أحمد عثمان محمد خير ضد الطيب الشريف
أحمد عثمان محمد خير ضد الطيب الشريف
نمرة القضية: م ع/ ط م/ 23/1982م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 1982
المبادئ:
• قانون الشفعة لسنة 1928 – حق الشفعة – التنازل عنه – بيع طالب الشفعة لجزء من أرضه بطوعه واختياره بعد طلب الشفعة – أثره – المادة 16/أ
• قانون الشفعة لسنة 1928- عبارة (وحدة رى واحدة) الواردة في المادة 7/ج – تعريفها
2- بيع طالب الشفعة لجزء من أرضه بطوعه واختياره بعد طلب الشفعة يعتبر تنازلاً من حقه في الشفعة بسلوكه طبقاً للمادة 16 أ من قانون الشفعة لسنة 1928م
1- عبارة " وحدة رى واحدة " الواردة في المادة 20و7 من قانون الشفعة لسنة 1928 تعنى وحدة رى مماثلة للساقية وليست وحدة رى تشتمل على ساقيتين منفصلتين أو عدد كبير من السواقي
الحكم:
المحكمة العليا
أحمد عثمان محمد خير الطاعن
ضد
الطيب الشريف المطعون ضده
م ع/ ط م/ 23/1982م
الحكم
12 جمادى الأول 1405هـ
2 فبراير 1985م
القاضى هنرى رياض سكلا :
أنه في 25/1/1982م تقدم الطاعنون بعريضة طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف بالخرطوم في الاستئناف رقم 350/1981 بتاريخ 20/12/1981م كما تقدم محامى المطعون ضده بمذكرة لدفاعه بعد إعلانه
وتتحصل وقائع الطعن في أن المطعون ضده أقام في 19/2/1976 الدعوى رقم 132/ 1975 لدى محكمة الخرطوم بحرى الجزئية ضد ورثة الشيخ السماني كمدعى عليهم أو وضد أحمد عثمان محمد خير كمدعى عليه ثان مطالباً بتعديل سجل الساقية 24/4 "الجيلى " بالنسبة لـ 13 حبل وبتعديل سجل الساقية 24/5 "الجيلى" بالنسبة لـ 22 حبلاً وذلك على أساس حقه في الشفعة استناداً إلى أنه بتاريخ 10/9/1974م
باع المدعى عليهم الأول 13 حبلاً في الساقية 24/4 الجيلى للمدعى عليه الثاني في حين أنه أجنبى عن الساقية لا يملك فيها شيئاً واستناداً أيضاً إلى أنه في 10/9/1974 باع المدعى عليهم الأول 22 حبلاً إلى المدعى عليه الثاني في الساقية 24/5 وأن الساقية 29/5 والساقية 24/4 تقعان في وحدة ري واحدة وأن البيع تم بمبلغ (1125) جنيهاً للخمس وثلاثين حبلاً وأن المطعون ضده المدعى علم بالبيع بتاريخ 3/10/1974م وقدم طلباً للشفعة في 10/10/1974 تأسيساً على أنه أحد الملاك في نفس الساقية 24/4 وأن الساقية 24/5 والساقية 24/4 التي يملك فيها المدعى تقعان في وحدة رى واحدة وأنكر الطاعن "المدعى عليه الأول" الدعوى وذكر بأن المطعون ضده قد سبق أن باع حبلين قبل رفع هذه الدعوى ولم يبقى في اسمه غير 5 حبال في الساقية 24/4 الجيلى وأضاف إلى دفاعه قوله : (أن المدعى كان يعلم بالبيع وعلى أساس ذلك عرض على المدعى عليه الثاني – الطاعن شراء حبلين من أرض الساقية 24/4 المسجلين باسمه وبالفعل استلم عربوناً قدره عشرين جنيهاً وقبل إتمام التسجيل عاد وطلب إعفاءه من التزامه التعاقدي لعدم موافقة أبنائه وبعد موافقة المدعى عليه الثاني واستلام العربون باع الحبلين لشخص آخر
واستطرد الطاعن قائلاً (المدعى لا يمتلك حصة بالساقية 24/5 وبالتالي لا يحق له المطالبة بالشفعة في هذه الساقية التي تعتبر في وحدة زراعية قائمة بذاتها لأغراض المادة 5 (ج) من قانون الشفعة ولم يعلن المدعى رغبته في طلب الشفعة في الساقية 24/5 للمدعى عليه الثاني)
وبعد أن حددت المحكمة نقاط النزاع في الدعوى واستمعت إلى أقوال الأطراف والشهود قضت في 24/1/81 بتسجيل الأراضي محل النزاع في اسم المطعون ضده بدلاً عن الطاعن وذلك استناداً إلى أن (المدعى يملك في الساقية 24/4 نصيباً وأن الساقيتين 24/4 و 24/5 تقعان في وحدة ري واحدة) واستناداً إلى أن عرض المطعون ضده " المدعى " بيع حبلين للطاعن (المدعى عليه) بعد عشرين أو 25 يوماً من التسجيل بالنسبة للبيع من محل النزاع لا يرقى إلى درجة العلم أو التنازل عن حق الشفعة
واستأنف الطاعنان الحكم لدى محكمة المديرية الخرطوم بحرى فقضت في 28/5/1981م بشطب الاستئناف وأيدت الحكم المستأنف لأسبابه ثم استطردت تقول – (ثبت أيضاً بالبينة مقرونة بشهادة البحث أن المستأنف ضده يمتلك الخمسة حبال المذكورة في الساقية 24/4 الجيلى وهي نفس الساقية مع حبال المدعى عليه الأول الثلاثة عشر التي باعها للمستأنف – المدعى عليه الثاني ولقد روى وكيل المستأنف ضده أن الساقيتين (24/4 و 24/5 الجيلى) تسقيان حتى تاريخ البيع من بابور واحد وهما الآن تسقيان من جدول واحد
أضيف إلى ذلك أن الشاهد وهو مالك في الساقيتين المذكورتين أثبت أنه ظل يسقى الساقيتين المذكورتين من بابوره المقام في الساقية 25 منذ 4 أو 5 سنوات خلت وتوقف عن ذلك بعد احضار وابورات جديدة قبل سنتين أو ثلاثة
ثابت أيضاً أن الخمسة حبال الخاصة بالمستأنف ضده في الساقية 24/4 الجيلى ملاصقة للاثنين وعشرين حبلاً في الساقية 24/5 الجيلى التي باعها المدعى عليه الأول للمستأنف " المدعى عليه الثاني" فضلاً عن أن جدول البابور الذي يروى الأرضين يمر بأرض المستأنف ضده إلى الثلاثة عشر حبلاً الأخرى في الساقية 24/4 الجيلى
ثم انتهت محكمة المديرية بالقول :
(لقد ثبت من أقوال الشهود أن للمستأنف ضده أراضي عديدة في مواقع متباينة وعلى فرض ثبوت أنه عرض بيع حبلين في الأرض موضوع الشفعة عن طريق وسط فإنه يتبقى له خمسة حبال هي أساس مطالبته بالشفعة
وليس هناك ما يمنعها من المطالبة بهذا الحق بالنسبة لما تبقى له من حبال فضلاً عن أن المستأنف أبدى حرصاً في المطالبة بحقه ممثلاً في تقديمه لطلبه في غضون أسبوع واحد من تاريخ علمه بالبيع وفي إيداعه خزينة المحكمة المبلغ المطلوب وفي متابعته لإجراءات الدعوى منذ عام 1975 كما جاء في مذكرة محاميه
واستأنف الطاعنون الحكم لدى محكمة الاستئناف بالخرطوم فقضت بنقض الحكم جزئياً فيما يتعلق بأرض الساقية 24/4 " حيث الثابت أن أرض تلك الساقية مفرزة وليست على الشيوع وأيدت الحكم فيما يتعلق بأرض الساقية 24/5 حيث الثابت أنها تسقى من وحدة رى واحدة مع الساقية 24/4 والتي يملك منه المدعى عدد خمسة أفدنة وأوردت المحكمة في حيثياتها بعد الإشارة إلى سابقة عبد الله الحسن حمزة ضد صفية على أبو على المنشورة بمجلة الأحكام القضائية 1962- ص 54 ما يلى :-
( ومن هنا نفهم أن الجوار المنشود هنا هو الجوار بحكم التسجيل والرى من ساقية واحدة أو أي وسيلة ري أخرى وليس من الضرورى أن يكون الجوار كما قال الدكتور سعيد – هو التلاصق المباشر والساقية ونقصد منها وحدة الرى وليست وحدة التسجيل هذه الساقية غالباً ما يشترك في اقتنائها والإشراف عليها الملاك المنتفعون بها وأيضاً يتضح لنا أن هناك وسيلة رى أخرى غير وسيلة الساقية الدولاب كما هو معروف لدينا كالوابور كما هو الحال بالنسبة للنزاع الذي أمامنا
وبناء عليه نرى أن الساقيتين 24/4 و 24/5 الجيلى تسقيان بوحدة رى واحدة هي الوابور الخاص بالشاهد الذي أكد ذلك على اليمين وكذلك الفيضان في موسمه وعليه فالمدعي جار مالك ثبت له حق الشفعة عند بيع الجزء من الساقية 24/5)
أما بالنسبة للساقية 24/4 فقد ذكرت محكمة الاستئناف : ( واضح أن أرض هذه الساقية مفرزة وليست على الشيوع وقد أكد ذلك شاهد الأدعاء وشهادة البحث المرفقة وعليه وحسب منطوق المادة (5) الفقرة (أ) من قانون الشفعة السوداني لسنة 1928 لا يثبت حق الشفعة عند بيع جزء من تلك الساقية للشريك وكما ذكر الدكتور سعيد بالصفحة 1
إن من يشترى جزءاً مفرزاً من المال الشائع من أحد الشركاء لا يصبح شريكاً فإذا باع أحد الشركاء حصته الشائعة في العقار فلا يحق لمشترى الجزء المفرز أن يشفع في هذه الحصة على أساس أنه شريك على الشيوع في العقار المبيوع لأنه ليس مالكاً على الشيوع)
وقبل المطعون ضده والمستأنف ضده بالحكم إذ لم يقم بالطعن في الجزء المنقوض بالحكم ولكن الطاعنين لم يقبلوا بالحكم ومن ثم تقدم الطاعن أحمد عثمان محمد خير بهذا الطعن بطريق النقض وأمرت المحكمة بإعلان ورثة الشيخ السماني الشيخ البشير لإبداء دفاعهم ولكنهم لم يتقدموا بمذكرة رغم إعلانهم
ولعله يجمل القول في هذا المقام أن المطعون ضده وأن لم يقدم طعناً مستقلاً في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف إلا أنه في مذكرة دفاعه عن الطعن طالب بتعديل هذا الحكم لكى يتم التسجيل بالنسبة للقطعتين وهو أمر غير جائز ذلك لأن المطعون ضده لم يكن قابلاً بالحكم فقد كان يتعين عليه تقديم طعن بالنقض مستقل ومنفصل عن الطعن الماثل
ولعله يجمل القول في هذا المقام أيضاً أن المطعون ضده قد تقدم في 20 ربيع الثاني 1405هـ الموافق 12/1/1985م بما سماه مذكرة استئناف مقابل أمر فرعي " طبقاً لنص المادة 191 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م المقابلة للمادة 22 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1972م والمادة 191 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وهي الأحكام المستمدة من قانون القضاء المدني لسنة 1929م ولقد قصدت المحكمة العليا في الطعن رقم 369/ 1973 التفرقة بين الإجراءات أمام محكمة الاستئناف حيث يسمح بالاستئناف المقابل والإجراءات أمام المحكمة العليا التي لا يسمح فيها الطعن بالنقض المقابل وفي الحكم المذكور قالت المحكمة العليا:
(رغم أن قانون المرافعات المدنية لسنة 1972 قد نص في المادة 220 على أنه يجوز للمستأنف عليه أن يرفع استئنافاً فرعياً بمذكرة ولو كان ميعاد الاستئناف بالنسبة له قد انقضى إلا أن ذلك القانون لم يسمح للطاعن بطريق النقض تقديم طعن بطريق فرعي
ولما كان قانون المرافعات المدنية قد أوجب على الطاعن بطريق النقض بمقتضى المادة 223 أن يرفع الطعن بعريضة تقدم إلى المحكمة العليا أو إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه وأنه يجب أن تتضمن العريضة علاوة على البيانات العامة التي تشتمل عليها عريضة الدعوى بيان الحكم المطعون فيه وتاريخه والأسباب التي بنى عليها الطعن وطلبات الطاعن كما أوجبت المادة 234 على الطاعن إيداع عشرة جنيهات على سبيل الكفالة ونصت المادة 235 على ضرورة إيداع الطاعن لصورة من العريضة وصورة رسمية من منطوق الحكم
ولما كان المطعون ضدهم لم يتقدموا بعريضة طعن بطريق النقض بالطريقة والإجراءات التي رسمها القانون وكان طريق تقديم الاستئناف الفرعي بعد فوات الميعاد المقرر للطعن أو بمذكرة مشتملة على أسبابه طريقاً أو إجراء استثنائياً خاصاً بمرحلة الاستئناف فحسب فلا يجوز القياس عليه في تقديم الطعن في ملحق أو ذيل لمذكرة الدفاع المقدمة من المطعون ضدهم رداً على عريضة الطعن التي تقدم بها الطاعنان يكون غير مقبول شكلاً لمخالفته القانون)
(أنظر : عبد الماجد أحمد ووزارة التربية والتعليم ضد ورثة احسان آدم جمعة م ع/ط م/ 369/1973 – جلسة 8/10/73) لكل ذلك يتعين القول بعدم قبول الطلب الأخير المقدم في يناير 1985م
بعد هذا الرد المطول لوقائع الطعن يبين أن أوجه الطعن بالنقض تتحصل في سببين رئيسيين :-
ينعى الطاعن بالسبب الأول على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وفي تأويله لما قضى بأن المتبقى من حصة المطعون ضده في الساقية 24/4 وقدره 5 حبال بعد التصرف بالبيع في حبلين لشخص آخر يصلح أن يكون سبباً للشفعة في البيع الذي تم في الساقية 24/5 بالنسبة لاثنين وعشرين حبلاً في حين أن الخمسة حبال الكائنة في الساقية 24/4 لا تصلح قانوناً كسبب من أسباب الشفعة عملاً بأحكام البند (ج) من المادة 7 من قانون الشفعة لسنة 1928 لأن القانون لا يسمح بالشفعة إلا إن كانت الحبال موجودة بالساقية 24/5 ومن ثم يقتصر الحق في الشفعة على الجار الملاصق فيها وليس للمطعون ضده الحق في الشفعة حتى ولو كان جاراً للساقية 24/5 هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الساقيتين 24/4 و 24/5 لا تعتبران قانوناً وحدة رى واحدة لأن كلا منهما – في الاعتبار الأول مستقلة عن الأخرى منذ عهد بعيد
وفضلاً عن ذلك فإن من الثابت أن أراضي الساقيتين كانت تسقى من مياه الأمطار قديماً وأنها في فترات متقطعة كانت تسقى من وابور كائن في الساقية (25) بعيداً عن أراضى الساقيتين ثم أصبحت الساقيتان ترويان أخيراً من الوابور الذي جلبه الطاعن ومن ثم تعذر تصور الضرر بالنسبة للمطعون ضده أو غيره من ملاك الساقية 24/4 ورد محامى المطعون ضده على كل ذلك بأن أساس الشفعة في هذا الشق من المطالبة هو "تلاصق الاثنين وعشرين حبلاً الأخرى أرضه ولا تفصل بينهما إلا علامة المساحة وتشرب من أرضه في وحدة رى واحدة"
ولعله يجمل قبل التصدى للفصل في مدار النزاع إيراد المادة 5 من قانون الشفعة لسنة 1928 الواجبة التطبيق على وقائع هذه الدعوى التي تقرأ:
(ومع مراعاة الاستثناءات الواردة في المادة 7 يتمتع بحق الشفعة عند بيع أي عقار من النوع المذكور في هذه المادة الأشخاص المذكورين فيما بعد وهم :-
(أ) :
(ب) :
(ج) : مالك الأرض المجاورة عند بيع أرض مروية عندما تكون الأرض المباعة وأرض المالك المجاور تابعين لنفس الساقية أو لوحدة ري واحدة
وقبل تفسير هذه المادة يتعين بادئ ذي بدء القول بأن الشفعة إنما هي مجرد رخصة وليست حقاً بالمعنى القانوني الدقيق وأنه لو صح إطلاق وصف الحق عليها فإنها حق ضعيف من ناحية ومكروه من ناحية أخرى إذ تعتبر تدخلاً وقيداً على حرية المالك في التصرف في البيع في أرضه لمن يشاء
وقد اختلفت أسباب الأخذ بالشفعة منذ زمن بعيد واختلف فقهاء المسلمين في هذا الشأن أيضاً اختلافاً شديداً وبوجه أخص بالنسبة للجوار كسبب من أسباب الأخذ بالشفعة فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى جواز الشفعة للجار بينما ذهب كل من مالك والشافعي وابن حنبل إلى عدم إجازة الشفعة بسبب الجوار اعتباراً إلى أن المصلحة تكمن في أن يكون المالك حراً في أن يبيع لمن يشاء سواء كان جاراً أو غير جار وأن الضرر من الجار الجديد وإن كان أمراً متوقع الحدوث إلا وأنه قد لا يقع في كثير من الأحيان ومن ثم لا يجوز الاعتداد به كسبب للشفعة
وفي العصر الحديث تضاءل الخوف من الجوار لكثرة عدد السكان والمزارعين ولأن الري بواسطة الوابورات والطلمبات يكفل توزيع الماء على نحو عادل وميسور في معظم الأحيان
ولما كان من المسلم به أن أحكام قانون الشفعة السوداني الصادر في 1928 مستمدة من أحكام الشريعة فإن حصر الشفعة في ثلاث أسباب باشتراطات وقيود كثيرة يدل على أن المشرع السوداني التزم التضييق لدى الأخذ بالشفعة ومن ثم كان من الواجب على المحكمة أن تأخذ بالتفسير العادي أي الحرفى للعبارات الواردة في المادة الخامسة المذكورة
ولما كان يبين من البند (ج) لأول وهلة أن المشرع لم يتطلب أن تكون الأرض المشفوع بها مجاورة للأرض المشفوع فيها فحسب تطلب أيضاً أن تكون الأرض المباعة أي الأرض المشفوع فيها أرض المالك المجاور والأرض المشفوع فيها تابعين " لنفس الساقية أو لوحدة رى واحدة " فإن مؤدى الدلالة العادية لكل من الكلمات المذكورة أنه يجب أن تكون الأرض المباعة المشفوع فيها والأرض المشفوع بها في ذات الساقية الواحدة فإن كانت كل من الأرضين تقع في ساقية منفصلة عن الأخرى تستقل أحداهما عن الأخرى كوحدة للتسجيل فإن الحق في الشفعة لا ينشأ في مثل هذه الحالة ولو كانت الساقيتان متجاورتين أو متلاصقتين
والتفسير الحرفي الواجب الإلتزام به والذي يوجب الوقوف عند معاني الألفاظ العادية متى كان المعنى الذي يقصده المشرع واضحاً من سياق عباراته يجيز القول بأن مجرد ثبوت وقوع العقارين في ساقيتين منفصلتين مختلفتين يصلح سبباً لرفض دعوى المطعون ضده في هذا المنحنى دون أدنى محاولة لتفسير عبارة " وحدة رى واحدة" وذلك استناداً إلى عدم توافر ركن أو شرط هام من الشروط التي أوجبها المشرع للأخذ بالشفعة " ولأنه لا حاجة للخوض في مثل هذا التفسير لأن سياق العبارة يدل دلالة واضحة على أن كلمات أو وحدة رى واحدة " يقصد بها أرض مماثلة لأرض الساقية في الحالة التي لا يكون فيها التسجيل قائماً على أساس السواقي" وأنه إذا كان من الجائز أن يكون لمثل هذه الكلمات انطباق على وقائع الدعوى الماثلة فإن وحدة الرى الواحدة يجب أن تقتصر على حدود الساقية ذاتها لا تتعداها إلى غيرها وفي هذه الحالة أيضاً يجب أن تكون الأرض المشفوع بها داخله في هذه الساقية بالذات وليس في ساقية أخرى
لقد صدر قانون الشفعة في عام 1928م كما هو معلوم عندما كانت أرض الساقية كوحدة رى زراعية تسقـى بالساقية كأداة للسقي وفي ذلك العهد لم يكن الري بالطلمبات أو الوابورات شائعاً ولا ميسوراً لدى أغلبية السكان ولما كان الري بالساقية يثير بعض المشاكل بين الملاك في الساقية الواحدة وينشئ حقوق ارتفاق للمجرى في أراضى الساقية أو الحصص الشائعة لذلك جاء قانون الشفعة يخول الحق للجار الملاصق للحصة المبيعة في الساقية في الأخذ بالشفعة في نطاق هذه الحدود المعروفة والمألوفة للساقية كوحدة رى زراعية ولذلك عندما نص على أي وحدة أخرى باعتبارها سبباً للأخذ بالشفعة فإن الأرجح أن يكون قصد المشرع قد انصرف إلى وحدة رى مماثلة للساقية وليس إلى وحدة ري تشتمل على عدد كبير من السواقي أو على ساقيتين منفصلتين ذلك لأن التفسير الواسع الأخير يؤدى إلى التوسع في الأخذ بحق الشفعة إذا يسمح للجار الملاصق لساقية منفصلة أن يتمسك بحق الشفعة في حين أن كلا من الساقيتين تستقل عادة بساقية منفصلة أو وابور منفصل وهو أمر لا يستقيم مع فكرة التضييق أو التقييد في حق الشفعة من ناحية كما وأنه لا يتوافق مع الاعتبارات العملية في العصر الحديث ذلك لأن الرى بواسطة الوابور أو الطلمبة في العصر الحديث (ذلك لأن الري بواسطة الوابور أو الطلمبة) يقوم على نظم محددة ومجار معينة واتفاقات خاصة شاملة وعامة بين المنتفعين بأراضى الساقية أو الأراضي المجاورة لها وغيرها من الأراضي التي يمتد إليها الري أحياناً وينحسر عنها أحياناً أخرى مما يتعذر معه تصور تضرر أحد الملاك من جاره الملاصق متى كانت الساقيتان منفصلتين
لكل ذلك فإن النعي بالسبب الأول سديد مما يتعين معه نقض الحكم
وما انتهت إليه هذه المحكمة بالنسبة للسبب الأول قد يغنى عن بحث الوجه الآخر من الطعن
ولكن إذا افترضنا أن هذه المحكمة قد جانبت الصواب في هذا التفسير فإن السبب الثاني للطعن ومؤداه تنازل المطعون ضده عن حقه في الشفعة لعدم تقديم طلب الشفعة في خلال خمسة عشر يوماً رغم علمه بالبيع في تاريخ تمام التسجيل وفيما قبل ذلك ولأن المطعون ضده كان قد باع فعلاً حبلين من حباله السبعة في الساقية 24/4 للطاعن مما يدل على عدم تضرره من الجوار قد يصلح أيضاً سبباً للرد على طلب الشفعة بل للقضاء برفض الدعوى المطعون ضده كلها حتى بفرض أن الأرض المشفوع فيها والأرض المشفوع بها تقعان في وحدة رى واحدة
إن ثبوت ذلك البيع رغم الإقالة منه فيما بعد بدعوى عدم رضا أولاد المطعون ضده عن البيع يدل فيما يدل على عليه على أن المطعون ضده لم يكن متضرراً من جوار الطاعن إذ أن المطعون ضده هو الذي سعى إلى بيع الحبلين بطوعه واختياره مما يرجح أن هذا السعى كان بعد علمه بالبيع محل النزاع للطاعن على النحو السالف شرحه
ولعل ذلك يرجع أيضاً إلى مقولة الطاعن بأن الخصم الحقيقي في الدعوى المماثلة ليس هو المطعون ضده بل الشخص الذي أغراه لشراء حبلين منه ثم شجعه وآزره على إقامة الدعوى من وراء ستارة الحق أن واقعة تصرف المطعون ضده في 11/12/1974م في حبلين شائعين من حباله الكائنة في الحصة 7 في العقار المشفوع به أي أن الساقية رقم 24/4 بعد تقديم طلب للأخذ بالشفعة في الأرض محل النزاع أما الساقية رقم 24/5 لم تؤخذ إلا من زاوية أن الباقي من الأرض المشفوع بها يكفى لكى يستقيم التمسك بالشفعة وذلك دون التغلغل في القرائن والملابسات الدالة على أن المطعون ضده قد علم بالبيع قبل التاريخ الذي يزعمه أي أن أكثر من خمسة عشر يوماً قد انقضت قبل أن يطالب بالشفعة ذلك لأن مجرد التصرف في حبلين لشخص ليس شريكاً على الشيوع في الساقيتين أمر يستدعى الانتباه إذ يميل إلى الدلالة على أن المطعون ضده لم يكن متضرراً من جوار الطاعن على ما سلف القول بحيث يدفعه مثل هذا الشعور إلى طلب الشفعة لأنه من غير المألوف أن يطالب المالك بحق الشفعة في أراضي البائع الذي يجاوره ويقوم في ذات الوقت بالتصرف في جزء من أرضه للغير دون إبداء أسباب واضحة أو مقبولة أو معقولة
إن سلوك المطعون ضده إن لم يكن مؤيداً للقول بسقوط حقه لعدم إبداء الرغبة في الشفعة في خلال خمسة عشر يوماً من وقت علمه بالبيع فإنه يرقى وفق قرائن الأحوال إلى مسلك دال على التنازل وفقاً لأحكام البند (1) من المادة 16 التى تقول
" إذا تنازل عن حقه شفاهة أو كتابة أو بمسلكه" ذلك لأن عدم اعتداد المطعون ضده بمن يجاوره في ملكه حتى بعد طلب الشفعة قد يدل على عدم الاعتداد بمضار الجوار من جانب الطاعن على النحو الذي أبداه محامى الطاعن في اقتدار في عريضة الطعن
لكل ما تقدم من أسباب فإن الحكم المطعون فيه قضى أن الأرض المشفوع بها والأرض المشفوع بها تقعان في وحدة رى واحدة يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وفي تفسيره وفي تأويله مما يتعين معه نقضه ونقض الحكم الصادر من محكمة المديرية والمحكمة الجزئية وشطب الدعوى وإلزام كل طرف بالرسوم التي دفعها تجنباً لمزيد من اللدد وصرف المبلغ المودع بخزينة المحكمة للمطعون ضده
لذلك نأمر بما يلى :-
1- نقض الحكم المطعون فيه والحكم الصادر من محكمة المديرية والحكم الصادر من المحكمة الجزئية والأمر بشطب الدعوى برمتها
2- إعادة السجل إلى ما كان عليه قبل رفع دعوى الشفعة
3- إلزام كل من الطرفين بالرسوم التي دفعها في جميع مراحل التقاضى
4- صرف المبلغ المودع بخزانة المحكمة للمطعون ضده

