تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
  • دخول/تسجيل
09-04-2026
  • العربية
  • English

استمارة البحث

  • الرئيسية
  • من نحن
    • السلطة القضائية
    • الأجهزة القضائية
    • الرؤية و الرسالة
    • الخطط و الاستراتيجية
  • رؤساء القضاء
    • رئيس القضاء الحالي
    • رؤساء القضاء السابقين
  • القرارات
  • الادارات
    • إدارة التدريب
    • إدارة التفتيش القضائي
    • إدارة التوثيقات
    • إدارة تسجيلات الاراضي
    • ادارة خدمات القضاة
    • الأمانة العامة لشؤون القضاة
    • المكتب الفني
    • رئاسة ادارة المحاكم
    • شرطة المحاكم
  • الخدمات الإلكترونية
    • البريد الالكتروني
    • الدليل
    • المكتبة
    • خدمات التقاضي
    • خدمات التوثيقات
    • خدمات عامة
  • المكتبة التفاعلية
    • معرض الصور
    • معرض الفيديو
  • خدمات القضاة
  • اتصل بنا
    • اتصل بنا
    • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

09-04-2026
  • العربية
  • English
    • الرئيسية
    • من نحن
      • السلطة القضائية
      • الأجهزة القضائية
      • الرؤية و الرسالة
      • الخطط و الاستراتيجية
    • رؤساء القضاء
      • رئيس القضاء الحالي
      • رؤساء القضاء السابقين
    • القرارات
    • الادارات
      • إدارة التدريب
      • إدارة التفتيش القضائي
      • إدارة التوثيقات
      • إدارة تسجيلات الاراضي
      • ادارة خدمات القضاة
      • الأمانة العامة لشؤون القضاة
      • المكتب الفني
      • رئاسة ادارة المحاكم
      • شرطة المحاكم
    • الخدمات الإلكترونية
      • البريد الالكتروني
      • الدليل
      • المكتبة
      • خدمات التقاضي
      • خدمات التوثيقات
      • خدمات عامة
    • المكتبة التفاعلية
      • معرض الصور
      • معرض الفيديو
    • خدمات القضاة
    • اتصل بنا
      • اتصل بنا
      • تقديم طلب/شكوى
  • دخول/تسجيل

استمارة البحث

09-04-2026
  • العربية
  • English
      • الرئيسية
      • من نحن
        • السلطة القضائية
        • الأجهزة القضائية
        • الرؤية و الرسالة
        • الخطط و الاستراتيجية
      • رؤساء القضاء
        • رئيس القضاء الحالي
        • رؤساء القضاء السابقين
      • القرارات
      • الادارات
        • إدارة التدريب
        • إدارة التفتيش القضائي
        • إدارة التوثيقات
        • إدارة تسجيلات الاراضي
        • ادارة خدمات القضاة
        • الأمانة العامة لشؤون القضاة
        • المكتب الفني
        • رئاسة ادارة المحاكم
        • شرطة المحاكم
      • الخدمات الإلكترونية
        • البريد الالكتروني
        • الدليل
        • المكتبة
        • خدمات التقاضي
        • خدمات التوثيقات
        • خدمات عامة
      • المكتبة التفاعلية
        • معرض الصور
        • معرض الفيديو
      • خدمات القضاة
      • اتصل بنا
        • اتصل بنا
        • تقديم طلب/شكوى

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1986
  4. حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

م ع/ف ج/108/1406هـ

المبادئ:

إجراءات جنائية – المنشورالجنائي 91/1983م

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن يقضي منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى لو رفضها أولياء الدم – ولا يحق لهمأأن – يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد

 

الحكم

التاريخ : 9/3/1986م

القاضي : علي يوسف الولي

أوراق إجراءات المحاكمة أ/256/1405هـ ( جنايات زالنجي ) مع قرار محكمة الاستئناف نيالا رقم (م أ د/ن/أ س ج/466/1405هـ ) الصادر بتاريخ 5/صفر/1406هـ الموافق 19/10/1985م وصلت لنا من القاضي صالح الشريف جيب الله قاضي محكمة الاستئناف نيالا وذلك لغرض فحص قراره المذكور الذي تبين له بأنه صدر مخالفاً – للمبدأ الذي أرسته السابقة القضائية حكومة  السودان /ضد / آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 وذلك المبدأ الذي تأسس على هدى السابقتين حكومة السودان ضد كيكني صابون (م أ/م ك/417/1969 م)

جاء القرار موضوع الفحص بأنه لعدم وجود بينة طبية ليس هناك بينة قاطعة تثبت بدون شك بأن المرحوم قد توفى بسبب تلك الإصابة التي سببها له المتهم آدم أحمد مادبو

نوجز الوقائع في أنه بتاريخ 13 صفر 1405هـ الموافق 7/11/1984م قبيل مغيب الشمس بقرية نيما بضواحي زالنجي كان المتهم الأول آدم محمد مادبو والمتهم الثاني مالك أبوبكر محمد عثمان يرعيان أبقارهما ولما دخلت الأبقار في مزرعة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن طردهما من مزرعته إلا  أن المتهم الأول والمتهم الثاني جاءا له ونشبت بينهما وبين المتهم الثالث مشاجرة انتهت بمعركة عنيفة تدخل فيها المرحوم حسن عبد الرحمن الذي جاء جارياً من مزرعته وهو أخ المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم وقام المتهم الأول آدم أحمد مادبو بضرب المتهم الثالث بعكاز حتى سقط على الأرض وكان الدم يسيل من رأسه ومن أنفه ومات في الحال وكان كل من شهود الاتهام المذكورين بعد في مزارعهم وعلى مقربة من موضع الحادث وهم :

1- محمد عبد الكريم 2- فاطمة يعقوب آدم 3- فاطمة أبو القاسم حسن وهي شقيقة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن وهؤلاء جميعاً من قبيلة الفور التي ينتمي إليها المرحوم حسن عبد الرحمن وأما المتهم الأول والمتهم الثاني من قبيلة الفلاتة عندما وصل المتحري لمكان الحادث في اليوم التالي وجد أن الجثة قد دفنت بالأمس ولم يقم بنبشها وبالتالي لم يكشف عليها طبياً ولم يتم تشريحها ومن ثم ليس هناك تقرير طبي عن سبب الوفاة ولم ينطق المرحوم بأي كلمة شهود العيان المذكورين لأنه فارق  الحياة بعد الإصابة مباشرة

وجدت محكمة جنايات زالنجي أن المتهم الأول آدم أحمد مادبو مدان بجريمة القتل شبه العمد تحت الماد 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأنه استفاد من الاستثناء الرابع في المادة 249 من نفس القانون المعركة الفجائية بعد أن وقعت محكمة الموضوع عقوبة الدية عشرة آلاف جنيه تدفع لأولياء الدم وفي حالة عدم الدفع يبقى المدان بالسجن حتى الدفع وأمرت بإرسال الأوراق لمحكمة الاستئناف نيالا للتأييد التي قررت إخلاء سبيل المدان لعدم ثبوت سبب الوفاة بالإصابة التي سببها المدان المذكور ثبوتاً قاطعاً وذلك لعدم وجود البينة الطبية عن سبب الوفاة

الأسباب

باستقراء المحضر الذي أعدته محكمة جنيات زالنجي ومذكرة محكمة الاستئناف نيالا أجد أن الجريمة التي ارتكبها المتهم الأول آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من نفس القانون وذلك لعدم توفر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة

لا يشترط في الشريعة الإسلامية السمحاء لإثبات جريمة القتل شبه العمد الواردة في المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م أي نصاب معين من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة وذلك لأنها من الجرائم التي توجب عقوبة مالية فقد ثبتت هذه الجريمة بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة رجل أو بشهادة رجل وامرأة واحدة أو بشهادة امرأتين فأكثر أو بشهادة امرأة واحدة أو بالقسامة أو بقرائن الأحوال أو البينات الظرفية أو بأي بينة يركن ويثق ويطمئن وجدان المحكمة بصدقها فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثني ص 38 ما يؤيد هذا النظر في الآتي :

( تثبت الجرائم التي توجب عقوبة مالية كالدية أو الغرامة بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعي )

كما ورد في نفس المرجع على ص 317 مايلي :

( ما يوجب المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعى )

إن المشرع لم ينص على طرق إثبات الجرائم التي توجب عقوبة القصاص التي منها جريمة القتل العمد الواردة في المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م كما نص على ذلك في حالة جرائم الحدود في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م وفي هذه الحالة وجب الرجوع إلى آراء  جمهور الفقهاء ونجدهم اشترطوا إثبات الجرائم المعاقب عليها بالقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة كما هو الحال في هذه القضية التي أمامنا – فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 312– 315ما يلي :

( يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان ولا يقبل الفقهاء في إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجني عليه وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء )

والشاهدان اللذان تثبت شهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجني عليه فإذا كان شاهد واحد والمجني عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبر مدعياً لا شاهداً وأقواله تصلح لوثاً أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة والذين يشترطون شهادة رجلين في إثبات الجريمة الموجبة لقصاص لا يجيزون إثبات الجريمة بأقل من ذلك

وقد جاءت الأحاديث الشريفة بما يفيد بأن نصاب الشهادة لإثبات القتل العمد ينبغي أن يكون شاهدين اثنين على الأقل ففي حديث قال صلى الله عليه وسلم  ( لكم شاهدان يشهدان على من قتل صاحبكم ) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة  والسلام ( أقم شاهدين على من قتله ) ومن ثم فإنه من  المتفق عليه بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز في شهادة القتل العمد أقل من شاهدين اثنين لصراحة النص الشرعي ولا خلاف في    ذلك إنما الخلاف وقع في الشاهدين هل هما رجلان أم هما شاهدان كسائر الشهادات : رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة باعتبار أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد لثبوت ذلك بالأحاديث الشريفة فقد روى عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ) وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل قلنا بلى يا رسول الله )

إن الذين يرون أن الشهادة في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص كالقتل العمد يجب أن تكون رجلين دون النساء قد استدلوا بما رواه مالك عن الزهري قال ( مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق ) وقيس  على ذلك ثلاثة ما هو مثلها وهو القصاص

ويقول الأوزاعي ومن على رأيه أن القصاص كالأموال فيكفي فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 315 ما يلي :

( ويرى الأوزاعي والزهري أن الجريمة التي توجب القصاص تثبت بما تثبت به الأموال فيكفي في إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ويؤيد الشوكاني هذا الرأي )

وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 113 – 114 ما يلي :

( أدلة الشهادة شاملة للحدود والجنيات وعلى ذلك فبينة القتل هي شاهدان : رجلان أو رجل وامرأتان إلا أن نص الرسول على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كن فيها شبهة والرسول صلى الله عليه وسلم قال ( ادرءوا الحدود بالشبهات ) فلا تقبل في الحدود وقول الرسول صلى الله عليه وسلم  في بينة القتل ( شاهدان )  نص على كمل الشهادة كذلك فلا تقبل في الجنايات أيضاً إلا كمال الشهادة فتكون الشهادة الكاملة التي جاءت في النصوص أي في الأحاديث

إن الذين يرون إدخال نصاب النساء في شهادة القصاص استدلوا على ذلك بقوله تعالى ( واستشهدوا  شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) فالنص عام ويبقى منطبقاً على عموم القضايا وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 112 – 114 ما يلي :

( والحق أن شهادات القتل قد جاء النص بشاهدين (لكم شاهدان ) ( أقم شاهدين ) فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد  من شاهدين اثنين أما كون الشاهدين رجالاً فإنه لا يوجد ما يدل عليه لأن لفظ الشاهد ورد في الأحاديث يدل على الرجل والمرأة وجاء في الحدود والقصاص عاماً صادقاً على الرجل والمرأة فقال تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) ولفظ الشهداء يشمل الرجل والمرأة وقال صلى الله عليه وسلم ( أربعة وإلا حد في ظهرك ) وكلمة أربعة تشمل الرجل والمرأة والذي يدل على جواز شهادة النساء في الحدود والجنايات أن الله تعالى قال ( واستشهدوا شهيدين ) ثم قال ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان )

( فهذه الأدلة عامة في كل دعوى ولا يوجد ما يخصها بغير الحدود والجنايات فتبقى عامة وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( شاهدان )  ( أقم شاهدين )فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد من شاهدين اثنين (فإن لم يكون رجلين فرجل وامرأتان) جاء تعقيباً على شاهدين فيهم كل شاهدين وفي الحديث فإنه وإن لم يصرح به ولكنه مفهوم من الآية فيبقى حديث مالك عن الزهري الذي استدلوا به على أن شهادة القتل لا بد أن تكون رجلين فهذا الحديث لو صح لكان مخصصاً للأدلة العامة ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يحتج به وما دام الحديث ضعيفاً فإنه لا يصح الاستدلال به وعليه يسقط الاستدلال بهذا الحديث وتبقى الأدلة على عمومها فتكون شهادة النساء مقبولة في القتل

ويلاحظ أن حديث مالك عن الزهري ليس من الأحاديث الشريفة التي وردت على لسان رسولنا الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ومن ثم أجاز القول بأن لا يعتد به عليه فإنا نرى أن شهادة النساء مقبولة لإثبات جريمة القتل العمد عند الضرورة إذا كانت في حدود النصاب الشرعي للشهادة بأن تكون شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة على الأقل إن الشهادة يجب أن تكون صريحة الدلالة على ثبوت الجريمة بمعنى أن يشهد كل من الرجلين أو الرجل والمرأتين أو الأربع نسوة على كل ركن من أركان الجريمة فإذا ثبتت تهمة القتل بشهادة قاصرة عن ذلك النصاب الشرعي على نحو ما أسلفنا وركن ووثق واطمأن وجدان المحكمة بصدقها وتوفرت فيها الشروط العامة للشهادة من تجرد عن التهمة وتوفرت العدالة والأصالة والرؤية والمشاهدة والعقل والبلوغ وغير ذلك من الشروط اللازمة للشهادة الشرعية – فإن الجريمة تكون جريمة القتل شبه العمد وليست القتل العمد

ففي القضية التي بين أيدينا نجد أن أركان جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م التي يوجهها الاتهام للمتهم آدم أحمد مادبو هي (1) واقعة ضرب المتهم المذكور للقتيل حسن عبد الرحمن بعكاز على مؤخرة رأسه ضربة واحدة (2) ما إذا كانت تلك الإصابة هي وحدها السبب المباشر للموت (3) ما إذا كان المتهم المذكور قد قصد موت القتيل المذكور أو كان يعلم أن الموت نتيجة راجحة ومؤكدة وحتمية وليست فقط محتملة لفعله ذاك إن شهود الاتهام هم (1) المتحري رقيب شرطة هارون محمد علي (2) محمد عبد الكريم أحمد عبدا لله (3) الطاهر أبو القاسم حسن (4) فاطمة يعقوب آدم (5) فاطمة أبو القاسم حسن فشهادة المتحري رقيب شرطة هارون  محمد علي غير مقبولة شرعاً وقانوناً وقضاءً لإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا ذلك لأنها شهادة سماعية منقولة وقد رفضت المادة 35 من قانون الإثبات 1983م الشهادة بالنقل ذلك لأنها تفتقر إلى الأصالة فالمتحري هنا يحكي في يومية التحري عما قاله له الشاكي والمتهمان فلم يشاهد بنفسه الحادث وقد رفضت المحكمة العليا شهادة المتحري في قضية حكومة السودان ضد فيتر وتود دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 34 كشهادة شرعية في قضية حدية في قولها :

( وشهادة المتحري غير مقبولة أيضاَ لأنه لم يشاهد واقعة السرقة وشهادته سماعية ولا قطع بشهادة السماع )

كما رفضتها المحكمة العليا أيضاً في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 36 بقولها :

( المتحري ليس بشاهد أصلاً لأنه حكى للمحكمة إجراءات الشكوى والبلاغ وما قام به وأنه لم يشاهد ولم يعاين الحادثة وينبغي استبعاده )

وشهادة الطاهر أبو القاسم حسن غير مقبولة أيضاً لإثبات هذه الجريمة ذك لسببين (1) لأنها شهادة خصم (2) لما اعترتها من شبهة التهمة والحجة والسند في عدم قبول شهادة الخصم ما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الحنة ) الظنين المتهم بالمحاباة

كما نجد أن المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف الشهادة بأنها ( الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء وفي مواجهة الخصوم )

ويفهم من سياق هذا النص أن الخصم ليس شاهداً ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن بات خصماً للمدان آدم أحمد مادبو فهو الذي دخلت في مزرعته أبقار المدان المذكور وهو الذي تشاجر مع ذلك المدان حتى ضربه بعكاز وأسقطه على الأرض والشاهد الطاهر أبو القاسم – كمجني عليه – يشهد لنفسه ومن ثم اعترت شهادته شبهة التهمة والتهمة هي أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعث على الظن بأن الشاهد يحابي المشهود له بشهادته أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من وراء الشهادة ويدخل تحت التهمة شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجر لنفسه نفعاً والأصل في عدم جواز الشهادة لشبهة التهمة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( لا تجوز شهادة ظنين ) ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن يحابي نفسه ليجر لها منفعة أو على الأقل ليدفع عن نفسه ضرراً لكي لا يتهم بأنه هو الذي بدأ بالعدوان وفضلاً عن ذلك هو شريك لأنه كان متهماً في هذه القضية وفصلت محكمته ولذلك فإن الشبهة تحوط بشهادته من كل جانب مما يبرر رفضها على أنها جديرة بإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا

أما الشاهدة فاطمة أبو القاسم حسن بما أنها شقيقة الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن  نفس الوقت أخت المرحوم حسن عبد الرحمن من أمه فذلك يبرر رفض شهادتها لشبهة التهمة أيضاَ

تبقت شهادة شاهد الاتهام محمد عبد الكريم أحمد عبد الله وشهادة الشاهدة فاطمة يعقوب وقد أثبتا واقعة  أن المدان آدم أحمد مادبو ضرب بعكازه المرحوم حسن عبد الرحمن على مؤخرة رأسه كما أثبتا أن تلك الإصابة كانت السبب المباشر لموت المرحوم لأن المرحوم فارق الحياة في نفس اللحظة بعد الضربة مباشرة بدليل أن الشاهدين المذكورين لم يتحصلا على كلمة واحدة من فيه المرحوم وأن الضربة كانت على مؤخرة الرأس وهو موضع جد حيوي وحساس ومقتل من جسم المرحوم وكان هناك نزيف مخلوطاً بالمخ في أنف المرحوم كما انه لم يتضح أن المرحوم كان يعاني قبيل الحادث من أي نوع من مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموته بدليل أنا المرحوم كان يرعى أبقاره ولو كان مريضاً لما استطاع أداء ذك العمل المضني وهو رعي الأبقار تحت وهج الشمس معرضاً نفسه للجوع والعطش وجهد الإسراع وراء الأبقار عندما تهرب منه ومهما يكن من أمر وبما أن جريمة القتل لم تثبت بالشهادة حسب النصاب  الشرعي – كما سلف بيانه – بل تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة واحدة وبما أن المدان المذكور لاذ بالإنكار فإن جريمة القتل التي ارتكبها المدان آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 وليس  القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م

والسؤال المطروح بعد ثبوت إدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 243 من قانون العقوبات لسنة 1983م ما إذا كان هناك من دفوع  الذي يعفي المدان المذكور من المسئولية الجنائية يوجد في جانبه ؟

إن الدفع المناسب للنقاش في هذه القضية المطروحة والذي قد يعفي المدان المذكور عن المساءلة الجنائية إذا استطاع الدفاع إثباته هو دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس ولكن – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله أحمد عبد الله مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 492 – عندما ينشب نزاع متبادل يتطور إلى عدوان تنجم عنه إصابات ولا توجد بينة توضح كيف بدأ النزاع ومن هو البادئ فإنه لا يسمح في مثل هذه الحالة بإثارة حق الدفاع الشرعي عن النفس وعليه بما أنه ليس هناك ما يثبت كيفية بدء النزاع بين المدان المذكور والشاهد الطاهر أبو القاسم بعد أن خرجت أبقار المدان من مزرعة ذلك الشاهد وبما أنه ليس هناك دليل على من هو الذي بدأ بالعدوان والاعتداء هل هو المرحوم الذي جاء جارياً من مزرعته أم هل هو الشاهد الطاهر أبو القاسم أم هل هو المدان نفسه فإنه تحت تلك الظروف والملابسات لا يمكن إثارة دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي ومن ثم يتعين علينا رفض مناقشته

بقي علينا أن نوضح لماذا لم يغير انعدام القرار الطبي عن سبب الوفاة في هذه القضية في أن سبب الوفاة هو الإصابة التي سببها المدان آدم أحمد مادبو للمرحوم؟

إن القاعدة المستقر عليها قضاءً هي أنه في حالة عدم وجود أي شك في ذهن المحكمة – كما هو الحال في هذه القضية التي بين أيدينا بأن السبب المباشر لموت القتيل هو الإصابة التي سببها الجاني فإن تعذر تقديم التقرير الطبي عن الوفاة لا أثر له مطلقاً وقد تكون الإدانة تحت المادة 251 عقوبات إذا  ما توافرت بقية أركان الجريمة ففي قضية حكومة السودان ضد كيكي صابون م أ/م ك/352/1974 ( غير منشورة ) أجرى المساعد الطبي الكشف على القتيلة ولكنه لم يوضح سبب الوفاة عندما نبشت الجثة للكشف الطبي عليها بواسطة الطبيب إذ لم يتمكن الأخير من معرفة سبب الوفاة تبين بشهادة الشهود أن المتوفاة أصيبت بعدة إصابات منها واحدة في الرقبة وكان هناك نزيف من الأنف وقد ماتت بعد فترة وجيزة ولم يتضح أنها كانت تعاني من أي مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموتها وكانت في حالة جسمانية مكنتها من الدخول في عراك مع المتهمة مرتين ولذلك قررت محكمة الاستئناف بأن الموت كان بسبب الإصابات التي أحدثتها المتهمة برغم أنه ليس هناك بينة طبية عن سبب الوفاة

ولكن في حالة أن يحدث عدم تقديم التقرير الطبي عن سبب الوفاة شكاً في ذهن المحكمة بأن الإصابة التي سببها المتهم لم تكن هي السبب المباشر للوفاة وقد تكون الوفاة لسبب آخر غيرها فإنه وجب على المحكمة أن تفسر ذلك الشك لمصلحة المتهم وتدينه تحت المادة 253 ( القتل شبه  العمد )  وليس تحت المادة 251 ( القتل العمد ) عقوبات

ففي قضية حكومة السودان ضد ابوناتي أنقلو م أ/م ك/417/1969م ( غير منشورة ) قضى رئيس القضاء بأنه إذا لم توجد بينة طبية عن سبب الوفاة يتعين ألا يدان المتهم بالقتل لما يثيره ذلك من شك في ذهن المحكمة يفسر لصالح المتهم ويكون عدم وجود البينة الطبية مخففاً للجريمة ليدان المتهم تحت المادة 255 عقوبات وفي قضية حكومة السودان ضد آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 قضت محكمة الاستئناف بأنه في جرائم القتل عند غياب البينة الطبية وفي الحالات التي يحدث فيها الغياب شكاً معقولاً في ذهن المحكمة حول سبب الموت يكون على المحكمة الإدانة تحت المادة 253 بدلاً من الإدانة تحت المادة 251 عقوبات وفي تلك السابقة ضرب المتهم المرحوم بعضا غليظة على رقبته ورأسه بشدة ثلاث ضربات واحدة بالرقبة واثنين بالرأس ولكن لوجود شك يجب أن يفسر لمصلحة المتهم لغياب البينة الطبية واستناداً للسابقة القضائية حكومة السودان ضد ابو ناتي أنجلو المشار إليها آنفاً عدلت محكمة الموضوع الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي  وأيدتها محكمة الاستئناف في ذلك وقال القاضي الطيب عباس الجيلي :

( أجد نفسي متفقاً مع المحكمة في تعديل التهمة استناداً على السابقة أعلاه ولكن لا بد من التنبيه إلى أن هذه السابقة لا تصلح كمبدأ ثابت في الحالات التي لا يوجد فيها شك في المتهم فإذا استطاع الاتهام أن يقنع المحكمة بعكس ذلك جازت الإدانة تحت المادة 251 )

وقال القاضي عبد المنعم النحاس في نفس  السابقة ما يلي :-

( إن سابقة حكومة السودان ضد ابوناتي أنجلوا لا تعتبر كمبدأ ثابت يمكن اللجوء إليه في جميع الحالات وإنما المحك مراعاة مصلحة المتهم إذ أن عبء الإثبات يقع على كاهل لاتهام ليقدم البينة دونما شك معقول يعلق في ذهن المحكمة لتعذر تقديم التقرير الطبي إذا تيسر للاتهام إثبات ذلك لا معنى إذاً للاستعانة بالسابقة كما ذكر أخي الطيب وجازت إدانة المتهم تحت المادة 251 عقوبات اهتداءً بسابقة كيكي صابون المشار إليها )

إن عقوبة جريمة القتل شبه العمد هي الدية المغلظة ( الكاملة ) كعقوبة أولى أصلية في الشريعة الإسلامية فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :-

( أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطأ وإتلاف الأطراف خطأ والجراح خطأ )

وجاء في نفس المرجع الجزء الثاني ص 189 ما يلي :-

( والدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام ( ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل ) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصيلة لأنها ليست بدلاً من عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن الدية في القتل العمد تعتبر عقوبة بديلة لا أصلية لأنها بدل عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية لقتل العمد )

وإذا كانت المادة 253من قانون العقوبات لسنة 1983م تنص على أن كل من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية فقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصيلة في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة ومهما يكن من أمر ينبغي ألا نفسر هذا النص بما يخالف الأصل الشرعي كما تأمرنا بذلك المادة 458(5) من قانون العقوبات لسنة 1983م لأننا نجد في الشريعة الإسلامية السمحاء أن عقوبة القصاص ( الإعدام ) هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل العمد وأما الدية المغلظة ( الدية الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه وفق تقدير المحكمة آخذة في الاعتبار ظروف كل قضية هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل شبه العمد ومن ثم فإن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد – كما ورد في المادة 253 عقوبات لا يجوز شرعاً لأن القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد ذلك لانعدام التماثل بينما يفعله الجاني جرماً وما يفعل به عقاباً على ارتكابه ذلك الجرم فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و 669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي  :

( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد وعقوبة القتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثانية الدية المغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينهما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص على القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل المجني عليه فإن قتل الجاني لا بد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وإصرارهم على القصاص وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وإصرارهم على القصاص يتعين ألا يلتفت إليه بل توقع عقوبة الدية الكاملة إن الحكم بالدية الكاملة في حالة القتل شبه العمد يجب أن يصدر برغم أنه لم يطلبه أولياء الدم قبل صدوره ولم يوافقوا عليه بعد صدوره لأنه حكم لا يتوقف شرعاً على طلب موافقة الأفراد فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1985م ص 37 بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 254 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة التي ينبغي أن توقع وهي الدية المغلطة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

قد أسمينا فيما يتعلق بالدية المغلظة بسبب الخطأ الذي وقع فيه المشرع عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات على أمل أن يعدل المشرع نص المادة المذكورة بحيث يسقط عقوبة الإعدام نهائياً ويجعل الدية الكاملة العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد

لما تقدم نقرر الآتي :

1- إلغاء قرار محكمة الاستئناف القاضي بإخلاء سبيل المتهم آدم أحمد مادبو على أن يقبض عليه من جديد

2- تأييد حكم محكمة الموضوع بإدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م

3- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة الدية المغلظة ( الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه على أن يدفعها المدان آدم أحمد مادبو أو عائلته لأولياء دم القتيل حسن عبد الرحمن وهم ورثته حسب الإعلام الشرعي الذي يجب أن يقدم للمحكمة وفي حالة دفعها يطلق سراحه فوراً وفي حالة عدم دفعها يبقى بالسجن حتى الدفع 

▸ حكومة السودان / ضد /حسين عبد اللطيف فوق حكومة السودان /ضد/ جمعة محمد الطاهر ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1986
  4. حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

م ع/ف ج/108/1406هـ

المبادئ:

إجراءات جنائية – المنشورالجنائي 91/1983م

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن يقضي منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى لو رفضها أولياء الدم – ولا يحق لهمأأن – يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد

 

الحكم

التاريخ : 9/3/1986م

القاضي : علي يوسف الولي

أوراق إجراءات المحاكمة أ/256/1405هـ ( جنايات زالنجي ) مع قرار محكمة الاستئناف نيالا رقم (م أ د/ن/أ س ج/466/1405هـ ) الصادر بتاريخ 5/صفر/1406هـ الموافق 19/10/1985م وصلت لنا من القاضي صالح الشريف جيب الله قاضي محكمة الاستئناف نيالا وذلك لغرض فحص قراره المذكور الذي تبين له بأنه صدر مخالفاً – للمبدأ الذي أرسته السابقة القضائية حكومة  السودان /ضد / آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 وذلك المبدأ الذي تأسس على هدى السابقتين حكومة السودان ضد كيكني صابون (م أ/م ك/417/1969 م)

جاء القرار موضوع الفحص بأنه لعدم وجود بينة طبية ليس هناك بينة قاطعة تثبت بدون شك بأن المرحوم قد توفى بسبب تلك الإصابة التي سببها له المتهم آدم أحمد مادبو

نوجز الوقائع في أنه بتاريخ 13 صفر 1405هـ الموافق 7/11/1984م قبيل مغيب الشمس بقرية نيما بضواحي زالنجي كان المتهم الأول آدم محمد مادبو والمتهم الثاني مالك أبوبكر محمد عثمان يرعيان أبقارهما ولما دخلت الأبقار في مزرعة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن طردهما من مزرعته إلا  أن المتهم الأول والمتهم الثاني جاءا له ونشبت بينهما وبين المتهم الثالث مشاجرة انتهت بمعركة عنيفة تدخل فيها المرحوم حسن عبد الرحمن الذي جاء جارياً من مزرعته وهو أخ المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم وقام المتهم الأول آدم أحمد مادبو بضرب المتهم الثالث بعكاز حتى سقط على الأرض وكان الدم يسيل من رأسه ومن أنفه ومات في الحال وكان كل من شهود الاتهام المذكورين بعد في مزارعهم وعلى مقربة من موضع الحادث وهم :

1- محمد عبد الكريم 2- فاطمة يعقوب آدم 3- فاطمة أبو القاسم حسن وهي شقيقة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن وهؤلاء جميعاً من قبيلة الفور التي ينتمي إليها المرحوم حسن عبد الرحمن وأما المتهم الأول والمتهم الثاني من قبيلة الفلاتة عندما وصل المتحري لمكان الحادث في اليوم التالي وجد أن الجثة قد دفنت بالأمس ولم يقم بنبشها وبالتالي لم يكشف عليها طبياً ولم يتم تشريحها ومن ثم ليس هناك تقرير طبي عن سبب الوفاة ولم ينطق المرحوم بأي كلمة شهود العيان المذكورين لأنه فارق  الحياة بعد الإصابة مباشرة

وجدت محكمة جنايات زالنجي أن المتهم الأول آدم أحمد مادبو مدان بجريمة القتل شبه العمد تحت الماد 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأنه استفاد من الاستثناء الرابع في المادة 249 من نفس القانون المعركة الفجائية بعد أن وقعت محكمة الموضوع عقوبة الدية عشرة آلاف جنيه تدفع لأولياء الدم وفي حالة عدم الدفع يبقى المدان بالسجن حتى الدفع وأمرت بإرسال الأوراق لمحكمة الاستئناف نيالا للتأييد التي قررت إخلاء سبيل المدان لعدم ثبوت سبب الوفاة بالإصابة التي سببها المدان المذكور ثبوتاً قاطعاً وذلك لعدم وجود البينة الطبية عن سبب الوفاة

الأسباب

باستقراء المحضر الذي أعدته محكمة جنيات زالنجي ومذكرة محكمة الاستئناف نيالا أجد أن الجريمة التي ارتكبها المتهم الأول آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من نفس القانون وذلك لعدم توفر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة

لا يشترط في الشريعة الإسلامية السمحاء لإثبات جريمة القتل شبه العمد الواردة في المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م أي نصاب معين من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة وذلك لأنها من الجرائم التي توجب عقوبة مالية فقد ثبتت هذه الجريمة بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة رجل أو بشهادة رجل وامرأة واحدة أو بشهادة امرأتين فأكثر أو بشهادة امرأة واحدة أو بالقسامة أو بقرائن الأحوال أو البينات الظرفية أو بأي بينة يركن ويثق ويطمئن وجدان المحكمة بصدقها فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثني ص 38 ما يؤيد هذا النظر في الآتي :

( تثبت الجرائم التي توجب عقوبة مالية كالدية أو الغرامة بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعي )

كما ورد في نفس المرجع على ص 317 مايلي :

( ما يوجب المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعى )

إن المشرع لم ينص على طرق إثبات الجرائم التي توجب عقوبة القصاص التي منها جريمة القتل العمد الواردة في المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م كما نص على ذلك في حالة جرائم الحدود في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م وفي هذه الحالة وجب الرجوع إلى آراء  جمهور الفقهاء ونجدهم اشترطوا إثبات الجرائم المعاقب عليها بالقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة كما هو الحال في هذه القضية التي أمامنا – فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 312– 315ما يلي :

( يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان ولا يقبل الفقهاء في إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجني عليه وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء )

والشاهدان اللذان تثبت شهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجني عليه فإذا كان شاهد واحد والمجني عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبر مدعياً لا شاهداً وأقواله تصلح لوثاً أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة والذين يشترطون شهادة رجلين في إثبات الجريمة الموجبة لقصاص لا يجيزون إثبات الجريمة بأقل من ذلك

وقد جاءت الأحاديث الشريفة بما يفيد بأن نصاب الشهادة لإثبات القتل العمد ينبغي أن يكون شاهدين اثنين على الأقل ففي حديث قال صلى الله عليه وسلم  ( لكم شاهدان يشهدان على من قتل صاحبكم ) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة  والسلام ( أقم شاهدين على من قتله ) ومن ثم فإنه من  المتفق عليه بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز في شهادة القتل العمد أقل من شاهدين اثنين لصراحة النص الشرعي ولا خلاف في    ذلك إنما الخلاف وقع في الشاهدين هل هما رجلان أم هما شاهدان كسائر الشهادات : رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة باعتبار أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد لثبوت ذلك بالأحاديث الشريفة فقد روى عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ) وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل قلنا بلى يا رسول الله )

إن الذين يرون أن الشهادة في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص كالقتل العمد يجب أن تكون رجلين دون النساء قد استدلوا بما رواه مالك عن الزهري قال ( مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق ) وقيس  على ذلك ثلاثة ما هو مثلها وهو القصاص

ويقول الأوزاعي ومن على رأيه أن القصاص كالأموال فيكفي فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 315 ما يلي :

( ويرى الأوزاعي والزهري أن الجريمة التي توجب القصاص تثبت بما تثبت به الأموال فيكفي في إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ويؤيد الشوكاني هذا الرأي )

وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 113 – 114 ما يلي :

( أدلة الشهادة شاملة للحدود والجنيات وعلى ذلك فبينة القتل هي شاهدان : رجلان أو رجل وامرأتان إلا أن نص الرسول على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كن فيها شبهة والرسول صلى الله عليه وسلم قال ( ادرءوا الحدود بالشبهات ) فلا تقبل في الحدود وقول الرسول صلى الله عليه وسلم  في بينة القتل ( شاهدان )  نص على كمل الشهادة كذلك فلا تقبل في الجنايات أيضاً إلا كمال الشهادة فتكون الشهادة الكاملة التي جاءت في النصوص أي في الأحاديث

إن الذين يرون إدخال نصاب النساء في شهادة القصاص استدلوا على ذلك بقوله تعالى ( واستشهدوا  شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) فالنص عام ويبقى منطبقاً على عموم القضايا وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 112 – 114 ما يلي :

( والحق أن شهادات القتل قد جاء النص بشاهدين (لكم شاهدان ) ( أقم شاهدين ) فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد  من شاهدين اثنين أما كون الشاهدين رجالاً فإنه لا يوجد ما يدل عليه لأن لفظ الشاهد ورد في الأحاديث يدل على الرجل والمرأة وجاء في الحدود والقصاص عاماً صادقاً على الرجل والمرأة فقال تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) ولفظ الشهداء يشمل الرجل والمرأة وقال صلى الله عليه وسلم ( أربعة وإلا حد في ظهرك ) وكلمة أربعة تشمل الرجل والمرأة والذي يدل على جواز شهادة النساء في الحدود والجنايات أن الله تعالى قال ( واستشهدوا شهيدين ) ثم قال ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان )

( فهذه الأدلة عامة في كل دعوى ولا يوجد ما يخصها بغير الحدود والجنايات فتبقى عامة وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( شاهدان )  ( أقم شاهدين )فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد من شاهدين اثنين (فإن لم يكون رجلين فرجل وامرأتان) جاء تعقيباً على شاهدين فيهم كل شاهدين وفي الحديث فإنه وإن لم يصرح به ولكنه مفهوم من الآية فيبقى حديث مالك عن الزهري الذي استدلوا به على أن شهادة القتل لا بد أن تكون رجلين فهذا الحديث لو صح لكان مخصصاً للأدلة العامة ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يحتج به وما دام الحديث ضعيفاً فإنه لا يصح الاستدلال به وعليه يسقط الاستدلال بهذا الحديث وتبقى الأدلة على عمومها فتكون شهادة النساء مقبولة في القتل

ويلاحظ أن حديث مالك عن الزهري ليس من الأحاديث الشريفة التي وردت على لسان رسولنا الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ومن ثم أجاز القول بأن لا يعتد به عليه فإنا نرى أن شهادة النساء مقبولة لإثبات جريمة القتل العمد عند الضرورة إذا كانت في حدود النصاب الشرعي للشهادة بأن تكون شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة على الأقل إن الشهادة يجب أن تكون صريحة الدلالة على ثبوت الجريمة بمعنى أن يشهد كل من الرجلين أو الرجل والمرأتين أو الأربع نسوة على كل ركن من أركان الجريمة فإذا ثبتت تهمة القتل بشهادة قاصرة عن ذلك النصاب الشرعي على نحو ما أسلفنا وركن ووثق واطمأن وجدان المحكمة بصدقها وتوفرت فيها الشروط العامة للشهادة من تجرد عن التهمة وتوفرت العدالة والأصالة والرؤية والمشاهدة والعقل والبلوغ وغير ذلك من الشروط اللازمة للشهادة الشرعية – فإن الجريمة تكون جريمة القتل شبه العمد وليست القتل العمد

ففي القضية التي بين أيدينا نجد أن أركان جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م التي يوجهها الاتهام للمتهم آدم أحمد مادبو هي (1) واقعة ضرب المتهم المذكور للقتيل حسن عبد الرحمن بعكاز على مؤخرة رأسه ضربة واحدة (2) ما إذا كانت تلك الإصابة هي وحدها السبب المباشر للموت (3) ما إذا كان المتهم المذكور قد قصد موت القتيل المذكور أو كان يعلم أن الموت نتيجة راجحة ومؤكدة وحتمية وليست فقط محتملة لفعله ذاك إن شهود الاتهام هم (1) المتحري رقيب شرطة هارون محمد علي (2) محمد عبد الكريم أحمد عبدا لله (3) الطاهر أبو القاسم حسن (4) فاطمة يعقوب آدم (5) فاطمة أبو القاسم حسن فشهادة المتحري رقيب شرطة هارون  محمد علي غير مقبولة شرعاً وقانوناً وقضاءً لإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا ذلك لأنها شهادة سماعية منقولة وقد رفضت المادة 35 من قانون الإثبات 1983م الشهادة بالنقل ذلك لأنها تفتقر إلى الأصالة فالمتحري هنا يحكي في يومية التحري عما قاله له الشاكي والمتهمان فلم يشاهد بنفسه الحادث وقد رفضت المحكمة العليا شهادة المتحري في قضية حكومة السودان ضد فيتر وتود دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 34 كشهادة شرعية في قضية حدية في قولها :

( وشهادة المتحري غير مقبولة أيضاَ لأنه لم يشاهد واقعة السرقة وشهادته سماعية ولا قطع بشهادة السماع )

كما رفضتها المحكمة العليا أيضاً في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 36 بقولها :

( المتحري ليس بشاهد أصلاً لأنه حكى للمحكمة إجراءات الشكوى والبلاغ وما قام به وأنه لم يشاهد ولم يعاين الحادثة وينبغي استبعاده )

وشهادة الطاهر أبو القاسم حسن غير مقبولة أيضاً لإثبات هذه الجريمة ذك لسببين (1) لأنها شهادة خصم (2) لما اعترتها من شبهة التهمة والحجة والسند في عدم قبول شهادة الخصم ما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الحنة ) الظنين المتهم بالمحاباة

كما نجد أن المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف الشهادة بأنها ( الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء وفي مواجهة الخصوم )

ويفهم من سياق هذا النص أن الخصم ليس شاهداً ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن بات خصماً للمدان آدم أحمد مادبو فهو الذي دخلت في مزرعته أبقار المدان المذكور وهو الذي تشاجر مع ذلك المدان حتى ضربه بعكاز وأسقطه على الأرض والشاهد الطاهر أبو القاسم – كمجني عليه – يشهد لنفسه ومن ثم اعترت شهادته شبهة التهمة والتهمة هي أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعث على الظن بأن الشاهد يحابي المشهود له بشهادته أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من وراء الشهادة ويدخل تحت التهمة شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجر لنفسه نفعاً والأصل في عدم جواز الشهادة لشبهة التهمة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( لا تجوز شهادة ظنين ) ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن يحابي نفسه ليجر لها منفعة أو على الأقل ليدفع عن نفسه ضرراً لكي لا يتهم بأنه هو الذي بدأ بالعدوان وفضلاً عن ذلك هو شريك لأنه كان متهماً في هذه القضية وفصلت محكمته ولذلك فإن الشبهة تحوط بشهادته من كل جانب مما يبرر رفضها على أنها جديرة بإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا

أما الشاهدة فاطمة أبو القاسم حسن بما أنها شقيقة الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن  نفس الوقت أخت المرحوم حسن عبد الرحمن من أمه فذلك يبرر رفض شهادتها لشبهة التهمة أيضاَ

تبقت شهادة شاهد الاتهام محمد عبد الكريم أحمد عبد الله وشهادة الشاهدة فاطمة يعقوب وقد أثبتا واقعة  أن المدان آدم أحمد مادبو ضرب بعكازه المرحوم حسن عبد الرحمن على مؤخرة رأسه كما أثبتا أن تلك الإصابة كانت السبب المباشر لموت المرحوم لأن المرحوم فارق الحياة في نفس اللحظة بعد الضربة مباشرة بدليل أن الشاهدين المذكورين لم يتحصلا على كلمة واحدة من فيه المرحوم وأن الضربة كانت على مؤخرة الرأس وهو موضع جد حيوي وحساس ومقتل من جسم المرحوم وكان هناك نزيف مخلوطاً بالمخ في أنف المرحوم كما انه لم يتضح أن المرحوم كان يعاني قبيل الحادث من أي نوع من مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموته بدليل أنا المرحوم كان يرعى أبقاره ولو كان مريضاً لما استطاع أداء ذك العمل المضني وهو رعي الأبقار تحت وهج الشمس معرضاً نفسه للجوع والعطش وجهد الإسراع وراء الأبقار عندما تهرب منه ومهما يكن من أمر وبما أن جريمة القتل لم تثبت بالشهادة حسب النصاب  الشرعي – كما سلف بيانه – بل تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة واحدة وبما أن المدان المذكور لاذ بالإنكار فإن جريمة القتل التي ارتكبها المدان آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 وليس  القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م

والسؤال المطروح بعد ثبوت إدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 243 من قانون العقوبات لسنة 1983م ما إذا كان هناك من دفوع  الذي يعفي المدان المذكور من المسئولية الجنائية يوجد في جانبه ؟

إن الدفع المناسب للنقاش في هذه القضية المطروحة والذي قد يعفي المدان المذكور عن المساءلة الجنائية إذا استطاع الدفاع إثباته هو دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس ولكن – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله أحمد عبد الله مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 492 – عندما ينشب نزاع متبادل يتطور إلى عدوان تنجم عنه إصابات ولا توجد بينة توضح كيف بدأ النزاع ومن هو البادئ فإنه لا يسمح في مثل هذه الحالة بإثارة حق الدفاع الشرعي عن النفس وعليه بما أنه ليس هناك ما يثبت كيفية بدء النزاع بين المدان المذكور والشاهد الطاهر أبو القاسم بعد أن خرجت أبقار المدان من مزرعة ذلك الشاهد وبما أنه ليس هناك دليل على من هو الذي بدأ بالعدوان والاعتداء هل هو المرحوم الذي جاء جارياً من مزرعته أم هل هو الشاهد الطاهر أبو القاسم أم هل هو المدان نفسه فإنه تحت تلك الظروف والملابسات لا يمكن إثارة دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي ومن ثم يتعين علينا رفض مناقشته

بقي علينا أن نوضح لماذا لم يغير انعدام القرار الطبي عن سبب الوفاة في هذه القضية في أن سبب الوفاة هو الإصابة التي سببها المدان آدم أحمد مادبو للمرحوم؟

إن القاعدة المستقر عليها قضاءً هي أنه في حالة عدم وجود أي شك في ذهن المحكمة – كما هو الحال في هذه القضية التي بين أيدينا بأن السبب المباشر لموت القتيل هو الإصابة التي سببها الجاني فإن تعذر تقديم التقرير الطبي عن الوفاة لا أثر له مطلقاً وقد تكون الإدانة تحت المادة 251 عقوبات إذا  ما توافرت بقية أركان الجريمة ففي قضية حكومة السودان ضد كيكي صابون م أ/م ك/352/1974 ( غير منشورة ) أجرى المساعد الطبي الكشف على القتيلة ولكنه لم يوضح سبب الوفاة عندما نبشت الجثة للكشف الطبي عليها بواسطة الطبيب إذ لم يتمكن الأخير من معرفة سبب الوفاة تبين بشهادة الشهود أن المتوفاة أصيبت بعدة إصابات منها واحدة في الرقبة وكان هناك نزيف من الأنف وقد ماتت بعد فترة وجيزة ولم يتضح أنها كانت تعاني من أي مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموتها وكانت في حالة جسمانية مكنتها من الدخول في عراك مع المتهمة مرتين ولذلك قررت محكمة الاستئناف بأن الموت كان بسبب الإصابات التي أحدثتها المتهمة برغم أنه ليس هناك بينة طبية عن سبب الوفاة

ولكن في حالة أن يحدث عدم تقديم التقرير الطبي عن سبب الوفاة شكاً في ذهن المحكمة بأن الإصابة التي سببها المتهم لم تكن هي السبب المباشر للوفاة وقد تكون الوفاة لسبب آخر غيرها فإنه وجب على المحكمة أن تفسر ذلك الشك لمصلحة المتهم وتدينه تحت المادة 253 ( القتل شبه  العمد )  وليس تحت المادة 251 ( القتل العمد ) عقوبات

ففي قضية حكومة السودان ضد ابوناتي أنقلو م أ/م ك/417/1969م ( غير منشورة ) قضى رئيس القضاء بأنه إذا لم توجد بينة طبية عن سبب الوفاة يتعين ألا يدان المتهم بالقتل لما يثيره ذلك من شك في ذهن المحكمة يفسر لصالح المتهم ويكون عدم وجود البينة الطبية مخففاً للجريمة ليدان المتهم تحت المادة 255 عقوبات وفي قضية حكومة السودان ضد آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 قضت محكمة الاستئناف بأنه في جرائم القتل عند غياب البينة الطبية وفي الحالات التي يحدث فيها الغياب شكاً معقولاً في ذهن المحكمة حول سبب الموت يكون على المحكمة الإدانة تحت المادة 253 بدلاً من الإدانة تحت المادة 251 عقوبات وفي تلك السابقة ضرب المتهم المرحوم بعضا غليظة على رقبته ورأسه بشدة ثلاث ضربات واحدة بالرقبة واثنين بالرأس ولكن لوجود شك يجب أن يفسر لمصلحة المتهم لغياب البينة الطبية واستناداً للسابقة القضائية حكومة السودان ضد ابو ناتي أنجلو المشار إليها آنفاً عدلت محكمة الموضوع الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي  وأيدتها محكمة الاستئناف في ذلك وقال القاضي الطيب عباس الجيلي :

( أجد نفسي متفقاً مع المحكمة في تعديل التهمة استناداً على السابقة أعلاه ولكن لا بد من التنبيه إلى أن هذه السابقة لا تصلح كمبدأ ثابت في الحالات التي لا يوجد فيها شك في المتهم فإذا استطاع الاتهام أن يقنع المحكمة بعكس ذلك جازت الإدانة تحت المادة 251 )

وقال القاضي عبد المنعم النحاس في نفس  السابقة ما يلي :-

( إن سابقة حكومة السودان ضد ابوناتي أنجلوا لا تعتبر كمبدأ ثابت يمكن اللجوء إليه في جميع الحالات وإنما المحك مراعاة مصلحة المتهم إذ أن عبء الإثبات يقع على كاهل لاتهام ليقدم البينة دونما شك معقول يعلق في ذهن المحكمة لتعذر تقديم التقرير الطبي إذا تيسر للاتهام إثبات ذلك لا معنى إذاً للاستعانة بالسابقة كما ذكر أخي الطيب وجازت إدانة المتهم تحت المادة 251 عقوبات اهتداءً بسابقة كيكي صابون المشار إليها )

إن عقوبة جريمة القتل شبه العمد هي الدية المغلظة ( الكاملة ) كعقوبة أولى أصلية في الشريعة الإسلامية فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :-

( أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطأ وإتلاف الأطراف خطأ والجراح خطأ )

وجاء في نفس المرجع الجزء الثاني ص 189 ما يلي :-

( والدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام ( ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل ) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصيلة لأنها ليست بدلاً من عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن الدية في القتل العمد تعتبر عقوبة بديلة لا أصلية لأنها بدل عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية لقتل العمد )

وإذا كانت المادة 253من قانون العقوبات لسنة 1983م تنص على أن كل من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية فقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصيلة في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة ومهما يكن من أمر ينبغي ألا نفسر هذا النص بما يخالف الأصل الشرعي كما تأمرنا بذلك المادة 458(5) من قانون العقوبات لسنة 1983م لأننا نجد في الشريعة الإسلامية السمحاء أن عقوبة القصاص ( الإعدام ) هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل العمد وأما الدية المغلظة ( الدية الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه وفق تقدير المحكمة آخذة في الاعتبار ظروف كل قضية هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل شبه العمد ومن ثم فإن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد – كما ورد في المادة 253 عقوبات لا يجوز شرعاً لأن القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد ذلك لانعدام التماثل بينما يفعله الجاني جرماً وما يفعل به عقاباً على ارتكابه ذلك الجرم فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و 669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي  :

( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد وعقوبة القتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثانية الدية المغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينهما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص على القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل المجني عليه فإن قتل الجاني لا بد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وإصرارهم على القصاص وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وإصرارهم على القصاص يتعين ألا يلتفت إليه بل توقع عقوبة الدية الكاملة إن الحكم بالدية الكاملة في حالة القتل شبه العمد يجب أن يصدر برغم أنه لم يطلبه أولياء الدم قبل صدوره ولم يوافقوا عليه بعد صدوره لأنه حكم لا يتوقف شرعاً على طلب موافقة الأفراد فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1985م ص 37 بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 254 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة التي ينبغي أن توقع وهي الدية المغلطة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

قد أسمينا فيما يتعلق بالدية المغلظة بسبب الخطأ الذي وقع فيه المشرع عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات على أمل أن يعدل المشرع نص المادة المذكورة بحيث يسقط عقوبة الإعدام نهائياً ويجعل الدية الكاملة العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد

لما تقدم نقرر الآتي :

1- إلغاء قرار محكمة الاستئناف القاضي بإخلاء سبيل المتهم آدم أحمد مادبو على أن يقبض عليه من جديد

2- تأييد حكم محكمة الموضوع بإدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م

3- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة الدية المغلظة ( الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه على أن يدفعها المدان آدم أحمد مادبو أو عائلته لأولياء دم القتيل حسن عبد الرحمن وهم ورثته حسب الإعلام الشرعي الذي يجب أن يقدم للمحكمة وفي حالة دفعها يطلق سراحه فوراً وفي حالة عدم دفعها يبقى بالسجن حتى الدفع 

▸ حكومة السودان / ضد /حسين عبد اللطيف فوق حكومة السودان /ضد/ جمعة محمد الطاهر ◂

مجلة الاحكام

  • المجلات من 1900 إلي 1930
  • المجلات من 1931 إلي 1950
  • المجلات من 1956 إلي 1959
  • المجلات من 1960 إلي 1969
  • المجلات من 1970 إلي 1979
  • المجلات من 1980 إلي 1989
  • المجلات من 1990 إلي 1999
  • المجلات من 2000 إلي 2009
  • المجلات من 2010 الى 2019
  • المجلات من 2020 الى 2029
  1. مجلة الاحكام
  2. المجلات من 1980 إلي 1989
  3. العدد 1986
  4. حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

المحكمة العليا

حكومة السودان /ضد /آدم أحمد مادبو

م ع/ف ج/108/1406هـ

المبادئ:

إجراءات جنائية – المنشورالجنائي 91/1983م

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن يقضي منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى لو رفضها أولياء الدم – ولا يحق لهمأأن – يرفضوها لأنهم لا يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد

 

الحكم

التاريخ : 9/3/1986م

القاضي : علي يوسف الولي

أوراق إجراءات المحاكمة أ/256/1405هـ ( جنايات زالنجي ) مع قرار محكمة الاستئناف نيالا رقم (م أ د/ن/أ س ج/466/1405هـ ) الصادر بتاريخ 5/صفر/1406هـ الموافق 19/10/1985م وصلت لنا من القاضي صالح الشريف جيب الله قاضي محكمة الاستئناف نيالا وذلك لغرض فحص قراره المذكور الذي تبين له بأنه صدر مخالفاً – للمبدأ الذي أرسته السابقة القضائية حكومة  السودان /ضد / آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 وذلك المبدأ الذي تأسس على هدى السابقتين حكومة السودان ضد كيكني صابون (م أ/م ك/417/1969 م)

جاء القرار موضوع الفحص بأنه لعدم وجود بينة طبية ليس هناك بينة قاطعة تثبت بدون شك بأن المرحوم قد توفى بسبب تلك الإصابة التي سببها له المتهم آدم أحمد مادبو

نوجز الوقائع في أنه بتاريخ 13 صفر 1405هـ الموافق 7/11/1984م قبيل مغيب الشمس بقرية نيما بضواحي زالنجي كان المتهم الأول آدم محمد مادبو والمتهم الثاني مالك أبوبكر محمد عثمان يرعيان أبقارهما ولما دخلت الأبقار في مزرعة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن طردهما من مزرعته إلا  أن المتهم الأول والمتهم الثاني جاءا له ونشبت بينهما وبين المتهم الثالث مشاجرة انتهت بمعركة عنيفة تدخل فيها المرحوم حسن عبد الرحمن الذي جاء جارياً من مزرعته وهو أخ المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم وقام المتهم الأول آدم أحمد مادبو بضرب المتهم الثالث بعكاز حتى سقط على الأرض وكان الدم يسيل من رأسه ومن أنفه ومات في الحال وكان كل من شهود الاتهام المذكورين بعد في مزارعهم وعلى مقربة من موضع الحادث وهم :

1- محمد عبد الكريم 2- فاطمة يعقوب آدم 3- فاطمة أبو القاسم حسن وهي شقيقة المتهم الثالث الطاهر أبو القاسم حسن وهؤلاء جميعاً من قبيلة الفور التي ينتمي إليها المرحوم حسن عبد الرحمن وأما المتهم الأول والمتهم الثاني من قبيلة الفلاتة عندما وصل المتحري لمكان الحادث في اليوم التالي وجد أن الجثة قد دفنت بالأمس ولم يقم بنبشها وبالتالي لم يكشف عليها طبياً ولم يتم تشريحها ومن ثم ليس هناك تقرير طبي عن سبب الوفاة ولم ينطق المرحوم بأي كلمة شهود العيان المذكورين لأنه فارق  الحياة بعد الإصابة مباشرة

وجدت محكمة جنايات زالنجي أن المتهم الأول آدم أحمد مادبو مدان بجريمة القتل شبه العمد تحت الماد 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأنه استفاد من الاستثناء الرابع في المادة 249 من نفس القانون المعركة الفجائية بعد أن وقعت محكمة الموضوع عقوبة الدية عشرة آلاف جنيه تدفع لأولياء الدم وفي حالة عدم الدفع يبقى المدان بالسجن حتى الدفع وأمرت بإرسال الأوراق لمحكمة الاستئناف نيالا للتأييد التي قررت إخلاء سبيل المدان لعدم ثبوت سبب الوفاة بالإصابة التي سببها المدان المذكور ثبوتاً قاطعاً وذلك لعدم وجود البينة الطبية عن سبب الوفاة

الأسباب

باستقراء المحضر الذي أعدته محكمة جنيات زالنجي ومذكرة محكمة الاستئناف نيالا أجد أن الجريمة التي ارتكبها المتهم الأول آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م وليست جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من نفس القانون وذلك لعدم توفر النصاب الشرعي للشهادة المثبتة لتلك الجريمة الأخيرة

لا يشترط في الشريعة الإسلامية السمحاء لإثبات جريمة القتل شبه العمد الواردة في المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م أي نصاب معين من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة وذلك لأنها من الجرائم التي توجب عقوبة مالية فقد ثبتت هذه الجريمة بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة رجل أو بشهادة رجل وامرأة واحدة أو بشهادة امرأتين فأكثر أو بشهادة امرأة واحدة أو بالقسامة أو بقرائن الأحوال أو البينات الظرفية أو بأي بينة يركن ويثق ويطمئن وجدان المحكمة بصدقها فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثني ص 38 ما يؤيد هذا النظر في الآتي :

( تثبت الجرائم التي توجب عقوبة مالية كالدية أو الغرامة بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعي )

كما ورد في نفس المرجع على ص 317 مايلي :

( ما يوجب المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة رجل ويمين المدعى )

إن المشرع لم ينص على طرق إثبات الجرائم التي توجب عقوبة القصاص التي منها جريمة القتل العمد الواردة في المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م كما نص على ذلك في حالة جرائم الحدود في المادة 78 من قانون الإثبات لسنة 1983م وفي هذه الحالة وجب الرجوع إلى آراء  جمهور الفقهاء ونجدهم اشترطوا إثبات الجرائم المعاقب عليها بالقصاص عدداً معيناً من الشهود إذا لم يكن دليل إلا الشهادة كما هو الحال في هذه القضية التي أمامنا – فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 312– 315ما يلي :

( يشترط الفقهاء في إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان ولا يقبل الفقهاء في إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجني عليه وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود وهذا هو رأي جمهور الفقهاء )

والشاهدان اللذان تثبت شهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجني عليه فإذا كان شاهد واحد والمجني عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجني عليه يعتبر مدعياً لا شاهداً وأقواله تصلح لوثاً أي قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة والذين يشترطون شهادة رجلين في إثبات الجريمة الموجبة لقصاص لا يجيزون إثبات الجريمة بأقل من ذلك

وقد جاءت الأحاديث الشريفة بما يفيد بأن نصاب الشهادة لإثبات القتل العمد ينبغي أن يكون شاهدين اثنين على الأقل ففي حديث قال صلى الله عليه وسلم  ( لكم شاهدان يشهدان على من قتل صاحبكم ) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة  والسلام ( أقم شاهدين على من قتله ) ومن ثم فإنه من  المتفق عليه بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز في شهادة القتل العمد أقل من شاهدين اثنين لصراحة النص الشرعي ولا خلاف في    ذلك إنما الخلاف وقع في الشاهدين هل هما رجلان أم هما شاهدان كسائر الشهادات : رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة باعتبار أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد لثبوت ذلك بالأحاديث الشريفة فقد روى عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ) وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة ( أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل قلنا بلى يا رسول الله )

إن الذين يرون أن الشهادة في الجرائم المعاقب عليها بالقصاص كالقتل العمد يجب أن تكون رجلين دون النساء قد استدلوا بما رواه مالك عن الزهري قال ( مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق ) وقيس  على ذلك ثلاثة ما هو مثلها وهو القصاص

ويقول الأوزاعي ومن على رأيه أن القصاص كالأموال فيكفي فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الثاني ص 315 ما يلي :

( ويرى الأوزاعي والزهري أن الجريمة التي توجب القصاص تثبت بما تثبت به الأموال فيكفي في إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ويؤيد الشوكاني هذا الرأي )

وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 113 – 114 ما يلي :

( أدلة الشهادة شاملة للحدود والجنيات وعلى ذلك فبينة القتل هي شاهدان : رجلان أو رجل وامرأتان إلا أن نص الرسول على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه إلا كمال الشهادة وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كن فيها شبهة والرسول صلى الله عليه وسلم قال ( ادرءوا الحدود بالشبهات ) فلا تقبل في الحدود وقول الرسول صلى الله عليه وسلم  في بينة القتل ( شاهدان )  نص على كمل الشهادة كذلك فلا تقبل في الجنايات أيضاً إلا كمال الشهادة فتكون الشهادة الكاملة التي جاءت في النصوص أي في الأحاديث

إن الذين يرون إدخال نصاب النساء في شهادة القصاص استدلوا على ذلك بقوله تعالى ( واستشهدوا  شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) فالنص عام ويبقى منطبقاً على عموم القضايا وقال عبد الرحمن المالكي المحامي في كتابه ( نظام العقوبات ) ص 112 – 114 ما يلي :

( والحق أن شهادات القتل قد جاء النص بشاهدين (لكم شاهدان ) ( أقم شاهدين ) فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد  من شاهدين اثنين أما كون الشاهدين رجالاً فإنه لا يوجد ما يدل عليه لأن لفظ الشاهد ورد في الأحاديث يدل على الرجل والمرأة وجاء في الحدود والقصاص عاماً صادقاً على الرجل والمرأة فقال تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) ولفظ الشهداء يشمل الرجل والمرأة وقال صلى الله عليه وسلم ( أربعة وإلا حد في ظهرك ) وكلمة أربعة تشمل الرجل والمرأة والذي يدل على جواز شهادة النساء في الحدود والجنايات أن الله تعالى قال ( واستشهدوا شهيدين ) ثم قال ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان )

( فهذه الأدلة عامة في كل دعوى ولا يوجد ما يخصها بغير الحدود والجنايات فتبقى عامة وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( شاهدان )  ( أقم شاهدين )فلا يجوز فيها غير ذلك لصراحة النص فلا بد من شاهدين اثنين (فإن لم يكون رجلين فرجل وامرأتان) جاء تعقيباً على شاهدين فيهم كل شاهدين وفي الحديث فإنه وإن لم يصرح به ولكنه مفهوم من الآية فيبقى حديث مالك عن الزهري الذي استدلوا به على أن شهادة القتل لا بد أن تكون رجلين فهذا الحديث لو صح لكان مخصصاً للأدلة العامة ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يحتج به وما دام الحديث ضعيفاً فإنه لا يصح الاستدلال به وعليه يسقط الاستدلال بهذا الحديث وتبقى الأدلة على عمومها فتكون شهادة النساء مقبولة في القتل

ويلاحظ أن حديث مالك عن الزهري ليس من الأحاديث الشريفة التي وردت على لسان رسولنا الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ومن ثم أجاز القول بأن لا يعتد به عليه فإنا نرى أن شهادة النساء مقبولة لإثبات جريمة القتل العمد عند الضرورة إذا كانت في حدود النصاب الشرعي للشهادة بأن تكون شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة على الأقل إن الشهادة يجب أن تكون صريحة الدلالة على ثبوت الجريمة بمعنى أن يشهد كل من الرجلين أو الرجل والمرأتين أو الأربع نسوة على كل ركن من أركان الجريمة فإذا ثبتت تهمة القتل بشهادة قاصرة عن ذلك النصاب الشرعي على نحو ما أسلفنا وركن ووثق واطمأن وجدان المحكمة بصدقها وتوفرت فيها الشروط العامة للشهادة من تجرد عن التهمة وتوفرت العدالة والأصالة والرؤية والمشاهدة والعقل والبلوغ وغير ذلك من الشروط اللازمة للشهادة الشرعية – فإن الجريمة تكون جريمة القتل شبه العمد وليست القتل العمد

ففي القضية التي بين أيدينا نجد أن أركان جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م التي يوجهها الاتهام للمتهم آدم أحمد مادبو هي (1) واقعة ضرب المتهم المذكور للقتيل حسن عبد الرحمن بعكاز على مؤخرة رأسه ضربة واحدة (2) ما إذا كانت تلك الإصابة هي وحدها السبب المباشر للموت (3) ما إذا كان المتهم المذكور قد قصد موت القتيل المذكور أو كان يعلم أن الموت نتيجة راجحة ومؤكدة وحتمية وليست فقط محتملة لفعله ذاك إن شهود الاتهام هم (1) المتحري رقيب شرطة هارون محمد علي (2) محمد عبد الكريم أحمد عبدا لله (3) الطاهر أبو القاسم حسن (4) فاطمة يعقوب آدم (5) فاطمة أبو القاسم حسن فشهادة المتحري رقيب شرطة هارون  محمد علي غير مقبولة شرعاً وقانوناً وقضاءً لإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا ذلك لأنها شهادة سماعية منقولة وقد رفضت المادة 35 من قانون الإثبات 1983م الشهادة بالنقل ذلك لأنها تفتقر إلى الأصالة فالمتحري هنا يحكي في يومية التحري عما قاله له الشاكي والمتهمان فلم يشاهد بنفسه الحادث وقد رفضت المحكمة العليا شهادة المتحري في قضية حكومة السودان ضد فيتر وتود دينق وعوض محمد عبد الجليل نشرة الأحكام الرباعية أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 1983م ص 34 كشهادة شرعية في قضية حدية في قولها :

( وشهادة المتحري غير مقبولة أيضاَ لأنه لم يشاهد واقعة السرقة وشهادته سماعية ولا قطع بشهادة السماع )

كما رفضتها المحكمة العليا أيضاً في قضية حكومة السودان ضد موسى باشا هبيلا نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1984م ص 36 بقولها :

( المتحري ليس بشاهد أصلاً لأنه حكى للمحكمة إجراءات الشكوى والبلاغ وما قام به وأنه لم يشاهد ولم يعاين الحادثة وينبغي استبعاده )

وشهادة الطاهر أبو القاسم حسن غير مقبولة أيضاً لإثبات هذه الجريمة ذك لسببين (1) لأنها شهادة خصم (2) لما اعترتها من شبهة التهمة والحجة والسند في عدم قبول شهادة الخصم ما رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الحنة ) الظنين المتهم بالمحاباة

كما نجد أن المادة 27 من قانون الإثبات لسنة 1983م تعرف الشهادة بأنها ( الشهادة هي البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت مسئولية مدعى بها على آخر في مجلس القضاء وفي مواجهة الخصوم )

ويفهم من سياق هذا النص أن الخصم ليس شاهداً ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن بات خصماً للمدان آدم أحمد مادبو فهو الذي دخلت في مزرعته أبقار المدان المذكور وهو الذي تشاجر مع ذلك المدان حتى ضربه بعكاز وأسقطه على الأرض والشاهد الطاهر أبو القاسم – كمجني عليه – يشهد لنفسه ومن ثم اعترت شهادته شبهة التهمة والتهمة هي أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعث على الظن بأن الشاهد يحابي المشهود له بشهادته أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من وراء الشهادة ويدخل تحت التهمة شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضرراً أو يجر لنفسه نفعاً والأصل في عدم جواز الشهادة لشبهة التهمة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( لا تجوز شهادة ظنين ) ولا شك أن الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن يحابي نفسه ليجر لها منفعة أو على الأقل ليدفع عن نفسه ضرراً لكي لا يتهم بأنه هو الذي بدأ بالعدوان وفضلاً عن ذلك هو شريك لأنه كان متهماً في هذه القضية وفصلت محكمته ولذلك فإن الشبهة تحوط بشهادته من كل جانب مما يبرر رفضها على أنها جديرة بإثبات جريمة القصاص التي بين أيدينا

أما الشاهدة فاطمة أبو القاسم حسن بما أنها شقيقة الشاهد الطاهر أبو القاسم حسن  نفس الوقت أخت المرحوم حسن عبد الرحمن من أمه فذلك يبرر رفض شهادتها لشبهة التهمة أيضاَ

تبقت شهادة شاهد الاتهام محمد عبد الكريم أحمد عبد الله وشهادة الشاهدة فاطمة يعقوب وقد أثبتا واقعة  أن المدان آدم أحمد مادبو ضرب بعكازه المرحوم حسن عبد الرحمن على مؤخرة رأسه كما أثبتا أن تلك الإصابة كانت السبب المباشر لموت المرحوم لأن المرحوم فارق الحياة في نفس اللحظة بعد الضربة مباشرة بدليل أن الشاهدين المذكورين لم يتحصلا على كلمة واحدة من فيه المرحوم وأن الضربة كانت على مؤخرة الرأس وهو موضع جد حيوي وحساس ومقتل من جسم المرحوم وكان هناك نزيف مخلوطاً بالمخ في أنف المرحوم كما انه لم يتضح أن المرحوم كان يعاني قبيل الحادث من أي نوع من مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموته بدليل أنا المرحوم كان يرعى أبقاره ولو كان مريضاً لما استطاع أداء ذك العمل المضني وهو رعي الأبقار تحت وهج الشمس معرضاً نفسه للجوع والعطش وجهد الإسراع وراء الأبقار عندما تهرب منه ومهما يكن من أمر وبما أن جريمة القتل لم تثبت بالشهادة حسب النصاب  الشرعي – كما سلف بيانه – بل تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة واحدة وبما أن المدان المذكور لاذ بالإنكار فإن جريمة القتل التي ارتكبها المدان آدم أحمد مادبو هي جريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 وليس  القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م

والسؤال المطروح بعد ثبوت إدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 243 من قانون العقوبات لسنة 1983م ما إذا كان هناك من دفوع  الذي يعفي المدان المذكور من المسئولية الجنائية يوجد في جانبه ؟

إن الدفع المناسب للنقاش في هذه القضية المطروحة والذي قد يعفي المدان المذكور عن المساءلة الجنائية إذا استطاع الدفاع إثباته هو دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس ولكن – كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد عبد الله أحمد عبد الله مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 492 – عندما ينشب نزاع متبادل يتطور إلى عدوان تنجم عنه إصابات ولا توجد بينة توضح كيف بدأ النزاع ومن هو البادئ فإنه لا يسمح في مثل هذه الحالة بإثارة حق الدفاع الشرعي عن النفس وعليه بما أنه ليس هناك ما يثبت كيفية بدء النزاع بين المدان المذكور والشاهد الطاهر أبو القاسم بعد أن خرجت أبقار المدان من مزرعة ذلك الشاهد وبما أنه ليس هناك دليل على من هو الذي بدأ بالعدوان والاعتداء هل هو المرحوم الذي جاء جارياً من مزرعته أم هل هو الشاهد الطاهر أبو القاسم أم هل هو المدان نفسه فإنه تحت تلك الظروف والملابسات لا يمكن إثارة دفع ممارسة حق الدفاع الشرعي ومن ثم يتعين علينا رفض مناقشته

بقي علينا أن نوضح لماذا لم يغير انعدام القرار الطبي عن سبب الوفاة في هذه القضية في أن سبب الوفاة هو الإصابة التي سببها المدان آدم أحمد مادبو للمرحوم؟

إن القاعدة المستقر عليها قضاءً هي أنه في حالة عدم وجود أي شك في ذهن المحكمة – كما هو الحال في هذه القضية التي بين أيدينا بأن السبب المباشر لموت القتيل هو الإصابة التي سببها الجاني فإن تعذر تقديم التقرير الطبي عن الوفاة لا أثر له مطلقاً وقد تكون الإدانة تحت المادة 251 عقوبات إذا  ما توافرت بقية أركان الجريمة ففي قضية حكومة السودان ضد كيكي صابون م أ/م ك/352/1974 ( غير منشورة ) أجرى المساعد الطبي الكشف على القتيلة ولكنه لم يوضح سبب الوفاة عندما نبشت الجثة للكشف الطبي عليها بواسطة الطبيب إذ لم يتمكن الأخير من معرفة سبب الوفاة تبين بشهادة الشهود أن المتوفاة أصيبت بعدة إصابات منها واحدة في الرقبة وكان هناك نزيف من الأنف وقد ماتت بعد فترة وجيزة ولم يتضح أنها كانت تعاني من أي مرض آخر قد يكون هو السبب المباشر لموتها وكانت في حالة جسمانية مكنتها من الدخول في عراك مع المتهمة مرتين ولذلك قررت محكمة الاستئناف بأن الموت كان بسبب الإصابات التي أحدثتها المتهمة برغم أنه ليس هناك بينة طبية عن سبب الوفاة

ولكن في حالة أن يحدث عدم تقديم التقرير الطبي عن سبب الوفاة شكاً في ذهن المحكمة بأن الإصابة التي سببها المتهم لم تكن هي السبب المباشر للوفاة وقد تكون الوفاة لسبب آخر غيرها فإنه وجب على المحكمة أن تفسر ذلك الشك لمصلحة المتهم وتدينه تحت المادة 253 ( القتل شبه  العمد )  وليس تحت المادة 251 ( القتل العمد ) عقوبات

ففي قضية حكومة السودان ضد ابوناتي أنقلو م أ/م ك/417/1969م ( غير منشورة ) قضى رئيس القضاء بأنه إذا لم توجد بينة طبية عن سبب الوفاة يتعين ألا يدان المتهم بالقتل لما يثيره ذلك من شك في ذهن المحكمة يفسر لصالح المتهم ويكون عدم وجود البينة الطبية مخففاً للجريمة ليدان المتهم تحت المادة 255 عقوبات وفي قضية حكومة السودان ضد آدم بادي مجلة الأحكام القضائية 1975م ص 579 قضت محكمة الاستئناف بأنه في جرائم القتل عند غياب البينة الطبية وفي الحالات التي يحدث فيها الغياب شكاً معقولاً في ذهن المحكمة حول سبب الموت يكون على المحكمة الإدانة تحت المادة 253 بدلاً من الإدانة تحت المادة 251 عقوبات وفي تلك السابقة ضرب المتهم المرحوم بعضا غليظة على رقبته ورأسه بشدة ثلاث ضربات واحدة بالرقبة واثنين بالرأس ولكن لوجود شك يجب أن يفسر لمصلحة المتهم لغياب البينة الطبية واستناداً للسابقة القضائية حكومة السودان ضد ابو ناتي أنجلو المشار إليها آنفاً عدلت محكمة الموضوع الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي  وأيدتها محكمة الاستئناف في ذلك وقال القاضي الطيب عباس الجيلي :

( أجد نفسي متفقاً مع المحكمة في تعديل التهمة استناداً على السابقة أعلاه ولكن لا بد من التنبيه إلى أن هذه السابقة لا تصلح كمبدأ ثابت في الحالات التي لا يوجد فيها شك في المتهم فإذا استطاع الاتهام أن يقنع المحكمة بعكس ذلك جازت الإدانة تحت المادة 251 )

وقال القاضي عبد المنعم النحاس في نفس  السابقة ما يلي :-

( إن سابقة حكومة السودان ضد ابوناتي أنجلوا لا تعتبر كمبدأ ثابت يمكن اللجوء إليه في جميع الحالات وإنما المحك مراعاة مصلحة المتهم إذ أن عبء الإثبات يقع على كاهل لاتهام ليقدم البينة دونما شك معقول يعلق في ذهن المحكمة لتعذر تقديم التقرير الطبي إذا تيسر للاتهام إثبات ذلك لا معنى إذاً للاستعانة بالسابقة كما ذكر أخي الطيب وجازت إدانة المتهم تحت المادة 251 عقوبات اهتداءً بسابقة كيكي صابون المشار إليها )

إن عقوبة جريمة القتل شبه العمد هي الدية المغلظة ( الكاملة ) كعقوبة أولى أصلية في الشريعة الإسلامية فقد جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 122 ما يلي :-

( أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي ثم القتل شبه العمد والقتل الخطأ وإتلاف الأطراف خطأ والجراح خطأ )

وجاء في نفس المرجع الجزء الثاني ص 189 ما يلي :-

( والدية هي العقوبة الأساسية للقتل شبه العمد والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام ( ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل ) وتعتبر الدية في شبه العمد عقوبة أصيلة لأنها ليست بدلاً من عقوبة أخرى ولأنها العقوبة الأساسية لهذا النوع من القتل ولكن الدية في القتل العمد تعتبر عقوبة بديلة لا أصلية لأنها بدل عقوبة القصاص وهي العقوبة الأصلية لقتل العمد )

وإذا كانت المادة 253من قانون العقوبات لسنة 1983م تنص على أن كل من يرتكب قتلاً شبه العمد يعاقب بالإعدام أو الدية فقد جاء نصها بما يخالف الأصل الشرعي لأنها جعلت القصاص ( الإعدام ) عقوبة أصيلة في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد وجعلت الدية عقوبة بديلة ومهما يكن من أمر ينبغي ألا نفسر هذا النص بما يخالف الأصل الشرعي كما تأمرنا بذلك المادة 458(5) من قانون العقوبات لسنة 1983م لأننا نجد في الشريعة الإسلامية السمحاء أن عقوبة القصاص ( الإعدام ) هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل العمد وأما الدية المغلظة ( الدية الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه وفق تقدير المحكمة آخذة في الاعتبار ظروف كل قضية هي العقوبة الأصلية لجريمة القتل شبه العمد ومن ثم فإن رصد عقوبة القصاص ( الإعدام ) في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد – كما ورد في المادة 253 عقوبات لا يجوز شرعاً لأن القصاص ليس بالعقوبة المقدرة في حالة القتل شبه العمد ذلك لانعدام التماثل بينما يفعله الجاني جرماً وما يفعل به عقاباً على ارتكابه ذلك الجرم فقد ورد في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي الجزء الأول ص 668 و 669 ما يؤيد هذا النظر فيما يلي  :

( والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد وعقوبة القتل شبه العمد فجعلتها في الأول القصاص وفي الثانية الدية المغلظة لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينهما في العقوبة وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص على القتل شبه العمد لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به والجاني لم يقصد قتل المجني عليه فإذا قتل المجني عليه فإن قتل الجاني لا بد أن يقصد قتله وهنا ينعدم التماثل فالعدالة والمنطق هما أساس التفرقة بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد )

إن عقوبة الدية المغلظة كما نص عليها المنشور الجنائي 91/1983م توقع في حالة ارتكاب جريمة القتل شبه العمد كعقوبة أصيلة ولا ينبغي للقاضي أن ينقص منها شيئاً وتوقع هذه العقوبة حتى ولو رفضها أولياء الدم ولا يحق لهم أن يرفضوها لأنهم يتمتعون بحق الخيار بين رفضها وإصرارهم على القصاص وبين قبولها كما هو الحال في حالة ارتكاب جريمة القتل العمد وإصرارهم على القصاص يتعين ألا يلتفت إليه بل توقع عقوبة الدية الكاملة إن الحكم بالدية الكاملة في حالة القتل شبه العمد يجب أن يصدر برغم أنه لم يطلبه أولياء الدم قبل صدوره ولم يوافقوا عليه بعد صدوره لأنه حكم لا يتوقف شرعاً على طلب موافقة الأفراد فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد حامد أحمد الشيخ نشرة الأحكام الرباعية إبريل – مايو – يونيو 1985م ص 37 بأنه في حالة ثبوت الإدانة تحت المادة 254 عقوبات جريمة القتل شبه العمد يذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الدية هي العقوبة المناسبة التي ينبغي أن توقع وهي الدية المغلطة وتدفع لورثة القتيل بغض النظر عن قبول أولياء الدم أو رفضهم

قد أسمينا فيما يتعلق بالدية المغلظة بسبب الخطأ الذي وقع فيه المشرع عندما جعل عقوبة الإعدام عقوبة أولى أصلية لجريمة القتل شبه العمد بموجب المادة 253 عقوبات على أمل أن يعدل المشرع نص المادة المذكورة بحيث يسقط عقوبة الإعدام نهائياً ويجعل الدية الكاملة العقوبة الأولى الأصلية لجريمة القتل شبه العمد

لما تقدم نقرر الآتي :

1- إلغاء قرار محكمة الاستئناف القاضي بإخلاء سبيل المتهم آدم أحمد مادبو على أن يقبض عليه من جديد

2- تأييد حكم محكمة الموضوع بإدانة المتهم آدم أحمد مادبو بجريمة القتل شبه العمد تحت المادة 253 من قانون العقوبات لسنة 1983م

3- تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع عقوبة الدية المغلظة ( الكاملة ) حسب المنشور الجنائي 91/83 الذي حددها ما بين عشرين ألف وثلاثين ألف جنيه على أن يدفعها المدان آدم أحمد مادبو أو عائلته لأولياء دم القتيل حسن عبد الرحمن وهم ورثته حسب الإعلام الشرعي الذي يجب أن يقدم للمحكمة وفي حالة دفعها يطلق سراحه فوراً وفي حالة عدم دفعها يبقى بالسجن حتى الدفع 

▸ حكومة السودان / ضد /حسين عبد اللطيف فوق حكومة السودان /ضد/ جمعة محمد الطاهر ◂
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©
  • الرئيسية
  • السلطة القضائية
  • رئيس القضاء
  • الأخبار
  • المكتبة التفاعلية
  • اتصل بنا
  • خريطة الموقع
جميع الحقوق للسلطة القضائية السودانية 2026 ©