذه العقوبات لكن قد يكون من نتيجة ذلك تبرئة المتهم كلية وقد يكون من نتيجته أن تنتقل الحال من العقوبات المقدرة إلي نطاق العقوبات غير المقدرة و هي التعزيرات"
و قال العالم عبدالقادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص213 ما يلي:
"تختلف النتائج التي تترتب على الأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات ففي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلي درء عقوبة الحد وتبرئة المتهم من الجريمة المنسوبة إليه وفي بعض الأحيان يؤدي تطبيق القاعدة إلي درء عقوبة الحد و أحلال عقوبة تعزيرية محلها"
و إذا قيل إن القصاص حق من حقوق الأدميين و من ثم لا يسقط بالشبهة في الإثبات لان الشبهة تسقط وتدرأ فقط حقوق الله تعالى وهي الحدود فإن الرد –كما قال أحد الفقهاء- بأن ما من حق لأدمي إلا لله فيه حق إذ من حق الله على كل مكلف ترك أذاه لغير فيكون القصاص من حقوق الله كالحدود سواء بسواء وإن كان حق العبد غالباً فيه و إذا كانت الحدود هي العقوبات التي قدرها وحددها مقدماً الشارع الإسلامي فإنها تشمل القصاص لأن القصاص قدره وحدده الشارع الإسلامي أيضاً مقدماً فقد جاء في كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية المشار إليه سابقاً ص57-58 ما يلي:
" ويمكن أن تسمى عقوبة القصاص حداً لان هذه العقوبة حددها الشارع مقدماً وكلمة الحد لها معنى واسع فمحارم الله تعالى تسمي بالحدود لقوله تعالى "تلك حدود الله فلا تقربوها" و ما حده الشارع وقدره كالمواريث وتزويج الأربع تسمى بالحدود لقوله تعالى تلك حدود الله تعالى: " تلك حدود الله فلا تعتدوها" و كل ما قدره الشارع يعتبر حداً أما إنه حق من الأفراد و أن ذلك يعطيه أسماً خاصاً متميزاً عن الحدود فهنا غير مسلم به إذ لاصلة ولا مناسبة بين تسمية العقوبة بالحد و كونها حقاً لله أو الفرد وكل ما يمكن بسببه تسمية الحد يوجد في القصاص الذي هو محدد من الشارع ويمنع من الجرائم كالحد سواء بسواء"
وجاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 207 ما يلي:
"القاعدة العامة في الشريعة إن الحدود تدرأ بالشبهات المقدرة لجرائم الحدود والعقوبات المقررة لجرائم القصاص"
وفي نفس المرجع الجزء الثاني ص21 جاء ما يلي:
"يعتبر القتل قصاصاً حداً من حدود الله ولكنه حد مقدر حقاً للأفراد وليس حقاً مقدراً لله أي للجماعة ومن ثم قرقنا بينه وين جرائم الحدود المقدرة حقاً لله"
ولو لم يدان كل من وجهت له تهمة إرتكاب جريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" بجريمة القتل شبه العمد ولو أخلى سبيله فقط تأسيساً على أن جريمة القتل العمد لم تثبت بالشهادة الشرعية أي لأن نصاب الشهادة الشهود لم يكتمل وفقاً لمقتضيات الشريعة الإسلامية الغراء لإثبات جريمة القتل العمد إن لم يكن دليل في القضية إلا الشهادة أي ليس هنالك اقرار قانوني صحيح صريح غير مرجوع فيه-لفلت ذلك المجرم من العقاب ومن يد العدالة و من ثم لأجهضت ولأهدرت و أنهارت قواعد العدل و الإنصاف و إذا كانت الشرية الإسلامية السمحاء لا تشترط لإثبات جريمة القتل شبه العمد أي نصاب معين من الشهود كما هو الحال في حالة جريمة القصاص في النفس إذا لم يكن في القضية دليل شرعي آخر إلا الشهادة فإن ذلك من شأنه أن يبرر الإدانة بجريمة القتل شبه العمد بالشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي لإثبات جريمة القتل العمد إن الشهادة الناقصة عن النصاب الشرعي في جريمة القتل يحوطها-بطبيعتها-الشك المعقول من كل جانب- ذلك الشك الذي ينبغي أن يفسر لصالح المتهم وفقاً للقاعدة الذهبية الضاربة في جذور القانون الإثبات الجنائي و من ثم لابد أن يدان المتهم بناء على تلك الشهادة الناقصة التي يطمئن لها وجدان المحكمة ويصدقها ويركن لها الضمير –بجريمة القتل شبه العمد الجريمة الأقل والأخف –و الأدني درجة- فقد قضت المحكمة العليا قبل تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء في قضية حكومة السودان ضد عبدالله أحمد عبدالله مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1975م ص492 بأنه في كل الحالات يصعب فيها تحديد ما إذا كانت الجريمة التي أرتكبها المتهم قتلاً عمداً أو قتلاً جنئاياً "قتل شبه عمد" فإنه يجب إدانة المتهم بالجريمة الأقل والأخف إعمالاً لقاعدة تفسير الشك في صالح المتهم
إن ضرورة إثبات جريمة القصاص في النفس "جريمة القتل العمد" بشهادة شاهدين أثنين عدلين على الأقل إن لم يكن في القضية دليل إلا شهادة الشهود –ضرورة أقتضاها فلسفة طرق الإثات في الشريعة الإسلامية السمحاء كما أقتضاها مبدأ العدالة والإنصاف الذي قررته وأرسته الشريعة الإسلامية الغراء التي أهدافها الأساسية بسط العدل بين الناس –ذلك المبدأ الذي يقضي بإلزام القاضي بدء و إسقاط الحدود بالشبهات والذي يقضي بأن ينال المتهم محاكمة عادلة ومنصفة حتى لا يؤخذ بالشبهات و لا يقضي عليه بالظنون وحتى لا يدان إلا بعد ثبوت جريمة ضده بدليل قاضطع بعد تخطي مرحلة كل شك معقول أو غير معقول خصوصاً في حالة محاكمة جرائم القصاص والحدود المهلكة والمتلفة لأعضاء الجسم حيث يتوجب على القاضي التيقن والتثبت و الإستيثاق في الأحكام و التأكد من سلامتها وفق المعايير الشرعية-ذلك المبدأ الذي يقضي بأن الإمام أن يخطئ في العقو خير من أن يخطئ في العقوبة فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص217 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
"من المبادئ العامة المقررة قول الرسول عليه السلام: "الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" و معني هذا المبدأ أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني أرتكب الجريمة فإذا ثمة شك في أن الجاني أرتكب الجريمة أو في إنطباق النص المحرم على الفعل المنسوب للجاني وجب العفو عن الجاني"
وعن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "أردءوا الحدود بالشبهات ما أستطعتم أدفعوا القتل عن المسلمين ما أستطعتم"
و عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: أدرءوا الحدود عن المسلمين ما أستطعتم فإن كان مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"
وعن إبن عباس رضي الله عنه تعالى عنها قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أدفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً"
وقال أمير المؤمين عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات"
وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه" إذا رفع في الحد عسى ولعل فقد بطل"
وروى عن معاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وعقبي بنو عامر رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: إذا أشتبه عليك الحد فأدرءاه
كمهما يكن من شئ فالبينة الشرعية الواردة في هذه القضية التي بين أيدينا هي شهادة الشهود دون إقرار المتهم المو الهوى كاسا لأنه لاذ بالإنكار الشديد ودفع بأنه لم يكن موجوداً مسرح الجريمة لا يعرف الذي قتل المرحوم راكو مكنن هفقو وجاءت الشهادة ذات نصاب شرعي فشهود الإتهام: المتحري عريف شرطة مصطفي أحمد حسين لم يشاهد الحادث فقط بل قام بالتحريات وجمع البيانات ومن ثم فإن شهادته مرفوضة لأنها غير مباشرة لإفتقارها لعنصر الأصالة والرؤيا والمشاهدة والمعاينة ففي قضية حكومة السودان ضد موسي باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية أبريل-مايو-يونيو سنة 1984م ص36 رفضت المحكمة العليا أفادة المتحري في قولها:
"المتحري ليس بشاهد أصلاً لأنه حكي للمحكمة إجراءات الشكوى والبلاغ وما قام به وأنه لم يشاهد ولم يعاين الحادثة وينبغي إستبعاده" و إذا كانت المادة 37 من قانون الإثبات لسنة 1984م تعرف البينة بأنها هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعي بها على آخر في مجلس القضاء ومواىجهة الخصوم فإن ذلك النص يقضي بوضوح وجلاء بضرورة أن تكون شهادة الشاهد مباشرة خصوصاً لإثبات مثل هذه الجريمة الخطيرة والمتلفة والمهلكة والمنهية للحياة والرسول عليه الصلاة والسلام يقول الشاهد مؤكداً إن الشهادة لابد أن تكون مباشرة:
"إذا رايت مثل الشمس فأشهد و الأفدع"
ونجد المنشور الجنائي رقم 97/83 ينص فيما ينص على أنه "لابد أن يكون الشاهد قد عاين المشهود به"
وهنالك إفادة المرحوم راكو مكنن مفقو على ص(1) من يومية التحري التي أدلي بها للمتحري قبيل وفاته كالأتي:
"كنت ماشي بالشارع وقابلني واحد أمهراوي بعرف شخصيته وما بعرف إسمه وبدون أي كلاىم طعني بشكين على بطني واحدة طعنة وقام جاريفعلاً إذا شاهدت المتهم بعرفه ما عندي أي سبب مع المتهم" ولكن إفادة المرحوم أيضاً غير مقبولة لإثبات جريمة القصاص في النفس لأنها شهادة مجني وشهادة المجني عليه تعتريها وتشوبها شهبة تهمة المصلحة والمنفعة وهي شهادة لا تعدو أن تكون "لوثاً" أي قرينة التأييد البينة فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص316 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
"والشاهدان اللذان تثبت بشهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحداهما المجني عليه فإذا كان شاهد واحد و المجني عليه لم يكتمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبرمدعياً لا شاهداً تصلح لوثاً أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة"
وفي قضية حكومة السودان ضد حسين إبراهيم باشا وآخرين نشرة الأحكام الرباعية يناير-فبراير-مارس 1986م ص53 قضت المحكمة العليا بأن شهادة المجني عليه "المرحوم" يعتبر خصماً للجاني فإن شهادته غير جدية بإثبات جريمة القصاص في النفس "جريمة القتل العمد" لأن الرسول عليه السلام يقول:
"لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين"
وقال عليه الصلاة والسلام : "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي حنة"
ولاشك إن المرحوم "ظنين" أي متهم بالمحاباة لنفسه لأنه يود أن يجر لها نفعاً بإدانة المتهم و يدفع عنها ضرراً ببراءته و لا شك إن بين المجني عليه "المرحوم" و الجاني "حنة" أي عداوة بسبب ما حدث والرسول صلي عليه وسلم يقول أيضاً:
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخته" ولا شك إن هنالك "غمر" أي حقد وشحناء وعداوة وخصومة وبغضاء بين المرحوم والجاني بسبب ما وقع بينهما وإذا كانت المادة 35 من قانون الإثبات لسنة 1983م جوزت الإعتداد بإفادة المحتضر قبيل وفاته فإن ذلك ينبغي ألا يكون في حالة قضايا القصاص والحدود ولا تعدو وتلك الإفادة أن تكون –كما أبنت آنفاً- "لوثاً" أي بينة ظرفية وقرينة لتأييد وتعزيز البينة الشرعية الواردة في القضية سواء أكانت شهادة شهود حسب النصاب الشرعي على نحو ما أبنت أم إقرار قانوني صحيحج غير مرجوع فيه أما بقية شهود الإتهام على والداي دس أيالو و أظانو جكو نفوس و هاند تكلو أثبتوا على البيمين وبعد أن ناقشهم المتهم بأن المتهم هو الذي طعن المرحوم الطعنة الموصوفة في التقرير الطبي على جثة المرحوم وكانوا شهود عيان الحادث و رأوه رأي العين وإفادة المرحوم للتمحري فيها تييد لشهادتهم ومن ثم فن شهادتهم الثلاثة مباشرة أي ذات أصالة و رؤيا ومشاهدة ومعاينة و لم يثبت إن هنالك صلة قربي بين المرحوم وهؤلاء الشهود سوى أنهم من قبيلة واحدة كما أنهم لم يكونوا خصوماً للمتهم في يوم من الأيام ومن ثم فإن شهادتهم بعيدة كل البعد ومجردة كل التجريد وخالية كل الخلو من شبهة المصلحة والمنفعة والخصومة والعداوة والقرابة وهؤلاء الشهود لم يثبت جنونهم أو ضعف أو نقصان عقولهم
لنفس الاسباب التي ساقها الزميل يوسف دفع الله أرفض دفاع المتهم وبما إن المتهم المو الهوى كاسا –كما هو ثابت من شهادة شهود الإتهام العيان الثلاثة المذكورين
قد أستعمل سكيناً وهي أداة بطبيعتها خطيرة في طعن المرحوم لاكو وكنن وبما أنه أستهدف بطن المرحوم وهي موضع حيوي من جسم المرحوم فإن فعله هذا لا يفسر غير تفسير واحد وهو أنه قد قصد تسبب موت المروحوم لأن القصد الجنائيؤ –وفقاً لما جرى وتواتر وأستقر وأنتهي إليه القضاء و وفقاً لما أجتمع عليه فقهاء الإسلام يستقي ويستخلص من الأفعال أو على أقل تقدير فإن المتهم كان يعلم أو يجب أن يعلم إن موت المرحوم سيكون النتيجة الغائرة النجلاء التي مزقت إمعاء وكبد المرحوم لأن الرجل العادي المعقول الرشيد لأب أن يصاب بالدهشة بالبالغة و بالإستغراب الشديد والذهول العميق إذا قيل له إن مثل تلك الطعنة ويمثل ذلك السلاح في مثل ذلك الموضع من جسم المرحوم لم تؤد إلي وفاة المرحوم"
لهذه الأسباب جميعاً فإن إدانة المتهم بصفة مبدئية تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م بجريمة القتل العمد (جريمة القصاص في النفس) جاءت في محلها صحيحة وسليمة لا غبار عليها
لن أغفل كما أغفلت المحكمة الكبرى مناقشة بعض من أسباب الإباحة التي تعفي المدان المو الهوي كاسا عن المسألة الجنائية بصفة نهائياً ما هو مناسب في ظروف هذه القضية
فالمدان المذكور ليس حدثاً عندما أرتكب هذه الجريمة فقد كان عمره أكثر من 18 عاماً سن الحلم التي حددها المنشور الجنائي 106/84 و من ثم فإنه لا يستفيد من سبب الإباحة الواردة في المادة 49 من قانون العقوبات لسنة 1983م
أيضاً المدان المذكور لم يعد مجنوناً عندما أرتكب هذا الحادث كما أنه و ما زال قادراً عن الدفاع عن نفسه عند محاكمته ومن ثم لا يستفيد من سبب الإباحة الواردة في المادة 50 من قانون العقوباىت لسنة 1983م
المدان المذكور ليس في حالة دفاع عن نفسه أو عن ماله أو غيره أو عن مال غيره عندما قتل المرحوم و من ثم فإنه لا يستفيد من سبب الإباحة الواردة في المادة 55 من قانون العقوبات لسنة 1983م إن من يدفع بحق ممارسة الدفاع الشرعي يجب عليه أن يأتي إلي العدالة بأيدي نظيفة من الخطا واللوم وعليه يتعين ألا يكون هو المعتدي على ضحيته لأنه ليس للمعتدي أن يجني ثمار عدوانه ففي قضية حكومة السودان ضد حسن النحلة أحمد وآخرين مجلة الأحكام القضائية لسنة 1974م ص485 قضى بأنه لا ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس لصالح المعتدي ولكن في القضية التي بين أيدينا الثابت بعد تخطي مرحلة الشك المعقول من إفادات شهود العيان الثلاثة إن المدان المذكور جاء إلي المنزل الذي كان يتواجد فيه هؤلاء الشهود والمرحوم وكان معه أشخاص آخرون فبادر المدان المرحوم بالإعتداء عليه بسكينه وطعنه في بطنه دون أي سبب واضح
بعد ذلك أنتقل إلي مناقشة الدفوع المخففة و المغيرة التي تنزل بجريمة القتل العمد إلي جريمة القتل شبه العمد والواردة في الإستئناف بالمادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1982م
فبخصوص دفع الإستفزاز الشديد والمفاجئ تحت المادة 249 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد منه المدان لأن الشرط الأول لإنطباقه غير ثابت وهو صدور فعل أوقول إستفزازي من المرحوم حيث لم يشر إلي ذلك أي من شهود العيان الثلاثة المذكورين
بخصوص دفع تجاوز حق الدفع الشرعي تحت المادة 249 (2) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد المدان منه لأني –كما أسلفت- قد قررت بعدم ثبوت ذلك الحق أصلاًَ في حق المدان و من ثم لا معني لمناقشة تجاوزه
بخصوص الدفع تحت المادة 2439 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م غير وارد مطلقاً لأن المدان لم يعد موظفاً حكومياً بل هو من عمال الزراعة المطرية
بخصوص دفع المعركة المفاجئة الوارد في المادة 249 (4) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستظل المدان بظله لتخلف أحد عناصره وهو نشوب المشاجرة الكلامية المفاجئة بين المدان والمرحوم ولتخلف عنصر أخر لإنطباق ذلك الدفع هو عدم إستغلال المرحوم لظروف المعركة فلم يراع المدان قواعد الفروسية والبطولة والمبارزة عندما طعن المرحوم كما و ثات من إفادات شهود العين-كان المرحوم أعزلاً من غير أي سلاح في حين إن المدان كان مسلحاً بسكين كما إن المدان أخذ المرحوم على غرة ومباغتة وطعنه وليس ذلك من شيم الفرسان و الشجعان والأبطال و المبارزين-فالمدان طعن المرحوم والمرحوم كان في وضع خاسر ولم تعد المعركة متكافئة ولذلك أستغل المدان فرصة غير متاحة للمرحوم
بخصوص الدفع تحت المادة 249 (5) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد المدان منه لأن المرحوم لم يعرض نفسه للموت برضائه بخصوص الدفع تحت المادة 249 (6) من قانون العقوبات لسنة 1983م لا يستفيد المدان منه لأنه –كما أسلفت- غير ثابت إن المدان كان ياني من أي نوع من الجنون في وقت الحادث أو إضطراب عقلي
لهذه الأسباب مجتمعة ولتوافر جميع الأركان الثلاثة التي تنهض عليها جريمة القتل العمد ولعدم توافر أي سبب من أسباب الإباحة التي تعفي نهائياً المدان المذكور من المساءلة الجنائية ولعدم إنطباق أي دفع من الدفوع المخففة لجريمة القتل العمد والتي تنزل بها إلي جريمة القتل شبه العمد و الواردة في الإستثناءات بالمادة 249 من قانون العقوبات لسنة 1983م فإني أراني متفقاً على إدانة المو الهوي كاسا بجريمة القتل العمد "جريمة القصاص في النفس" تحت المادة 251 من ذات القانون
إن عقوبة جريمة القتل العمد هي الإعدام أي القصاص ولكن لا يجوز إطلاقاً للمحكمة الكبرى أن تقوع عقوبة القصاص بعد الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات إلا بعد تطرق كل أبواب مسقطات القصاص الواردة في المنشور الجنائي 94/83 وغيرها مما رصده فقهاء الإسلام
فيجب أولاً أن تأمر المحكمة الكبرى بعد إدانة المتهم 2541 من قانون العقوبات لسنة 1983م بقائمة بأسماء أولياء الدم بموجب مستند رسمي صادر من جهة الإختصاص أولياء الدم هم ورثة المرحوم
ثم تعرض المحكمة على ورثة المرحوم العفو و هو تنازلهم عن القصاص مجاناً دون الدية الكاملة المغلظة و إذا قبل واحد فقط منهم يجب العفو يبج على المحكمة أن تسقط القصاص وتصدر عقوبة الدية الكاملة و إذا قبل الصلح واحد فقط منهم يجب على المحكمة أن تسقط القصاص وتحكم بالدية الكاملة المغلظة وتوزعها جميعاً
و إذا رفض أولياء الدم جمعياً العفو يجب على المحكمة أن تعرض عليهم الصلح وهو تنازلهم عن القصاص مقابل الدية المغلظة الكاملة وإذا قبل الصلح واحد فقط منهم يجب على المحكمة أن تسقط القصاص وتحكم بالدية الكاملة المغلظة وتوزعها جميعاً
و إذا رفض أولياء الدم جميعاً الصلح ولم تجد المحكمة مسقطاً آخر من مسقطات القصاص وجب عليها الحكم بالقصاص ولكن إذا لم يعثر على أولياء الدم أو جهل مكان إقامتهم والتعرف عليهم رغم البحث المضني عنهم فيثور السؤال ما إذا كانت المحكمة الكبرى في هذه الحالة تحكم بالقصاص لسقوط شرط إستدعاء أولياء الدم بسؤالهم وعرض العفو أو الصلح عليهم كما هو راي جمهور الفهاء أم يجب على المحكمة الكبرى في هذه الحالة ألا تحكم بالقصاص كما هو رأي أبي حنيفة
إني أرى أخذاً برأي جمهور الأئمة بأنه في حالة أن يكون أولياء الدم مجهولين ولم يعثر عليهم وتعذرت معرفة مكان إقامتهم رغم البحث الشديد المضني يجب توقيع عقوبة القصاص لسقوط شرط إستدعاء أولياء الدم لعرض العفو أوالصلح عليهم بسبب عدم معرفتهم وعدم العثور عليهم وعلى مكان إقامتهم فقد ورد في المنشور الجنائي رقم 94/83 على لسان رئيس القضاء ما يؤيد هذا النظر فيما يلي:
" يسقط القصاص بالعفو عنه فلا يحكم بالقصاص إلا بعد إستدعاء البالغين الحاضرين من أولياء الدم وعرض العفو عليهم فإذا عفوا أو عفي أحدهم بالإختيار والرضا صراحة أمام المحكمة سقط القصاص سواء كان العفو في مقابل الدية أو بدونهاأولياء الدم الذي يملكون حق العفو أو الصلح هم جيمع ورثة القتيل في وقت وفاتهوقد أستندنا في تعريف الأولياء إلي رأي جمهور الفقهاء كما أنبه إلي أن شرط –إستدعاء الأولياء بسؤالهم وعرض العفو عليهم يسقط إذا جهل مكان إقامتهم وتعذر أخذ رأيهم كما لا ينتظر بلوغ الصغير إعمالاً إلي رأي الجمهوريظل حق العفو أو الصلح قائماً إلي ما قبل تنفيذ الحكم وإذا تم العفو أوالصلح في أي مرحلة قبل التنفيذ تعاد القضية إلي المحكمة المختصة للحكم بالدية وإن كان لها وبالعقوبة التعزيرية المناسبة"
ونحن لا يجوز لنا-شرعاً- أن نأخذ برأي أبي حنيفة ونتجاهل رأي باقي الأئمة ونقرر بأن عدم العثور على أولياءالدم في هذه القضية التي بين أيدينا يكون سبباً من أسباب مسقطات القصاص و هو رأي شاذ
وإذا أخذنا برأي أبي حنفية نكون قد خالفنا ما أستقر عليه قضاء المحكمة العليا القائم على رأي جمهور الفقهاء في محاكمة زودي ولد قرمدهن م ع / م ك / 23/1406هـ "غير منشورة" حيث كان الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م ثم أيدتها المحكمة العليا وقصت بأن عقوبة الإعدام هي العقوبة المناسبة بسبب عدم وجود أولياء الدم فقال القاضي أحمد محمد عثمان قاضي في تلك السابقة ما يلي:
"و حيال الحكم "العقوبة" فقد أشارت محكمة الموضوع بأنها لم تهتد إلي أولياء الدم إذ أن القتيل أحد اللاجئيين ولا يعرف ذويه ومن ثم ما كان أمامها إلا أن توقع العقوبة الأصلية وهي الإعدام ونحن نشاركها الرأي بأن ليس هناك من أمر يجعل محكمة الموضوع أآن تحيد عن تطبيق العقوبة الأصلية في تلك الحالة وهي عقوبة الإعدام لهذا ليس أمامنا إلا أن نؤيد أيضاً الحكم"
وقال القاضي محمد عبدالرحيم في نفس السابقة ما يلي:
"بعد الإطلاع على يومية التحري ومحضر المحاكمة أتفق تماماً مع زميلي العالم أحمد محمد عثمان قاضي في ما توصل إليه تسبباً ونتيجة"
وقال القاضي زكي عبدالرحمن في نفس السابقة ما يلي:
"أتفق مع الزميلين أحمد ومحمد على صحة الإدانة بموجب المادة 251 وعلى إن عقوبة الإعدام هي العقوبة المقررة قانوناً بسبب عدم وجود أولياء القتيل
الأمر النهائي :
نؤيد إدانة المحكوم عليه زودي ولدي قرمدهن بموجب المادة 251 من قانون العقوبات كما نؤيد حكم الإعدام شنقاً حتى الموت الصادر في حقه
وفي محاكمة يونس أبكر م ع / م ك/ 69/87 "غير منشورة" حيث كان أولياء القتيل مجهولين ولم يعثر عليهم لعرض العفو أو الصلح عليهم بعد الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م تم الحكم بالقصاص
وقال القاضي أحمد محمد عثمان في تلك السابقة ما يلي:
"وحيال الحكم" لقد أشارت محكمة الموضو "المحكمة الكبرى" بأنها لم تهتد إلي إسم صاحب "القتيل" وبالتالي لم يتم التعرف أو الإهتداء إلي ذويه حتى تعرض عليهم العفو أو الدية أو القصاص و في هذه الحالة ليس أمامها إلا أن تصدر العقوبة المنصوص عليها في القانون
وحيال هذا أقول إن المحكمة الكبرى توصلت إلي التقرير السليم في هذا الشأن أؤيدها في العقوبة التي أنزلتها بالمدان خصوصاً و أنه لم يتبين أو يتكشف إن هالك أي سبب للنزلو بها إلي عقوبة أخرى لكل هذا نؤيد الحكم
وقال القاضي محمد عبدالرحيم في نفس السابقة ما يلي:
"تعين تأييد الإدانة والعقوبة متفقاً مع زميلي أحمد محمد عثمان تسبباً ونتيجة"
وقال القاضي زكي عبدالرحمن في نفس السابقة ما يلي:
" أما بشأن العقوبة فإنه طالما لم يعرف للقتيل أولياء دم فإن القصاص واجب التنفيذ"
الأمرالنهائي
نؤيد الحكم الصادر من المحكمة الكبرى بإدانة المدعو يونس بموجب المادة 251 من قانون العقوبات كما نؤيد حكم الإعدام الصادر في حقه
وبما أنه ليس هنالك في هذه القضية التي بين أيدينا من موانع القصاص أو مسقطاته الأخرى غير العفو عن القصاص مجاناً أو الصلح أو التنازل عن القصاص لقاء الدية والذين لم يعثر على أولياء الدم لعرضها عليهم و لأن الحق عز وجل يأمرنا في محكم تنزيله في الآية الشريفة 179 من سورة البقرة في قوله وقوله الحق:
"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"
فإن عقوبة الإعدام لا محيص ولا مناص من توقيعها في حق المدان المو الهوى كاسا
القاضي: صالح الشريف:
التاريخ: 26/9/1988م
أوافق على الإدانة بجريمة القتل العمد ومخالفة المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م فالثابت من بينة الشهود إن المتهم طعن المجني عليه بالسكين طعنة واحدة على بطنه والتقرير الطبي أكد إن تلك الطعنة كانت السبب المباشر للوفاة وبالنظر لمكان الطعنة من جسم المجني عليه و لنوع السلاح المستعمل ولقوة الضربة يمكننا القول بأن المتهم كان يقصد تسبيب الموت للمجني عليه ولتخلف أسباب الإباحة وموانع المسئولية تعتبر إدانة المتهم بتلك الجريمة صحيحة من ناحية القانون
أما عن العقوبة و التي أتفق مع الزميلين المحترمين في تأييدها فلا مناص من توقيعها حسب المنشور الجنائي 94/83 لغياب أولياء الدم وقد قيل عند الفقهاء إن جريمة القتل التي تستوجب القصاص تعتبر إعتداء على حقين: حق الله تعالى وحق العبد-فإذا تخلف العبد عن المطالبة بحقه وهو الحاق الغالببقي حق الله سبحانه وتعالى

